النص المفهرس

صفحات 141-160

وَفِي ((السُّنَنِ)) : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : نَهَى
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ.
ولا شكّ أَنّ الله سبحانه وتعالى لم يحرِّم شيئاً على هذه الأُمّة ؛ إِلا وفيه ضرر
جسمي أَوْ خُلُقيّ ؛ نفسيٍّ أو روحيّ ، فلا يليق بالمسلم طبيباً كان ؛ أو مريضاً أن
يَقْرَب تِلكَ المحرَّمات لفوائدَ صحيّة فيها ؛ مع أنّ لها أضراراً جانبيّة .
فإذا ساقت الضَّرورةُ إِلى استعمال المحرَّم لفقدان العلاج الحلال المُلائم ؛ وكان
ما يُتَوَخّى في المحرّم من فائدة علاجية يفوق ما يُسبِّبُ من أعراض جانبية غير مرغوب
فيها ؛ فعلى المَريض والطَّبيب أن يستشعر أَنَّ التَّداويَ بذلك المحرَّم إِنّما هو
للضّرورة ، ولارتكاب أَهون الأمرين ضرراً .
وعلىُ الطَّبيب: أَن يستشعر خشية الله تعالى، وأن يسعى لتعديل الآثار الجانبيّة
الضّارّة بما يلائِم من دواء ؛ أَو غِذاء ؛ أو إرشاداتٍ صحيّة .
وعلى المريض أَن يحسِّن نيته في استعمال المُحرّم عند الاضطرار ؛ فلا يقصِد
لَذَّة، أو هوىّ؟؟. وعليه أن يأخذ بوسائل تعديل آثاره الضَّارة على النّفس والقلب
بما يُلائم من الدُّعاء ؛ والالتجاء إلى الله العَلَيّ القدير ، وعدم التّجافي في استعمالها
إلى إِثم ولا بَغْيٍ ولا عُدوان على حدود الله باتّخاذ حادثة الضّرورة سُلّماً إِلى
المعصية ، والله على ما نقول وكيل .
( وَ) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والتِّرْ مِذِيُّ وابن ماجه (فِي ((السُّنَنِ)))
والحاكم - وقال: على شرطهما، وأَقره الذَّهبيّ. وفي ((المُهَذَّب)): إسناده
صحيح - كلُّهم ؛ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ قَالَ :
نَهَىْ رَسُوْلُ اللهِّهِ عَنِ الذَّوَاءِ الخَبِيْثِ ) - يعني: السُّم أو النَّجَس أو الخمر
ولحم غير المأكول ، ورَوْثه ، وبَوله ، فلا تَدافُع بينه وبين حديث العُرَنِّين وقيل :
أراد الخبيث المذاق لمشقّته على الطّباع، والأَدوية ؛ وإِن كانت كلُّها كريهةً لكنّ
بعضَها أَقلُّ كراهةً . انتهى .
١٤١

وَفِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )): عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيِّ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ؟
فَنَهَاهُ ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ ، فَقَالَ:
((إِنَّ ذَاكَ لَيْسَ بِدَوَاءٍ ؛ وَلَاكِنَّهُ دَاءٌ )).
قال الشَّوكانيّ : ظاهره تحريمُ التَّداوي بكلّ خبيثٍ ، والتَّفسير بالسُّمّ مدرَج ؛
لا حجَّة فيه . ولا ريب أَنّ الحرام والنَّجَس خبيثان .
قال ((الماوَردُّ)) وغيره : السُّموم على أربعة أَضْرُب :
منها : ما يقتُل كثيرُهُ وقليلُه؛ فَأَكله حرام للتَّداوي ولغيره ، لقوله تعالى ﴿ وَلَا
تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّلْكَةِ﴾ [١٩٥ / البقرة].
ومنها ما يقتل كثيره ؛ دون قليله ، فأَكل كثيره الّذي يَقتل حرامٌ للتَّداوي وغيره ،
والقليل منه إِن کان ينفع في التّداوي جاز أَكله تداوياً .
ومنها ما يقتُل في الأغلب ، وقد يجوز أَنْ لا يقتُل ، فحكمه كما قبله .
ومنها ما لا يقتُل في الأغلب ، وقد يجوز أَنْ يقتُل ، فذكر الشَّافعي في موضعِ
إِباحةَ أكله ، وفي موضع تحريمَ أَكله ! فجعله بعض أصحابه على حالين ؛ فحيثٌ
أُبيح أكلُه فهو إِذا كان للتَّداوي . وحيثُ حَرُم أَكلُه : فهو إِذا كان غير منتفع به في
التَّداوي. انتهى. من «بلوغ الأماني شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل الشَّيباني »
رحمه الله تعالى .
( وَفِي) ((مسند الإِمام أحمد)) و(((صَحِيْحِ مُسْلِمٍ))) في ((الأَشْربة))،
وأَبي داود ، وابن ماجه كلّهم ؛ (عَنْ ) وائلِ الحضرميِّ؛ عن ( طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ
الجُعْفِيِّ)؛ أو الحضرميّ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُوْلَ الله ◌َّرْ عَنِ ) صنع
( الخَمْرِ؟ فَتَهَاهُ ؛ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا .
فَقَالَ ) - أي: طارق - (: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلذَّوَاءِ ) ؛ ظنّاً منه أَنّ ذلك جائز.
( فَقَالَ) - أي: النبيُّ ◌َِّ له (: ((إِنَّ ذَاكَ لَيْسَ بِدَوَاءٍ) - كما تظنّ - (وَلَكِنَّهُ دَاءٌ)))
١٤٢

وَفِي ((السُنَنِ)): أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُجْعَلُ
فِي الدَّوَاءِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّهَا دَاءٌ، وَلَيْسَتْ بِالدَّوَاءِ» .
وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَدَاوَى بِالْخَمْرِ ..
فَلاَ شَفَاهُ اللهُ تَعَالَى)).
وذكَّر الضميرَ ! باعتبار كون الخمر شراباً .
قال الإمام النّوي في (( شرح مسلم)): هذا دليلٌ لتحريم اتّخاذ الخمر
وتخليلها .
وفيه التَّصريح بأنّها ليست بدواء ، فيَحْرُمُ التَّداوي بها ؛ لأنَّها ليست بدواء ،
فكأَنّه يتناولها بلا سبب ، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا : أنه يحرُم التَّداوي بها .
وكذا يحرُم شُربها للعطش ، وأمّا إِذا غُصَّ بلُقمة ؛ ولم يجد ما يُسيغُها به إِلّ خمراً؟
فيلزمه الإساغة بها ، لأنّ حصول الشِّفاء بها حينئذٍ مقطوع به ، بخلاف التَّداوي .
والله أعلم . انتهى .
وفي قوله ( حصول الشّفاء مقطوع به ) نَظَرٌ .
( وَ) أَخرِجِ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود ( فِي ((السُّنَنِ)) أَنَّهُ وَّهِ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُجْعَلُ فِي
الدَّوَاءِ ) - أي : مع شيءٍ آخر، ويَحتمل أَنْ يُراد أَنَّها تُستَعمل دواءً - (فَقَالَ ) ؛
أي: النّبِيّ وَِّ (: ((إِنَّهَا دَاءٌ، وَلَيْسَتْ بِالذَّوَاءِ ») .
وروى الطَبَرَانيّ في (( الكبير))؛ وأبو يَعلى عن أمّ سلمة . قالت: نبذت نَبذاً في
كُوزٍ ، فدخل رسولُ الله ◌ِّهِ وهو يَغلي، فقال: ((مَا هُذَا)) ؟! قلتُ: اشتكتِ ابنةٌ
لي فنقعتُ لها هذه؟. فقال ◌ََّ: ((إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيْمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)) .
(وَيُذْكَرٍّ عَنْهُ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَدَاوَى بِالخَمْرِ فَلاَ شَفَاهُ اللهُ تَعَالَىْ )) ) ؛ ذكره
ابن القَيِّم . وقال عَقِبَهُ : المعالجة بالمُحرَّمات قبيحةٌ عقلاً وشرعاً ؛ أَمّا الشّرع ؛ فما
ذكرناه من هذه الأحاديث وغيرها ، وأما العقل ؛ فهو أنّ الله سبحانه إِنّما حرّمه
١٤٣

