النص المفهرس

صفحات 21-40

به ، ولذا احتاج المشيرُ والنَّاصح إلى كونه أمينا مجرَّباً ، حازماً ناصحاً ، ثابتَ
الجأش ، غير معجب بنفسه ، ولا متلوِّن في رأيه ، ولا كاذب في مقاله ، فارغ البال
وقت الاستشارة .
ولذا قيل : إِنهما يحتاجان إلى علم كبير كثير ، فيحتاج أولاً إلى علم الشَّريعة ،
وهو العلم المتضمّن الأحوال النَّاس، وعلم الزَّمان والمكان ، وعلم التَّرجيح إذا
تقابلت هذه الأمور ، فقد يكون ما يصلح الزَّمان يفسد الحال أَو المكان ، وهكذا
فينظر إلى التَّرجيح ، فيفعل بحسب الأَرجح عنده .
مثاله : أن يضيق الزَّمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال ، فيشير بأهمهما .
وإذا عرف من حال إِنسان بالمخالفة ؛ وأنه إذا أرشده لشيءٍ فعل ضدَّه ! أَشار
عليه بما لا ينبغي ؛ ليفعل ما ينبغي ، وهذا يسمَّى علم السِّياسة ، فإنه يسوس بذلك
النُّقُوس الجموحة الشَّاردة عن طريق مصالحها ، فلذا يحتاج المشير والنَّصح إلى
علم وعقل وفكر صحيح ، ورويَّة حسنة واعتدال مزاج ، وتؤدة وتأنٍّ . فإِن لم يجمع
هذه الخصال !؟ فخطؤه أسرع من إصابته ؛ فلا يشير ولا ينصح . قالوا : وما في
مكارم الأخلاق أدقُّ، ولا أخفى، ولا أَعظم من النَّصيحة . انتهى ((زرقاني)) ،
ومناوي على ((الجامع)).
والحديث أخرجه الإِمام أحمدُ؛ من حديث ابن مسعود بزيادة: (( وَهُوَ بِالْخِيارِ
إِنْ شَاءَ تَكلَّم وإِنْ شَاءَ سَكَتَ ، فإِنْ تَكلَّمَ فَلْيَجْتَهِدْ رَأيَهُ )) .
وأخرجه أصحاب (( السنن الأربعة))؛ عن أبي هريرة ، والتِّرمذيُّ؛ عن
أمِّ سلمة، والطَّبراني في ((الأَوسط)) و((الكبير))؛ عن سمرة بزيادة: ((إنْ شَاءَ
أَشَارَ ، وإِنْ شَاءَ لم يُشِرْ )) .
والقضاعي عن سمرة بلفظ: ((الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ، فَإِنْ شَاءَ أَشارَ وَإِنْ شَاءَ
سَكَتَ ، فَإِنْ أَشَارَ فَلْيُشِرْ بِمَا لَوْ نَزَلَ بِهِ لَفَعَلَهُ » .
٢١

٢٠٧ - ((الْمُسْلِمُ .. أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ)).
والطّبراني في ((الأوسط))؛ عن علي وزاد: ((فَإِذَا اسْتُشِيرَ فَلْيُشِرْ بِمَا هُوَ صَانِعٌ
لِنَفْسِهِ ».
وللعسكريِّ؛ عن عائشة: ((الْمُسْتَشِيرُ مُعَانٌ، وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ، فَإِذَا
اسْتُشِيرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشِرْ بِمَا هُوَ صَالِحٌ لِنَفْسِهِ )) .
وفي الباب جابر بن سمرة ، وأبو الهيثم ، وابن عباس ، وآخرون . قال
الشُّيوطي: وهو متواتر. انتهى ((زرقاني)).
وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في الباب الرَّابع في صفة أكله وَله .
٢٠٧ - ( (الْمُسْلِمُ) حراً كان؛ أو قناً، بالغاً أو صبيًّا (أَخُوْ الْمُسْلِم ) أي:
يجمعهما دين واحد ﴿ إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [١٠/ الحجرات]، فهو كالأُخُوَّة الحقيقية،
وهي أَن تجمع الشّخصين ولادة من صلب أو رحم ؛ أو منهما . بل الأُخوَّة الدينيّة
أعظم من الحقيقيّة ، لأَنَّ ثمرة هذه دنيويَّة وثمرة تلك أخرويَّة .
( لا يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ))) بضم أوله، يقال: ((أسلم فلان فلاناً))؛ إذا ألقاه
إلى الهلكة ولم يحمه من عدوّه ، وهو عامٌّ في كلِّ من أسلم لغيره ، لكن غلب في
الإلقاء إلى الهلكة ؛ أي لا يتركه مع من يؤذيه ؛ ولا فيما يؤذيه ، بل ينصره ، ويدفع
عنه ، ولا يترك نصرته المشروعة ؛ سيما مع الاحتياج ، أو الاضطِرار إليها ، لأن من
حقوق أُخوَّة الإسلام الثَّناصر .
قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلَّقْوَىّ﴾ [٢/ المائدة]، ﴿وَإِنِ أُسْتَصَرُوكُمْ فِ الدِّينِ
فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [٧٢/ الأنفال]. وقال ◌َّهِ: ((أُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً ». فقوله
(ظالماً))؛ أي: بأَن تَكُفَّه عن ظلمه. وقوله ((مظلوماً))؛ أي: بأن تدفع عنه من
یظلمه ، فخذلانه محرَّم شدید الَّحریم دنیویاً ؛ کأن مثل أن يقدر على دفع عدوًّ یرید
أَن يبطش به ولا يدفعه ، أو دينيًّا مثل أن يقدر على نصحه عن غَيُّه ، بنحو وعظ
فيترك .
٢٢

