النص المفهرس

صفحات 1-20

مُنْتَّهَيُ السُّسُولِ
على
وَسَائِل الوصُول
إلَى شَمَائِ الرَُّوْلُ
تأليف العلامة الفقيه الشّيخ المؤرّ خ
عَبْدِ اللَّه بْسَعَيْدٍ محمّد عَبَّادِي اللَّحْجِيّ
(١٣٤٤ - ١٤١٠ هـ)
رَحِمَهَ اللّه تَعَالى
المُجُلّدُ التَّابِعُ
دَارُ المُنَفَّار

مُنْتَهَى الُوال
على
وَسَائِل الوُصُول
إلَى شَمَائِ الرَّسُولُ

3
وبِهِ الإِعَانَةُ
(حَرْفُ أَلْمِيمِ )
١٨٧ - ((مَاءُ زَمْزَمَ .. لِمَا شُرِبَ لَهُ)).
( حَرْفُ المِيْم )
١٨٧ - ( (( مَاءُ زَمْزَمَ) بمنع الصرفِ؛ للعلميّة والتَّأنيث، وهو سيِّدُ المياه
وأشرفُها ، وأجلُّها قدراً، وأحثُّها إلى النفوسِ . ولها أسماءُ كثيرةٌ ((زمزمُ))،
و((مكتومة))، و((مضنونة))، و((شبَّاعة))، و((سُقيا الدواء))، و((ركضةُ
جبريل))، و((هزمةُ جبريل))، و((شفاء سُقْم))، و((طعامُ طُعْم))، و((سُقْيا
إسماعيل))، و((حفيرةُ عبدِ المطّلبٍ))؛ ذكره في ((شرح القاموس)) . قال:
وقد جمعتُ أسماءَها في نبذةٍ لطيفةٍ فجاءَتْ على ما يُنَّهُ على ستِّينَ اسماً ممّا
استَخْرجتُها من كتبِ الحديثِ واللُّغةِ .
( لِمَا شُرِبَ لَهُ))) ، فإنْ شَرِيْتَهُ تَسْتَشْفِي شَفَاكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِجُوعٍ أَشْبَعَكَ
اللهُ، وَإِنْ شَرِيْتَهُ لِظَمَاٍ أَرْوَاكَ اللهُ، لأَنَّه سُفْيَا اللهِ وَغِيَاتُهُ لِوَلَدِ خَلِيْلِهِ ، فبقي غَياثاً لمن
بعده ، فمن شَربه بإِخلاص وَجَد ذلك الغوثَ)).
قال الحكيم الترمذي : هذا جار للعباد على مقاصدِهم وصدقِهِم في تلكَ
المقاصدِ والنّاتِ، لأن الموحِّد إذا رابَه أمرٌ فشأنه الفزَعُ إلى ربِّه، فإذا فَزَعَ إليه
واستغاثَ به ؛ وجد غياثاً ، وإنَّما يناله العبد على قدر نيَّته .
قال سفيان الثَّوري : إنَّما كانت الرُّقَى والدُّعاء بالنية !! لأن النية تبلغ بالعبد
عناصر الأشياء ، والنيَّاتُ على قدر طهارةِ القلوبِ وسعيِها إلى ربِّها ؛ وعلى قدر
٥

العقل والمعرفة يقدِرُ القلب على الطيران إلى الله تعالى ، فالشاربُ لزمزمَ على
ذلك .
وهو أفضلُ المياه بعد الماء النابع من بين أصابعه وَله .
وقد نظم ذلك بعضهم ؛ فقال :
أيْ مِنْ أَصَابِعِ النَِّيِّ المُتْبَعْ
وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ مَاءٌ قَدْ نَبَعْ
فَنِيْلُ مِصْرَ ثُمَّ بَاقِي الأَنْهُرِ
يَلِيْهِ مَاءُ زَمْزَمٍ فَالكَوْثَرٍ
قال الإمام النووي في (( الإيضاح)): يستحبُّ الشُّرب من ماء زمزم والإكثار
منه. ثبت في ((صحيح مسلم))؛ عن أبي ذر رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِي وَِّ قال في
ماء زمزمَ: ((إنَّها مُبارَكَةٌ وإنَّها طَعَامُ طُعْمٍ )) . وَرُوِّينا عن جابرٍ رضي الله عنه قال :
قالَ رسولُ اللهِ نَ ◌ّهِ: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)) وقد شرِب جماعةٌ من العلماءِ ماءَ
زمزمَ لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها . انتهى .
وقد شربه الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله تعالى ليكونَ في الحديثِ مثلَ الحافظِ
الذَّهبي فنالَ ذلك وأَعلى من مرتبةِ الذّهبيِّ، وشربه الحافظُ السيوطيُّ لأمورٍ ؛ منها
أن يصلَ في الفقهِ إلى رُتبةِ الشيخِ سراجِ الدِّينِ البلقينيِّ، وفي الحديث إِلى رتبةٍ
الحافظ ابنِ حجرٍ العسقلاني فنالَ رَتبةً عاليةً، ونُقِلَ عنه أنَّ اذَّعى الاجتهادَ المطلقَ ،
وقال : ما جاء بعد السبكيِّ مثلي .
وأَعلى المطالبِ التي يُشرَبُ لأَجلِها ماءُ زمزمَ الموتُ على الإِسلام ، ورؤيةُ اللهِ
تعالى في دارِ السَّلام .
ويُطلَبُ عند شربها أَن يُقال ما كانَ يقولُ ابنُ عبَّاس رضيَ الله عنهما : اللهمَّ ؛
إني أَسأَلك علماً نافِعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاءً من كِلِّ داءٍ .
قال الإمامُ النوويُّ في ((الإيضاحِ)): فيستحبُّ لمن أراد الشربَ للمغفرة؛ أَو
الشِّفاء من مرضٍ ونحوِهِ أن يستقبل القبلةَ ، ثمَّ يذكرُ اسمَ اللهِ تعالى، ثمَّ يقولُ:
٦

