النص المفهرس

صفحات 121-140

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَشْتَكَى .. أَقْتَمَحَ كَفّاً مِنْ شُونِيْزٍ ،
وَشَرِبَ عَلَيْهِ مَاءً وَعَسَلاً .
وبالأَدعية ؛ والرُّقى؛ والتعوُّذات ، وبالوهم ؛ والتَّخييل ؛ وغيرِ ذلك .
وفيه نَذْبِ الرُّقية بأسماء الله ، وبالعِوَذ الصَّحيحة من كلِّ مرضٍ وقع أَو يُتَوَقَّع ،
وأَنَّه لا يُنافي التَّوُّلَ ولا يَنْقُصُه. وإِلاَّ! لكان المصطفى وَِّ أَحقَّ النَّاس بتحاشيه ،
فإِنَّ الله لم يزَلْ يُرقِّي نبيّه في المقامات الشّريفة والدَّرجات الرَّفيعة إِلى أَن قبضه ، وقد
رُقِيَ في أَمراضه حتَّى مَرَضٍٍ موته !! فقد رقَتْه عائشةٌ في مرض موته ، ومسحته بيدها
ويده وأَقرَّ ذلك . انتهى (( مناوي )) .
والحديث أخرجه أَيضاً مسلم والتِّرمِذِيُّ وابن ماجه ؛ عن أبي سعيد الخُدريِّ
رضي الله تعالى عنه أَنَّ جبريلَ أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ فقال: يا مُحمَّد ◌َشْتَكَيْتَ ؟ قال:
((نَعَمْ )). قال: ((بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيْكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنِ
حَاسِدٍ ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيْكَ وَاللهُ يَشْفِيْكَ )).
( وَ) في ((الجامع الصَّغير)) مرموزاً له برمز الخطيب ؛ عن أنس رضي الله تعالى
عنه - قال المناوي: ورواه عنه أيضاً باللَّفظ المزبور الطَّيَرانِيُّ في ((الأَوسط)) ، وفي
العَزيزي أَنَّه حديثٌ حسنٌ لغيره -:
( كَانَ) رسول الله (بِِّ إِذَا أُشْتَكَىْ أَقْتَمَحَ) أَي : اسْتَفَّ . وفي روايةٍ :
((تَقَمَّح)) - بتقديم الميم فيها على الحاء المُهمَلة - وأَمّا ما في بعض النُّسخ من أَنَه
اقْتَحم أَو تَفَخَّم ! فتحريفٌ .
( كَفّاً ) - أي: مِلءَ كَفِّ - (مِنْ شُوْنِيْزٍ) بضمِّ الشِّين المُعجَمة: هو الحبّة
السَّوداء. (وَشَرِبَ عَلَيْهِ ) - أي: على أَثْر استِفافِه - ( مَاءً وَعَسَلاً): أَي : ممزوجاً
بعسلٍ ، لأَنَّ لذلك سرّاً بديعاً في حِفظ الصِّحة لا يَهتدي إِليه إِلَّ خاصَّةُ الأَطباء .
ومنافع العسل لا تُخْصَى، حتى قال (( ابن القيِّم)): ما خُلِق لنا شيءٌ في معناه
أَفضلَ منه ولا مثْلَه ولا قريباً منه، ولم يكن معوَّل الأَطِبَّاء إِلاَّ عليه . وأَكثر كُتبهم
١٢١

وَمَعْنَى ( أَقْتَمَحَ ) أَي: أَسْتَفَّ. وَ( الشُّونِيزُ): الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ الْعَسَلَ بِالْمَاءِ عَلَى الرِّيقِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَهُ رَمَدٌ ، أَوْ أَحَداً مِنْ
أَصْحَابِهِ .. دَعَا بِهَؤُلاءِ اَلْكَلِمَاتِ :
لا يَذكرون فيها السُّكَّرَ البَنَّةَ. انتهى («مناوي)».
( وَمَعْنَى أَقْتَمَحَ) - بالقاف فالمُثَنَّةِ الفوقِيَّةِ، فميمٌ بعدها حاءٌّ مُهْمَلةٌ - ( أَي :
اسْتَفَكَّ ) أي : أَخذ الدواء غيرَ مَلْتُوتٍ . وكُلُّ دواءٍ يُؤْخَذُ غيرَ معْجونٍ ؛ فهو
سَفوفٌ ، - بفتح السِّين -.
( وَ) معنى (الشُّوْنِيْزُ) - بالشِّين المُعْجَمة المضمومة - هو ( الحَبَّةُ السَّوْدَاءُ)
المعروفة . وبعضُ النَّاس يُسمِّيها قُخْطَة .
(وَ) في ((زاد المَعَاد)): (كَانَ) النَّبِيُّ (لِِّ يَشْرَبُ العَسَلَ) ؛ أَي: عسَل النَّحل ،
إذْ هو المُراد لُغةً وطِبّاً ( بِالمَاءِ ) أي: الممزوج بالماء البارد (عَلَى الرِّيْقِ ) .
قال ابن القيِّم: وفي هذا من حفظ الصِّحَّة ما لا يَهتدي إِلى معرفته إِلاَّ أَفاضل
الأَطِبَّاء ، فإِنَّ شُربه ولَعْقَه على الرِّيقِ يُذيب البَلْغَم، ويغْسِل خَمَل المعدة ، ويَجلو
لُزُوجَتَها، ويدفع عنها الفضَلات، ويُسخِّنها باعتدالٍ، ويفتح سُدَدَها (١).
والماء البارد رَطب يَقمَعُ الحرارة ، ويَحفظ على البدن رُطُوباته الأَصليَّة، ويردُّ
عليه بدّل ما تحلَّل منها ، ويُرقِّق الغِذاء، ويُنْفِذُهُ في العروق. أَي : فجمعُه معَ العسَل
غايةٌ في الثَّعديل ، وإِنَّما يضرُّ بالعَرَض لصاحب الصَّفراء !! لحدَّتِه وحدَّة الصَّفراء .
فربّما هيَّجها فدفْعُ ضَررِهِ لصاحبها بالخلِّ . انتهى . مع زيادة من الزّرقاني.
( وَ) أَخرج ابن السُّنيّ في ((الطِّبِّ النَّبَويِّ))، والحاكم في ((الطُّبِّ)) بسنَدٍ فيه
ضعفاءُ - كما قال الذَّهبيُّ -؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ؛ قال: ( كَانَ)
رسول الله (وَ إِذَا أَصَابَهُ رَمَدٌ) - بفتح الرَّاء والميم : وجَعُ عينٍ - ( أَوْ) أَصاب
( أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ ؛ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ ) ؛ أَي : لنفسه؛ أَو لغيره . لكن يأتي
(١) بضمِّ السين المهملة - جمع سُدَّة، كغُرفة وغُرَف؛ وهي الحاجز بين الشيئين. (هامش الأصل).
١٢٢