٢٠٨ - ((الْمُسْلِمُ .. مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ،
وَأَلْمُهَاجِرُ .. مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللهُ)).
والحديث أخرجه البخاري في ((المظالم والإكراه))، وأبو داود في ((الأدب))،
والتُّرمذي في ((الحدود))؛ عن ابن عمر بن الخطاب. وأخرجه مسلم في ((الأدب))؛
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال: ((لا يَخْذُلُهُ)) بدل ((يُسْلِمُهُ)).
٢٠٨ - ((الْمُسْلِمُ) الكامل في الإسلام (مَنْ) - أي: إنسان ؛ ذكراً كان أو
أنثى - أتى بأركان الدّين، و(سَلِمَ المُسْلِمُوْنَ) وغيرهم ؛ من أهل الذمَّة، فالتَّقِْيْدُ
غالبيٌّ كالتَّعبير بجمع المذكَّرِ السَّالم ( مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) وبقيّةِ أعضائه ؛ بأن لا يتعرَّض
لهم بما حرم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم .
وخصَّ هذين العضوينٍ ! لأَن الأذى بهما أغلب .
وقدَّم اللِّسان ! لأكثريَّة الأذى به ، ولكونه المعبِّرِ عمَّا في الضَّمير .
وعبَّر باللِّسان دون القول! ليشمل من أَخرج لسانه استهزاءً .
وعبَّر باليد دون بقيّة الجوارح! ليدخل اليد المعنويَّة كالاستيلاء على حقِّ الغير ظلماً.
فإن قيل : هذا يستلزم أَنَّ من اتّصف بهذا خاصَّة کان کاملاً !!
ويجاب بأنَّ المراد أَتى بذلك مع مراعاة بقيّة أركان الإسلام ، فهذا إنَّما ورد على
سبيل المبالغة ؛ تعظيماً لترك الإيذاءِ . كأَنَّ ترك الإيذاء ؛ هو نفس الإِسلام الكامل ،
وكأنَّه محصور فيه ، على سبيل الادِّعاء للمبالغة !!.
قال الخطّابي : أفضل المسلمين مَن جمع إِلى أداء حقوقِ الله تعالى حقوق
المسلمين ، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثِّ على حسن معاملة
العبد مع ربِّه، لأَنَّه إذا أَحسن معاملة إِخوانه ، فالأَولى أن يُحسنَ معاملة ربِّه ، من
باب التَّنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى شروح ((الجامع الصغير)).
( وَالْمُهَاجِرُ) هجرة كاملة ممدوحة ( مَنْ هَجَرَ)؛ أي: ترك ( مَا حَرَّمَ اللهُ)))
عليه ، أي : ليس المهاجر حقيقة من هاجر من بلاد الكفر ، بل من هجر نفسه ،
٢٣

٢٠٩ - ((مَعَ كُلِّ فَرْحَةٍ .. تَرْحَةٌ)).
وأكرهها على الطّاعة، وحمَّلها تجنُّب المنهيِّ، لأَن النَّفْس أشدُّ عداوة من الكافر ؛
لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير .
فالمجاهد الحقيقيّ من جاهد نفسه ، واتبع سنَّة نبيِّه ، واقتفى طريقه ؛ في أقواله
وأفعاله على اختلاف أحواله بحيث لا يكون له حركة ولا سكون إلاَّ على السُّنَّةَ ،
وهذه الهجرة العليا لثبوت فَضْلها على الدوام .
قال العلقمي : الهجرة ضربان : ظاهرة ، وباطنة .
فالباطنة : ترك ما تدعو إليه النَّفْس الأَمَّارة بالشُّوء والشَّيطان .
والظّاهرة : الفرار بالدّين من الفتن .
وكأنَّ المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرَّد التحوُّل من دارهم حتَّى
يمتثلوا أوامر الشَّرع ونواهيه .
ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لمّا فتحت مكَّة ؛ تَطْييباً لقلوب من
لم يدرك ذلك ؛ بأنَّ حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما حرَّم الله !! فاشتملت هاتان
الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام. انتهى شروح ((الجامع الصغير)).
والحديث ذكره في (( الجامع)) مرموزاً له برمز البخاري في (( كتاب الإيمان))
لكن بلفظ: (( مَا نَهَى الله عَنْهُ))، وأبو داود في ((الجهاد))، والنَّسائي في
((الإِيمان))، وهذا لفظه ؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه ، ولم
يخرِّجه مسلم ؛ قاله المناوي على (( الجامع)).
٢٠٩ - ( ((مَعَ كُلِّ فَرْحَةٍ تَرْحَةٌ))) في (( النهاية)) الترح ضد الفرح. انتهى؛
أي : مع كلّ سرور حزن ؛ أي : يعقبه . حتَّى كأنَّه معه ؛ أي : جرت عادة الله
بذلك ؛ لئلا تسكن نفوس العقلاء إلى نعيمها ، ولا تعكف قلوب المؤمنين على
فرحاتها ؛ فيمقتها الله سبحانه عند هجوم ترحاتها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[القصص] قال بعضهم :
٢٤

٢١٠ - ((مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ .. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)).
وَلاَ بُدَّ لِلْمَرْءِ يَذُوقِ الثَّمِانِيَهْ
ثَمَانِيَةٌ تَجْرِي عَلَىْ سَائِرِ الوَرَى
وَعُسْرٌ ويُسْرٌ ثُمَّ سُقْمٌ وَعافِيَةْ
فَفَرْحٌ وَكَرْهٌ وَاجْتِمَاعٌ وَفُرْقَةٌ
والحديث ذكره في ((الجامع)) و((الكنوز)) مرموزاً له برمز الخطيب في ترجمة
أبي بكر الشِّيرازي ؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . وفيه حفص بن غياث ،
أورده الذَّهبي في الضُّعفاء، وقال: مجهول. انتهى ((مناوي)).
٢١٠ - ( ((مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ) أي: مبيح دخولها (لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ)) ) أي ؛ وأنَّ
محمّداً رسول الله ، وفيه استعارة لطيفة ، لأن الكفر لما منع من دخول الجنَّةَ ، شُبِّه
بالغلق المانع من دخول الدَّار ونحوها ؛ والإِتيان بِالشَّهادة لمَّا رفع المانع ؛ وكان
سبب دخولها شُبِّه بالمفتاح .
وفي البخاري ؛ عن وهب أَنَّه قيل له : أَليس مفتاح الجنّةً لا إله إلاَّ الله قال :
بلى ؛ ولكن ليس مفتاح إلاَّ وله أسنان ، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلاَّ!
فلا . فجعل الأعمال الصالحة الَّتي هي ثمرةُ الشهادةِ بمنزلة أسنان المفتاح . انتهى
مناوي على (( الجامع)).
وقال الشريف الرضي : المراد أنَّ هذا القول به يوصل إلى دخول الجنة ، فجعله .
عليه الصَّلاة والسَّلام بمنزلة المفتاح الَّذي به يستفتح الغلق ؛ ويستفرج الباب .
وأراد عليه الصّلاة والسّلام هذه الكلمة وما يتبعها من شعائر الإِسلام وقوانين
الإيمان، إلاَّ أَنَّه ◌ِوَ لّهِ عَّر عن جميع ذلك بهذه الكلمة، لأنَّها أوَّل لتلك الشعائر،
وسائرها تابع لها ومتعلِّق بها ، فهي لها كالزِّمام القائد والمتقدِّم الرَّائد ، وذلك كما
يعبِّرون عن حروف المعجم ببعضها، فيقال: ((ألف باء تاء ثاء )) والمراد جميعها ،
وكذلك يقولون هو في (( أَبجد )) ويريدون سائر هذه الحروف، إلاَّ أَنَّ هذه الحروف
لمّا كانت أَوَّلة لباقيها ومتقدِّمة لما يليها، حَسُنَ أن يعبّر بها عن جميعها . انتهى .
والحديث ذكره في (( كشف الخفاء )» باللَّفظ الَّذي أورده المصنّفٌّ ؛ وقال : رواه
الإمام أحمد عن معاذ رفعه ، قال النجم : وفي لفظ ((مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ)). وضعَّفوه،
٢٥