لخُبته ، فإِنّه لم يُحرّم على هذه الأُمّة طَيِّباً ؛ عقوبةً لها ، كما حرّمَهُ على بني إسرائيلَ
بقوله ﴿ فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [١٦٠/ النساء].
وإِنَّما حرَّم على هذه الأُمّة ما حَرّم ! لخُبته، وتحريمُه له حِميَةٌ لهم ، وصيانةٌ
عن تناوله ، فلا يُناسب أن يُطلب به الشّفاء من الأسقام والعِلل ، فإِنَّه ؛ وإن أَثّر في
إِزالتها لكنَّه يُعقِبُ سُقْماً أَعظمَ منه في القلب بقوّة الخُبث الذي فيه ، فيكون المُداوى
به قد سعى في إِزالة سُقْم البَدَن بسُقْم القلبِ .
وأيضاً ؛ فإِنّ تحريمه يقتضي تجنُّه ؛ والبُعد عنه بكلّ طريق ، وفي اتّخاذه دواءً
حضٌّ على التَّرغيب فيه ، وملابسته . وهذا ضدّ مقصود الشّارع .
وأيضاً ؛ فإِنّه داء ، كما نصَّ عليه صاحب الشّريعة ، فلا يجوز أَن يَُّخَذَ دواءً .
وأيضاً ؛ فإِنهُ يكسِب الطَّبيعة والرُّوح صِفة الخُبث ، لأَنّ الطَّبيعة تَنْفَعِلُ عن كيفية
الدَّواء انفعالاً بيّاً ، فإِذا كانت كيفيَّه خبيثةً ؛ اكتسبت الطَّبيعةُ منه خُبئاً ، فكيف إِذا
كان خبيثاً في ذاته؟! ولهذا حرَّم الله سبحانه على عباده الأَغذية ؛ والأَشربة ؛
والملابس الخبيثة لما تكتسب النَّفَسُ من هيئة الخُبث وصفته .
وأيضاً ؛ فإِنّ في إِباحة التَّداوي به - ولا سيَّما إِذا كانت النُّقُوس تَميل إِليه - ذريعةٌ
إلى تناوله للشَّهوة ؛ واللَّذة . لا سيَّما إِذا عَرفتِ النُّقُوسُ أَنّه نافع لها ، مُزيل
لأَسقامها ، جالِب لشفائها ؛ فهذا أَحبُّ شيءٍ إِليها ، والشَّارع سدَّ الذَّريعة إِلى تناوله
بكلّ ممكنٍ . ولا رَيْبَ أَنّ بين سدِّ الذَّريعةِ إلى تناوله وفتح الذَّريعة إِلى تناوله تناقضاً
وتعارضاً .
وأَيضاً ؛ فإِنّ في هذا الدَّواء المحرَّم من الأَدواء ما يزيد على ما يُظَنُّ به من
الشفاء .
ولنفرض الكلام في أُمّ الخبائِث الّتي ما جعل الله لنا فيها شفاءً قطّ ؛ فإِنّها شديدة
المضرَّة بالدِّماغ ؛ الّذي هو مركز العقل عند الأَطِّاء وكثير من الفقهاء والمتكلمين !!
١٤٤

وَرَوَىُ الْبُخَارِيُّ :
قال بُقْراط في أثناء كلامه في ((الأَمراض الحادّة )) :
ضرر الخمر بالرأس شديدٌ ، لأَنّه يُسرع الارتفاع إِليه ، ويرتفع بارتفاعه الأَخلاطُ
التي تعلو في البدن ، وهو كذلك يَضرُ بالذّهن .
وقال صاحب ((الكامل)): إِنَّ خاصِّيَّة الشَّراب الإِضرارُ بالدّماغ والعصَب. وأمّا
غيره من الأَدوية المحرّمة ! فنوعان :
أحدهما : تَعافُهُ النَّفْس ، ولا تَنبعِث لمساعدته الطَّبيعة على دفع المرض به ؛
كالشُّموم ، ولحوم الأَفاعي ، وغيرها من المُستقذَرات ، فيُبقي كُلاَّ على الطَّبيعة
مثقِلاً لها ، فيصير حينئذٍ داءً لا دواءً .
والثّاني : ما لا تَعافُهُ النََّس ؛ كالشّراب الّذي تستعمله الحوامل مثلاً ، فهذا
ضرره أكثر من نفعِه ، والعقل يقضي بتحريم ذلك ، فالعقل والفِطرة مطابق للشّرع في
ذلك .
وههنا سِرّ لطيف في كَون المحرَّمات لا يُستَشفى بها، فإِنّ شرط الشِّفاء بالدّواء
تَلَقيه بالقَبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشّفاء ، فإِنّ النّافع هو
المُبَارك . وأَنَفع الأَشياء أبركُها . والمُبارَك من النَّاس أينما كان هو الّذي يُنتَفَع به
حيثُ حلَّ .
ومعلومٌ أَنَّ اعتقاد المسلم تحريمَ هذه العين ممّا يَحُول بينه وبين اعتقاد بركتها
ومنفعتها ؛ وبين حُسن ظنّه بها ؛ وتلقِّي طبعِه لها بالقَبول ، بل كلّما كان العبد أَعظمَ
إِيماناً ؛ كان أَكرَهَ لها ، وأَسواَ اعتقاداً فيها ، وطبعُه أَكرَهُ شيءٍ لها ، فإِذا تناولها في
هذه الحال ؛ كانت داءً له لا دواءً، إِلاّ أَنْ يزول اعتقاد الخُبْث فيها، وسوءِ الظَّنِّ
والكراهة لها بالمحبَّة ، وهذا يُنافي الإِيمان ، فلا يتناولُها المُؤْمن قَطُّ إِلا على وجه
داءٍ . والله أعلم . انتهى كلام ابن القيِّم رحمه الله تعالى .
( وَرَوَىْ البُخَارِيُّ)، ومسلم، وابن ماجه في ((الطّبّ)) كلّهم ؛
١٤٥