((اللَّهُمَّ؛ مَتِّعْنِي بِبَصَرِي، وَأَجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّي ، وَأَرِي فِي الْعَدُوِّ
تَأْرِي، وَأَنْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي)). قَالَ فِي (( لِسَانِ أَلْعَرَبِ)) :
( وَفِي الْحَدِيثِ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(« اللَّهُمَّ؛ أَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي، وَأَجْعَلْهُمَا أَلْوَارِثَ مِنِّي)).
ء
قَالَ ابْنُ شَمَیْلٍ
بعبارة غيرِ هذا تناسب بأَنْ يقول: ((اللَّهمَّ مَتِّعْهُ .. الخ)). ويَحتَمِلِ أَنَّ المُرادَ :
وأمر من أصابه الرَّمَدُ أَنْ يدعوَ بها ؛ وهي :
( («اللَّهُمَّ؛ مَتِّعْنِيْ بِبَصَرِيْ، وَأَجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّيْ ) كِنايةً عن بقائه إِلى الموت .
وإِلاَّ! فالوارث يبقى بعد الموت ، والبصر لا يبقى بعد الموت .
( وَأَرِنِي فِي العَدُوِّ ثَأْرِيْ ) ؛ أَي : مثل ما فعل بي وأَعظمَ منه ؛ لينقمع عنِّي.
( وَأَنْصُرْنِ عَلَىْ مَنْ ظَلَمَتِيْ)) ) أَي : مع بقاء بصري .
وهذا من طِبِّه الرُّوحانيِّ، فإِنَّ علاجه وَّ للأمراض كان ثلاثة أنواع: بالأَدوية
الطَّة ، وبالأَدوية الإِلهِيَّةِ ، وبالمركَّب منهما ، فكان يأمر بما يَليق به ويناسبه .
انتهى شروح ((الجامع الصغير)).
( قَالَ) - أَي: ابن منظور - ( فِي) كتابه : ((لِسَانِ العَرَبِ))) في مادة
(ورث )) :
( وَفِي الحَدِيْثِ ) الَّذي في ((جامع التِّرمِذِيِّ)) وغيرِه؛ (فِي دُعَاءِ الَِّّ ◌َِّ أَنَّهُ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ مَتِّعْنِيْ) - هكذا هو في رِوايةٍ ، وفي سائر الرِّوايات: أَمتِعني -
( بِسَمْعِيْ وَبَصَرِيْ، وَأَجْعَلْهُمَا) - بالتَّثنية - (الْوَارِثَ مِنِّي)).
قَالَ ) الإمام أبو الحسن النَّضْرُ ( ابْنُ شُمَيْلٍ) - بضَمِّ الشِّين المُعجَمَة مُصَغَّراً - ابنِ
خَرِشَة بنِ يزيدَ بنِ كُلثومٍ بِنِ عميرةَ بنِ عروةَ المازنيِّ البصريِّ ، الإمامِ في العربيّةِ
واللُّغة ، وهو من تابعي التَّابعين .
سكن ((مَرْوَ )) ، اتَّفقوا على توثيقه ؛ وفضيلته .
١٢٣

أَيْ أَبْقِهِمَا مَعِيْ صَحِيحَيْنِ سَلِيمَيْنِ حَتَّى أَمُوتَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بَقَاءَ هُمَا
وَقُوَّتَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ وَأَنْحِلَاَلِ الْقُوَىُ النَّفْسَانِيَّةِ، فَيَكُونُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
وَارِثَيْ سَائِرِ أَلْقُوَىُ، وَالْبَاقِبَيْنِ بَعْدَهَا. ثُمَّ قَالَ : وَفِي رِوَايَةٍ :
(( وَأَجْعَلْهُ أَلْوَارِثَ مِنِّي)) ، فَرَدَّ أَلَّهَاءَ إِلَى الإِمْتَاعِ، فَلِذَلِكَ وَخَّدَهُ) اهـ
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حُمَّ .. دَعَا بِقِرْبَةٍ مِنْ
مَاءٍ ، فَأَفْرَغَهَا عَلَى قَرْنِهِ ،
روى له البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما))، وهو أَوَّل من أَظهر السُّنَّةُ بمَرْوَ
وخراسانَ ، وهو من فُصَحاء النَّاس ؛ وعلمائهم بالأَدب ؛ وأَيَّامِ النَّاس .
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة ، وتوفي سنة أربع ومائتين . وقيل : ثلاث
ومائتین - رحمه الله تعالی -.
( أَيْ : أَبْقِهِمَا مَعِيَ صَحِيْخَيْنِ سَلِيْمَيْنِ حَتَّى أَمُوْتَ ) ؛ أَي : فالمُراد دوامُهما
مدَّة الحياة. (وَقِيْلَ: أَرَادَ بَقَاءَهُمَا وَقُوَّتَهُمَا عِنْدَ الكِبَرِ) - التَّقدم في السنِّ - ( وَأَنْحِلاَلٍ
القُوَىُ النَّفْسَانِيَّةِ ) - أَي: ضَعِفِها - ( فَيَكُوْنُ السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَارِغَيْ سَائِرِ القُّوَى،
وَالْبَاقِيَيْنِ بَعْدَهَا ) . وقال غيره: أَراد بالسّمع وَعْيَ ما يُسمَعِ والعملَ به ، وبالبصر
الاعتبارَ بما يَرى ؛ ونورَ القلب الَّذي يخرج به من الحَيْرة والظَّلمة إِلى الهُدى.
( ثُمَّ قَالَ) في ((اللُّسان)): (وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَأَجْعَلْهُ) - بإِفراد الضَّمير -
( الْوَارِثَ مِنِّي )) فَرَدَّ الهَاءَ) في ((اجعله)) (إِلَى الإِمْتَاعِ)، المفهوم من أَمتع
( فَلِذَلِكَ وَخَّدَهُ) - بتشديد الحاء المُهمَلة - فَعَلى رواية الإِفراد معناه : أُبقِه معي حتى
أَموت. والله أعلم ( إِنْتَهَى ) أَي: كلام ((لسان العرب)).
( وَ) أَخرِجِ الطَّبَرَانيُّ في ((الكبير))، والحاكم في ((الطِّبِّ))، والبَزَّار - بسنَدٍ
فيه راو ضعيفٌ - كلُّهم ؛ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ) ◌ِ (إِذَا حُمَّ) - أَي أَخذَتْه الحُمَّى : التي هي حرارة بين
الجلد واللَّحم - (دَعَا بِقِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَأَفْرَغَهَا عَلَىْ قَرْنِهِ ) - بفتح القاف ، أَي : رأسه -
١٢٤