اللَّهِمَّ؛ إنَّه بلغني أنَّ رسولك محمداً وَ له قالَ ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ له)).
اللَّهِمَّ؛ وإنِّي أشربُهُ لِتغفرَ لي، اللَّهمَّ؛ فاغفر لي، أو اللَّهمَّ ؛ إِنِّي أَشربه
مستشفياً به من مرضي ، اللَّهمَّ فاشفني ... ونحو هذا .
ويستحبُّ أن يتنفّس ثلاثاً، ويتضلَّعَ منه ؛ أي: يمتلىءَ، فإذا فَرِغَ حَمِدَ اللهَ
تعالى . انتهى . وكان بعضهم يقول : إنِّي أشربه الظمأٍ يومِ القيامةِ .
وفي (( المقاصد الحسنة)) للحافظ السخاوي - ومثلهُ في (( كشف الخفا))
للعجلوني - : يذكرُ على بعضٍ الأَلسنة أنَّ فضيلةَ ماءِ زمزمَ ما دامَ في محلِّه، فإذا نُقِل
تغيَّر وهو شيءٌ لا أصلَ له. فقد كتَب النبيُّ نَّه إلى سهيلِ بنِ عِمْرو: ((إِنْ جَاءَكَ
كِتَابِي لَيْلاً ، فَلا تُصْبِحَنَّ، أَوْ نَهاراً ؛ فَلا تُمْسِيَنَّ، حتَّى تَبَعَثَ إليَّ بِمَاءِ زَمْزَمَ )) .
وفيه أَنَّه بعث له بمزادتين ، وكانَ بالمدينةِ قبل أَن تُفْتَح مكَّةُ ؛ وهو حديثٌ حَسَنٌ
لشواهده، وكذا كانت عائشةُ رضي الله عنها تحملُه وتخبر: أَنّه وَ لّ كان يفعله
ويحمله في الأَداوي والقِربِ فيصبُّ منه على المرضى ويسقيهم ، وكان ابن عبّاس إذا
نزل به ضيفٌ أَتحقَهُ من ماء زمزمَ . وسُئِلَ عطاءٌ عن حمله ؛ فقال: حَمَله
النبي ◌َّليه، والحسن والحسين . انتهى.
وهذا الحديث أَعني حديثَ (( ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ))؛ قال المناوي : فيه
خلافٌ طويل وتأليفات مفردة . قال ابنُ القيِّم رحمه الله تعالى : والحقُّ أَنَّه حسن ،
وجَزْمُ البعضِ بصَّته والبعض بوضعه !! مجازفةٌ . انتهى .
وفي ((الحاوي)) للسيوطي؛ في ((الفتاوى الحديثية)): حديث ((مَاءُ زَمْزَمَ لِما
شُرِبَ لَهُ )) ؛ أخرجه ابن ماجه في (( سننه )) ؛ من حديث جابر بإسناد جيد ، ورواه
الخطيب في ((تاريخ بغداد)) بإسناد قال فيه الحافظ شرف الدِّين الدِّمياطيُّ: إنَّه على
رسم الصحيح .
وقد ألَّف الحافظ ابن حجر جزءاً في حديث ((مَاءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ)) وتكلم
٧

١٨٨ - ((مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ .. مَنِ أَسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ )).
عليه في تخريج أحاديث الأذكار النوويّة فاستوعب .
وحاصل ما ذكره أنَّه مختلف فيه ، فضعَّفه جماعة وصحَّحه آخرون ؛ منهم
الحافظ المنذريُّ في ((الترغيب)) والحافظ الدِّمياطيُّ قال: والصَّواب أنَّه حسن
لشواهده .
ثمّ أورده من طرق من حديث جابر وابن عباس وغيرهما ، قال : وحديث جابر
مخرج في ((مسند أحمد)) و((مسند أبي بكر بن أبي شيبة)) و((مصنفه))، و(( سنن
ابن ماجه))، و(( سنن البيهقي))، و(( شعب الإيمان)) له، وحديث ابن عباس (( في
سنن الدارقطني)) و((مستدرك)) الحاكم، وأخرجه البيهقيُّ أيضا من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً ؛ لكنَّ سنده مقلوب ، وورد هذا اللَّفظ أيضا عن
معاوية ، موقوفا بسند حسن لا علَّة له .
وله شواهد أخر مرفوعة وموقوفة ، تركتها خشية الإطالة . انتهى .
وقال في (( شرح الأذكار )): وقد كثر في كلام الحفاظ الاختلاف في مرتبة هذا
الحديث. وقد ألَّفت فيه جزءاً أسميته (( النَّهج الأقوم في الكلام على حديث ماء
زمزم)) وأودعته كتاب «درر القلائد؛ فيما يتعلَّق بزمزم والسقاية من الفوائد))،
وحاصل ما فيه تصحيح الحديث ، والله أعلم . انتهى .
غريبة: في ((تاريخ المدينة الشريفة)) للعلامة السيِّد السَّمهودي : إنَّ بالمدينة
المنورة بئراً تعرف بزمزم - لم يزل أهلها يتبرَّكون بها ، قديماً وحديثاً ، ويُنقل ماؤُها
للآفاق كزمزم. من المناوي على ((الجامع الصغير)). انتهى.
١٨٨ - ( ((مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَخَلَّ مَحَارِمَهُ)) ) أَي: فهو كافر ؛ لاستحلاله
الحرام المنصوص عليه في القرآن وخصَّ القرآن لعظمه ؛ وإلاّ فمن استحلَّ المجمع
على تحريمه المعلوم ضرورة كافر أيضاً ؛ كذا قاله الحفني .
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز التِّرمذيِّ عن صهيب
٨

