النص المفهرس
صفحات 461-480
١٦٥ - ((قُلِ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مُرّاً ».
١٦٦ - ((قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ . . خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تُطِيقُهُ ».
١٦٥ - (( قُلِ الحَقَّ) في جميع الأمور ولا يَصْرِفْكَ عنه صارفٌ؛ (وإِنْ كَانَ
مُرّاً!))) ؛ بأن كان على نفسك ، أو على ولدك ، أو صديقك ، أو ذوي قرابتك؛
بأَنْ تُقِرَّ به وتشهد به ولا تكتمه ؛ كما قال تعالى ﴿﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ
بَاَلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [١٣٥/ النساء].
والحديث ذكره في ((كنوز الحقائق))، وفي (( كشف الخفاء )) وقال : رواه
الإمام أحمد ؛ عن أبي ذرّ مرفوعاً ، وهو صحيح .
وله شواهد ؛ منها : ما أخرجه البيهقي؛ عن جابر مرفوعاً بلفظ: (( مَا مِنْ
صَدَقَةٍ أَحَبُّ إلى اللهِ مِنْ قَوْلِ الحَقِّ )) . وقد صحَّحه ابن حبان في حديث طويل .
واشتهر علىُ الأَلْسنة: ((قُلِ الحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ)). انتهى.
١٦٦ - ( ((قَلِيْلٌ) من المال ( تُؤَدِّيْ شُكْرَهُ) يا ثعلبة ؛ الَّذي قال : ادع الله أن
يرزقني مالاً؛ ( خَيْرٌ مِنْ كَثِيْرٍ لاَ تُطِيْقُهُ))). تمامه عند الطَّبراني: (( أمَا تُرِيدُ أنْ
تَكُونَ مِثْلَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم !! لَوْ سَأَلْتُ اللهَ أَنْ يُسِيْلَ
الجِبَالَ ذَهَباً وَفِضَّةٌ لَسَالَت !! )). انتهى.
وهذا من معجزاته ، فإنَّه إِخبارٌ عن غيبٍ وقعَ ، فإنَّه دعا لثعلبةَ هذا أنْ [ ينمو ]
ماله ، فنمت غنمه حتَّى ضاقت المدينةُ عنها، فنَزَلَ وادياً . وانقطع عن الجُمُعَةِ
والجماعة ، وطُلبت منه الزَّكاة فقال: مَا هَذِهِ إِلاَّ أُخَيَّةُ الجزية !! وفيه نزل
﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [٧٥ / التوبة].
والحديث ذكره في (( الجامع الصّغير )) وقال: أخرجه البغويُّ والباوردي ، وابن
قانع، وابن السَّكن، وابن شاهين: كلهم في (( الصَّحابة » ، وكذا الطَّبراني،
والدَّيلمي من طريق معاذ بن رفاعة ؛ عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة
الباهلي ، عن ثعلبة بن حاطب (( أو ابن أبي حاطب)) الأنصاري ؛
٤٦١
١٦٧ - ((اَلْقَنَعَةُ .. كَنْزٌ لاَ يَفْنَى)).
قال أبو أمامة : جاء ثعلبةُ إلى المصطفىُ وَّهِ فقال: يا نَبِيَّ اللهِ؛ أُدْعُ الله أن
يرزقني مالاً .
فقال : ((وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ !! أَمَا تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي، فَلَوْ شِئْتُ أَنْ تَسِيرَ مَعِيَ
الجِبَالُ ذَهَباً لَسَارَتْ !! )).
فقال : ادع الله لي أن يرزقني مالاً ، فوالَّذي بعثك بالحقِّ نبيًّاً لئن رَزَقَنِيهِ لأُعْطِيَنَّ
كلَّ ذي حقٌّ حقَّهُ ! قال: ((لا تُطِيقُهُ)) !!
قال : يا نَبِيَّ الله ؛ ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال: ((اللَّهُمَّ؛ ارْزُقْهُ مَالاً »،
فاتَّخذ غنماً فبورك له فيها ، ونمت حتَّى ضاقت به المدينة ؛ فتنخَّى عنها ، فكان
يَشْهَدُ مع المصطفىِّ وَّهِ بِالنَّارِ ، ولا يَشْهَدُ صلاةَ اللَّيلِ، ثمَّ نمت فكان لا يشهد إلاَّ
من الجمعة إلى الجمعة ، ثمَّ نمت ؛ فكان لا يشهد الجُمُعة وَلاَ الجماعة .
فقال المصطفىّ وَّر: ((وَيْحَ ثَعْلَبَةَ!)). ثمَّ أُمِرَ المصطفىْوَ له بأخذ الزَّكاة
والصَّدقة ؛ فبعثَ رَجُلَيْنِ فمرّا على ثعلبةَ وقالا: الصَّدقة؟! فقال: ما هذه إلاَّ أُخَيَّة
الجِزْية !! فَأَنْزَل الله فيه ﴿﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ﴾ الآية [٧٥/ التوبة].