فَأَغْتَسَلَ. وَ( الْقَزْنُ): الرَّأْسُ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُصِيبُهُ
قُرْحَةٌ وَلاَ شَوْكَةٌ . . إِلَّ وَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنََّءَ .
وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ )) : عَنْ أَبِي حَازِمِ
( فَأَغْتَسَلَ ) بها (وَالْقَزْنُ ) المذكور في الحديث ؛ المراد به: (الرَّأْسُ ).
قال الحفني - تبعاً للمناوي -: ومحلُّ طلب ذلك إِذا كان بقُطْرٍ حارِّ وفي زمنٍ
حارِّ ، ولم تُحدِث فيه الحُمَّى وَرَماً ، وإِلاَّ! ضَرَّه الماء . انتهى .
( وَ) أَخرج التِّرمِذِيُّ وابن ماجه في ((سُنَتَه)) - وهذا لفظه ـــ: حدَّثنا أَبو بكر بنُ
أَبِي شَيْبَة ؛ قال : حدّثَنَا زيد بنُ الحباب ؛ قال : حذَّثنا فايد - مولى عبيد الله بن
علي بنِ أبي رافع - ؛ قال : حدَّثني مولايَ عُبَيَدُ الله؛ قال: حدَّثتني جدَّتِي سَلْمى أَمُ
رافع؛ مولاة رسول الله وَل﴾ (١) قالت:
( كَانَ) رسول الله (وََّ لاَ يُصِيْبُهُ قَرْحَةٌ) - بفتح القاف، أو ضمِّها -: خُرَاج في
البدن ، (وَلاَ شَوْكَةٌ) : هي حُمرةٌ تعلو الوجه ، بلفظٍ واحدةِ الشّوك ( إِلاَّ وَضَعَ
عَلَيْهَا الحِنَّاءَ ) ، لأَنَّها قابضةٌ يابِسة تُرِد ، فهي في غاية المناسَبة للقُروح والجروح ،
وهذا من الطِّبِّ النَّبويّ .
( وَفِي ((الصَّحِيْحَيْنِ))): البخاري في: ((الطَّهارة والجهاد والمغازي
والطّبِّ))، ومسلم في ((المغازي))، والتِّرْمِذِيُّ في ((الطُّبِّ))، وابن ماجه في
((الطِّبِّ)) كلُّهم ؛
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ ) سلَمة بنِ دينارٍ المدنيِّ الأَعرجِ، التَّابعيِّ الزَّاهد الفقيه ،
المشهورِ بالمحاسن ، مَخزوميّ «مولى الأسود بنٍ سفيان المخزوميّ)»، وقيل : مولى
لبني ليث. سمع سهل بن سعد الساعدي، وأَكثَرَ الرِّواية عنه في (( الصّحيحَين))
وغيرهما ، وسمع خلقاً من التَّابعين ؛ منهم سعيد بن المسيِّب ؛ وعطاء بن أَبِي رَباح ؛
وعطاء بن يَسار ؛ وأَبو سلمة بن عبد الرَّحمن ؛ وأُمُّ الدَّرداء الصُّغرى .
(١) هي زوج أبي رافع مولى النبي ◌َّر، وكانت تخدم النبي ◌َّد .
١٢٥

أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يُسْأَلُ عَمَّا دُورِيَ بِهِ جُرْحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ؟
وروى عنه خلائق لا يُحصَون ؛ منهم ابناه : عبد العزيز ؛ وعبد الجبار .
والزُّهْريُّ - وهو أكبر من أَبي حازم -، ومنهم مالك بن أنس ، وابن إِسحاق ،
وسفيان الثَّوري ؛ وابنا عُيَيْنَةَ : سفيانُ ومحمَّد .
وأجمعوا على توثيقه وجلالته ، ورَوى له البخاريّ ومسلم .
قيل لابن أَبي حازم : سمع أَبوك أبا هريرةَ؟! قال : مَن حدَّثك أَن أَبي سمِع
أَحداً من الصَّحابة غيرَ سهل بن سعد ؛ فقد كذب .
وتوفي سنة خمسٍ وثلاثين ومائة رحمه الله تعالى .
واعلم أَنَّ في هذه المرتبة اثنين يُكَنََّان أَبا حازم ؛ أَحدهما هذا المشهور بالرِّواية
عن سهل ، والثاني : أَبو حازم سَلْمان - مولى عزَّةَ الأشجعيَّة - المشهور بالرِّواية عن
أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه. قاله النَّوَوِيُّ في ((التَّهذيب)). (إِنَّهُ) - أَي : أَبا حازم -
( سَمِعَ ) أَبَا العَبَّاس - أَو أَبًا يحيىُ - ( سَهْلَ بْنَ سَعْدِ ) بنِ مالك بنِ خالد بنِ ثعلبة بنِ
حارثة بنِ عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأَنصاريَّ السَّاعديَّ المَدنيَّ.
كان اسمه حَزْناً فسمَّاه النَّبِيُّ ◌َِّسِهْلاً .
شهِد قَضاء رسول الله وَ ◌ّ﴿ في المُتَلَاعِنَيَّنِ.
قال الزُّهْرِي: سمِع من النََِِّّ، وكان له يومَ وفاة النَّبِيّ ◌ِلَّ خمسَ عشرةَ
سنةٌ، وتُوُفّي بالمدينة المنوّرة سنة : ثمان وثمانين ، وقيل : سنة إحدى وتسعين .
رُوِيَ له عن رسول الله وَ له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثاً؛ اتّفقا منها على
ثمانية وعشرين ، وانفرد البخاريُّ بأَحدَ عشرَ .
روى عنه الزُّمرُّ وأبُو حازم وغيرهما رضيَ الله تعالى عنه .
( يُسْأَلُ) - بضمِّ أَوَّله مبنيًّ للمفعول - (عَمَّ دُؤْوِيَ) بضمِّ الدَّال المُهملة وسكون
الواوِ الأُولى، وكسر الثّانية، بعدها تحتِيَّةٌ، مبنياً للمفعول ؛ قاله القُسْطُلاَني .
( بِهِ جُرْحُ رَسُوْلِ الهِ لَهُ) الَّذِي جُرِحَه (بَوْمَ أُحُدٍ ؟
١٢٦

فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِّمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَىُ
رَأْسِهِ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْسِلُ الدَّمَ ،
وَكَانَ عَلِيُّ أَبْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ ،
فَلَّمَا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدَّمَ لاَ يَزِيدُ إِلاَّ كَثْرَةً .. أَخَذَتْ قِطْعَةً [مِنْ] حَصِيرٍ
فَأَحْرَقَتْهَا، حتَّى إِذَا صَارَتْ رَمَاداً أَلْصَقَتْهَا بِالْجُرْحِ، فَأَسْتَمْسَكَ
الدَّمُ .
فَقَالَ) - أَي سهل - (: جُرِحَ وَجْهُهُ) الشَّريفُ، جرَحه عبد الله بن قَمِئة - أَقماه
الله - وقد سلّط الله عليه تيسَ جبلٍ ، فلم يَزل ينطَحُه حتى قطَّعه قِطعةً قِطعةً ؛ استجابةً
الدعوة نبيِّ الله ◌َّهِ، كما أخرجه الطَّبَرَانيُّ.
ولمّا جُرِحِ النَّبِيُّ ◌َّه يوم أُحد أَخَذ شيئاً فجعَل يُنَشِّفُ به الدَّم؛ وقال: ((لَوْ وَقَعَ
مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الأَرْضِ ؛ لَنَزَلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ مِنَ السَّمَاءِ)) ( وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) - بفتح
الراء وتخفيف الموحّدة -: السِّنُّ الَّذِي بين الشَّيََّين والنَّاب. والمكسورةُ هي اليُمنى
السُّفلى ، كسرها عُتبة بن أَبِي وقَّاص أخو سعد. ومن ثَمَّ لم يُولَد من نَسْله وَلَد فيبلغَ
الحِنْث إِلا وهو أَبخَرُ أَو أَهتم !! أي: مكسور الثَّايا ، يُعرَف ذلك في عقِبه ، وهذا
من شُؤْم الآباء على الأبناء ، ولكنَّ حاطِب بن أَبِي بَلْتَعَةَ ضَرب عُتبة بالسَّيف ؛ فطَرَح
رأسه - كما في (( مستدرك الحاكم)) ..
( وَهُشِّمَتْ) - أَي ◌ُكُسِرت ــ (الْبَيْضَةُ) - بفتح الموحدة ؛ والضَّاد المُعْجمة؛
بينهما تحتيَّة ساكنةٌ: الخَوذَة، وهي: قَلَنْسُوَة من حديد - (عَلَىْ رَأْسِهِ) يوم أُحُد
( وَكَانَتْ فَاطِمَةُ) الزَّهراء ( بِنْتُ النَّبِيِّ وََّ تَغْسِلُ الذَّمَ) عن وجهه الشّريف ؛ ليجمد
بَيَرد الماء . ( وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَسْكُبُ عَلَيْهَا ) الماء
( بِالمِجَنِّ ) - بكسر الميم ؛ وفتح الجيم ؛ وتشديد النون: بالتّرس - على الجُرح
( فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ ) رضي الله عنها ( الدَّمَ لاَ يَزِيْدُ إِلَّ كَثْرَةً؛ أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيْرِ
فَأَحْرَقَتْهَا، حَتَّى إِذَا صَارَتْ رَمَاداً؛ أَلْصَقَتْهَا بِالْجُرْحِ؛ فَأَسْتَمْسَكَ الدَّمُ) - أَي :
١٢٧