٢١١ -(( مِلاَكُ الدِّينِ .. الْوَرَعُ)).
لکن عند البخاري عن وهب ما یشهد له . انتهى .
وذكره (( في كنوز الحقائق))، مرموزاً له برمز الديلمي في (( الفردوس))،
وذكره في ((الجامع)) بلفظ ((مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ)) ، ورمز له برمز
الإمام أحمد ؛ عن معاذ بن جبل ، قال الهيثمي : رجاله وُثِّقوا ، إلّ أَنَّ شهراً لم
يسمع من معاذ. انتهى مناوي على (( الجامع)). وفي ((فيض القدير)) للمناوي :
تنبيه :
قد جعل الله لكلِّ مطلوب مفتاحاً يفتح به ؛ فجعل مفتاح الصَّلاة الطَّهور ،
ومفتاح الحجِّ الإحرام ، ومفتاح البرِّ الصَّدقة ، ومفتاح الجنَّة التَّوحيد ، ومفتاح العلم
حُسْنَ السؤال والإِصغاء ، ومفتاح الظّفر الصَّبر، ومفتاح المزيد الشُّكر ، ومفتاح
الولاية والمحبّة الذِّكر ، ومفتاح الفلاح التَّقوى ، ومفتاح التَّوفيق الرّغبة والرَّهبة ،
ومفتاح الإجابة الدُّعاء ، ومفتاح الرَّغبة في الآخرة الزُّهد في الدُّنيا ، ومفتاح الإِيمان
التفكّر في مصنوعات الله ، ومفتاح الدُّخول على الله استسلام القلب والإِخلاص له
في الحبِّ والبغض ، ومفتاح حياة القلوب تدبُّر القرآن والضَّراعة بالأسحار وترك
الذُّنوب ، ومفتاح حصول الرَّحمة الإِحسان في عبادة الحقِّ ؛ والسَّعي في نفع
الخلق ؛ ومفتاح الرزق السَّعي مع الاستغفار ، ومفتاح العزِّ الطّاعة ، ومفتاح
الاستعداد للآخرة قصر الأمل ، ومفتاح كلِّ خير الرَّغبة في الآخرة ، ومفتاح كلِّ شرٍّ
حبُّ الدُّنيا وطول الأمل . وهذا باب واسع من أنفع أبواب العلم ، وهو معرفة مفاتيح
الخير والشر ، ولا يقف عليه إلاَّ الموفَّقون . انتهى .
٢١١ - (((مَلَاَكُ) - بكسر الميم وفتحها - ( الدِّينِ) - أي: قوامه ، ونظامه،
وما يعتمد عليه فيه - هو: ( الْوَرَعُ))) بالكفِّ عن التَّوسُع في الأُمور الدُّنيويَّة ؛
المشغلة عن ذكر الله ودوامٍ مراقبته .
والورعُ أصله: النَّظر البالغ في كلِّ شيءٍ، والبحث التَّام عن كلِّ شيء هو بصدده.
٢٦

٢١٢ - (( الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ .. فِي النَّارِ ».
وأصل المَلاك استحكام القدرة ؛ يعني أَنَّ إِحكام الدِّين يكون بالورع، بمعنى أنه إذا
وجد كان الدِّين على غاية من الكمال ، وذلك لأن الوَرِعَ دائم المراقبة للحقِّ ، مستديم
الحذر أن يمزج باطلاً بحقِّ ؛ كما قال الحبر ابن عباس : كان عمر كالطَّير الحَذِر .
والحديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان ، والدَّيلمي ؛ كلاهما عن عبادة بن
الصَّامت . وأَخرجه الخطيب وابن عبد البرِّ ؛ كلاهما عن ابن عباس . وأخرجه ابن
عبد البر ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين . وذكره في (( كنوز الحقائق ))
مرموزاً له برمز أبي الشيخ بن حيَّان .
٢١٢ - ((المَكْرُ): إِضمار السوء لغيره (وَالْخَدِيْعَةُ): إيصال المكروه
للغير ، من حيث لا يعلم ( فِي الثَّارِ))) ومعناه - كما قال العسكري - : أنَّ صاحب
المكر والخداع لا يكون تقيّاً ، ولا خائفاً لله ، لأنه إذا مكر غدر ، وإذا غدر خدع ،
وإذا فعلهما أوبق نفسه ، وهذا لا يكون في تقي ، فكلُّ خُلَّة جانبت التُّقى فهي في
النَّار ؛ أي صاحبها . انتهى .
ومقتضى هذا تغاير المكر للخديعة ، لأَنَّه جعل المكر سبَبَ الغدر ، وهو سبب
الخديعة؛ والسبب مغاير للمسبب !! وفي ((القاموس)) وغيره : المكرُ الخديعةُ !!
والجواب : أَنَّه جرد المكر عن معناه ، كما ذكرناه ؛ فلا يخالف ترادفهما .
وقال الرَّاغب : المكر والخديعة متقاربان ، وهما اسمان لكلِّ فعل يقصد فاعله
في باطنه خلافَ ما يقتضيه ظاهره ؛ ويكون سيّئاً ، كقصد إِنزال مكروه بالمخدوع .
وإِيَّاه قصد ◌َّ بهذا الحديث، ومعناه يؤدِّيان بقاصدهما إلى النَّار، ويكون حسناً ؛
وهو أن يقصد فاعلهما مصلحةً بالمخدوع والممكور به ، كما يفعل بالصَّبي إذا امتنع
من فعل خير ، ولكونهما ضربين قال تعالى ﴿ وَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
﴾﴾ [فاطر]، و﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّ بِأَهْلِهِ﴾ [٤٣/ فاطر] ووصف
وَمَكْرُ أُوْلَهَكَ هُوَ يَبُورُ
مران] . انتهى زرقاني على
نفسه بالمكر الحسن؛ فقال ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
((المواهب)).
٢٧