١٨٩ - (( مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ شَيْئاً .. شَرّاً مِنْ طَلَاقَةٍ فِي لِسَانِهِ)).
١٩٠ - (( مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ .. إِلَّ هُدُوا)).
وقال: ليس إسناده قويّاً . وقال البغويُّ حديث ضعيف . انتهى . مناوي على
(( الجامع)).
١٨٩ - ((مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ شَيْئاً شَرّاً مِنْ طَلَاقَةٍ فِي لِسَانِهِ))) بالخِصام في الباصِ ؛
بحيث يكون ماهراً ؛ يزيّن بشقشقته الباطل بصورة الحق . والحديث ذكره المنوي
في ((كنوز الحقائق)) مرموزاً برمز الدَّيلميِّ في ((الفردوس)).
١٩٠ - (((مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ) قال العامريُّ في (( شرح الشهاب)»: حقيقة
المشاورة: استخراج صواب رأيه، واشتقاق الكلمة من قولهم ((شوَّر العسرَ))
استخلصه من موضعه، وصفَّاه من الشمع (إِلاَّ هُدُوا))) إلى الصواب ، وتكلَّلوا
بالنجَّاح في أمورهم .
وفيه إِلْماحٌ بطلب الإِستشارة المأمور بها في قوله تعالى ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمْرِ﴾
[١٥٩/ آل عمران] وقيل : المشاورة حصن من النَّدامة وأَمن وسلامة ، ونعم الموازرة
المشاورة، وفي بعض الآثار: ((نَقِّحُوا عُقُولَكُمْ بِالْمُذَاكَرَةِ وَاسْتَعِينُوا عَلى أُمُورِكُمْ
بِالْمشاوَرَةِ)) . وقال الحكماء : من كمال عقلك استظهارُك على عقلك .
وقالوا : إذا أَشكلت عليك الأمور وتغيَّر لك الجمهور ؛ فارجع إلى رأي
العقلاء ، وافزع إلى استشارة الفضلاءِ ، ولا تأنف من الاسترشاد ، ولا تستنكف من
الاستمداد .
وقال بعض العارفين : الاستشارة بمنزلة تنبيه النّائم ، أو الغافل ؛ فإنَّه يكون
جازماً بشيء يعتقد أنَّه صواب وهو بخلافه . وقال بعضهم :
وإنْ كُنْتَ ذَا رَأْيٍ تُشِيرُ عَلَى الصَّخْبِ
إِذَا عَزَّ أَمْرٌ فَاسْتَشِرْ فِيهِ صَاحِباً
وَتُذْرِكُ مَا قَدْ حَلَّ فِي مَوْضِعِ الشُّهْبِ
فَإِنِّي رَأَيْتُ الْعَيْنَ تَجْهَلُ نَفْسَها
٩

١٩١ - ((مَا جُمِعَ شَيْءٌ إِلَى شَيْءٍ .. أَحْسَنُ مِنْ حِلْمٍ إِلَى عِلْمٍ)) .
وقال الأرجاني :
يَوْماً؛ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَهلِ الْمَشُورَاتِ
شَاوِرْ سِوَاكَ إِذَا نَابَتْكَ نَائِبَةٌ
وَلاَ تَرَى نَفْسَهَا إِلاَّ بِمِرْآةٍ
فَالْعَيْنُ تُبْصِرُ مِنْهَا مَا نَأَى وَدَنَا
تنبيه : قال بعضهم : لا يستشار المحبُّ ؛ لغلبة هوى محبوبه عليه ،
ولا المرأة ، ولا المتجرةُ عن الدُّنيا في شيء من أمورها ، لعدم معرفته بذلك ،
ولا المنهمك على حبِّ الدُّنيا ؛ لأَنَّ استيلاءها عليه يظلم قلبَه فيفسد رأيه ،
ولا البخيل ، ولا المعجب برأيه .
فائدة : أَخرج الشافعي ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : ما رأيت أحداً
أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى وَّهِ، أَما إِنَّ اللهَ ورسوله لَيُغنيان عنها ، لَكِنْ
((جَعَلَها اللهُ رَحمَةً لِأُمَّتِي، فَمِنِ اسْتَشَارَ مِنْهُمْ لَمْ يَعْدَمْ رُشْداً ، ومَنْ تَرَكَها لَمْ يَعْدَم
غَيّاً )). قال ابن حجر: غريب. انتهى (( فيض القدير )).
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الطبري .
١٩١ - (((مَا جُمِعَ شَيْءٌ إِلَى شَيْءٍ أَحْسَنُ) بالرفع، صفة لـ ((شيء)) الأول،
والجر صفة لـ ((شيء)) الثاني. انتهى؛ ((حفني)). وفي رواية ((أفضل (مِنْ حِلْمٍ)
باللام ( إِلَى عِلْم))) إِذ باجتماعهما تحصل الكمالات ، والنَّجاة من الوقوع في
المهلكات ، وذلك لأَنَّ الحلم سعة الأخلاق ، وإِذا كان هناك علم ؛ ولم يكن هناك
حلم ساء خلقه وتكبَّر بعلمه ، لأنّ للعلم حلاوةً ، ولكل حلاوة شِرَة ، فإِذا ضاقت
أخلاقه لم ينتفع بعلمه . انتھی (( عزیزي )) .
والحديث ذكره في (( الجامع)) ورمز له برمز الطبراني؛ في (( الأوسط )) عن علي
أمير المؤمنين. وأَخرجه العسكري في ((الأمثال))؛ عن علي بزيادة: ((وأَفْضَلُ
الإِيمَانِ ؛ التَّحُّبُ إِلى النَّس)).
(( ثَلاثٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلَيْسَ مِنِي وَلا مِنَ اللهِ : حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ ،
١٠