قال البيهقي : في إسناد هذا الحديث نظر !! وهو مشهور بين أهل التَّفْسير .
انتهى .
وأشار في ((الإِصابة )) إلى عدم صحَّة هذا الحديث ، فإنَّه ساق هذا الحديثَ في
ترجمة ثعلبةَ هذا، ثمَّ قال: وفي كون صاحب هذه القصّة - إنْ صحَّ الخبر !!
ولا أظُنُّهُ يصحُ ؛ هو البدري !- نظر !! انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى ..
١٦٧ - ((القَنَاعَةُ) الرِّضَا بالمقسوم (كَنَّزٌ) ؛ أي: ككنز ، بجامع أنَّها تغني
صاحبها عن النَّس ؛ كما يُغْنيهِ كنز ؛ أي : مال مدفون (لاَ يَفْنَى)))؛ لأنَّ القناعةَ
تنشأ عن غنى القلب بقوّة الإِيمانِ ومزيد الإِيقان، ومن قنع أُمِذَّ بالبركة ظاهراً
وباطناً ؛ لأَنَّ الإِنفاق منها لا ينقطع ؛ إذ صاحبها كلما تعذَّر عليه شيء قنع بما دونه ؛
٤٦٢
فلا يزال غنيّاً عنِ النَّاس ، ولذا كان ما يقنع به خيرَ الرِّزق؛ كما في حديث: (( خَيْرُ
الذِّكْرِ الخَفِيُّ، وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي )) . رواه أحمد والبيهقي.
ومن قنع بالمقسوم كانت ثقته بالله - الَّتي شأنها أنْ لا تنقطع ؛ لتأكّد الوثاقة - كنزاً
لا ينفد إمداده ، ولهذا قال لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ ، الذُّنیا بحرٌ عميق ؛ غرق فیہ ناسٌ
كثير ، فاجعل سفينتك فيها القناعة .
ولله در من قال :
فَصِرْتُ بَأِذِيالِهَا مُمْتَسِكْ
وَجَدْتُ القَنَاعَةَ كَثْزَ الغِنَى
وَلاَ ذَا يَرَانِي بِهِ مُنْهَمِْ
أمُرُّ عَلَى النَّاسِ شِبْهَ المَلِكْ
فَلاَ ذَا يَرَانِيْ عَلَى بَابِهِ
وَصِرْتُ غَنِيّاً بِلاَ دِرْهَمٍ
وللإمام الشّافعي رحمه الله تعالی :
عَزِيْزُ النَّفْسِ مَنْ لَزِمَ القَنَاعَهْ
أَفَادَتْني القَنَاعَةُ كُلَّ عِزّ
فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِكَ رَأْسَ مَالٍ
وللإمام الشّافعي أيضاً رحمه الله تعالی :
وَلَمْ يَكْشِفْ لِمَخْلُوقٍ قِنَاعَهْ
وَأَيُّ غِنىّ أَعَزُّ مِنَ القَنَاعَهْ
وَصَيِّرْهَا مَعَ التَّقْوَىُ بِضَاعَهْ
فَإِنَّ النَّفْسَ مَا طَمِعَتْ تَهُونُ
أَمَثُ مَطَامِعِي وَأَرَحْتُ نَفْسِي
فَفِي إِحْيَائِهِ عِرْضِي مَصُونُ
وَأَحْيَيْتُ القُنُوعَ وَكَانَ مَيْتاً
عَلَتْهُ مَهَانَةٌ وَعَلَاَهُ هُوْنُ
إِذَا طَمَعٌ يَحُلُّ بِقَلْبٍ عَبْدٍ
وفي القناعة أحاديث كثيرة ؛ منها حديث ابن عمر مرفوعاً: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
أَسْلَمَ ، وَرُزِقَ كَفَافاً وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ ».
وعن علي في قوله تعالى ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [٩٧/ النحل] ؛ قال : القناعةُ.
وكذا قال الأَسود : إنَّها القناعة والرِّضا .
وعن سعيد بن جبير قال : لا يحوجه إلى أحد .
٤٦٣
١٦.١ - ((قَيِّدْ .. وتَوَكَّلْ)).
وقال بعض الحكماء : انتقم من حِرِصْكَ بِالقَنَاعة ؛ كما تنتقم من عدوِّكَ
بالقِصَاصِ .
وَكان من دعائِهِ وَّهِ: (( اللَّهُمَّ؛ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ)).
ولو لم يكن في القناعةِ إلَّ التَّمتُّع بالعزّ ؛ لكفى صاحبه .