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا أَنتَى مَرِيضاً، أَوْ أُتِيَ بِهِ .. قَالَ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ،
إِشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءٌ لاَ يُغَادِرُ سَقَماً)).
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَتَى مَرِيْضَاً ) عائداً له
( أَوْ ) قال: ( أُتِيَ) بالبناء للمفعول ( بِهِ) إِليه ( قَالَ) في دعائه له: ( ((أَذْهِبٍ )
- بفتح الهمزة بعدها ذالٌ معْجمة - ( ألبَاسَ ) - بغير همز للمؤاخاة ، أَي : المناسبة
لما بعده . وأَصله الهمز ، أي : الضرر والمرض -
( رَبَّ النَّاسِ ) وغيرِهم ، بحذف حرف النّداء ، ( إِشْفِ ) بحذف المفعول
(وَأَنْتَ ) - وفي رواية بحذف الواو - (الشَّافِي).
أخذ منه جواز تسميته تعالى بما ليس في القرآن ؛ بشرط أن لا يُوهِم نقصاً ، وأَن
﴾ [الشعراء] .
٨٠
يكون له أصل في القرآن، وهذا منه، فإِن فيه ﴿ وَإِذَا مَرِضِتُ فَهُوَ بَشْفِينِ
( لاَ شِفَاءَ) - بالمدّ؛ مبنيّ على الفتح ، والخبرُ محذوف، تقديره : حاصل لنا
أَوْله - (إِلاَّ شِفَاؤُكَ) بالرّفع؛ بدلٌ من محلِّ ((لا شفاء )).
( شِفَاءٌ) - مصدرٌ منصوب بقوله: اشف ــ ( لاَ يُغَادِرُ ) - بغين معجَمة ، أي :
لا يترك - ( سَقَماً))) بضمّ فسكونٍ ، ويفتحتَين ، والتَّنوين للتَّقليل .
وفائِدة التَّقييد بذلك : أَنَّه قد يحصل الشِّفاء من ذلك المرض ؛ فيخلُفه مرض
آخر !!. فكان دعاءً له بالشِّفاء المُطلَق ، لا بمطلَق الشِّفاء .
واستُشكِل الدُّعاء بالشّفاء ؛ مع ما في المرض من كفَّارة وثواب ، كما تظافرت
الأحاديث بذلك !!
والجواب عن ذلك : أَنّ الدُّعاء عبادةٌ ، ولا ينافي الثَّواب والكفَّارة ، لأَنهما
يحصُلان بأَوَّل المرض ، وبالصَّبر عليه . والدَّاعي بين حُسْنَيَّيْن: إِمَّا أَن يحصُل له
مقصودُه ، أَو يُعوَّض عنه بجَلب نفعٍ ؛ أو دفع ضرر . وكلُّ ذلك من فضل الله سبحانه
وتعالى. انتهى ((عزيزي)).
١٤٦

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ أَلْوَعَكُ .. أَمَرَ بِالْحَسَاءِ فَصُنِعَ ، ثُمَّ
أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا. وَكَانَ يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ أَلْحَزِينِ ، وَيَسْرُو عَنْ
فُؤَادِ السَّقِيمِ ، كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ بِالْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا » .
وَقَوْلُهُ : ( الْوَعَكُ ): هُوَ أَلْحُمَّى، أَوْ أَلَمُهَا .
( وَ) أَخرج الإمام أَحمد والتِّرْمِذِيّ في ((الطّبّ))؛ وقال: حديث حسن
صحيح ، وابن ماجه والحاكم في (( الأطعمة)) وقال: صحيح، وأَقرّه الذّهبيّ
کلّهم ؛
( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَخَذَ
أَهْلَهُ ) ؛ أي : أَحداً من أهل بيته ( الوَعَكُ ) ؛ أي : حرارة الحُمَّى ، ومثلها بقيّة
الأَمراض ، فما ذُكِرِ نافعٌ لجميع الأَمراض ( أَمَرَ بِالحَسَاءِ ) - بالفتح والمدّ : طبيخ
يُتَّخَذُ من دقيقٍ وماءٍ ودُهٍ - ( فَصُنِعَ ) بالبناء للمفعول ( ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا ) ؛ أي :
شربوا وتناولوه .
( وَكَانَ يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَيَرْتُؤْ) - بفتح المثنّاة التحتيّة وراء ساكنة ، فمثنّاة فوقيّة -
أي : يشدّ ويقوّي (فُؤَادَ الحَزِيْنِ ) - قلبه - ( وَيَسْرُؤْ) - بسين مهملة وراء - ( عَنْ فُؤَادِ
السَّقِيْمِ) - أي: يكشِف عن فؤاده الأَلَمَ، ويُزِيلُهُ - ( كَمَا تَسْرُؤْ إِحْدَاكُنَّ الوَسَخَ
بِالمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا )) ) أي : تكشِفُه وتُزيله .
قال (( ابن القَيِّم)): هذا ماء الشَّعير المَغْليّ، وهو أَكثر غِذاءً من سَويقه ، نافعٌ
للسُّعال، قامِعٌ لحِدَّة الفُضول، مُدِرٍّ للبول جدّاً، قامِعٌ للظَّمأ، مُطْفٍ للحرارة .
وصِفته أَن يُرَضَّ ويُوضَع عليه من الماء العَذْب خمسةُ أَمثاله، ويُطبَخَ بنارٍ معتدلةٍ إِلى
أَنْ یَبقَى خُمُساه . انتهى. ((مناوي وعزيزي)).
( وَقَوْلُهُ: الوَعَكُ) - بفتحتَين - (هُوَ الحُمَّى، أَوْ أَلَمُهَا ) ؛ كما قاله المُناوي
وغيره .
١٤٧