١٩٢ - (( مَا خَابَ .. مَنِ اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ .. مَنِ اسْتَشَارَ، وَلاَ
عَالَ .. مَنِ أَقْتَصَدَ )) .
١٩٣ - ((مَا رَآهُ اَلْمُسْلِمُونَ حَسَناً .. فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللهِ)).
وحُسْنُ خُلُقٍ يَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ ، وَوَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللّهِ )) .
وعند العسكريِّ أيضا؛ من حديث جابر مرفوعاً: ((مَا أُوتِيَ شَيْءٌ إِلى شَيءٍ
أَحسَنُ مِنْ حِلْمٍ إِلى عِلْمٍ ، وَصَاحِبُ العِلْمِ غَرْثَانُ إِلَى حِلْمٍ » .
ولأَبي الشيخ ؛ عن أبي أُمامة مرفوعاً: (( مَا أُضِيفَ شَيْءٌ إِلى شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ
حِلْمٍ إِلَى عِلْمٍ)). وأخرجه ابن السني أيضا. انتهى. ((كشف الخفا))، ونحوه في
((المواهب)) مع الزرقاني.
١٩٢ - ((مَا خَابَ مَنْ اسْتَخَارَ ) الله تعالى ؛ أي : دعا وطلب من الله تعالى
خير الأمرين المباحين ؛ أو المندوبين .
أَما الواجب! فلا كلام فيه . والأولى أن يكون بعد صلاة ركعتين ؛ قاله
الحفني .
وكان ﴿ كثيراً ما يقول ((اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي)). وشمل العموم العظيمَ
والحقير ، فربَّ حقير يترتَّب عليه أمر عظيم ( وَلاَ نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ) غيرَه ممَّن له
تبصُّر ونصيحة .
ويستحبُّ تقديم الاستشارة على الاستخارة ؛ كما في (( المدخل)) .
( وَلاَ عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ )) ) أي: ما افتقر من توسّط في النفقة على عياله .
والحديث أخرجه الطبراني في معجمه ((الأوسط)) و((الصغير))، وكذا
القضاعيّ ؛ كلُّهم عن أنس رضي الله تعالى عنه رفعه بإِسناد ضعيف جداً ؛ كما في
الزُّرقاني والمناوي وغيرهما .
١٩٣ - ( ((مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَناً فَهُوَ حَسَنٌّ عِنْدَ اللهِ)) ) أخرجه الإمام أحمد في
١١

١٩٤ - ((مَا ضَاقَ مَجْلِسٌ بمُتَحَابَّيْنِ)).
كتاب ((السنة)) - وليس في ((مسنده))؛ كما توقَّمه بعضهم - عن ابن مسعود بلفظ :
((إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَرَ مُحَمَّدَاً وَّهِ فَبَعَثَّهُ بِرِسَالَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبٍ
الْعِبَادِ فَاخْتَارَ لَهُ أَصْحاباً فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ وَوُزَرَاءَ نَبِّهِ؛ فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَناً
فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ المُسْلِمونَ قَبِيحاً فَهُوَ عِنْدَ اللهِ قَبِيحٌ)). وَهُوَ موقوف
حسن .
وأَخرجه البزَّار ، والطّيالسيُّ، والطّبرانيُّ، وأبو نعيم ، والبيهقي في
((الاعتقادِ))؛ عن ابن مسعود أيضا. انتهى ((كشف الخفا)).
قال العلائيُّ : ولم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً ؛ ولا بسند
ضعيف بعد طول البحث، انتهى (( شرح قواعد الفقه)).
١٩٤ - ( (مَا ضَاقَ مَجْلِسٌ بِمُتَحَابَّينِ))) بالتثنية ؛ أي : لأنَّ المحبة تقتضي
عدم ضيق الصَّدر لما يوجب من الشُّرور باجتماع الأحباب ، ولذا قيل :
رَحْبُ الْفَلاةِ مَعَ الأَعْدَاءِ ضَيَّقَةٌ سَمُّ الخِيَاطِ مَعَ الأَحْبَابِ مَيْدَانُ
قال الحفني : وقد دخل الأصمعي على الخليل بن أحمد ، وهو جالس على
حصير ضيق فقال له : اجلس . فقال : أُضيِّق عليك . فقال له : مه ، الدّنيا تضيق
بمتباغضين وما ضاق مجلس بمتحابّين . ومما يعزى لإمامنا الشافعي رضي الله عنه :
فَإِنَّ أَوْقَاتَهْ نَقْصٌ وَخُسْرَانُ
مَنْ لَمْ يَكُنْ بَیْنَ إِخْوَانٍ یُسَرُّ بِهِمْ
سَمُ الخِيَاطِ مَعَ الأَحْبَابِ مَيْدَانُ
وَأَطْيَبُ الأَرْضِ مَا لِلنَّفْسِ فِيهِ هَوَىّ
خُضْرُ الْجِنَانِ مَعَ الأَعداءِ نِيرَانُ
وأخبَثُ الأَرْضِ مَا لِلنَّفْسِ فِيهِ أَذى
لكن ينبغي إذا كان في المجلس سَعة أن يكون بين كل اثنين ثلثا ذراع ، لأنَّ
الأدب . انتهى .
أمّا في الشِّتاء ، أو الصلاةِ ، أو الجهاد !! فينبغي الالتصاق .
١٢