٢١٣ - (( مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ .. لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ )) .
٢١٤ - ((مَنِ أَتَّقَى اللهَ .. كَلَّ لِسَانُهُ، وَلَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ)) .
والحديث ذكره في ((المواهب)) وقال : رواه الديلمي ؛ عن أبي هريرة ،
والقضاعي؛ عن ابن مسعود وزاد: (( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّاً)). وفي الباب غيرهما ،
ونحو ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَارَّ مُسْلِماً وَمَاكَرَهُ)) رواه الترمذي. انتهى مع زيادة من (( شرح
الزرقاني )) .
٢١٣ - ((مَنْ أَبْطَأَ) - بألف قبل الموحدة ودونها : روايتان، وهما بمعنىّ، إلّ
أنَّ السَّخاوي ادّعى أنَّ لفظ مسلم بلا ألف، وأنَّ رواية القضاعي ((أبطأ )» بألف ـ ( بِهِ
عَمَلُهُ) - أي: أخّره عمله السَّيء، أو تفريطه في العمل الصَّالح ؛ بأَن لم يأت به
على الوجه الأكمل - ( لَمْ يُشْرِعْ بِهِ نَسَبُّهُ))) - أَي: لا ينفعه في الآخرة شرف
النَّسب ؛ فلا يعجل به إلى منازل السعداء . والحديث رواه مسلم ، وأبو داود ،
والتّرمذي ، وابن ماجه ، وأحمد ، والعسكري ، والقضاعي ؛ كلهم من حديث
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ في آخر حديثٍ لفظُه: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً
مِنْ كُرَبِ الدُّنْيًا ... )) الخ. انتهى ((زرقاني)).
٢١٤ - ( ((مَنِ أَتَّقَى اللّهَ) - أي: أطاعه في أمره ونهيه بقدر الاستطاعة - ( كَلَّ)
- بفتح الكاف وشدّ اللام ؛ أي: تعب وأعيا - ( لِسَانُهُ، وَلَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ)) ) ممّنْ
فعل به مكروهاً ، لأَنّ التَّقوى عبارة عن امتثال أوامر الله ؛ وتجنُّب نواهيه .
ولن يصل العبد إلى القيام بأوامره ، إلاَّ بمراقبة قلبه وجوارحه في لحظاته
وأنفاسه ؛ بحیث یعلم أنّه مطّلع عليه وعلى ضميره ، ومشرف على ظاهره وباطنه ؛
محيط بجميع لحظاته وخطراته وخطواته ، وسائر حركاته وسكناته ، وذلك مانع له
مما ذكر .
فمن زعم أنَّه من المتقين ؛ وهو ذرب اللِّسان ، منتصرٌ لنفسه ، مُشْفٍ لغيظه ؛
فهو من الكاذبين ، لا بل من الهالكين .
٢٨

٢١٥ - (( مَنِ أَتَّقَى اللهَ .. وَقَاهُ كُلَّ شَيْءٍ)).
٢١٦ - ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ .. فَلْيَنْظُرْ مَنْزِلَةَ اللهِ عِنْدَهُ».
والحديث ذكره في ((الجامع))؛ وقال: أخرجه ابن أبي الدّنيا في (( كتاب
التَّقوى))؛ عن سهل بن سعد. ورواه عنه أيضاً الدَّيلميُّ في (( مسند الفردوس )» قال
الحافظ العراقي: وسنده ضعيف، قال: ورأيناه في (( الأربعين البلدانية)) للسِّلفي.
انتهى مناوي على ((الجامع)).
٢١٥ - ( ((مَنِ أَنَّقَى اللهَ وَقَاءُ كُلَّ شَيْءٍ))) يخافه ﴿أَلََّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ
[يونس]، فأعظم بخصلة تضمّنت موالاة الله وانتفاءً
٦٢
عَلَّهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
الخوف والحزن ، وحصول البشرى في الدُّنيا والعقبى !! ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ
٤
[التوبة]، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اَللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ
لَهُمُ الْبُشْرَى فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [٦٢ - ٦٤/يونس].
٦٣
يَتَّقُونَ إِ
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير))؛ وقال: أخرجه ابن النَّبَّار في
((تاريخه))؛ عن ابن عباس، ورواه عنه أيضاً الخطيب في ((تاريخه)) باللفظ
المزبور . انتهى مناوي على (( الجامع)) .
٢١٦ - ( ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ) - أَي : هل هو من النَّجين
المحبوبين لله ؛ أم لا - ( فَلْيَنْظُرْ) - كيف - (مَنْزِلَةَ اللهِ عِنْدَهُ)) ) من الوقار والإِجلال
المستلزمين لامتثال الأوامر واجتناب النَّواهي ، فمنزلة الله عند العبد في قلبه على قدر
معرفته إِيَّاه ؛ وعلمه به وإجلاله وتعظيمه ، والحياء والخوف منه ، وإقامة الحرمة
لأمره ونهيه ، والوقوف عند أحكامه بقلب سليم ونفس مطمئنة ، والتَّسليم له روحاً
وبدناً وقلباً ، ومراقبة تدبيره في أموره ، ولزوم ذِكره ، والنُّهوض بأثقال نعمته
ومنَتَّه، وترك مشيئة نفسه لمشيئته وحسن الظَّنِّ به ، والنَّس في ذلك درجات ،
وحظوظهم بقدر حظوظهم من هذه الأشياء ؛ فأَوفرهم حظّاً منها أَعظمهم درجة
عنده ، وعكسه بعكسه .
٢٩

قال ابن عطاء الله : إذا أردت أن تعرف مقامك عنده ؛ فانظر ما أقامك فيه ! فإن
كان في الخدمة ؛ فاجتهد في تصحيح عبوديتك ، ودوام المراقبةِ في خدمتك ، لأَنَّ
شرط العبوديَّة المراقبةُ في الخدمة لمراد المولى ؛ وهي المعرفة ، لأنك إذا عرفت أنَّه
أَوجدك وأعانك واستعملك فيما شاء - وأنت عاجز - عرفت نفسك، وعرفت رَبَّك،
ولزمت طاعته .
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَرَى مَقامَكَا لَدَيْهِ فَلْتَنْظُرْ بِمَا أَقَامَكا
فَقِيمَةُ الإِنْسَانِ عِنْدَ رَبِّهِ بِقَدْرِ ما شَغَلَهُ الرَّبُّ بِهِ
قال بعض العارفين : إِن أردت أن تعرف قدرك عنده ؛ فانظر فيمَ يقيمك .
متى رزقك الطّاعة والغنى به عنها ؛ فاعلم أنّه أسبغ نعمه عليك ظاهرة وباطنة .
وخيرُ ما تطلبه منه ما هو طالبه منك .
عَنْها بِمَوْلاكَ فَقَدْ نِلْتَ المُنَىِ
مَتَىْ رُزِقْتَ طَاعَةً مَعَ الغِنَى
ظَاهِرَةً بَاطِنَةً وَكَرَمَهْ
إِذْ أَسْبَغَ اللهُ عَلَيْكَ نِعَمَهْ
مَا هُوَ طَالبٌ لَهُ مِنْ نَفْسِكَا
أجَلُّ ما تَطْلُبُهُ مِن رَبِّكَا
وَالحديثُ ذَكَرهُ الْمُنَاوِيُّ في ((الطَّبقات))، وقال في (( العزيزي)) : رواه الحاكم
بلفظ: ((مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ ، فإِنَّ اللهَ
يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ)). وذكره في ((الجامع الصغير)) بلفظ :
((مَنْ أَرَادَ أنْ يَعْلَمَ مَالَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ ما للهِ عِنْدَهُ)) ورمز له برمز الدار قطني في
((الأفراد))؛ عن أنس بن مالك، وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية))؛ عن أبي هريرة
رضي الله عنه؛ وعن سمرة بلفظ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ ... الخ)) وقال : إنه غريب
من حديث صالح المرِّي . وصالح المرِّي ذكره الذَّهبي في الضعفاء ؛ وقال فيه : قال
النَّسائي وغيره : متروك .
ورواه الحاكم عن جابر بلفظ: ((مَنْ أَرَادَ أَن يَعْلَمَ مَالَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ مَا للهِ
٣٠