وَ( الْحَسَاءُ) - بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ ــ: طَبِيخٌ يُتَّخَذُ مِنْ دَقِيقٍ وَمَاءٍ وَدُهْنِ.
و( يَرْتُو): يَشُدُّ وَيُقَوِّيَ. وَ( يَسْرُو): يَكْشِفُ الأَلَمَ وَيُزِيلُهُ.
وَفِي (( السُّنَنِ)) عَنْهَا [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا] أَيْضاً: ((عَلَيْكُمْ
بِالْبَغِيضِ النَّفِعِ: التَّلْبِينِ » .
( وَالحَسَاءُ بِالْفَتْحِ) - للحاء والسّين المهمَلتَين - (وَالمَدِّ) لا بالقصر (: طَبِيْخٌ
يُتَّخَذُ مِنْ دَقِيْقٍ ) ؛ أي : دقيق الشَّعير (وَمَاءٍ، وَدُهْنٍ ) .
قال الحفني : وهو أن يضَع قَدْراً من الشّعير بلا طَحن ، ويزن قَدْره من الماء
خمسَ مرات ، ويُوقد علیه بنار لطيفةٍ حتی یذهب ثلاثةُ أخماس الماء ، فإنه يُسكّن
العطشَ والحرارةَ ، وينفَع من كلِّ داء ؛ لأنّ الشَّعير بارد .
وفيه كيفيّة أُخرى وهي : أن يَطحنه ؛ ويأخذ دقيقه ، ويُضيف له شيئاً من دُهن
اللّوز ؛ أو الورد ؛ أو نحوهما وشيئاً من الماء ؛ ويَطبخه . انتهى .
( وَيَرْتُوْ) - بفتح المثنّة التحتيّة، وراء ساكنة فمثناة فوقيّة - أي: ( يَشُدُّ
وَيُقَوِّي ) ؛ بتشديد الواو من التَّقوية ( ويَسْرُؤْ) بفتح أوله ؛ فسين مهمَلة ساكِنة ،
فراءٌ بوزن : يَعْرو .
قال المناوي : معناه ( يَكْشِفُ ) عن فؤاده ( الأَلَمَ وَيُزِيْلُهُ ) . انتهى .
( وَ) أَخرج الإِمام أحمد في ((المسند)) في الطّبّ وابن ماجه (فِي ((السُّنَنِ)))
في ((الطّبّ)) أيضاً، والحاكم وصحّحه؛ وأقرَّه الذّهبيّ، كلّهم؛ (عَنْهَا) - أي :
عائشة - ( أَيْضاً ) رضي الله تعالى عنها قالت :
قال رسول الله وَله : (((عَلَيْكُمْ بِالبَغِيْضِ) - أي: المبغوض بالطَّبع - ( النَّافِع )
من حيثُ الواقعُ ، أي : كلُّوه أو لازِموا استعماله ، قالوا : وما البغيضُ النَّافع
يا رسول الله ؟ قال: ( التَّلْبِيْنُ»).
وفي ابن ماجه التَّلبينة يعني : الحَسْوَ ، وهو دقيق يُعجَن بالماء إلى أن يَصير
١٤٨

قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَشْتَكَىْ أَحَدٌ مِنْ
أَهْلِهِ .. لَمْ تَزَلِ الْبُزْمَةُ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَنْتَهِيَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ - يَعْنِي : يَبْرَأَ -
أَوْ يَمُوتَ .
وَعَنْهَا أَيْضاً: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قِيلَ لَهُ : إِنَّ فُلاَناً
وَجِعٌ .. لاَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ، قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالتَّلْبِنَةِ، فَأَحْسُوهُ إِيَّاهَا)) ،
وَيَقُولُ : (( وَأَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ؛ إِنَّهَا
كاللَّبن، ويُشرب ، لا سيَّما دقيقُ الشَّعير، فإِنّه بارِدٌ .
وهذا من الطّبّ النّبويّ الّذي لا شكّ فيه، وإِنّما يكون التّخلف من سوء حال
المُستعمِل. انتهى ((حفني)).
( قَالَتْ)؛ أي: عائِشة (: وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَشْتَكَىْ) ؛ أي: مرض
( أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ تَزَلِ البُرْمَةُ ) - بضمّ الموحّدة ، وسكون الرّاء : إناء - (عَلَى النَّارِ
حَتَّى يَنْتَهِيَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ . يَعْنِي: ) أنّهم كانوا يحرصون على هذا الطعام دائماً لخفّته
على المريض مع تغذيته، وعدم الإضرار به إلى أَن ( يَبْرَأَ) من مرَضه، (أَوْ يَمُوْتَ )
إذا انقضى أجله .
( وَ) أخرج الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم وصحَّحه، وأَقرّه الذّهبي ،
كلّهم ؛ (عَنْهَا ) ؛ أي : عائشة رضي الله تعالى عنها ( أَيْضاً ) قالت:
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا قِيْلَ لَهُ: إِنَّ فُلَاناً وَجِعٌ ) - بكسر الجيم ، أي -: مريض
( لاَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ؟ قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالتَّلْبِنَةِ) - بفتح فسكون -: حساء يُعمل من
دقيق ، أو نُخالة ، فيصير كاللّبن بياضاً ورِقّة ، وقد يُجعل فيه عسل . وسمِّيت
بذلك !! تشبيهاً باللّبن لبياضها ورقّتها ( فَأَحْسُوْهُ) ؛ أي : أشرِبوه وأطعِموه
(إِيَّاهَا)) ) لأنّها غذاءٌ فيه لطافةٌ ، سَهْلِ التَّناوُل للمريض ، فإذا استعمله اندفعت عنه
الحرارة الجوعيّة، وحصَلت له القوَّة الغِذائيّة بغير مشقَّة. انتهى «مناوي)).
(وَيَقُوْلُ)؛ أي: النّبيّ نَّهِ (: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّهَا) ؛ أي : التَّلبينة
١٤٩

تَغْسِلُ بَطْنَ أَحَدِكُمْ كَمَا تَغْسِلُ إِحْدَاكُنَّ وَجْهَهَا مِنَ الْوَسَخِ )) .
وَ( التَّلْسِنُ وَالتَّلْبِنَةُ): الْحَسَاءُ الرَّقِيقُ الَّذِي هُوَ فِي قَوَامِ اللَّبَنِ.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: سُمِّيَتْ تَلْبِنَةٌ؛ لِشَبَهِهَا بِاللََّنِ لِبَاضِهَا وَرِقَتِهَا، وَهَذَا
هُوَ الْغِذَاءُ النَّفِعُ لِلْعَلِيلِ، وَهُوَ الرَّقِيْقُ النَّضِيجُ، لاَ الْغَلِيظُ النِّيءُ ،
( تَغْسِلُ بَطْنَ أَحَدِكُمْ ) من الدّاء ( كَمَا تَغْسِلُ إِحْدَاكُنَّ) - كذا في (( زاد المعاد)) -
(وَجْهَهَا) - وفي ((المسند)): ((كَمَا يَغْسِلُ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ بِآلْمَاءِ)) - (مِنَ الوَسَخِ)))
تحقيق لوجه الشَّبه : قال الموفَّق البغداديّ : إِذا شِئت [معرفةَ] منافع التلبينة ؛
فاعرف منافع ماء الشَّعير ، سِيّما إذا كان نُحالةً ، فإنّه يجلو وينفذ بسرعةٍ، ويغذّي
غذاءً لطيفاً ، وإذا شُرِب حاراً كان أَجلىْ وأَقوى نُفُوذاً. انتهى ((مناوي)).
( وَالتَّلْبِيْنُ وَالتَّلْبِيْنَةُ) - بهاء - قال ابن القَيِّم: هو (الحَسَاءُ) بالفتح والمدّ
( الرَّقِيْقُ) - بالرّاء - ( الَّذِي) يُعمل من دقيق أو نُخالة، و(هُوَ فِي قَوَامِ اللَّبَنِ ) ،
وربّما جُعِل فيها عسَل .
( قَالَ ) الإمام اللُّغويّ أحمد بنُ محمّد بنِ عبد الرّحمن الباشاني: أبو عُبيد
( الهَرَوِيُّ) نسبة إلى ((هَراة)) المتوفّى في رجب سنة: إحدى وأربعمائة هجرية ،
قرأ على جماعةٍ منهم : أبو سليمان الخَطّابي . وكان اعتمادُه وشیخُه الّذي يفتخر به
أبا منصور محمد بنَ أحمد الأَزهري صاحب كتاب ((التّهذيب)) في اللّغة ، وله من
المؤلّفات كتاب ((الغريبَيْن)) أي: ((غريب القرآن))، و((غريب الحديث))، وهو
السّابق إِلى الجمع بينهما - فيما علمنا -، وله كتاب ((ولاة هراة)) رحمه الله تعالى .
قال في كتاب ((الغريبَيْن)): ( سُمِّيَتْ تَلْبِيْنَةً لِشَبَهِهَا بِاللَّبَنِ؛ لِبَيَاضِهَا وَرِقَّتِهَا ) ،
وهي تسمية بالمرَّة من التّلبين ؛ مصدر لبَّنَ القومَ : إذا سقاهم اللّبن .
(وَهَذَا ) التَّلبين (هُوَ الغِذَاءُ) بكسر الغين المُعْجَمة ؛ مثل كتاب: ما يُغَذى به
من الطّعام والشّراب ( النَّافِعُ لِلْعَلِيْلِ ) ؛ أي: المريض، (وَهُوَ الرَّقِيْقُ) - بالرّاء -
(التَّضِيْجُ) لأنّه ينفُذ بسرعةٍ، ويُغَذَّي غِذاءً لطيفاً ، (لاَ الغَلِيْظُ النَّيْءُ) مهموزٌ وِزانَ
١٥٠

وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَعْرِفَ فَضْلَ التَّلْبِينَةِ .. فَأَعْرِفْ فَضْلَ مَاءِ الشَّعِيرِ ، فَإِنَّهَا
حَسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ .
وَفِي (( الصَّحِيحَيْنِ )): عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
((حِمْل)» : كلُّ شيءٍ شأنه أن يعالج بطبخٍ أو شَيٍّ ولم ينضج .
( وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَعْرِفَ فَضْلَ التَّلْبِنَةِ ) ؛ أي : امتيازها على غيرها في التَّغذية ؛
( فَأَعْرِفْ فَضْلَ مَاءِ الشَّعِيْرِ، فَإِنَّهَا)؛ أي: التّلبينة (حَسَاءٌ) - بالحاء والسّين
المهمَلَتَين - ( يُتَّخَذُ) ؛ أي : يُصنَعَ ( مِنْ دَقِيْقِ الشَّعِيْرِ ) بنُخالته ، والفرق بينها وبين
ماء الشّعير : أنّه يُطبَخ صِحاحاً ، والتّلبينة تُطبَخُ منه مطحوناً ، وهي أنفع منه ؛
لخروج خاصيّة الشّعير بالطّحن .
وللعادات تأثير في الانتفاع بالأدوية والأغذية، ومن أمثلتهم : دَاوُوا الأجسادَ
بما تَعْتاد . وكانت عادة القوم أن يتّخذوا ماء الشَّعير منه مطحوناً ؛ لا صِحاحاً وهو
أَكثر تَغْذِیَةً؛ وأَقوىُ فِعلاً ؛ وأَعظمُ جلاءً .
وإِنَّما اتّخذه أَهلِ المُدن صِحاحاً !! ليكون أَرقّ وأَلطف . فلا يُثْقِل على طبيعة
المريض ، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورَخاوتها وثقل ماء الشّعير المطحون
عليها .
والمقصود : أنّ ماء الشّعير مطبوخاً صِحاحاً يَنْفُذُ سريعاً ، ويَجلو جلاءً ظاهراً ،
ويُغذّي غِذاءً لطيفاً ، وإِذا شُرِب حارّاً كان جلاؤُهُ أَقوى ، ونفوذُه أسرع ، وإنماؤُه
للحرارة الغريزيّة أكثر. انتهى ((زاد المعاد)).
( وَ) أخرج البخاريّ ومسلم ( فِي ((الصَّحِيْحَيْنِ))): كتاب ((الأَطعمة
والطّبّ )) ؛
(عَنْ ) أمّ المؤمنين (عَائِشَةَ) الصّدّيقة بنتِ الصِّدِّيق؛ زوج النّبِيّ ◌َِل
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) أنّها كانت إذا مات الميْت من أَهلها ، فاجتمع لذلك
النّساء . ثمّ تفرّقْن إِلّ أَهلَها وخاصَّتها أَمرت بُرمة من تلبينة ؛ فطُبخَت ، ثم صُنِعِ
١٥١

قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((التَّلْبِينَةُ:
مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ؛ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ)) .
وَرَوَىُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبْنُ مَاجَهْ : عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ
تريدٌ؛ فصُبَّت التَّلبينة عليها، ثمّ ( قَالَتْ: ) كُلْنَ منها فإنّي ( سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ يَّل
يُوْلُ :
((التَّلْبِيْنَةُ) - بفتح المثنَّة الفوقية، وسكون اللّم، وكسر الموحّدة ، بعدها
تَحتانيّة ، ثم نون ثمّ هاء - ( مُجِمَّةٌ) - بفتح الميمَين ، والجيم ، والميم الثّانية
مشدّدة ، وتُكسَر الجيم ، وبضمّ الميم وكسر الجيم ؛ اسم فاعل ، والأَوّل أَشهر ،
- أي : مُريحة - ( لِفُؤَادِ المَرِيْضِ ) - أي: تُريح قلبه ، وتُسكّنه ؛ وتقوّيه ، وتُزيل
عنه الهمَّ، وتُنشِّطُه بإخمادها للحُمَّى ؛ من الإِجْمام وهو الرّاحة ، فلا حاجة لما
تكلّفَه بعضُ الأَعاجم من تأويل الفُؤاد ، برأس المعدة . فتدبّر !!
(تَذْهَبُ ) - بفتح الفوقيّة، والهاء - ( بِبَعْضِ الحُزْنِ ) - بضمّ الحاء المهمَلة
وسكون الزّاي - فإنّ فؤَاد المريض يضعُف باستيلاء اليَيَس على أعضائه ، وعلى
معدته ؛ لقلّة الغذاء ، وهذا الطّعامُ يُرطّبها ، ويقوّيها . ولذا كانت عائشة تفعلُه لأَهل
الميْت ؛ لتسكين حُزْنهم .
( وَرَوَىْ) الإمام أحمد و(التِّرْمِذِيُّ وَأَبْنُ مَاجَه) في ((الطّبّ))، وقال
التِّرْمِذِيّ: حسن غريب. وقال في (( الأَذكار)) : فيه بكر بن يونس بن بكير ، وهو
ضعيف. وفي ((الزوائد)): إِسناده حسن، لأنَّ بكر بن يونس مختلف فيه . وباقي
رجال الإسناد ثقات . انتهى .
وكذا رواه الحاكم كلّهم ؛ (عَنْ ) أبي حمّاد ( عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ) بن عبس بن
عمرو (الجُهَنِيِّ ) نسبة لجُهَيْنة الصَّحابيّ الجليل . كان من أحسن النّاس صوتاً
بالقرآن .
وشهد فتوح الشَّام، وكان هو البريدَ إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يُشِّرُه
١٥٢