١٩٥ -((مَا قَلَّ وَكَفَى .. خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى)).
١٩٦ - (( مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ .. إِلاَّ زَانَهُ ».
والحديث ذكره في (( الجامع)) مرموزاً له برمز الخطيب عن أنس بن مالك
مرفوعاً ، ورواه عنه الدَّيلمي بلا سند مرفوعاً .
وأخرجه البيهقي في ((الشعب )) من قول ذي النون بلفظ: مَا بَعُدَ طَرِيقٌ أَذَّى إِلى
صَدِيقٍ، وَلاَ ضَاقَ مَكَانٌ مِنْ حَبيبٍ . انتهى (( كشف)).
١٩٥ - ((مَا قَلَّ وَكَفَى) - من الدُّنيا - (خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ) - منها - (وَأَلْهَى))) عن
طاعة الله تعالى ، وهذا من طرق الاقتصاد المحمود الممدوح ، فينبغي للمرء أن يقلِّل
أسباب الدُّنيا ما أمكن ؛ فإنَّ قليلها يلهي عن كثير من الآخرة ، فالكثير يلهي القلب
عن الرَّبِّ وعن الآخرة بما يحدث له ؛ من الكبر والطُّغيان على الحق ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنْسَنَ
﴾ [العلق] .
◌َطَفَيُ فَ أَنْ رَّوَهُ أَسْتَفْى ◌َ
قال بعضهم : خذ من الدُّنيا ما شئت ؛ وخذ من الهمِّ أَضعافه . وسمَّى الدُّنيا
لهواً؛ لأنها تلهي القلب عن كل خير، وتلهو بكل شرٍّ. انتهى ((مناوي)).
وهذا الحديث ذكره في (( الجامع الصغير )) وقال : رواه أبو يعلى ، والضياء
المقدسي في ((المختارة))، والعسكريُّ في (( الأمثال))؛ كلهم عن أَبي سعيد
الخدري رضي الله تعالى عنه قال :
سمعت رسول الله ﴿ وهو على الأعواد يقول ذلك.
قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح ، غير صدقة بن الرّبيع ؛ وهو ثقة ، وهو
قطعة من حديث: ((أمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ أَصدَقَ الحديثِ كِتَابُ اللهِ)) الحديث . انتهى
« کشف ومناوي )» .
١٩٦ - ( ((مَا كَانَ الرِّفْقُ) - أي: اللُّطْف - ( فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ))) ؛ لأنَّ به
تسهل الأمور ويأتلف ما تنافر ، وهو مؤلِّف الجماعات ، وجامع الطّاعات ؛ ومنه
أخذ أَنَّه ينبغي للعالِم إذا رأى من يُخلُّ بواجب، أَو يفعل مُحرَّماً أَن يترفق في
١٣

١٩٧ - ((مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ .. إِلَّ شَانَهُ)).
إِرشاده، ويتلطّف به ؛ ولذا لمَّا جاء شابٌّ إليه ◌َّ﴿ وقال : ائذن لِّي في الزِّنًا !
فدعاه وَّه إلى الجلوس بقربه، وقال له: ((أتُحِبُّ أَنْ يُزْنَى بَأُمّكَ!)) فَقَالَ: لاَ.
فَقَالَ: ((بِابْتَتِكَ!)) فَقَالَ: لاَ. وهكذا عذَّد عليه في عمَّته ، وخالته ، وهو يقول:
لا . فقال: ((إِذَنْ لاَ تَفْعَلْ مَا تَكْرَهُ أَنْ يُفْعَلَ بِأَقَارِبِكَ ». فترك الزنا ، ولم يخطر بباله
من ذلك الوقت ، وسببه رفقه ێربه انتهى. (( حفني )»
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) بلفظ: (( مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شيءٍ إلاَّ
زَانَهُ، وَلاَ نُزِعَ مِنْ شَيءٍ إلَّ شَانَهُ)) وقال : أخرجه عبد بن حميد ، والضِّياء المقدسيُّ
في ((المختارة )) ؛ عن أنس بن مالك.
وهو في مسلم بلفظ: ((وَمَا كَانَ الخَرْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلَّ شَانَهُ)) وبقية المتن بحاله .
ورواه البزَّار عن أنس أيضاً بلفظ: (( مَا كَانَ الرَّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلَّ زَانَهُ،
وَمَا كَانَ الخَرْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلَّ شَانَهُ، وإنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ)) . قال المنذري :
إسناده ليِّن. انتهى مناوي على (( الجامع)).
وقال في (( الكشف)) : رواه ابن حبَّان عن أنس رضي الله تعالى عنه ؛ أي :
باللفظ الذي في « الجامع الصغير » .
١٩٧ - ( ((مَا كَانَ الفُحْشُ) أي: قُبْحُ اللِّسان، وتكلُّمه بما لا يليق ( فِي
شَيْءٍ ) من حيوان ؛ أو حجر ، فإِن الشيءَ يشمل الجماد ( إِلاَّ شَانَهُ))) أي : عَابه ،
إِذ الشَّين : العيب ، أي : لو فرض ذلك في حجر لکان معيباً فکیف بالإنسان !!
وأَشار بهذا إلى أنَّ الأخلاق الرَّذلة مفتاح كلِّ شر ، بل هي الشرُ كلُّه .
قال ابن جماعة : وقد بُليَ بعض أصحاب النُُّوس الخبيثة ؛ من فقهاء الزّمان
بالفحش ، والحسد ، والعجب ، والرياء ، وعدم الحياء . انتهى .
وأقول : ليت ابن جماعة عاش إلى الآن ؛ حتى رأى علماء هذا الزمان !! انتهى
مناوي على ((الجامع )).
١٤