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ ، وَبَيْنَ
كَتِفَيْهِ ، وَيَقُولُ: ((مَنْ أَهَرَاقَ مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ .. فَلاَ يَضُرُّهُ أَنْ لاَ
يَتَدَاوَىُ بِشَيْءٍ لِشَيْءٍ » .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ فِي رَأْسِهِ ، وَيُسَمِّيهَا: أُمَّ مُغِيثٍ .
انقطع - لأَن الرَّماد من شأنه القبضُ ؛ لما فيه من الثَّجفيف .
وفيه امتحان الأنبياء لتعظيمٍ أَجرهم وَيَتأَسَّى بهم من نالته شدَّة فلا يجد في نفسه
غضاضةً. انتهى (( قُسطُلاَني)) .
( وَ) أَخرج أَبو داود وابن ماجه بإِسناد حسَن ؛ عن أَبِي كَبْشَة الأَنماريِّ عمرَ بنِ
سعد - أَو سعد بنٍ عمر - رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ) - أَي: رأسه - ( وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ ،
وَيَقُوْلُ : ((مَنْ أَهَرَاقَ ) - بالنَّحريك؛ أَي: أَراق - ( مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ ) - أي: بإِخبار
من يَعرف بأَنَّ إِراقة الدَّم نافعةٌ لذلك الشَّخص ـ ( فَلاَ يَضُرُّهُ أَنْ لاَ يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ ) من
الأَدوية ( لِشَيْءٍ ))) من الأمراض، يَعني أَنَّ الحجامة تُغني عن كثير من الأدوية .
( وَ) أَخرج الخطيب ؛ في ترجَمة محمود الواسطي - بسنَدَ فيه راوٍ مضعَّفٌ -
عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ) النَّبِيُّ (وَهِ يَحْتَجِمُ فِي رَأْسِهِ ) - وفي رواية عند الطبراني: في مُقَدَّم
رأسه - (وَيُسَمِّيْهَا) - أي: الحِجَامة - ( أُمَّ مُغِيْثٍ ) بصيغة اسم الفاعل ، وفي
رواية : وُيَسمِّيها المُغيثة، وفي أُخرى : المنقذة ، وفي أخرى : النّافعة .
قال ابن جرير : وكان يأمر من شَكا إِليه وجَعاً في رأسه بالحجامة وسط رأسه ،
ثمَّ أَخرج بسنده؛ عن ابن أبي رافع ؛ عن جدَّته سلمى قالت : ما سمعت أحداً قَطُ
يشكو إلى رسول الله وَ ليه من وجع رأسه إلا قال: ((احتَجِم)). انتهى مناوي على
(( الجامع )) .
١٢٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ،
وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ .
( وَ) أَخرج التِّرْمِذِيُّ؛ في ((الجامع)) و((الشمائل))، والحاكم في
((الطِّبِّ))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والطَّبَرَانيُّ في ((الكبير))،
والحاكم في ((الطِّبِّ)) ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقال التّرمِذِيُّ:
حسن غريب . وقال الحاكم : على شرطهما ، وَأقرَّه الذَّهَبي في موضع، لكنَّه قال
في آخَر : لا صحَّة له . وفي العزيزي أَنَّه حديث حسن .
( كَانَ) رسول الله (وَلِ يَحْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ ) ؛ عِرقَين في محل الحجامة من
العُنُفِّ ، ( وَالْكَاهِلِ) - بكسر الهاء -؛ وهو مُقدَّم أَعلىُ الظَّهر مما يلي العُنق ، وهو
الثُّلث الأعلىُ ، وفيه ستُّ فقرات ، وقيل : ما بين الكَتَفَيْن .
( وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ) تمضي من الشَّهر ، لأَنَّ القمر حينِيَذٍ في النُّقُصان ،
بخلاف الحجامة لثلاثَ عشرةَ مثلاً ، فإِنَّ الحجامة والقمرُ في الزِّيادة مذمومةٌ ؛ قاله
الحفني .
( وَ) يحتجم لـ (تِسْعَ عَشْرَةَ) من الشَّهر، (وَإِحْدَى وَعِشْرِيْنَ) منه، وعلىُ
ذلك درج أصحابه ، فكانوا يَستحبُّون الحجامة لِوترٍ من الشهر، لأَفضليّة الوِتر
عندهم ، ومحبّتهم له لحبّ الله له .
ثم إِنَّ ما ذُكر من احتجامه في الأَخدَعَين والكاهل لا يُنافيه ما قبله من احتجامه
في رأسه وهامَته ، لأَنَّ القصد بالاحتجام طلب النَّفَع ، ودفع الضُّر . وأَماكن الحاجة
من البدن مختلفة باختلاف العلل ؛ كما بيَّنه ابن جرير . انتهى (( مناوي )) وغيره .
وأَفضل أَوقات الحجامة : يوم الاثنين إذا وافق سبع عشرةَ ؛ أو تسعَ عشرةَ ؛ أو
إِحدى وعشرين ، كما دلَّت عليه الأحاديث ، ومنها ما رواه أبو داود ؛ عن أَبِي هُرَيْرَة
مرفوعاً : (( مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعِ عَشْرَةَ؛ أو تِسْعَ عَشْرَةَ ؛ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، كَانَ شِفاءً
مِنْ كُلِّ دَاءٍ )) . انتهى .
١٢٩