وسئل بعض الصُّوفيّة عن مقام القناعة : هل يطلب من ربِّه القناعة بما أعطاه
الحقّ له من معرفته ؛ كما يقنع بنظيره من القوت !؟ فَأَجاب بأَنَّ القناعة المطلوبة
خاصةٌ بأُمورِ الدُّنيا لِئَلأَ يشتغل بِكَثْرَتِها عَن آخرته ، لكونه مجبولاً على الشحّ .
وأَمَّا القناعة من المعرفة بالقليل !! فمذمومة بنصِّ آية ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا
(١١٤)
[طه]، أي: بك ويأسرار أحكامك، لا زيادة من التكاليف؛ فإنَّه كان يكره السُّؤال
في الأحكام ، وأنشد يقول :
إِنْ كُنْتَ ذَاكَ الَّذِي يُرْجَى لِخِذْمَتِهِ
إِنَّ القَنَاعَةَ بَابٌ أَنْتَ دَاخِلُهُ
مِنَ الطَِّيْعَةِ لاَ تَقْنَعِ بِنِعْمَتِهِ
فَاقْنَعْ بِمَا أَعْطَتِ الأَيَّامُ مِنْ نِعَمِ
لَمْ يَأْكُلِ الشَّخْصُ مِنْهُ غَيْرَ لُقْمَتِهِ
لَو كَانَ عِنْدَكَ مَالُ الخَلْقِ كُلُّهِمٍ
وأنشَدَ يقول :
وَاشْرَهُ فَإِنَّكَ مَجْبُولٌ عَلَىْ الشَّرَهِ
لاَ تَقْنَعَنَّ بِشَيءٍ دُوَنَهُ أَبَداً
فَلَيْسَ نَائِمُ لَيْلٍ مِثْلَ مُنْتٍِ
وَاحْرِصْ عَلَى طَلَبِ العَلْيَاءِ تَحْظَ بِهَا
والحديث رواه الطَّبراني في «الأَوسط))؛ عن جابر، بلفظ: (( القَنَاعَةُ مَالٌ
لاَ يَنْفَدُ وَكَنْزٌ لاَ يَفْنَى )) . قال الذهبيُّ : وإسنادهُ واٍ .
١٦٨ - ((قَيِّدْ) ؛ ناقتك - وفي رواية: قيدِها - ( وَتَوَكَّلْ))) على الله، فإِنَّ
التَّقييد لاَ ينافي التَّوكُّلَ ، إذْ هو : اعتمادُ القَلبِ علىُ الرَّبِّ في كلِّ عملٍ دينيٍّ أو
دنيويّ ، فالتَّقييد لا يضادّه ؛ كما أن الكسب لا يناقضه .
٤٦٤
قال المحاسبيُّ : من ظَنَّ أنَّ التَّوكُّلَ ترك كسبه فليترك كلَّ كسب دنيويّ ودينيّ ،
وكفى به جهلاً !!.
والحديث ذكره في (( الجامع الصَّغير)) ورمز له برمز البيهقي في ((شعب
الإيمان))؛ عن عمرو بن أميّة الضَّمري الكناني قال : يا رسول الله ؛ أُرْسِلُ راحلتي
وأتوكَّل، قال: ((بَلْ قَيِّدْ وَتَوَكَّلْ)). ورواه عنه أيضاً الحاكم بلفظ: (( قَيِّدْهَا
وَتَوَكَّلْ)) . قال الذهبي : وسنده جيد .
وقال الهيثمي : رواه الطَّبراني ؛ عن أبي هريرة بإسنادين ؛ في أحدهما عمرو بن
عبد الله بن أميّة الضَّمري ، ولم أعرفه ! وبقية رجاله ثقات . انتهى مناوي على
((الجامع)). وفي ((العزيزي)): إنَّه حديث صحيح .
ورواه التّرمذي؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: (( اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)) وقال:
غريب . ونقل ؛ عن يحيى بن سعيد القطان أنَّه منكر ، والبيهقي ، وأبو نُعيم ، وابن
أبي الدُّنيا ؛ عن أنس أنَّه قال : قال رجل: يا رسول الله ؛ أَعْقِلُهَا وأَتَوَكَّل ، أو
أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّل!؟ قال: ((اعْقِلْهَا وَتَوَكَّل)) . يعني : النَّاقة.
وأخرجه ابن حبَّان وأبو نعيم أيضاً ؛ عن عمرو بن أميّة الضَّمري أنَّه قال : قال
رجل للَّبِي وَله ــ وقيل: القائل عمرو -: أُرسل ناقتي وأتوكل!؟ قال: ((اعْقِلْهَا
وَتَوَكَّلْ)). انتهى (( كشف الخفا ومزيل الإلباس)» .
٤٦٥
( حَرْفُ أَلْكَافِ )
١٦٩ - ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً .. أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)).