١٩٨ - ((مَا هَلَكَ أَمْرُؤٌ .. عَرَفَ قَدْرَهُ)).
١٩٩ - ((مَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ .. مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).
وهذا في زمانهما ، فكيف لو رأيا زماننا ؟! فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ
العظيم .
والحديث ذكره في ((الجامع )) مرموزاً له برمز الإمام أحمد ، والبخاريُّ في
((الأدب))، والترمذي في ((البر))، وابن ماجه ؛ كلُّهم عن أنس بن مالك : قال
التّرمذي: حسن غريب. انتهى مناوي على ((الجامع))، وفي ((العزيزي)): إن
إسناده صحيح .
١٩٨ - ( ( مَا هَلَكَ أَمْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ)) ) يعني: أَنّ من عرف مقدار نفسه ،
ونزَّلها منزلتها ؛ نجا في الدُّنيا والآخرة من الهلاك ، ومن تعدى طوره ؛ فتكبّر ،
ورفع نفسه فوق حدِّه ؛ هلك . وهو ظاهر .
والحديث ذكره في ((الشِّفاء)) قال الشُّيوطي: قال السمعاني : رحمه الله تعالى
إِنَّه : حديث روي مسنداً عن عليٍّ كرَّم الله وجهه ، وفي سنده من لا يعرف حاله .
وقال التِّجاني: لا أعرف له سنداً صحيحا إلى النَّي ◌َّر! وإِنما هو من كلام أكثم بن
صيفي في وصيته، فإِن ثبت عن النَّيِ وَ ﴿ فلعله تمثّل به .
وأكثم هذا بالمثلَّثة : من بلغاء العرب وعدَّه بعضهم في الصَّحابة ، والأكثرُ على
خلافه .
وفي كتاب ((جوامع الكلم وبدائع الحكم)): هو من كلامه و 98 وذكره مسنداً
انتھی « شهاب )» .
قال القاري : ويقرب منه ما رُوي عن عليٍّ أمير المؤمنين رضي الله عنه وكرّم
وجهه في الجنَّة : ما ضاع امرؤ عرف قدره . لأن الضائع بمنزلة الهالك . انتهى .
١٩٩ - ( ((مَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ) كامل (مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) ) أي : شره ؛ كما
١٥

٢٠٠ - ((مُتْ مُسْلِماً وَلاَ تُبَالِ)).
٢٠١ - ((أَلْمَجَالِسُ .. بِالأَمَانَةِ)).
جاء مبينا في الحديث ؛ في بعض الروايات . يعني : لا يكون المؤمن كامل الإِيمان
حتى يأمن جاره من إِيذائه ؛ وذلك لأَن إيذاء المسلم كبيرة ، فكيف إذا كان جاراً !!
فإِيذاؤه أَغلظ إِثماً ، وذلك شامل للجار الذُّمِّي ، فإنه لا يجوز إيذاؤه أيضا ؛ وفاءً
بذمَّته ، حيث انقاد لأحكام الإِسلام .
والحديث ذكره ( في كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز أبي يعلى .
٢٠٠ - ( (( مُتْ مُسْلِماً وَلاَ تُبَالٍ))) هكذا ذكره في (( كنوز الحقائق ))؛ مرموزاً له
برمز الدَّيلمي في ((الفردوس)). لكن قال في ((المقاصد)): لا أعلمه بهذا اللفظ!
والأحاديث في ((من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنَّة)) كثيرة ، منها
ما للشّيخين : البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ، ومنها ما لمسلم عن
عثمان بلفظ: (( مَنْ مَاتَ يَشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَ اللهُ دَخَلِ الجَنَّةَ)). وقال القاري: معناه
﴾ [آل عمران] ويناسب هذا قولُ
صحيح، لقوله تعالى ﴿ وَلَا تَمُثُّنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ
بعضهم :
وَمَا عَلَيْكَ إِذَا أَذْنَبْتَ مِنْ بَاسِ
كُنْ كَيْفَ شِئْتَ فَإِنَّ اللهَ ذُو کَرَم
الشِّركُ بِاللهِ والإِضْرارُ بِالنَّاسِ
إلَّ اثْنَيْنِ فَلاَ تَقْرَبْهُمَا أَبداً
٢٠١ - ( ((المَجَالِسُ) أي: ما يقع فيها قولا وفعلا ملحق ( بِالأَمَانَةِ))) فيجب
حفظها فلا يشيع أَحد حديث جليسه لأَنّه غيبة ، أو نميمة .
نعم يجوز ؛ بل يجب فيما إِذا كان فيه ضرر ، كما لو أسرّ لك جليسك أَنَّه يريد
قتل فلان ، أو الزِّنا بزوجته ، أَو أخذ ماله مثلا ، فيجب عليك إِخباره ليحذر منه ،
كما أَشار لذلك في الحديث بقوله «إلاَّ ثلاَثَةُ مجَالِسَ : سَفْكُ دم حرامٍ، أَوْ فَرْجٌ
حرامٌ، أَو اقْتِطَاعُ مالٍ بِغيرِ حقٍّ )) انتهى ((حفني)).
قال ابن رسلان : الباء تتعلَّق بمحذوف لا بدَّ منه ليتمَّ به الكلام ؛ والتَّقدير
١٦