٢١٧ - ((مَنْ أَحَبَّ دُنْيَّاهُ .. أَضَرَّ بِآَخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ ..
أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ؛ فَآَثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى)).
عنْدَهْ، فَإِنَّ اللهَ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ)) انتهى مناوي على ((الجامع
الصغير )).
٢١٧ - ( ((مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ) لأن حبَّها يشغله عن تفريغ قلبه لحبِّ ربِّه
ولسانه لذكره ؛ فتضرّ آخرتَه ( وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ) فهما ككفَّتي الميزان ؛
إذا رجحت إِحداهما خفَّت الأُخرى .
قال الإمام علي رضي الله عنه : الدُّنيا والآخرة كالمشرق والمغرب ؛ إذا قربت
من إِحداهما بعدت عن الأخرى ، فالجمع بين الدُّنيا والدِّين على الكمال لا يكاد
يقع ، إلّ لمن سخّره الله لتدبير خلقه في معاشهم ومعادهم ؛ وهم الأنبياء .
أمَّا غيرهم! فإذا شُغلت قلوبهم بالدُّنيا انصرفت عن الآخرة ، وذلك أَنَّ حبَّ
الدُّنيا سبب لشغله بها والانهماك فيها ؛ وهو سبب للشُّغل عن الآخرة ، فتخلو عن
الطَّاعة ، فيفوت الفوز بدرجاتها ؛ وهو عين المضرَّة .
بنى ملك من الملوك مدينة وتأنَّق فيها ، ثمَّ صنع طعاما ونصب بيابها من يسأل
عنها . فلم يعبها إلاَّ ثلاثة ، فسألهم فقالوا : رأينا عيبين . قال : وما هما ؟ قالوا :
تخرب ويموتُ صاحبها . قال : فهل ثَمَّ دار تسلم منها ؟! قالوا : نعم ، الآخرة ،
فتخلَّى عن المُلك وتعبَّد معهم، ثمَّ وَدَّعهم ، فقالوا : هل رأيت منا ما تكره !!.
قال : لا ، لكن عرفتموني فأكرمتموني، فأصْحَبُ من لا يعرفوني . انتهى
(( مناوي)) .
( فَآئِرُوا ) أي : إذا علمتم ذلك فقدِّموا ( مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَقْنَى))) فقد ذمَّ الله من
يحبُّ الدّنيا، ويؤثرها على الآخرة، بقوله ﴿كََّ بَلْ تُونَ الْعَامِلَةَ ﴿ وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ
[القيامة] وذُّ حبِّها يستلزم مدح بغضها. انتهى ((مناوي)).
والحديث ذكره في ((الجامع)) مرموزاً برمز الإمام أحمد ، والحاكم ؛ عن
٣١

٢١٨ - (( مَنْ أَحَبَّ شَيْئاً .. أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ)).
٢١٩ - ((مَنْ أَحَبَّ قَوْماً .. حَشَرَهُ اللهُ فِي زُمْرَتِهِمْ)).
أبي موسى الأشعري ، قال الحاكم : على شرطهما، وردّه الذَّهبي ، وقال : فيه
انقطاع. انتهى . وقال المنذري والهيثمي : رجال أحمدَ ثقات . انتهى . وفي
((العزيزي)): إنَّ حديث صحيح . انتهى.
٢١٨ - (((مَنْ أَحَبَّ شَيْئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ)) ) أي: علامة صدق المحبّة إِكثار ذكر
المحبوب ، ولهذا قال أبو نواس :
فَبُحْ بِاسْمٍ مَنْ تَهْوَى وَدَعْنِي مِنَ الْكُنَى فَلاَ خَيْرَ فِي اللَّذَّاتِ مِنْ دُوْنِهَا سِتْرُ
قال في ((الرعاية)): علامة المحبِّين كثرة ذكر المحبوب على الدَّوام ؛
لا ينقطعون ، ولا يملُّون ، ولا يفترون ، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب
المحبِّين ؛ لا يريدون به بدلا ، ولا يبغون عنه حولا ، لو قطعوا عن ذكر محبوبهم
فسد عیشھم ! .
وقال بعضهم : علامة المحبَّة ذكر المحبوب على عدد الأنفاس . انتهى مناوي
على (( الجامع)).
والحديث رواه أبو نعيم ، والديلمي ؛ عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا .
٢١٩ - ( ((مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حَشَرَهُ اللهُ فِي زُمْرَتِهِمْ)) )، فَمَنْ أَحبَّ أولياءَ الرّحمن
فهو معهم في الجنان ، ومن أحب حزب الشّيطان فهو معهم في النيران .
وفيه بشارة عظيمة لمن أحب الصوفيّة ؛ أو تشبّه بهم ، وأَنّه يكون مع تفريطه بما
هم عليه معهم في الجنَّة .
والحديث أخرجه الطَّبراني في ((الكبير)) ، والضياء المقدسي ؛ عن أبي قِرْصَافة
- بكسر القاف فسكون الراء فصاد مهملة ففاء - واسمه : حيدة ، قال الهيثمي : وفيه
من لم أعرفهم ! فقال السخاوي : فيه إسماعيل بن يحيى التيمي ضعيف . انتهى
مناوي؛ على (( الجامع)).
٣٢