( حَرْفُ الكَافِ )
١٦٩ - ((كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَبِّعَ مَنْ يَقُوْتُ))) ؛ أي ، من يلزمه قوته
ونفقته ، لا سيَّما الزَّوجة !! فَإِنَّ نفقتها متأكِّدة، وهذا صريحٌ في وجوب نفقةٍ من
يقوت ؛ لتعليقه الإِثمَ على تركه ، لكن إنَّما يتصور ذلك في موسر لا معسر !! فعلى
القادر السَّعي على عياله لِثَلاَّ يضيّعهم ، فمع الخوف على ضياعهم هو مضطرّ إلى
الطَّلب لهم ، لكن لا يطلب لهم إلاَّ قَدْرَ الكفاية؛ لأَنَّ الدُّنيا بغيضة ، وسؤال أوساخ
النَّاس قروح وخموش يوم القيامة .
قال بعضهم : والضّيعة : هي التَّفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء
ولا ثمرة . انتهى مناوي على ((الجامع)).
والحديث ذكره في (( الجامع)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد ، وأبو داود ،
والحاكم في ((الزَّكاة))، والبيهقي في (( سننه))؛ عن ابن عمرو بن العاصي ،
وصحَّحه الحاكم، وأقرّه الذَّهبي، وقال في ((الرياض)): إسناده صحيح . ورواه
عنه أيضاً النَّسائي، وهو عند مسلم بلفظ: ((كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ
قُوتَهُ)). انتهى. مناوي على (( الجامع)) .
قال في ((الكشف )): والمشهور علىُ الأَلْسِنَةِ: ((كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ
يَعُولُ)). بل هي رواية الحاكم؛ كما في (( النجم)) . انتهى.
قال المناوي : وسببه - كما في البيهقي - أنَّ ابن عمرو كان ببيت المقدس فأتاه
مولىّ له ؛ فقال : أقيم هنا رمضان ، قال : هَلْ تركت لأَهْلِكَ ما يقوتُهم ؟ قال :
لا، قال: سمعت النبي وَلا يقول ... فذكره . انتهى.
٤٦٦
١٧٠ - (( كَفَىَ بِكَ إِثْماً . . أَنْ لاَ تَزَالَ مُخَاصِماً ».
١٧١ - ((كَفَى بَالدَّهْرِ وَاعِظاً، وَبِأَلْمَوْتِ مُفَرِّقاً)).
١٧٠ - ((كَفَى بِكَ إِثْماً أَنْ لاَ تَزَالَ مُخَاصِماً!))) ؛ أي : تكثر المخاصمة مع
الخلق ؛ لأنَّ كثرة المخاصمة تفضي غالباً فيما يُذَمُم صاحبه ، فالمستمرُّ على الخصام
الماهر فيه من أبغض الخلق إلى الله تعالى ، وقد ورد التَّرغيب في ترك المخاصمة ،
ففي أبي داود ؛ عن أبي أمامة رفعه : (( أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ
المِرَاءَ ؛ وإنْ كَانَ مُحِقّاً، وَأَبْغَضُ العِبَادِ إلى اللهِ تَعَالىُ الأَلَدُّ الخَصِمُ))؛ كما في
((الصحيحين )).
فَإِنْ قيل : لا بد من الخصومة لاستيفاء الحقوق .
فالجواب ما قال الغزالي : إنَّ الذَّم المتأكّد إنَّما هو خاصٌّ بباطل أو بغير علم ؛
كوكلاء القاضي .
وقال بعض العارفين : إذا رأيت الرّجل لَجُوجاً مُرائياً معجَباً بِرَأْيِهِ فقد تمَّت
خسارَتُهُ . انتهى مناوي على (( الجامع)) مرموزاً له برمز التِّرمذي؛ عن ابن عبّاس
رضي الله تعالى عنهما ، وقال : غريب . وخرّجه عنه البيهقي والطَّبراني ، قال ابن
حجر : وسنده ضعيف . انتهى (( مناوي)) .
١٧١ - ((كَفَى بِالدَّهْرِ ) ؛ أي: كفى تقلُّبُه بأهله (وَاعِظاً) مذكِّراً ومنبِّهاً على
زوال الدُّنيا، وَمُرَقِّقاً مليّاً للقلوب، (وَبِالمَوْتِ مُفَرّقاً))) - بِشَدِّ الرَّاء وكسرها - لأَنَّ
تفريقه لا عود بعده إلاَّ في الآخرة ؛ بخلاف فرقة غير الموت .
والحديث ذكره في ((الجامع الصَّغير)) و(( كنوز الحقائق)) وقالا : أخرجه ابن
السُّنِّي في ((عمل اليوم والليلة))، وكذا العسكري في ((الأمثال)) كلاهما ؛ عن أنس
رضي الله تعالى عنه قال :
جاء رجل إلى النَّبِي وَّه فقال: إن جاري يؤذيني! فقال: ((اصْبِرْ عَلى أَذَاهُ
وَكُفَّ عَنْهُ أَذَاكَ )). فَمَالَبِثْتُ إِلَّ يَسيراً إِذْ جاءَهُ فقال له: مات !!... فذكره .