وَ( اُلْأَخْدَعَانِ ) : عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْتَحِلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ ، وَيَحْتَجِمُ كُلَّ شَهْرٍ ،
وَيَشْرَبُ الدَّوَاءَ كُلَّ سَنَةٍ .
وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ .
(وَالأَخْدَعَانِ ) بخاء مُعْجمة؛ ودال وعين مُهْمَلَتَين. قال في ((النّهاية)): هما
(عِرْقَانِ فِي جَانِبَي الْعُنُقِ ). وفي ((القاموس )»: الأَخْدَع: عِرْق في المَحْجَمَتَيْنِ ،
وهو شُعبة من الوريد، وهما أَخدعان؛ كما في (( الصَّحاح)). وهما عِرقان خفيان
في موضع الحجامة من العنُقُ . قال الجَوهَري وربَّما وقعت الشَّرطة على أَحدهما ،
فينزِف صاحبه . أَي : لأَنَّه شُعبة من الوريد . انتهى بزيادة من الشرح .
( وَ) أخرج ابن عَدِي - بسند قال فيه: إِنَّهُ مُنْكَرٌ، وقال الحافظ العراقي: فيه
سيف بن محمّد! كذَّبه أحمد وابن مَعين -؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها ؛ قالت :
( كَانَ وَّهِ يَكْتَحِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ) بالإِثْمِدِ، ويقول: ((إِنَّهُ يَجْلُوْ الْبَصَرَ ، وَيُنْبِتُ
الْشَّعْرَ )). وخصَّ اللَّيل! لأَنَّ الكُحل عند النَّوم يلتقي عليه الجَفنان، ويُسكِّن حرارة
العين، وليتمكَّن الكُحل من السِّراية في تجاويف العين وطَبقاتها ، ويظهر تأثيره
المقصود من الانتفاع .
( وَيَحْتَجِمُ كُلَّ شَهْرٍ) مرَّةً (وَيَشْرَبُ الدَّوَاءَ كُلَّ سَنَةٍ ) مَرَّة ، فإِن عَرض له
ما يُوجِب شُربه أثناء السَّنة شربه أيضاً ، فشربه كلَّ سنة مرَّة كان لغير علَّة ، بخلاف
ما يعرض في أثنائها ، ولم أَقف على تعيين الشَّهر الَّذي كان يشربه فيه في حديث
ولا أَثر ؛ قاله المناوي .
( وَفِي ((الصَّحِيْحَيْنِ))): البُخاريٍّ في ((البيوع والإِجارة والطِّب)) ومسلم في
((البيوع)). وكذا رواه أبو داود في ((البُيوع))، والتُّرمِذِيُّ في ((الشَّمائِل)» كلُّهم ؛
(عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّهِ أَحْتَجَمَ وَأَعْطَى الحَجَّمَ أَجْرَهُ )
ولو كان حراماً لم يُعطِه .
١٣٠

وَفِي (( الصَّحِيحَيْنِ)) أَيْضاً: عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ؛ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ
طَعَامٍ ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ ،
قال النَّوويُّ في ((شرح مسلم)) : اختلف العلماء في كسْب الحجَّام ؟ .
فقال الأَكثرون من السَّلَف والخَلف : لا يَحرُم کسْب الحجَّام ، ولا يَحرُم أُكله ؛
لا على الحرِّ ولا على العبد. وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال في رواية عنه
- قال بها فقهاء المحدِّثين -: يحرم على الحرِّ دون العبد! وحجَّتُهم أحاديث النَّهي
عن كسْب الحجَّام ، وكونه خبيثاً ، ومن شرِّ الكسْب - كما جاء ذلك في ((صحيح
مسلم )) وغيره -.
واحتجَّ الجمهور بحديث ابن عبّاس المذكور ، وحملوا أَحاديث النَّهي على
التنزيه ، والارتفاع عن دنيءٍ الكسْب ؛ والحثِّ على مكارم الأخلاق ؛ ومعالي
الأُمور . ولو كان حراماً لم يُفَرَّق بين الحرِّ والعبد . فإِنه لا يجوز للرجل أَنْ يُطعِم
عبده ما لا يحلُّ . انتهى بتصرف قليل.
( وَفِي ((الصَّحِيْحَيْنِ)) أَيْضاً): البخاري في ((البيوع والإِجارة والطِّبِّ)) ومسلم
في ((البيوع))، وكذا رواه أبو داود والثِّرمِذِيُّ في ((الشَّمائِل)) و((الجامع)) في
((البيوع)) كلُّهم؛ (عَنْ أَنَسِ) - أَي: ابن مالك ــ ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ
اللهِ وَهِ حَجَمَهُ أَبُوْ طَيْبَةً) - بفتح الطّاء المهْمَلة، وسكون التحتية، وبعد الموحّدة
تاء - اسمه : نافع على الصَّحيح، وحكاية ابن عبد البرّ أنَّه دينار !! وهَّموه فيها،
بأَنَّ ديناراً الحجَّام تابعيّ ، روى عن أَبي طيبة ، وحديثه عند ابن مَنْدَه ، لا أَنَّه
أَبُو طيبة نفسُه . وعند البَغَوِيِّ بإسناد ضعيف: أَنَّ اسمه مَيْسَرةُ . وقال العسكريُّ :
الصّحيح أَنَّه لا يُعرَف اسمُه. انتهى ((قُسْطُلاَني )) .
(فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنٍ مِنْ طَعَامٍ) - أَي: تمرٍ، وفي رواية: بصاعٍ؛ أو مُدٍّ؛ أو مُدَّين ..
( وَكَلَّمَ ) ◌ِِّ (مَوَالِيَهُ) - هم بنو حارثة على الصَّحيح ، ومولاه منهم :
مُحَيِّصة بن مسعود . وإِنَّما جمع الموالي مجازاً ، كما يقال : بنو فلان قتلوا رجلاً ،
١٣١

فَخَفَّقُوا عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ ، وَقَالَ: ((خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ .. الْحِجَامَةُ)).
وَرَوَىْ أَبْنُ مَاجَه فِي (( سُنَتِهِ)): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ
إِذَا صُدِّعَ ..
ويكون الفاعل منهم واحداً . وحديث جابر أَنَّه مولى بني بياضة وَهَمّ! فإِنَّ مولى بني
بياضة آخر ؛ يُقال له : أَبو هند - أَنْ يخفِّفوا عنه من خَراجه .
( فَخَفَّقُوْا عَنْهُ مِنْ ضَرِيْبَتِهِ ) التي كانت عليه لمواليه ، وهي الخَراج المضروب
عليه . وكان خَراجه ثلاثة آصُع من تمر، فوضعوا عنه صاعاً، بشفاعته وَّر؛ كما
في ((الشَّمائل)).
قال النَّوَوِيُّ في (( شرح مسلم)) وحقيقة المُخَارَجة: أَن يقول السّيد لعبده :
تكتسب وتعطيني من الكسب كلَّ يوم دِرهماً مثلاً ، والباقي لك ، أو في كلِّ أسبوع
كذا وكذا . ويشترط رضاهما .
(وَقَالَ ) وَهِّ يخاطب أَهل الحجاز، ومَن بلادهم حارَّة، أو عامّاً: ( (خَيْرُ
مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ) من هَيَجان الدَّم (الحِجَامَةُ))) لأَنَّ دماء أهل الحجاز ؛ ومن في
معناهم رقيقة تميل إلى ظاهر أجسادهم ، لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح
البَدَن ، فالحجامة تنقي سطح البدن أَكثر من الفَصد ، وقد تغني عن كثير من
الأَدوية .
قال في ((زاد المعاد)) : الحِجامة في الأَزمان الحارَّة ؛ والأَمكنة الحارَّة ؛
والأَبدان الحارّة التي دمُ أَصحابها في غاية النُّضج أَنفع ، والفَصد بالعكس . ولذا
كانت الحجامة أَنفع للصِّبيان؛ ولمن لا يقوى على الفَصد. انتهى ((قُسطُلاَّني)).
(وَرَوَى أَبْنُ مَاجَه فِي (( سُنَتِهِ))؛ أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ كَانَ إِذَا صُدِّعَ) - بتشديد الدَّال -
مَبنيّ للمفعول . قال المجد : صُدِّع بالضمِّ تصديعاً، ويجوز في الشِّعر صَدِع كـ:
عَنِي، فهو مصدوع ، فقَصَر التخفيف على الشِّعر. انتهى ((زرقاني)).
١٣٢