٢٢٠ - ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ .. أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ)).
قال في ((كشف الخفا))، ويشهد له حديث: ((أَلْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحبَّ)).
انتهى )) .
٢٢٠ - ( ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ) أي: المصير إلى الدار الآخرة ، بمعنى أن
المؤمن عند الغرغرة يبشر برضوان الله ؛ فيكون موته أحبَّ إليه من حياته ( أَحَبَّ اللهُ
لِقاءَهُ))) أي: أفاضَ عليه فَضْلَهُ وَأكثرَ عطاياه. وتمام الحديث: ((وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ
كَرِهَ اللهُلِقَاءَهُ » .
قالت عائشة ؛ أَو بعض أَزواجه : إِنَّا لنكره الموت ! .
قال: ((لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ وَبُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ
وَكَرَامَتِهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ؛ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ ، وَإِنَّ
اُلْكَافِرَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ وَبُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ؛
كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ فَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ )) . انتهى.
قال النَّوويُّ : هذا الحديث يفسِّرُ آخرُه أوَّله ، ويبيِّن المراد بباقي الأحاديث
المطلقة : من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله .
ومعنى الحديث : أنَّ الكراهة المعتبرة هي الَّتي تكون عند النَّرع ؛ في حالة
لا تقبل فيها توبة ، ولا غيرها ، فحينئذ يُشَّر كلُّ إنسان بما هو صائر إليه ، وما أَعدّ
له ، ويكشف له عن ذلك ، فأهل السَّعادة يحبُّون الموت ولقاء الله ؛ لينقلوا إلى
ما أعدَّ لهم ، ويحبُّ الله لقاءَهم فيُجزلُ لهم العطاء والكرامة ، وأهل الشقاء يكرهون
لقاءه ؛ لما علموا من سوء ما ينقلبون إليه ويكره الله لقاءهم ، أي : يبعدهم عن
رحمته وكرامته ، ولا يريد ذلك بهم ، وهذا معنى كراهته سبحانه وتعالى لقاءَهم .
وليس معنى الحديث : أنَّ سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كرامَتُهم ذلك !!
ولا أنَّ حبَّه لقاء الآخرين حبُّهم ذلك !! بل هو صفة لهم . انتهى .
والحديث متفق عليه من حديث أبي موسى وعبادة بن الصَّامت : البخاري في
٣٣

٢٢١ - ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ .. فَهُوَ رَذّ)).
((الرِّقاق))، ومسلم في ((الدَّعوات)) عنهما، وعن أبي هريرة ، وعن عائشة رضي
الله تعالی عنهم .
و(( في كشف الخفا)): أنّه أخرجه الإمام أحمد ، والبيهقي ، والتِّرمذي في
((الزُّهد))، والنَّسائي في (( الجنائز))؛ عن عائشة، وعن عبادة رضي الله تعالى
عنهما .
قال في ((الكشف)): وروى مالك، والبخاري - واللفظ له -، ومسلم،
والتِّرمذي ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال الله تعالى: ((إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي
لِقَائِي أَحْبَيْتُ لِقَاءَهُ ، وإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ )) . انتهى.
٢٢١ - ( (مَنْ أَحْدَثَ ) أي : أنشأ واخترع وأتی بأمرٍ حديث من قِبل نفسه ( فِي
أَمْرِنَا ) أي : شأننا الذي نحن عليه ، وهو ما شرعه الله تعالى ورسوله ، واستمرَّ
العمل به ، وهو دين الإسلام ، عبّر عنه بالأَمر تنبيهاً على أنَّ هذا الدِّين هو أمرنا الّذي
نهتمُّ به ، ونشتغل به ؛ بحيث لا يخلو عنه شيء من أقوالنا ، ولا من أفعالنا .
( هَذا) موضوع ليشار به لمحسوس مشاهد ، وهو هنا مشارٌ به الدِّين
المعقول ، لتنزيله منزلة المحسوس المشاهد ؛ اعتناءً بشأنه وإِشارة إلى جلالته ومزيد
رفعته ، وتعظيمه بالقرب ؛ تنزيلاً له باعتبار جلالته منزلةً القريب ، لأنَ الأمر العظيم
من شأنه أَن يطلب القرب منه وتتوجَّه الهمم إلى الوصول إليه .
قال الطَّيْبيُّ: وفي وصف الأَمر بـ ((هذا)) إِشارة إلى أَنَّ أَمر الإسلام كمل ،
واشتهر وشاع وظهر ظهورا محسوسا ؛ بحيث لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة .
انتهى .
( مَا ) أَي : شيئا ( لَيْسَ مِنْهُ) أي : ليس له في الكتاب أَو السُّنَّةَ عاضد ظاهر ،
أو خفيٍّ ملحوظ أو مستنبط ، (فَهُوَ رَدٌ))) أي: مردود على فاعله، لبطلانه وعدم
٣٤

الاعتداد به ؛ من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، كخلق ومخلوق ونسج
ومنسوج ، سواء كانت منافاته لما ذكر ١ - لعدم مشروعيَّه بالكليّة ؛ كنذر القيام
وعدم الاستظلال . أو ٢ - للإِخلال بشرطه ، أو ركنه ؛ عبادة كانت أو عقداً ، فلا
ينقل الملك مطلقا ، أو للزِّيادة على المشروع فيه نحو الزِّيادة في الصَّلاة دون
الوضوء . أو ٣ - لارتكاب منهياته ، كذبح المُحرم للصيد ، ولبسه للخفِّ بلا عذر ؛
فلا يمسح عليه ، وجماع الصائم، وجماع الحاجٌّ قبل الثَّحلُّل الأول.
أمّا ما عضده عاضد ؛ بأن شهد له شيء من أدلة الشرع ، أو قواعده !! فليس بردِّ
على فاعله ، بل هو مقبول منه ؛
كبناء نحو الرُّبُط والمدارس وسائر أنواع البرِّ الَّتي لم تعهد في الصَّدر الأول ،
فإنَّه موافق لما جاءت به الشريعة ؛ من اصطناع المعروف والمعاونة على البِّر
والتقوى .
وكالتَّصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية ؛ على اختلاف فنونها ، وتقرير
قواعدها ، وكثرة التفريعات ، وفرض ما لم يقع ، وبيان حكمه ، وتفسير القرآن
والسُّنَّة ، والكلام على الأسانيد والمتون ، وتتبع كلام العرب ؛ نثره ونظمه ،
وتدوين كلِّ ذلك ، واستخراج علوم اللُّغة ؛ كالنَّحو ، والمعاني ، والبيان ،
والأوزان ، فذلك كلُّه وما شاكله معلوم حُسْنُه ، ظاهرة فائدته ، معين على معرفة
كتاب الله تعالى، وفهم معاني كتابه وسنّة رسوله ◌َل#؛ فيكون مأموراً به .
وكتفريع الأصول والفروع ، وما يحتاجان إليه من الحساب وغيره من العلوم
الآليّة ، وككتابة القرآن في المصاحف ، ووضع المذاهب وتدوينها ، وتصنيف
الكتب ومزيد إِيضاحها وتبيينها ، وغير ذلك مِمَّا مرجعه ومنتهاه إلى الدِّين بواسطة أو
وسائط ، فإِنَّه مقبول من فاعله ، مثاب ممدوح عليه .
ومن ثمّ استجاز كثيراً منه الصّحابةُ رضوان الله عليهم ؛ كما وقع لأبي بكر وعمر
وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم في جمع القرآن ، فإنَّ عمر أشار به على
٣٥