٤٦٧
١٧٢ - ((كُلُّ آتٍ .. قَرِيبٌ)).
وهذا من بديع حكمته وله ووجيزها؛ لأنَّه لمَّا علم أنَّ أَسباب العظات كثيرةٌ ؛
من العِبَرِ والآياتِ ، وطوارقِ الآفاتِ ، وسوءِ عواقبِ الغَفَلات، ومَفَارقَةِ الدُّنيا
وما بعد الممات ؛ قال في عظة الموت كفاية عن جميع ذلك ، لأنَّ الموت ينزعه عن
جميع محبوباته في الدُّنيا ومخوفاته ؛ إمَّا إلى الجَنَّةُ ، وإمَّا إلى ما يكرهه ، وذلك
يوجب المنع من الرُّكونِ إلى الدُّنيا ، والاستعداد إلى الآخرة وترك الغفلة. انتهى
((مناوي)) .
قال: في ((الكشف)): في سنده ابن لهيعة ، وهو ضعيف . وفي
((العزيزي)) : إنَّه حديث حسن لغيره .
١٧٢ - ((كُلُّ آتٍ ) ؛ من الموت والقيامة والحساب والوقوف (قَرِيْبٌ)))،
وأنت سائر على مراحل الأيّام واللَّيالي إليه، ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿ وَفَرَهُ قَرِيبًا
٧
[المعارج] .
فالجاهل يراه بعيداً لعمى قلبه ، والمؤمن الكامل يراه بنور إيمانِه قريباً ؛ كأَنَّه
يعاينه ؛ فبذل دنياه لأخراه ، وسلَّم نفسه لمولاه ، فلا تغرَّنَّك الدُّنيا ، فجديدُها عمَّا
قليل يبلى ، ونعيمُها يفنى، ومن لم يتركها اختياراً ؛ فعمًا قريب يتركها اضطراراً ،
ومن لم تَزُلْ نعمته في حياته زالت بمماته .
قال ابن عطاء الله السّكندري : لا بد لهذا الوجود أنْ تَنْهدم دعائِمه ، وأنْ تُسلب
کرائمه . فالعاقل من کان بما هو أبقى أوثق منه بما هو يفنى .
وقال بعض الحكماء : من كان يؤمِّل أن يعيش غداً فهو يؤمل أن يعيش أبداً .
قال الماوردي : ولعمري ؛ إنَّه صحيح ! إذ كل يوم غداً ، فإذاً يفضي به الأمل
إلى الفوت من غير درك ، ويؤديه الرَّجاء إلى الإِهمال بغير تلاف .
وقال الحكماء : لا تبت على غير وصيّة ، وإنْ كنت من جسمك في صحّة ،
ومن عمرك في فسحة، فإنَّ الدَّهر خائنٌ، وكل ما هو آت كائن. انتهى ((مناوي)).
٤٦٨
١٧٣ - ((كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفٍ أَلْفَرَاءِ)).
والحديث ذكره في ((الدُّرر)) للشّيوطي ، وقال : أخرجه ابن ماجه من حديث
ابن مسعود في أثناء حديث . وذكره في (( الكشف)) ، وقال : رواه ابن مردويه ؛ عن
ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً، ولفظه: ((ألاَ لاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قَلُوبُكُمْ،
أَلاَ إِذَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ ، أَلَ إِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ )).
وروى البيهقي في ((الأسماء والصفات))، عن ابن شهاب مرسلاً: إنَّه وَ ل# كان
يقول إذَا خَطَبَ: ((كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، لَاَ بُعْدَ لِمَا هُوَ آتٍ، لاَ يَعْجَلُ اللهُ لِعَجَلَةِ
أَحَدٍ ، وَلاَ يخلِفُ لأَمْرٍ أَحَدٍ ، مَا شَاءَ اللهُ لاَ مَا شَاءَ النَّاسُ، يُرِيدُ اللهُ أَمْراً وَيُرِيدُ
النَّاسُ أَمْراً، وَمَا شَاءَ الله كائنٌ؛ وَلَوْ كَرِهَ النَّاسُ، لاَ مُبَعِّدَ لِمَا قَرَّبَ اللهُ؛ وَلاَ مُقَرِّبَ
لِمَا بَعَّد اللهُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ إلَّ بِإِذْنِ اللهِ » .
وعزاه في ((المقاصد )) للقضاعي ؛ عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ،
قال: تلقفت هذه الخطبة مِن فِيْ رسول الله وَ﴿، فذكرها، وفيها: ((كُلُّ مَا هُوَ آتٍ
قَرِيبٌ)). انتهى كلام ((الكشف)).