غَلَّفَ رَأْسَهُ بِالْحِنَّاءِ، وَيَقولُ: ((إِنَّهُ نَافِعٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى مِنَ
الصُّدَاعِ » .
وَذَكَرَ أَبُو دَاوُودَ فِي (( سُنَتِهِ)): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَسْتَعَطَ .
(غَلَّفَ) - بفتح الغين المعجمة، واللأَم مخفَّفة ومثقَّلة؛ أي: ضمّخ ــ (رَأْسَهُ
بِالحِثَّاءِ ) - بالكسر والمد - (وَيَقُوْلُ: ((إِنَّهُ نَافِعٌ بِإِذْنِ الهِ تَعَالَىْ مِنَ الصُّدَاعِ)))
قال في ((المواهب)): وفي صِخَّته نظر، وهو علاج خاصّ بما إِذا كان الصُّداع
من حرارة مُلتهِبَة ، ولم يكن عن مادّة يجب استفراغها !! وإذا كان كذلك - أَي :
حاراً - لم ينشأ عن مادَّة نفع فيه الحِنَّاء نفعاً ظاهراً. قالوا : وإِذا دُقَّ وضُمِّدت به
الجبهة مع الخل سكَّن الصُّداع !. وهذا لا يختصّ بوجع الرَّأْس ، بل يعمُّ جميع
الأعضاء . أَي : وجعها كلها . أمّا إِذا كان ناشئاً عن ماذَّة ؟ فلا ينجع فيه إِلاَّ استفراغ
هذه المادّة ، وإِذا كان من برد ، لم ينفع فيه الحنَّاء ، بل يزيده لبردها . انتهى مع
زيادة من الزرقاني .
( وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُتَتِهِ))) في ((كتاب الطّبّ))، وكذا في ((الصحيحَين ))
في (( الطّبّ)) كلّهم ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما .
( أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ اسْتَعَطَ) ، أي: استعمل السَّعوط - بفتح السّين المهملة - بأَن
استلقى على ظهره ، وجعل بين كتفيه ما يرفعهما؛ لينحدر رأسه الشَّريف ، وقطّر في
أَنفه ما تداوى به ليصل إِلى دماغه ؛ ليُخرج ما فيه من الدَّاء بالعُطاس . قاله
القُسْطُلأَّني .
ولفظ ((الصحيحين))؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما عن النَّبِيِ وَهِ أَنَّه
احتجم وأَعطى الحجَّامِ أَجره ، واستَعَطَ . انتهىُ .
١٣٣
٠

اِسْتِطْرَادٌ :
قَدْ خَطَرَ لِي أَنْ أَذْكُرَ هُنَا جُمْلَةَ أَحَادِيثَ مِنْ طِبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الَّذِي وَصَفَهُ لِغَيْرِهِ؛ لِتَتِمَّ بِذَلِكَ الْفَائِدَةُ. وَجُلُّهَا مِنَ ((أَلْهَدْيِ
النَُّوِيِّ)) لِلْعَلَأَمَةِ آَبْنِ الْقَيِّمِ :
رَوَىُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ )):
( اسْتِطْرَادٌ )
هو - لغةً - : مصدر استَطْرَد الفارسُ من قِرِنه في الحرب ؛ بأن يفرَّ من بين يديه
يوهمه الانهزام ، ثمَّ يعطف عليه على غِرَّة منه ؛ مكيدةً له .
واصطلاحاً : الانتقال من معنى إلى معنى آخر مثَّصل به، ولم يقصد بذكر الأَوَّل
التَّوصُّل إلى الثاني . قاله الشَّهاب الخفاجي رحمه الله تعالى .
وقال الباجوري : الاستِطْراد : ذكر الشّيء في غير محلُّه لمناسبة ، أَي كماهنا،
فإِنَّ المقام لذكرٍ طبِّ النّبِي وَّهِ الّذي استعمله بنفسه، لكن المصنّف ذكر طِبَّ غيره ،
وذكر ما جاء في مطلق التَّداوي لمناسبة ذكر الطَّبِّ، ولكون ذلك من طبِّه ◌َلِّ أيضاً.
( قَدْ خَطَرَ لِيَ ) قال في ((المصباح)): الخاطر ما يَخطُرُ في القلب من تدبير
أَمر ، يقال : خطَر بيالي ، وعلى بالي ؛ خَطَراً وخُطُوراً . انتهى .
وفي ((شرح القاموس)): ومن المجاز: خَطر فلان بباله وعليه يخطِر
- بالكسر - ويخطُر - بالضّمّ - خطوراً ؛ إِذا ذكره بعد نِسيان . انتهى.
( أَنْ أَذْكُرُ هُنَا) - في هذا الفصل - ( جُمْلَةَ أَحَادِيْثَ مِنْ طِبِّهِ لَِّ الَّذِي وَصَفَهُ
لِغَيْرِهِ ) من أصحابه ( لِتَتِمَّ بِذَلِكَ الفَائِدَةُ) للمُطالع.
( وَجُلُّهَا ) ؛ أَي: معظم هذه الأحاديث مأخوذ ( مِنَ الهَدْيِ النََّوِيِّ) المسمّىُ
((زاد المعاد في هَذْي خير العباد )» ( لِلْعَلَّمَةِ ) الحافظ محمد بن أَبِي بكر ( أُبْنِ
القَيِّمِ ) الحنبلي رحمه الله تعالى. آمين . وتقدمت ترجمته في أوّل الكتاب .
(رَوَىْ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيْحِهِ)))؛ في ((كتاب الطّبّ))، وكذا الإِمام أحمد ابن حنبل
١٣٤

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((لِكُلِّ دَاءٍ .. دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الذَّاءِ .. بَرَأَ
بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) . وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ما أَنْزَلَ اللهُ
مِنْ دَاءِ .. إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءٌ ».
كلاهما ؛ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ) بن عَمْرو بن حرام الأنصاري ، الصّحابي ابن
الصَّحابيّ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ عَنِ النَّبِيِّنَزِ أَنَّهُ قَالَ: ((لِكُلِّ دَاءٍ ) - بفتح الدَّال
ممدودٌ، وقد يُقصَر - ( دَوَاءٌ) - بفتح الدّال أَي: شيء مخلوق مَقَدّر له ــ (فَإِذَا
أُصِيْبَ دَوَاءُ الذَّاءِ) - بالبناء للمفعول .. والأصل: فإِذا أَصاب المريضُ دواءَ الدّاء
المناسبَ له ؛ سواء أَصابه بتجربة ، أَو إخبار عارف ، واستعمله على القدر الّذي
ينبغي ؛ في الوقت الّذي ينبغي - ( بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) ) لأَنّ الشَّيءَ يُداوَى بضدّه
غالباً ، لكن قد يَدِقُّ حقيقة المرض ، وحقيقة طَبع الدّواء ، فيقلّ الفِقه بالمتضادّين ،
ومن ثَمَّ أَخِطَأَ الأَطِبَّاءُ ، فمن كان مانعاً - بخطأِ أو غيره - تخلَّف البُرء ، فإن تمت
المضادّة حصل البُرء لا محالة، فصحّت الكلية واندفع التّدافع. انتهى ((زرقاني)).
وقال القُسْطُلأَّني في (( المواهب)) معلّقاً على هذا الحديث ؛ ما نصّه : فالشِّفاء
متوقّف على إِصابة الدّاء الدواءَ بإِذن الله تعالى، وكذلك أنَّ الدَّواء قد يحصل معه
مجاوزةُ الحدِّ في الكيفيّة ، أو الكمِّيَّة ، فلا ينجَع ، بل ربَّما أَحدث داءً آخر . وفي
رواية عليّ - عند الحُمَيْدي في كتابه المسمَّى بـ((طبّ أَهل البيت)) -: (( مَا مِنْ دَاءٍ إِلّ
وَلَهُ دَوَاءٌ)) ، فإِذا كان كذلك بعث الله عزّ وجلّ ملكاً ؛ ومعه سِتر فيجعله بين الدّاء
والدّواء، فكلَّما شرب المريض من الدّواء لم يقع على الدّاء ، فإِذا أَراد الله بُرْأَ، أَمر
الملَك فرفع السِّتر ، ثمَّ يشرب المريض الدَّواء فينفعه الله تعالى به . انتهى .
( وَفِي ((الصَّحِيْحَيْنِ))) من حديث عطاء بن أبي رَبَاح؛ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِهِ: ((مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ ) - أُي : مرضاً -
(إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءٌ))) - أَي: دواءً - وجمعه: أَشْفية ، وجمع الجمع : آشافٍ .
١٣٥