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ
تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُطْعِمُهُمْ
وَيَسْقِيهِمْ)).
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ..
بفتح دمشق . ووصل المدينةَ في سبعة أَيّام ، ورجع منها إلى الشّام في يومين
ونصف ، بدعائه عند قبر رسول الله وَ ﴿ وتشفعّه به ؛ في تقريب طريقه .
وسكن دمشق وكانت له دار في ناحية قَنْطرة (( سِنان)) من (( باب تُوما )) وسكن
مصرَ ووليها لمعاويةً بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين .
وتُؤُنّي بها سنة ثمان وخمسين هجرية .
رُوِي له عن النّبِي ◌َِّ خمسةٌ وخمسون حديثاً . اتّفقا منها على تسعة ، وانفرد
البُخاري بحديثٍ ، ومسلم بتسعة .
روى عنه جابر بن عبد الله ؛ وابنُ عبّاس ؛ وغيرهما من الصّحابة وخلائِقٍ من
التّابعين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ: ((لاَ تُكْرِهُوْا مَرْضَاكُمْ
عَلَى ) تناول ( الطَّعَام والشَّرَابِ ) إذا عاقُوه للمرض الذّي قام بهم .
قال الموفَّق: ما أَكثر فوائدَ هذه الكلمة النّوية للأطِّاء !! لأنّ المريض إِذا عافَ
الطَّعام أو الشَّراب ؛ فذلك لاشتغال طبيعته بمجاهدة مادّة المرض ، أو سقوط شهوته
لموت الحارّ الغريزيّ . وكيفَما كان فإِعطاء الغذاء في هذه الحالة غير لائق . انتهى
شروح ((الجامع الصّغير)). ولفظ: الشّراب ليس في رواية التِّرْمِذِيّ.
( فَإِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيْهِمْ))). قال (( المناوي)): أي يَحفظ
قُواهم، ويُمِدُّهم بما يقع موقعَ الطَّعام والشّراب في حفظ الرّوح ، وتقويم البدن .
وقال العَلْقمي: أي: يُشبِعهم ويُرْوِيهم؛ من غير تناول طعام وشرابٍ. انتهى .
( وَ) أخرج مسلم في ((صحيحه))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ) - وفي روايةٍ لمسلم: ((من
١٥٣

نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ .
وَفِي (( الصَّحِيحَيْنِ)): عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ الْحُمَّىُ - أَوْ شِدَّةَ الْحُمَّىُ - مِنْ
فَتْحِ جَهَنَّمَ ،
أهله)) - ( نَفَثَ )؛ أي: نَفَح (عَلَيْهِ) نفْخاً لطيفاً، بلا ريق (بِالمُعَوِّذَاتِ ) - بكسر
الواو - وإِنما خَصَّ المعوِّذات !! لأنَّهنّ جامعات للاستعاذة من كلِّ مكروه جملةً
وتفصيلاً ، ففيها الاستعاذة من شرّما خلَق؛ فيدخلُ فيه كلّ شيءٍ ، ومن شرّ النَّفَّائات
في العُقَد ؛ وهنّ السَّواحر، ومن شرّ حاسد إذا حسَد ، ومن شرّ الوَسْواس الخنّاس.
وفائدة النَّفْل : التَّبِرُّكُ بتلك الرُّطوبة ؛ أو الهواء المباشِر لريقه .
قال النَّوَوي فيه استحباب النّفْث في الرُّقية ، وعليه الجُمهور من الصّحابة
والتّابعين وَمَن بعدهم، وكان مالك يَنفُث إِذا رَقىْ نَفْسَه، وكان يكرهِ الرُّقية
بالحديد ؛ والملح ؛ والّذي يُعْقَد؛ والّذي يَكتب (( خاتم سليمان))؛ والعقد عنده
أَشدّ كرامةً ، لما في ذلك من مشابهة السّحر .
وفيه نَذْبِ الرُّقية بنحو القرآن ، وكرِهَه البعضُ بِغُسالة ما يُكتَب منه ، أَو من
الأَسماء. انتهى شروح ((الجامع الصّغير)).
( وَ) أَخرج البُخاريّ ومسلم ( فِي ((الصَّحِيْحَيْنِ)) ) من رواية نافع ؛ (عَنِ أَبْنِ
عُمَرَ ) بن الخطّاب (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ قَالَ:
((إِنَّ الحُمَّى - أَوْ شِدَّةَ الحُمَّى - مِنْ فَيْحِ جَهَثَّمَ))) كذا في (( المواهب )) وتعقَبه
الزرقاني : بأنّه لم يجده في واحد من (( الصحيحين)) بهذا اللّفظ !!
وإنّما الّذي في البخاريّ في ((الطّبّ))؛ من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر
مرفوعاً: ((الحُمَّى من فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَأَطْفِتُوهَا بِالمَاءِ )). وفيه في (( صفة جهنّم ؛ من
بدء الخلق)) من رواية عبيد الله؛ عن نافع؛ عن ابن عمر مرفوعاً: (( الحُمَّى من فَيْحِ
جَهَنْمَ ، فَبْرُدُوهَا بِالمَاءِ » بدل قوله ((فَأَطْفِئُوهَا)).
١٥٤

وكذا رواه مسلم ؛ من طريق يحيى بن سعيد ؛ عن عبيد الله ؛ عن نافع ،
بلفظ: ((فَأَبْرُدُوهَا )).
رواه من طريق مالك ؛ عن نافع؛ باللّفظ الأَوّل ـ وهو (( فأطفئوها )) - ورواه من
وَجه آخر ؛ عن عبيد الله؛ عن نافع؛ عن ابن عمر؛ عن النّبي ◌َِّ قال: ((إِنْ شِدَّةً
الحُمَّى من فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَأَطْفِتُوهَا بِالمَاءِ » . انتهى.
وعندي أَنّ الأَمر سهلٌ ، ومراد المصنّفُّ كالقُسطُلاَّني : أنّ هذا اللّفظ موجود في
(( الصحیحین )) ، من رواية ابن عمر بن الخطّاب ؛ سواء كان من وجه واحد ، أَو
متعدّد فَتَعَقُّبُ الزّرقاني واردٌ على تعيين رواية مخصوصة بهذا اللّفظ . والله أعلم .
وقوله: (( مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم)) !! بفتح الفاء ؛ وسكون التحتيّة ؛ فحاء مهملة
آخره. وفي رواية لـ((الصحيحين)) ((من فَوْر)) - بالرّاء، بدلَ الحاء - وفي رواية
للبخاري: ((من فَوْح)) - بالواو، بدل الثَّحتيّة - وكلّها بمعنىَ، والمُراد : سطوع
حرّها وَوَهَجُه .
قال في ((المواهب)): اختُلِف في نسبتها إلى جهنّم!؟ فقيل : حقيقة .
واللّهب الحاصل في جسم المحموم قطعةٌ من جهنّم .
وقدّر الله ظهورها في الدّنيا !! - بأسباب تقتَضيها ؛ نذيراً للجاحدين ، وبشيراً
للمقرّبين ، ليعتبر العبادُ بذلك . فالتّعذيب بها يختلف باختلاف محلّه ، فيكون
للمؤمن تكفيراً لذنوبه ، وزيادةً في أُجوره ، وللكافر عقوبةً ؛ وانتقاماً .
كما أَنّ أنواع الفَرَح واللّذة من نعيم الجنّة ؛ أظهَرها الله سبحانه في هذه الدّار
الدّنيا عِبْرةَ ودَلالةً على ما عنده تعالى .
وإنّما طلب ابن عمر كشف العذاب الحاصلِ بالحمّى - كما في البخاري؛ عقِب
الحديث ، قال نافع: وكان عبد الله يقول : اللّهم اكشف عنا الرّجْز ؛ أي :
العذاب - مع ما فيه من الثّواب !! لمشروعيّة طلب العافية من الله ، إذ هو قادر على
١٥٥