المجالسُ تحسن ، أَو حسن المجالس وشرفها بأمانة حاضريها لما يحصل في
المجالس، ويقع في الأقوال والأفعالِ. فكأنَّه وَلّه يقول : ليكن صاحب المجلس
أميناً لما يسمعه ؛ أو يراه ، فيحفظه أَن ينتقل إلى من غاب عنه ؛ انتقالا يحصل به
مفسدة .
وفائدة الحديث : النَّهي عن النَّميمة الَّتي ربما تؤدِّي إلى القطيعة ، انتهى
(( عزيزي) .
وقال العسكري: أراد ◌َّ أَنَّ الرَّجل يجلس إلى القوم فيخوضون في الحديث ،
ولعلَّ فيه ما إِن نُمي كان فيه ما يكرهون ؛ فيأمنونه على أسرارهم !! فيريد : أَنَّ
الأحاديث الَّتي تجري بينهم كالأمانة ، الَّتي لا يجب أَن يطلع عليها ، فمن أظهرها
[القلم]. وقال رَالَ: ((لا يَدْخُلُ
١١
فهو قتَّات ، وفي التَّنزيل ﴿هَّازٍ مَّشَِّ يِنَّمِيمٍ
الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ - أَيْ: نَمَّامٌ - )) وروي مرفوعا، ألا إِنَّ من الخيانة أن يحدِّث الرَّجل أخاه
بالحديث فيفشيه . انتهى .
ولعبد الرزاق مرفوعاً: ((إنَّما يَتَجَالَسُ الْمُتَجَالِسونَ بِأمَانَةِ اللهِ ، فَلاَ يَحِلُّ لأَحدٍ
أَنْ يُفْشِيَ عَنْ صَاحِبِهِ مَا يَكْرَهُ)) . وقال ابن الأثير : هذا ندب إلى ترك إِعادة ما يجري
في المجلس ؛ من قول أو فعل ، فكأنَّ ذلك أَمانة عند مَن سمعه أو رآه ، والأمانة
تقع على الطّاعة والعبادة والوديعة والثّقة والأمان ، وقد جاء في كلِّ منها حديث انتهى
((شروح الجامع)) ، ومن الزرقاني .
والحديث رواه ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعا .
ورواه الديلمي والعسكري والقضاعي والعقيلي والخطيب ؛ كلهم عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه رفعه .
ورواه أبو داود والعسكري؛ عن جابر بن عبد الله مرفوعا بزيادة: ((إلّ ثَلاَثَةُ
مجالِسَ : سَفْكُ دَمِ حرامٍ، أوْ فرجٌ حرامٌ، أو اقْتِطاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقِّ )) انتهى.
« زرقاني )) وغيره ، رحمهم الله تعالی
١٧

٢٠٢ - ((مُحَرِّمُ الْحَلَاَلِ .. كَمُحِلِّ الْحَرَامِ ».
٢٠٣ - ((الْمَرْءُ .. كَثِيرٌ بِأَخِيهِ)).
٢٠٤ - (( مُدَارَاةُ النَّاسِ .. صَدَقَةٌ)).
٢٠٢ - ( ( مُحَرِّمُ الْحَلاَلِ كَمُحِلِّ الْحَرَامِ)) ) في الإِثم ، فكما يحرم على المكلَّف
تحريمُ ما أَحلَّ الله ؛ كذلك يحرم عليه تحلَيل ما حرَّم الله ، فإِن كان ذلك المحرَّمُ
الَّذي أَحلَّه محرَّماً بالإِجماع ، معلوماً من الدِّين بالضرورة ؛ كتحليل الزِّنا ، وشرب
الخمر ، فتحليله كفر ، وكذا الحلال ؛ إِن كان حلالاً مُجمعا على حلِّه ، معلوماً من
الدِّين بالضرورة ؛ كالبيع ، والنّكاح ، فتحريم ذلك كفر، وخروجٌ عن ملَّة
الإسلام ؛ تجب الاستتابة من ذلك ، وإلاّ ! قتل كافراً ، ورميت جیفتُه للكلاب .
هذا إِن اعتقد تحليل المحرَّم بالإجماع ، أَو اعتقد تحريم الحلال بالإجماع ،
وإلّ ! فلا . والله أعلم .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الطَّبراني .
٢٠٣ - ( (الْمَرْءُ) قليل بمفرده (كَثِيْرٌ بِأَخِيْهِ))) في النَّسب، أَو في الدِّين .
قال العسكريُّ : أَراد أَنَّ الرَّجل ؛ وإِن كان قليلا في نفسه حين انفراده ؛ كثيرٌ
باجتماعه معه، فهو كخبر: ((اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ )) انتهى .
وهذا كما ترى ذهاب منه إِلى أَنَّ المراد الأُخُوَّةُ في الإسلام ! نزَّله الماوردي على
أَنَّها أُخوَّة النَّسب. ووجهه بأنَّ تعاطف الأرحام ، وحمية الأقارب ؛ يبعثان على
التَّناصر والألفة ، ويمنعان من التَّخاذل والفرقة ؛ أَنفة من استعلاء الأَباعد على
الأقارب، وتوقّيا من تسلُّط الغرباء الأجانب انتهى ((مناوي)).
والحديث ذكره في ((الجامع ))؛ وقال : أخرجه ابن أبي الدُّنيا أبو بكر القرشيُّ في
كتاب ((الإِخوان))، وكذا العسكريُّ ؛ كلاهما عن سهل بن سعد الساعديّ ، ورواه
الديلمي والقضاعي عن أنس ، قال شارحه العامريُّ: وهو غريب. انتهى ((مناوي)).
٢٠٤ - ( ( مُدَاراةٌ) بغير همزة (النَّاسِ صَدَقَةٌ))) قال العامريُّ: المداراة اللِّين
١٨