وهذه الجملة موجودة في ((الجامع الصَّغير)) أثناء حديث طويل أوله: ((أمَّا
بَعْدُ؛ فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ)) ... الخ .
١٧٣ - («كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَراءِ ))) - بفتح الفاء ، مقصور مهموز -: حمار
الوَحْشِ ، هذا خاطب به النَّبِي وَلّ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، حين
جاءه مسلماً، بالأبواء بين مكَّة والمدينة والنَّي وَ له سائر إلى فتح مكَّة ؛ بعد أن كان
عدوّاً له هجَّاءً ، كثير الهجاءِ بعد البعثة ، وكان يَأْلَفه قبلها ، فلمَّا أسلمَ كان لا يرفع
رأسه إلى المصطفى حياءً منه وَلتر .
وكان النبيُّ وَله يحبُّه، ويشهد له بالجنَّةُ، ويقول: ((أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلفاً مِنْ
حَمْزَةً !)) رضي الله عنه .
فكأنَّ النَّبِنَّهِ يقول: إنَّ الحِمَارَ الوَحْشِيَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُصَادُ، وَكل صيد
دونه ، كما أنَّك أعظم أهلي وأمسّهم رحماً بي ، ومِنْ أكرم مَن يأتيني ، وكلٌّ
٤٦٩
دونك !! قال ذلك ملاطفةً له ؛ لأَنَّه استأذن فلم يأذن له ، وقال : إنَّه هَتَكَ عِرْضِي .
والحديث أخرجه الرَّامهزمزي الإمام ؛ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن
الفارسي في كتاب ((الأمثال)) من طريق ابن عيينة ، عن وائل بن مازن ، عن نصر بن
عاصم الليثي ؛ قال: أذن رسول الله وَ ﴿ القرشي وأخَّر أبا سفيان ، ثم أذن له فقال :
ما كدتَ أن تأذن لي حتى كدتَ أن تأذن لحجارة الجَلْهَمَتَيْن قبلي وبكى ، فقال :
(( وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا أَبَا سُفْيَان؛ إنَّما أَنْتَ كَمَا قَالَ الأُوَلُ : كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفٍ
الفَرَاءِ » . وسنده جيد، لكنَّه مرسل ، لأنَّ نصر بن عاصم تابعيٌّ وسط .
ونحوه عند العسكري، ولكنَّه قال: «كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَرَاءِ - أوْ : جَنْبٍ
الفَرَاءِ _» بالشَّكِّ.
قال في (( المقاصد )) : وقد أفردتُ فيه جزءاً فیه نفائِس .
والجلهمتان : تثنية الجلهمة - بضمِّ الجيم وفتحها -: حافّة الوادي وناحيته .
قال الدَّميري في ((حياة الحيوان)): الفَراء : الحمار الوحش . والجمع :
الفِراء ، مثل جبل وجبال ، وفي المثل (( كل الصَّيد في جوف الفراء))؛ قاله
النَّي ◌َّر لأبي سفيان بن الحارث ، وقيل : لأبي سفيان بن حرب .
وقال الشُّهيلي : الصَّحيح أنَّه قاله لأبي سفيان بن حرب يتألَّفه به ؛ وذلك لأنَّه
استأذَنَ على النَّبِيِ وَ فحجب قليلاً ثمَّ أذن له، فلما دخل؛ قال للنَّبِي ◌ِّر:
ما كدتَ أن تأذن لي حتَّى كدتَ أنْ تأذن لحجارة الجَلْهَمَتين قبلي !! ، فقال له
النبيِ رَجُ: ((يَا أَبَا سُفْيَانَ؛ أنْتَ كَمَا قِيلَ - كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَرَاء_». ثمَّ قال :
وأصل هذا المثل أنَّ جماعةً ذهبوا للصَّيد ؛ فصاد أحدهم ظبياً، والآخر أرنباً ،
والآخر حمارَ وحش ، فاستبشر الأوَّلان بما نالا ؛ فقاله الثالث ؛ يعني أنَّ ما رُزِقْتُه
يشتمل على ما عِنْدَكُمَا؛ لأَنَّه أعظم، ثمَّ اشتهر هذا المثل في كلِّ شيء كان جامعاً
لغيره ، كما قال القائل :
يُقُولُونَ: كَافَاتُ الشِّتَاءِ كَثِيْرَةٌ وَمَا هِيَ إِلَّ وَاحِدٌ غَيْرُ مُفْتَرى
٤٧٠
١٧٤ - (( كُلُّكُمْ .. رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّهِ )).
١٧٥ - (كُلُّ الْمُسْلِمِ .. عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُّهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)).
لَدَيْكَ وَكُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَرَا
إِذَا صَحَّ كَافُ الكَيْسِ فَالْكُلُّ حَاصِلٌ
انتهى (( كشف )) .