أبي بكر ؛ خوفا من اندراس القرآن بموت الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم لمَّا كثر
فيهم القتل يوم اليمامة وغيره ، فتوقف لكونه صورة بدعة ، ثمَّ شرح الله صدره
لفعله، لأنَّ ظهر له أنه يرجع إلى الدِّين ، فإِنَّه غير خارج عنه .
ومن ثمّ لمّا دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع قال له : كيف تفعل شيئا لم يفعله
رسول الله !! فقال: والله إنّه حقٌّ . ولم يزل يراجعه حتّى شرح الله صدره للَّذي شرح
له صدرهما .
وكما وقع لعمر رضي الله عنه في جمع النّاس لصلاةِ التَّراويح في المسجدِ ، مع
تركه لذلك بعد أن كان فعله ليالي ، وقال - أعني عمر - : نعمت البدعة هي .
أي: لأنها؛ وإِن أُحدثت ليس فيها ردٌّ لما مضى، بل موافقة له، لأَنَّ ◌َِّ علَّل
التَّرك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته والقهر .
وقال الشَّافعي رضي الله عنه :
ما أُحدث فَخالف كتاباً أو سنَّةً أو إجماعاً أو أثراً ؛ فهو البدعة الضالّة ،
وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك ؛ فهو البدعة المحمودة .
والحاصل : أنّ البدعة الحسنة متَّفقٌ على ندبها ، وهي ما وافق شيئا مما مرَّ ؛
ولم يلزم من فعله محذور شرعيٌّ . ومنها ما هو فرض كفاية ، كتصنيف العلوم
ونحوها ممَّا مرَّ. انتهى. من ((الفتح المبين)) للشيخ أحمد بن حجر الهيتمي رحمه
الله تعالى .
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ؛ كلُّهم عن
عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً. وفي رواية لمسلم : (( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ
أمْرُنَا فَهو رَةٌّ )) أي: مردود عليه، وإِن لم يكن هو المحدث له . فاستفيد منه زيادةً
على ما مرَّ - وهي الردُّ - لما قد يحتجُّ به بعض المبتدعة؛ من أَنّه لم يخترع، وإِنَّما
المخترع مَن سبقه !! ويحتجُ بالرِّواية الأُولى فيُرَدُّ عليه بهذه الرِّواية الصَّريحة في ردّ
٣٦

٢٢٢ - (( مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ .. وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ ».
٢٢٣ - ((مَنْ أَطَاعَ اللهَ .. فَازَ)).
٢٢٤ - ((مَنْ أَعَانَ ظَالِماً .. سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ )).
المحدثات المخالفة للشَّريعة ؛ بالطريقة الَّتي قدَّمناها ، سواء أحدثها الفاعل ؛ أو
سُبِقٍ بإحداثها .
وفي الحديث دلالة للقاعدة الأصولية أَنَّ مطلق النَّهي يقتضي الفساد ، لأَنَّ
المنهي عنه ليس من الدِّين، بل مخترَع محدَثٌ ، وقد حكم عليه بالردِّ المستلزم
للفساد .
وفيه دلالة على إبطال جميع العقود المنهيّة ، وعدم وجود ثمراتها المترتّبة
عليها ، وهو حديث عظيم معدود من أصول الإسلام ، وقاعدة من قواعده .
قال النَّوويُّ : ينبغي حفظه واستعمالُه في إبطال المنكرات ، وإشاعة الاستدلال
به لذلك . انتهى .
٢٢٢ - (((مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ) كأَن وافقهم على غِيبة شخص (وَكَلَهُ
اللهُ إِلَى النَّاسِ)) ) ومن وكله إليهم وقع في المهلكات ؛ لأنَّه لما رضي لنفسه بولاية
من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ؛ وكله إليه .
وتمام الحديث: (( وَمَنْ أَسْخَطَ النَّاسَ بِرِضَاءِ اللهِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ )) . ذكره
في ((الجامع الصغير)) ورمز له برمز الترمذي، وأبي نعيم في (( الحلية))؛ عن عائشة
رضي الله عنها، ورواه عنها أيضاً الدَّيلمي والعسكري. انتهى ((مناوي)). قال في
((العزيزي)) : وإسناده حسن .
٢٢٣ - ( (( مَنْ أَطَاعَ اللهَ فَازَ))) ذكره في ((الكنوز)) مرموزاً له برمز الإمام
أحمد .
٢٢٤ - ( ((مَنْ أَعَانَ ظَالِماً) عَلَى ظُلْمِهِ ( سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ )) )؛ عدلاً منه سبحانه
٣٧

٢٢٥ - (( مَنْ بَثَّ .. لَمْ يَصْبِرْ)).
٢٢٦ - (( مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ . . فَلْيَلْزَمْهُ)).
وتعالى ، فإنَّه أحكم الحاكمين. والحديث ذكره في ((الكنوز)) و((الجامع)) مرموزاً
له برمز ابن عساکر في « التاریخ » ؛ عن ابن مسعود رفعه ، وهو حديث ضعيف - كما
في (( العزيزي )) - بل قال المناوي كغيره : في سنده زكريا العدوي مُتَّهَمٌ بالوضع !!
أي : فيكون على هذا ضعيفاً شديد الضَّعف .
٢٢٥ - ( ((مَنْ بَثَّ) أي : أذاع ونشر وشكا مصيبته للنَّاس (لَمْ يَصْبِرْ)) ) أي:
لأنَّ الشَّكوى منافية للصَّبر إذا كانت الشكوى على جهة الجزع .
والحديث ذكره في ((الكنوز)) مرموزاً له برمز ابن عساكر، وفي (( الجامع))
ذكره من حديث تمَّام ؛ عن ابن مسعود ، وهو قطعة من حديث أوَّله (( ثَلاَثٌ مِنْ كُنُوزِ
البِرِّ ... الخ)) .
٢٢٦ - ( (( مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ ) من نحو صناعة ، أو حرفة ، أو تجارة
( فَلْيَلْزَمْهُ)) ) أي : من جعلت معيشته في شيء من ذلك؛ فلا ينتقل عنه حتى يتغيَّر ،
لأنه قد لا يفتح عليه في المنتقَل إليه فهو خَلَقك لما شاءَ ؛ لا لما تشاء ، فكن مع
مراد الله فيك ؛ لا مع مرادك لنفسك .
قال في ((الحِكَم )): من علامة إقامة الحقِّ لك في الشي إدامتُه إياك فيه مع
حصول النَّائج . قال النَّظم :
نَتِيجَةُ الشَّيْءِ وَالاسْتِقَامَةْ فِيهِ دَواماً آيَةُ الإِقَامَةْ
والحديث أخرجه ابن ماجه ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا ، وذكره في
((الكنوز)).
وأخرجه البيهقي في ((الشعب))، والقضاعي عنه بلفظ: (( مَنْ رُزِقَ)).
وفي لفظ للبيهقي: «مَنْ رَزَقَهُ اللهُ رِزْقاً فِي شَيءٍ فَلْيَلْزَمْهُ » .
٣٨