والتعطُّف ، ومعناه : أنَّ من ابتلي بمخالطة النَّاس ؛ معاملة ومعاشرة ؛ فألان جانبه
وتلطّف ، ولم ینفِّرهم کتب له صدقة .
قال ابن حبّان : المداراة الَّتي تكون صدقة للمداري : تخلُّقه بأَخلاقه
المستحسنة مع نحو عشيرته ؛ ما لم يَشُبْها بمعصية .
والمداراة محثوث عليها مأمور بها ، ومن ثَمَّ قيل : اتَّسعت دارُ مَن يداري ،
وضاقت أسباب من يماري .
وفي (( شرح البخاري)) : قالوا :
المداراة : الرفق بالجاهل في التّعليم ، وبالفاسق بالنَّهي عن فعله ، وترك
الإِغلاظ عليه . والمداهنة : معاشرة الفاسق ، وإظهار الرضى بما هو فيه .
والأُولى مندوبة ، والثّانية محرّمَة .
وقال حجَّة الإسلام : النَّاس ثلاثة : أحدهم مثل الغذاء ؛ لا يُستغنى عنه .
والآخر مثل الدواء ؛ يحتاج إليه في وقت دون وقت . والثَّالث مثل الداء لا يحتاج
إليه ، لكنَّ العبد قد يبتلى به، وهو الذي لا أُنْس فيه ولا نفع ، فتجب مداراته إلى
الخلاص منه . انتھی « مناوي )) .
والحديث ذكره في ((الجامع )) مرموزاً له برمز ابن حبَّان، والطَّبراني في
((الكبير))، والبيهقيٍّ في ((شعب الإيمان))؛ عن جابر بن عبد الله .
وهو حديث له طرق عديدة ، وهذا الطَّريق - كما قاله العلائي وغيره - :
أعدلها .
وفيه يوسف بن أسباط الراهب! أورده الذَّهبي في (( الضُّعفاء)) !! وقال
الهيثمي : فيه عند الطَّبراني يوسف بن محمد بن المنكدر متروك ، وقال الحافظ في
((الفتح)) بعد ما عزاه لابن عدي والطَّبرانيّ في ((الأوسط)): فيه يوسف بن
محمَّد بن المنكدر ضغَّفوه ، وقال ابن عدي : لا بأس به . قال الحافظ : وأخرجه
١٩

٢٠٥ - (( الْمَرْءُ .. مَعَ مَنْ أَحَبَّ)).
٢٠٦ - ((الْمُسْتَشَارُ .. مُؤْتَمَنٌ)).
ابن أبي عاصم في ((آداب الحكماء)) بسند أحسن منه. انتهى ((مناوي)).
٢٠٥ - ((الْمَرءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))) في الجنَّةَ بحسن نيَّته من غير زيادة عمل ، لأنَّ
محبَّه لهم لطاعتهم ، والمحبّة من أفعال القلوب ، فأُتيب على ما اعتقده ؛ لأن
الأصل النيّة والعملُ تابع لها ، ولا يلزم من المعيّة استواءُ الدَّرجات ، بل ترفع
الحجب حتَّى تحصل الرؤية والمشاهدة ، وكلٌّ في درجته ؛ قاله القُسطُلاَني .
وهذا الحديث متواتر، قال في ((الفتح)): جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في
كتاب (( المحبين مع المحبوبين )) ، وبلغ عدد الصَّحابة فيه نحو العشرين ، وفي رواية
أكثرهم (( الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ » ،
وفي بعضها بلفظ حديث أنس: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ )). انتهى .
قال أنس : فما فرح المسلمون بشيء فرحَهم بهذا الحديث ؛ وفي ضمنه حثّ
على حبِّ الأخيار ؛ رجاء اللُّحاق بهم في دار القرار ، والخلاص من النَّار ، والقرب
من الغفَّار ، والترغيب في الحبِّ في الله ، والترهيب من التَّباغض بين المسلمين ؛
لأن مِن لازمه فواتَ هذه المعية ؛ وفيه رمز إلى أنَّ الشَّحابب بين الكفار ينتج لهم
﴾ [إبراهيم] .
٣٠
المعيّة في النَّار ، وبئس القرار، ﴿قُلْ تَمَتَُّواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ
والحديث رواه الشيخان في ((الأدب)) وغيرهما؛ عن أَنس وأبي موسى وابن
مسعود رضي الله عنهم أجمعين .
٢٠٦ - ( (الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ))) أَي : أمين على ما استشير فيه ، فمن أَفضى
إلى أَخيه بسرِّه وأمَّنه على نفسه ؛ فقد جعله بمحلِّها ، فيجب عليه أن لا يشير عليه ،
إلاَّ بما يراه صواباً ، فإنَّه كالأَمانة للرجل الَّذي لا يأمن على إيداع ماله إلاَّ ثقة .
والسرُّ الَّذي قد يكون في إذاعته تلفُ النَّفْس ؛ أولى بأن لا يجعل إلاَّ عند موثوق
٢٠