فَبْرُدُوهَا بِالْمَاءِ » .
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمِ وَغَيْرُهُ : مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ،
يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أن يكفّر السّيئات لعبده، ويُعظِم ثوابه، من غير أن يصيبه شيءٌ يشقّ عليه . انتهى
كلام ((المواهب)) مع الزرقاني .
(فَأَبْرُدُوْهَا بِالمَاءِ ))) بهمزة وصل ، والرّاء مضمومة على المشهور في الرِّواية ؛
من بَرَدْتُ والحمّى أبرُدها برداً ؛ بوزن قتلتُها أَقْتُلها قتلاً ، أي : أَسكنتُ حرارتَها .
وحُكِي كسر الراء ؛ مع وصل الهمزة ، وحَكىُ عياض : روايةً بهمزةٍ قطع
مفتوحة ، وكسر الرّاء ؛ من أبرَد الشيّء: إذا عالجه فصيّره بارداً ، مثل: أَسخنتُه إِذا
صيّته سُخناً . وهي لغةٌ رديئةٌ .
وفي ((المواهب))؛ عن الخطّابي: أَولىُ ما يُحمَل عليه كيفية تبريد الحمّى
بالماء: ما صنعتْه أسماء بنت الصّدّيق رضي الله تعالى عنها المرويّ في ((الموطأ))
و (الصحيحين))؛ عن أسماء: أنّها كانت إذا أُتِيت بالمرأة قد حُمَّت تدعو لها ؛
أخذت الماء فصبَّتْه بينها وبين جيبها ، قالت: وكان ◌َِّ يأْمرُنا أن نَبَرُدَها بالماء.
والصّحابيّ؛ ولا سيَّما مثلُ أسماء الّتي كانت ممّن يلازم بيتَ النّبِيِ نَِّ أَعلمُ
بالمراد من غيرها . والله أعلم .
والّذي يظهر لي أن ذلك لا يتعيّن ، فإِنّ الإِبراد بالماء يحصلُ بأيّ كيفيّة كانت ،
كما هو إِطلاق الحديث ، وذلك بحسب ما يراه المحمومُ نافعاً لإطفاء حرارة
الحُمّى ، وقد كنتُ إِذا اشتدَّت بي الحُمّى أذهب فَأَنْغمِس في الماء ، فأجد ذلك
يخفِّف عنّي حرارة الحمّى؛ خصوصاً إذا كان الماء بارداً طبيعياً ، فإِنّه أَنفع في تبريد
الحُمّى . والله أعلم .
( وَقَدْ ذَكَرَ أَبُوْ نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ) ؛ كالطََّراني والحاكم بسند قوي ( مِنْ حَدِيْثٍ أَنَسٍ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَرْفَعُهُ إِلَى النَِّيِّ ◌َلِ:
١٥٦

( إِذَا حُمَّ أَحَدُكُمْ . . فَلْيَرْشَ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ ثَلاَثَ لَيَالٍ مِنَ السَّحَرِ)).
وَفِي («السُّنَنِ)) لابْنِ مَاجَهْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ،
يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ كِيَرِ جَهَنَّمَ،
فَُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ )) .
وَفِي ((أَلْمُسْنَدِ )) وَغَيْرِهِ : عَنْ سَمُرَةَ
((إِذَا حُمَّ أَحَدُكُمْ) - بالضّمّ والتَّشديد -: أصابته الحمّى ( فَلْيَرُشَّ عَلَيْهِ ) ؛ أي :
على نفسه ( المَاءَ البَارِدَ ثَلاَثَ لَيَالٍ مِنَ السَّحَرِ)) ) ؛ أي : قُبَيل الصُّبح .
فهذا الحديث المرفوع يؤَيّد فعل أسماء ، فيكون المرادَ بالإبراد الرّشُّ ؛
لا الاغتسال . قال الزّرقانيّ: وقد علمتَ أنّ ذلك غير متعيِّن.
( وَفِي ((السُّنَنِ))) في (( كتاب الطّبّ)) ( لابْنِ مَاجَه) - بالهاء وصلاً ووقفاً -
( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) - وفي ((الزّوائد)) : إسناده صحيح ؛ ورجاله
ثقات - ( يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّوَّرِ: ((الحُمَّى كِيْرٌ) - بكسر الكاف ؛ وسكون المثنّاة
التّحتيّة -: زِقٌّ ينفُخ فيه الحدّاد ( مِنْ كِيرِ جَهَنَّمَ) فيه : تشبيهٌ ، أي : حرارتها
الواصلة للبدن كحرارة جهنّم الواصلة بالكِير الآلة المعروفة للحداد ، وفيه من
المبالغة ما لا يخفى. انتهى ((حفني)).
( فَتَكُوْهَا عَنْكُمْ بِالمَاءِ البَارِدِ )) ) شرباً وغسلَ أَطراف ، لأنّ البارد رَطْب يَنساغ
لسهولته . فَيَصلُ للطافته إلى أَمَاكن العِلّة ، من غير حاجة إلى معاونة الطّبيعة . انتهى
((زرقاني)).
(وَفِي ((المُسْنَدِ)) ) للإِمام أحمد ( وَغَيْرِهِ ) ؛ من حديث الحسن البصريّ .
(عَنْ) أبي سعيد (سَمُرَةَ ) بن جُندُب - بضمّ الدّال وفتحها - ابن هلال
الفزاري. تُؤُفِّيَ أبوه وهو صغير ؛ فَقَدِمَتْ به ◌َمّه المدينة ، فتزوّجها أَنصاريّ ، وكان
في حُجْره حتّى كَبِر. قيل: أَجازه النّبِيّ وَّر في المقاتلة يوم أُحد ، وغزا مع
رسول اللهَ وَل*ٍ غَزوات، ثمّ سكن البَصرةَ .
١٥٧