١٧٤ - ((كُلُّكُمْ رَاعٍ ) ؛ أَي : حافظ مؤتمن ، ملتزم بصلاح ما قام عليه ، وهو
ما تحت نظره من الرِّعاية ؛ وهي الحفظ ، يعني : كلكم ملتزم بحفظ ما يطالَبُ به ؛
من العدل إن کان والیاً ، ومن عدم الخيانة إن کان مولیاً عليه ؛
( وَكُلُّكُمْ مَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَتِهِ )) ) في الآخرة ، فكلُّ مَنْ كان تحتَ نظره شيءٌ فهو
مطلوب بالعدلِ فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلَّقات ذلك ، فإنْ وفى
ما عليه من الرِّعاية! حصل له الحظُّ الأوفر والجزاء الأكبر ، وإلاَّ! طالبه كل أحد
من رعيَّه بحقُّه في الآخرة .
ويدخل في ذلك الؤُلاة ، والمنفق على زوجة أو قريب أو رفيق أو بهيمة ؛ هل
قام بحقِّها أم لا!؟
والرِّعاية تختلف ؛ فالسُّلطان أكثر مسؤولية من غيره ، فإِنَّ عليه حفظ جميع رعيَّته
والذَّب عنهم ، وكذا نوَّابه ، فكلٌّ عليه حفظ ما تحت يده ، وهكذا الزَّوج ونحوه ،
فالرَّاعي غير مطلوب لذَّاتِه ؛ بل أقيم لحفظ ما استرعاه ، ويشمل المنفرد ؛ إذ يصدق
عليه أنَّه راع في جوارِحِهِ بفعل المأمور وترك المنهي. انتهى مناوي على ((الجامع)).
والحديث رواه الإمام أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والتِّرمذي ؛
عن ابن عمر رضي الله عنهما .
١٧٥ - ((كُلُّ)؛ مبتدأ ( المُسْلِمِ ) ( - فيه ردٌّ لزاعم أنَّ كلَّ لا تضاف إلاَّ إلى
نكرة ( عَلَىُ المُسْلِمِ ) ( متعلق بالخبر ، وهو قوله ( حَرَامٌ: دَمُهُ) - بالرّفع ، وكذا
ما بعده بيان لكل؛َ أَي : إراقة دمِهِ أو قتله بلا حق ، ( وَمَالُهُ) ؛ أي : أخذ ماله
بنحو غصب ، (وَعِرْضُهُ))) ؛ أي : هتكُ عِرْضِهِ بالتَّكلم فيه بما يشينه بلا
٤٧١
١٧٦ - (( كُلُّ مَعْرُوفٍ .. صَدَقَةٌ)).
١٧٧ - ((كُلُّ مُؤْذٍ . . فِي النَّار)).
٠٠٠
استحقاق ؛ والعِرْضُ : موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان .
وأدلَّة تحريم هذه الثَّلاثة مشهورة معروفة من الدِّين بالضَّرورة ، وجعلها كلّ
المسلم وحقيقته! لشدَّة اضطراره إليها ؛ فالدَّم فيه حياته ، ومادَّته المال ، فهو ماء
الحياة الدُّنيا ، والعرض به قيام صورته المعنويَّة .
واقتصر على هذه الثَّلاثة؛ لأَنَّ مَا سواها فرعٌ عنها وراجع إلَيْها؛ لأَنَّه إذا قامتٍ
الصُّورة البدنيّة والمعنويَّة فلا حاجة لغيرهما ؛ وقيامُهما إنَّما هو بتلك الثَّلاثة .
ولكون حُرمتها هي الأَصلَ والغالبُ لم يحتج لتقييدها بغير حقّ .
فقولُه في رواية ((إلاَّ بِحَقِّهَا )) إيضاحٌ وبيان .
وهذا حديثٌ عظيمُ الفوائد كثير العوائد مشير إلى المبادئ والمقاصد . انتهى
مناوي على (( الجامع)) .
والحديث أخرجه مسلم ، وأبو داود في ((الأدب))، وابن ماجه في ((الزهد )).
١٧٦ - («كُلُّ مَعْرُوْفٍ ) ؛ أي : عرف في الشَّرع بأنَّه قربة ؛ من قول أو فعل ،
( صَدَقَةٌ)))؛ أي : كلُّ ما يفعل من أعمالِ البِرِّ والخير فثوابُه كثوابٍ من تصدَّقَ
بالمالِ ؛ وسُمِّيَتْ صدقةٌ ؛ لأَنَّها من تصديق الوعد بنفع الطّاعة عاجلاً وثوابها آجلاً .
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الصَّدقة لا تنحصر في المحسوس ، فلا تختصُّ بأهل اليَسارِ
مثلاً ، بل كلُّ أحد يمكنه فِعلها غالباً بلا مشقَّةٍ. انتهى (( مناوي)) وغيره .