٢٢٧ - (( مَنْ تَأَنَّى .. أَصَابَ أَوْ كَادَ، وَمَنْ عَجِلَ .. أَخْطَأَ أَوْ
كَادَ )).
ولابن ماجه ؛ عن نافع قال :
كنت أُجَهَز إلى الشَّام وإلى مصر فجُهُّزت إلى العراق ، فأتيت أمّ المؤمنين عائشة
فقلت لها : يا أمّ المؤمنين ؛ كنت أُجَهَّز إلى الشَّام وإلى مصر، فجُهِّزت إلى
العراق !! فقالت: لا تفعل، مالك ولمتجرك!؟ فإنّي سمعت رسول الله وَ له
يقول :
((إِذَا سَبَّبَ اللهُ لأحَدِكُمْ رِزْقاً مِنْ وَجْهٍ ؛ فَلا يَدَعْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَهُ؛ أَوَ يَتَكَّرَ )).
ورواه البيهقي أيضا؛ عنه بسند ضعيف بلفظ: ((إِذَا قُسِمَ لأحَدِكُمْ رِزْقٌ فَلاَ
يَدَعْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرِ أَوْ يَتَكَّرَ لَهُ » .
ويلفظ : ((إِذَا فُتِحَ لأحَدِكُمْ رِزْقٌ مِنْ بَابٍ فَلْيَلْزَمْهُ ».
ورواه أحمد؛ عن جابر أيضا بسند ضعيف، ورواه في ((الإِحياء)) بلفظ: ((مَنْ
جُعِلَتْ مَعِيشَتُهُ فِي شَيءٍ؛ فَلاَ يَنْتُقِلْ عَنْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ)) انتهى. من ((كشف الخفا))
للعجلوني .
٢٢٧ - ( ((مَنْ تَأَنَّى) في أموره ( أَصَابَ ) الحقَّ ونال المطلوب ( أَوْ كَادَ ) أن
يصيب ؛ أي : قارب الإصابة ( وَمَنْ عَجِلَ) - بكسر الجيم - ( أَخْطَأَ، أَوْ كَادَ ))) أن
يخطئ ؛ أي : قارب الخطأ ، لأن العجلة شؤم الطبع ، فجاء المشرِّع بضدِ الطَّبع ،
وجعل في التأَنِّي اليمن والبركة ، فإذا ترك شؤم الطَّع وأَخذ بأمر الشَّرع أصاب
الحقَّ ، ونال المراد أو قارب ؛ لتعرُّضه لرضا ربِّه .
قال الغزالي : الاستعجال هو الخصلة المفوّتة للمقاصد ؛ الموقعة في
المعاصي ، ومنها تبدو آفات كثيرة ، وفي المثل السائر : إذا لم تستعجل تصل .
قال :
٣٩

٢٢/١ - ((مَنْ تَشَبََّ بِقَوْمٍ .. فَهُوَ مِنْهُمْ)).
قَدْ يُذْرِكُ المُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الَزَّلَلُ
ومن آفاته أنَّه مفوّتٌ للورع ، فإنَّ أصلَ العبادات وملاكَها الورعُ ، والورع أصله
النَّظرُ البالغ في كلِّ شيء ، والبحث التَّاتُ عن كلِّ شيء هو بصدده ، فإن كان المكلَّف
مستعجلاً ، لم يقع منه توقُّف ونظر في الأمور كما يجب ، ويتسارع إلى كلِّ طعام
فيقع في الزّلل والخلل. انتهى ((مناوي)).
والحديث ذكره في ((الجامع)) مرموزاً له برمز الطَّبراني في ((الكبير))، وكذا في
(«الأوسط)) كلاهما ؛ عن عقبة بن عامر بإسناد حسن ، كما قال العزيزي : وقضيّة
كلام المناوي أنَّه ضعيف .
٢٢٨ - ( ((مَنْ تَشَبََّ بِقَوْمٍ) - أي: تزيًّا في ظاهره بزيُّهم ، وفي تعرُّفه بفعلهم ،
وفي تخلُّقه بخلقهم ، وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم ، أي :
وكان التشُّه بحقِّ قد طابق فيه الظّاهر الباطن -
( فَهُوَ مِنْهُمْ )) ) وقيل : المعنى من تشبّه بالصَّالحين فهو من أتباعهم ؛ یکرم كما
يُكرمون ، ومن تشبّه بالفسَّاق يهان ويخذل مثلهم ، ومَن وضع عليه علامة الشَّرف
أُكرم ؛ وإن لم يتحقّق شرفه .
وفيه أنَّ من تشبَّه من الجنِّ بالحيَّات وظهر بصورتهم قُتل ، وأنّه لا يجوز في
زماننا لبس العمامة الصفراء أو الزرقاء ؛ إذا كان مسلماً . كذا ذكره ابن رسلان .
ويأبلغ من ذلك صرَّح القرطبيُّ فقال: لو خُصَّ أهل الفسوق والمجون بلباسٍ
مُنْعِ لُيْسه لغيرهم ، فقد يظنُّ به من لا يعرفه أنَّه منهم ! فيظنُّ به ظنَّ السُّوء ؛ فيأثم
الظَّابُّ والمظنون فيه بسبب العون عليه .
وقال بعضهم : قد يقع التشُّه في أمور قلبية ، من اعتقادات وإِرادات وأمور
خارجية من أقوال وأفعال ، قد تكون عباداتٍ ، وقد تكون عادات ؛ في نحو طعام
ولباس ، ومسكن ونكاح ، واجتماع وافتراق ، وسفر وإقامة وركوب وغيرها .
٤٠