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ ، فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِأَلْمَاءِ الْبَارِدِ » .
وَفِيْ (« السُّنَنِ)»: مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ :
ذُكِرَتِ الْحُمَّى عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَبَّهَا رَجُلٌ ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَسُبَّهَا؛ فَإِنَّهَا تَنْفِي
الذُّنُوبَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ )).
روي له عن رسول الله له مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثاً؛ اتّفقا منها على
حديثين ، وانفرد البخاريّ بحديثَين ، ومسلم بأربعة .
روى عنه خلق منهم : الحسن ، وابن سيرين ، والشَّعبيّ .
وتُوفِّي بالبَصرة سنة تسع - وقيل : ثمان - وخمسين . قال البخاريّ : تُوفي
سَمُرة بعد أَبي هُرَيرة . يقال : آخر سنة تسع وخمسين ، ويُقال: سنة ستّين ( رَضِيَ
اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ .
يَرْفَعُهُ إِلَىْ الشَِّيِّ وَِّ: ((الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ ) ؛ أي : نار جهنّم: جعلها الله
في الدنيا ( فَأَبْرُدُوْهَا عَنْكُمْ بِالمَاءِ البَارِدِ )) ) ؛ شرباً وغسل أَطراف ، أو جميع
الجسد، على ما يَليق بالزمان والمكان. انتهى ((زرقاني)).
وقال الشُّیوطي : قد تواتر الأمر بإبرادها بالماء ، واصحّ کیفیّاته : أن یرشّ بین
الصّدر والجَيب . انتهى نقله المناوي .
( وَفِي ((السُّنَنِ)) ) لابن ماجه - وفي سَندَه موسى بن عبيدة وهو ضعيف - ( مِنْ
حَدِيْثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ :
ذُكِرَتِ الحُمَّىَ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِنَِّ فَسَبَّهَا رَجُلٌ !! فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَتِ:
((لاَ تَسُبَّهَا؛ فَإِنَّهَا تَنْفِيْ الذُّنُوبَ ) ؛ أي : تكفّر خطايا المؤمنين ( كَمَا تَنْفِيْ النَّارُ
خَبَثَ ) - بفتحتين أي: وسَخ - ( الحَدِيْدِ))) لمّا كانت الحُمّى يتْبَعها حِميَة عن
الأَغذية الرَّديئة، وتناول الأغذية والأدوية النّافعة ، وفي ذلك إِعانة على تَنْقية البَدَن
١٥٨

ونفي أَخبائه وفُضوله ، وتصفيته من موادّه الرّديئة ، وتفعل فيه كما تفعل النّار في
الحديد ؛ من نَفْي خَبَته ، وتصفية جوهره ؛ كانت أشبه الأشياء بنار الكِيْرِ الّتي تُصفّي
جوهر الحديد ، وهذا القَدْر هو المعلوم عند أطِبَّاء الأَبدان.
وأَمّا تصفيتها القلبَ من وسَخه ودَرَنه ، وإخراجها خبائثَه! فأَمرٌ يعلَمه أَطبّاء
القلوب، ويجدونه كما أَخبرهم به نبيّهم رسول الله وَّه، ولكنّ مرض القلب إذا
صار مأيوساً من بُرئه لم ينفع فيه العلاج .
فالحمّى تنفع البدن والقلب ، ومَا كان بهذه المثابة ؛ فسبُّه ظلم وعدوان .
انتهى. من ((زاد المعاد ».
وقال السّيوطي : هي طَهور من الذّنوب، وتذكرة للمؤمن بنار جهنّم كي
يتوب .
ولها منافع بدنيّة، ومآثر سَنِيَّة ؛ فإنّها تُنَقِّي البدَن، وتَنْفي عنه العفَن، ورُبّ
سُقْم أَزليّ ؛ ومرضٍ عُولِج منه زماناً - وهو ممتلىءٌ - فلمّا طرأَت عليه أبرأَته ، فإذا
هو مُنجلٍ ، وربّما صحّت الأجساد بالعِلل .
وذكروا أنّها تفتَح كثيراً من الشُّدَد وتَنْضَح من الأَخلاط والموادّ ما فَسَد ، وتنفَع
من الفالج ، واللَّقْوة (١) ؛ والتَّشَنج الامتلائيّ؛ والرَّمد . انتهى. نقله المناوي .
ولما نظر جماعةٌ من السَّلف ما في الحُمّى من الفوائد ؛ دعَوا على أنفسهم
بملازمة الحمّى لهم إلى توفيهم .
وممّن دعا بذلك سعد بن معاذ ، وكذا أَبي(٢) دعا على نفسه أن لا يفارقه الوَعْك
حتى يموت ، ولا يَشغَله عن حجّ ؛ ولا عُمْرةٍ ؛ ولا جهادٍ ؛ ولا صلاةٍ جماعةٍ ، فما
مَسّ رجلٌ جِلدَه بعدها إِلاَّ وجد حرّها حتّى مات .
(١) داء في الوجه. اهـ (مختار الصحاح) .
(٢) الكلام للمناوي ؛ لا للشارح .
١٥٩

وَرَوَىْ أَلْتِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ )) : مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ
الْحُمَّى ؛ فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ ، فَلْيُطْفِتْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ ،
وقد قال بعض مَن اقتفى آثارهم ، وتدثر دثارهم :
زَارَتْ مُحَمِّصَةُ الذُّنُوبِ لِصَبِّها أَهلاً بها مِن زَائرٍ ومُودِّع
ماذا تُريد ؟ فقلتُ : أن لاّ تُقْلِعي
قالتْ - وقَد عَزَمتْ علی تَرِحالِها -:
انتھی ( مناوي )) .
(وَرَوَىُ التِّزْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ))) في ((الطبّ)) بسندٍ فيه راوٍ لم يُسمَّ ، وراوٍ
مُختلَفٌ في تَضعيفه وتوثيقه ، وقال : حديث غريب .
( مِنْ حَدِيْثٍ ) أبي عبد الله، - أو أبي عبد الرّحمن - ( ثَوْبَانَ) - بضم المُثَلّثة
وفتحها - ابن بُجْدُد - بموخَّدةٍ مضمومةٍ ثم جيمٍ ساكنة ، ثمّ دالٍ مُهمَلةٍ مُكّررةٍ ؛
الأُولى مضمومةٌ - ويقال: ابن جَحدَرِ الهاشميّ، مولاهم من أهل ((السَّرَاة)»:
موضعٌ بين (( مَّة)) و(( اليَمن )) .
أَصابه سَباء؛ فاشتراه رسولُ اللهِّهِ فَأْعتَقه. ولم يَزَلْ معه في الحَضَر والسَّفَر ،
فلما تُوفّي رسول الله وَ﴿ خرج إِلى الشّام، فنزل ((الرَّملة)).
ثمّ انتقل إلى حمصٍ وابتنى بها داراً . وتُوفي بها سنة : خمس وأربعين - وقيل :
سنة أربع وخمسين -.
رُوِيَ له عن رسول الله ◌َ ﴿ مائة حديث ؛ وسبعةٌ وعشرون حديثاً ، روی له مُسلم
منها عشرة أحاديث .
روى عنه جماعةٌ من كبار الثَّابعين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
عَنِ الشَِّيِّ ◌َهَ قَالَ: ((إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الحُمَّىْ، فَإِنَّ الحُمَّىْ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ )
- حقيقةً أَو مجازاً - ( فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ ) - لأنّ الماء يُطفىء النّار، ثمّ بيّن كيفيّة
١٦٠