.
وَبِي (( مُسْتَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ )): عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكِ
وشفاه يَشفيه: أَبراَ، وطلب له الشِّفاء كأشفاه ؛ قاله القُسْطُلاَّني: وهو صريح
في أَنّ الشّفاء اسم للدَّواء .
وقال بعضهم : أي أَنزل له دواء يكون سبباً للشّفاء ، فإِذا استعمله المريض ،
وصادف المَرَض حصل له الشِّفاء ؛ سواء كان الدّاء قلبيّاً أو بدنيّاً . انتهى .
قال الكرماني : أَي ما أَصاب الله أَحداً بداءٍ إلاَّ قدَّر له دواءً . أو المراد بإنزالهما
الملائكة الموكّلين بمباشرة مخلوقات الأَرض من الدّواء والدّاء . انتهى .
قال القُسْطُلاَني : فعلى الأَوّل المرادُ بالإِنزال التَّقدير ، وعلى الثَّاني المراد إِنِزال
علم ذلك على لسان الملَك للنّبيّ مثلاً ، أَو إِلهامٌ لغيره . انتهى .
وقيام عامّة الأَدوية والأَدواء بواسطة إِنزال الغَيث الّذي تتولّد به الأَغذيةُ والأَدوية
وغيرهما ، وهذا من تمام لطف الرَّبِّ بخلقه ، كما ابتلاهم بالأدواء أعانهم عليها
بالأدوية ، وكما ابتلاهم بالذُّنوب أَعانهم عليها بالتَّوبة ؛ والحسناتِ الماحية . انتهى
((زرقاني )) .
قال في ((المواهب)): وهذا الحديث أخرجه - أَيضاً - النَّسائي وصحّحه ابن
حِبّان والحاكم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ وَّهِ بلفظ: ((إِنَّ اللهَ لَمْ
يُنْزِلْ دَاءً إِلَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءٌ !! فَتَدَاوَوْا)). وعند أحمد من حديث أنس مرفوعاً: ((إِنَّ
اللّهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ خَلَقَ الدَّوَاءَ ، فَتَدَاوَوْا)) . انتهى.
( وَفِي ((مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ))) ابنِ حنبل، وأخرجه أصحاب (( السُّنن
الأَربعة))، والبخاري في ((الأدب المفرد))، وصحّحه التِّرْمِذِيّ وابن خُزَيْمة
والحاكم ؛
( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيْكٍ ) الثَّعلبي - بمثلَّئة ومهملة - الذبيانيّ ، صحابيٌّ له ثمانية
أحاديث، روى عنه زياد بن علاقة؛ وعلي بن الأقمر. انتهى ((خلاصة)).
وقال ((الزرقاني)): تفرّد بالرِّواية عنه زياد بن علاقة - على الصّحيح -.
١٣٦

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَجَاءَتِ الأَعْرَابُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنْتَدَاوَى؟ قَالَ: (( نَعَمْ؛
يَا عِبَادَ اللهِ، تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً .. إِلاَّ وَضَعَ لَهُ
شِفَاءَ، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ ))، قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: ((الْهَرَمُ)).
وَفِي لَفْظٍ :
(رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّنَّهِ وَجَاءَتِ الأَعْرَابُ) : سكّان
البادية ( فَقَالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ أَنَتَدَاوَى؟ قَالَ: ((نَعْمَ ، يَا عِبَادَ اللهِ، تَدَاوَوْا)
- وصفهم بالعبودية إِيذاناً بأَنَّ التَّداوي لا يخرجهم عن التَّوكل الّذي هو من شرطها ،
أي : تداووا ؛ ولا تعتمدوا في الشِّفاء على التَّداوي ؛ بل كونوا عباد الله ؛ متوكّلين
عليه - (فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءٌ) وهو سبحانه لو شاء لم يخلق
داءً ، وإِذ خلقه لو شاء لم يخلق له دواءً ، وإِذ خلقه لو شاء لم يأذن في استعماله !
لكنّه أذن، فمن تداوى فعليه أن يعتقد حقّاً، ويوقن يقيناً، بأنّ الدَّواء لا يُحدِث
شفاءً ، ولا يولده ، كما أنَّ الدَّاء لا يحدث سُقماً ولا يولِّده ، لكن الباري سبحانه
يخلق الموجودات واحداً عقْب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته ( غَيْرَ دَاءٍ
وَاحِدٍ !! ))) قال أبو البقاء : لا يجوز في غير هنا إِلا النَّصب على الاستثناء من داء ؛
قاله الزّرقأني على (( المواهب)).
( قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: ((الْهَرَمُ)) ) - بفتحتَين ، أي: الكِبَرُ -.
( وَفِي لَفْظٍ ) ((إِلاّ السّام))، وهو - بمهملة مخفَّفاً - الموت. يعني: إِلاّ داء
الموت . أي : المرض الذي قُدِّر على صاحبه الموت فيه .
واستثناء الهَرَم في الرّواية الأُولىُ !! إِمّا لأَنّه جعله شبيهاً بداء الموت، وداءُ
الموت لا دواء له ؛ فكذا الهَرَم ، لمشابهته له في نقص الصِّحة ، أو لقربه من
الموت ؛ وإِفضائه إليه . لأَن الموت يعقُبه كما يعقُب الدّاء .
ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعاً .
والمعنى: لكنَّ الهَرَم لا دواء له ؛ فلا يَنْجَع فيه التَّداوي. انتهى ((زرقاني)).
١٣٧

((إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً .. إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً؛ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ،
وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ » .
وَفِي ((أَلْمُسنَدِ )) وَ(( السُّنَنِ)): عَنْ أَبِي خُزَامَةً قَالَ : قُلْتُ :
يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَرَأَيْتَ رُقَىَ نَسْتَرْقِيهَا ، وَدَوَاءٌ
وأَخرج النَّسَائِيّ وابن ماجه وابن حِبَّان و(( الحاكم )) وصحّحاه ؛ عن ابن مسعود
رضي الله تعالى عنه رفعه :
((إِنَّ اللهَتَعَالَىْ لَمْ يُنْزِلَ دَاءٌ إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءٌ) - قال بعضهم : الدّاء عِلَّة تحصُل
بغلَبة بعض الأَخلاط ، والشّفاء رجوعُها إِلى الاعتدال . وذلك بالتَّداوي ، وقد
یحصُل بمحض ◌ُطف الله بلا سبب ۔
( عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ) پإلهام الله تعالى له واطلاعه عليه
( وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ)) ) بإخفاء الله تعالى عنه إِياه . فإِذا شاء الله الشفاء يسَّر ذلك
الدَّواء ، ونبّه مستعملَه بواسطةٍ ؛ أَو دونها ، فيستعمله على وجهه وفي وقته ؛
فيبرأ . وإِذا أَراد إِهلاكه أَذهله عن دوائه ، وحجبه بمانع فهلَك ، وكلّ ذلك بمشيئته
وحُكْمه ، كما سبق في علمه . ولقد أَحسن القائل :
وَالنَّاسُ يَلْحُونَ الطَِّيبَ وإِنَّما غَلَطُ الطَّبِيبِ إِصابَةُ المَقْدُورِ
وفي الحديث إِشارة إِلى أَنَّ بعض الأَدوية لا يعلمها كلّ أَحد، لقوله: ((جَهِلَهُ
مَنْ جَهِلَهُ)). انتهى زرقاني مع ((المواهب)).
( وَ) أخرج الإمام أحمد ( فِي ((المُسْنَدِ)) وَ) التِّرْمِذِيّ وقال : حسن صحيح ،
وابن ماجه فِي ((السُّنَنٍ))) كلّهم؛ (عَنْ أَبِي خُزَامَةَ) عن أَبيه رضي الله تعالى عنه ( قَالَ :
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ ) - أي: أخبرني عن هذه الأشياء - ( رُقَىّ )
- بضم الرّاء ، وفتح القاف: جمع رُقْيَة اسم للمرّة من التعويذ _ ([نَسْتَزْقِيْهَا] وَدَوَاءً
١٣٨

نَتَدَاوَى بِهِ ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا .. هَلْ تَرُّذُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئاً؟ قَالَ: ((هِيَ مِنْ
قَدَرِ اللهِ)) .
وَذَكَرَ أَلْبُخَارِيُّ فِي (( صَحِيحِهِ)) : عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ .
نتَدَاوَى بِهِ ، وَتُقَاةً) - وزنه فُعْلَة ، ويُجمع على تُقِىّ كَرُطَبَة ورُطَب، وأَصله وُقَيَة ،
لأَنه من الوقاية ، فأبدِلت الوّاو تاءً ، والياء ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها - أي :
ما نتقي به ما يرِدُ علينا من الأمور الّتي لا نريد وقوعها بنا .
وفي رواية ((المسنَدَ )) وابن ماجه: بالجمع: تُقْىّ ( نَتَّقِيْهَا، هَلْ تَرُذُ مِنْ قَدَرِ اللهِ
شَيْئاً ؟
قَالَ) أَي: النّبيّ نَّهِ: ( ((هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ)) ) يعني : أنّ اللهَ تعالى قدّر
الأَسباب والمسيَّات ، وربط المسبَّات بالأسباب ، فحصول المسبَّات عند حصول
الأَسباب من جملة القَدَر .
(وَذَكَرَ) الإمام ( البُخَارِيُّ فِي ((صَحِيْحِهِ)) ) تعليقاً ( عَنِ أَبْنِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ) وبيّن الحافظ ابن حجر أنّه جاء من طرق صحيحةٍ إليه .
( إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ ) من الأمراض القلبيّة والنفسيّة ، أو الشّفاء
الكامل المأمون الغائِلة ( فِيْمَا حَرَّمَ) - بالبناء للفاعل ، ويجوز للمفعول - ( عَلَيْكُمْ)
فلا يجوز التّداوي بالحرام ؛ لأنّه سبحانه وتعالى لم يُحرِّمه إِلا لخُبثه عِنايةً بعباده ؛
وحِمْيَةً لهم ؛ وصيانة عن التّلطُّخ بدنسه ، وما حرم عليهم شيئاً إِلَّ عَوَّضهم خيراً
منه !! فعدولُهم عمّا عوّضه لهم إِلى ما منعهم منه يُوجب حرمان نفعِه .
ومن تأَمَّل ذلك هان عليه تركُ المحرَّم المُردي ، واعتاض عنه النّافعَ المُجدي .
والمحرّم ؛ وإِنْ فُرِضَ أَنّه أَثَّر في إِزالة المرض لكنّه يُعقِبه بخُبثه سقَماً قلبياً أَعظم
منه ، فالمُتداوي به ساعٍ في إِزالة سُقْم البَدَن بِسُقْمِ القَلب .
١٣٩

وبه عُلِم أنّه لا تدافعَ بين الحديث وآية ((إِنَّ فِي الخَمْرِ مَنَافِع)) (١) . انتهى زرقاني
على ((المواهِب)).
ويحرم التّداوي بالخمر - أي : شربها لأَجل التّداوي بها - وكذا يَحرُم شربها
للعطشان، وأَمّا إِذَا غُصَّ بلُقمة؛ ولم يجد ما يُسيغُها إِلّ خمراً ؟؟ فيلزمه الإِساغة
بها ، لأَنّ حصول الشّفاء بها حِينَئِذٍ مُحقَّق ، بخلاف التّداوي .
أمّا التّداوي بالخمر على ظاهر الجسم ؛ بقصد المُداواة عند الحاجة !! فذلك
جائِزِ. قال ((النَّوَوِيُّ)) في (( فتاويه)): مسألة: إِنسان به مرض ؛ وَصَف له من
يجوز اعتماده من الأَطِبّاء المسلمين أن يتضَمَّد بالتِّزْياق الفاروق ، ويبقى عليه أيّاماً ،
وقال : لا تحصُل المُداواةُ إِلّ بذلك، وهذا التِّرياق فيه خمر ولحم الحيّات !! هلْ
يجوز له ذلك ؟ ويصلّ على حسَب حاله ؟؟
الجواب : يجوز ، وتلزمه إعادة الصّلاة . انتهى .
وعُلِمَ من ذلك أَنّ خطر التَّداوي بالمحرّمات ؛ إنّما هو في الحالات العاديّة لدى
وجود وتيسّر الدَّواء المُباح النّاجع ، أَمّا عند الاضطرار! فالحكم كما قال الله عزّ
وجلّ ﴿ وَقَّدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيَّكُمْ إِلَّا مَا آَضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [١١٩/ الأنعام].
ويكون استعمالُ ذلك المحرَّم - في حال الاضطرار - مع وجود ضررٍ فيه ، لدفع
ضررِ أشدّ - عملاً بقاعدة : تَعارض المفْسدَتين فيُرتَكَب أَخفُّها ضرراً .
هذا ؛ وفي عصرنا الحاضر يسعىُ الأَطِبّاءُ دوماً لدى علاجهم المریضَ إِلى اختيار
العلاج الملائم للعلّة، وحالة أجهزة الجسم المعلول ، ويختارون من الأدوية
المفيدة - في تلك العلَّة - أكثرها فائدةَ وأَقلّها أَعراضاً جانبية وضرراً، وإِذا كان الدّواء
مفيداً وخالياً من الأعراض الجانبيّة ؛ فإنه يَحُوز رضىُ الأَطِبَّاء أَكثر ، ويقع اختيارهم
عليه أَوّلاً لدىْ تَوقُّره .
(١) هكذا في الأصل وهي بالمعنى؛ والتلاوة ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾.
١٤٠