والحديث أخرجه الإمام أحمد بسندٍ رجاله رجال ((الصحيح» ، والبُخاريُّ في
((صحيحه))؛ ((باب الأدب)) كلاهما ؛ عن جابر بن عبد الله .
وأخرجه الإمام أحمد ومسلم في ((الزَّكاة))، وأبو داود في ((الأدب)) كلهم ؛ عن
حذيفة بن اليمان ، وهو حديث متواتر ، رواه نحو ستة عشر صحابياً رضي الله عنهم .
١٧٧ - (( كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ ))) ؛ يعني : كلُّ ما يؤذي ؛ من نحو حشرات
٤٧٢
١٧٨ - «كُلٌّ .. مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)).
وسباع ، يكون في نار جهنّم عقوبةً لأَهلها ؛ وقيل : هو وعيدٌ لمن يُؤْذِي النَّاس ،
أي : كل مَنْ آذى الناس في الدُّنيا من النَّس أو من غيرهم ؛ يعذِّبه الله في تلك الدَّار
في نار الآخرة. ذكره الزَّمخشري والخطَّابي. انتهى ((مناوي)).
والحديث أخرجه الخطيب في ترجمة عثمان الأشج؛ المعروف بـ (( ابن
أبي الدُّنيا))، وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) كلاهما؛ عن علي، ((أمير
المؤمنين))، قال الخطيب: وعثمان عندي ليس بشيء. انتهى . وأورده الذَّهبي في
((المتروكين))، وقال: خبر غريب. انتهى مناوي على ((الجامع))، وفي
(( العزيزي » : إِنَّه حديث حسن . اهـ .
١٧٨ - ((كُلٌّ) - بالتَّنوين - ؛ أي: كلُّ إِنسان (مُيَتَرٌ) - بضمٌّ الميم ،
وبالمثنَّة التَّحتيَّة، والمهملة الثَّقيلة ؛ المفتوحتين - وفي رواية يسّر ( لِمَا خُلِقَ
لَهُ)))؛ أي: مهيّأ لما خُلق لأجلِه، قابل له بطبعه ، أي: فالأمر مغيب عنّاً ، فلا
نعرف النَّجي من غيره ، إلاَّ أنَّ الشَّارع نصبَ لنا دليلاً على ذلك ، فمن رأيناه منكبًا
على الطّاعة علمنا أنَّه ناجٍ ، وعكسه بعكسه .
وليس المُراد بالتَّيسير هنا ما يقابل التَّعسير !! وقولُ بعضهم: ((معناه كلٌّ مُوَفَّقٌ
لما خُلِقَ لِأَجْلِهِ )) غيرُ سديد ؛ لأنَّ التَّوفيقَ خَلْقُ قُدرةِ الطَّاعَةِ في العَبْدِ ؛ وليس
المعنى هنا مقصوراً عليه ، بل المراد الثَّهيئة لما خُلِقَ لأَجْلِهِ من خير وشرّ ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا
﴾ [الشمس]. انتهى مناوي على ((الجامع))، وحفني
سَوَّنِهَا فَهُمَهَا تُوَّرَهَا وَتَقْوَنُهَا
على (( الجامع )).
قال العزيزي : وفي الحديث إشارة إلى أنَّ المآل محجوبٌ عن المكلّف ، فعليه
أنْ يجتهد في عمل ما أمر به ، فإنَّ عمله أمارة إلى ما يؤولُ إلَيْهِ أمره غالباً ، وإنْ كان
بعضهم قد يختم له بغير ذلك ؛ كما في حديث ابن مسعود وغيره ، لكن لا اطِّلاع له
على ذلك ، فعليه أنْ يبذل جهده ويجاهد نفسه في عمل الطّاعة ، ولا يترك اتِّكالاً
على ما يؤول إلَيْهِ أمره ، فَيُّلام على ترك المأمور، ويستحقُّ العُقُوبَةَ. انتهى .
٤٧٣
١٧٩ - ((كَلَّمُوا النَّاسَ .. بِمَا يَعْرِفُونَ، وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ)).
فائدة : قال الرَّاغب : لما احتاج النَّاس بعضهم لبعض سخّر كلّ واحد منهم
لصناعة ما يتعاطاهُ ، وجعل بين طبائعهم وصنائِعهم مناسباتٍ خفيَّةً واتِّفاقات
سماويَّة ؛ ليُؤْثِر الواحد بعد الواحد حرفة ينشرح صدره بملابستها ، وتطيعه قواه
لمزاولتها ، فَإِذا جعل إليه صناعة أُخرى ربَّما وجده مستبلداً فيها، متبرُّماً منها ،
سخّرهم الله لِذَلك ؛ لِئَلأَّ يختاروا كلهم صناعة واحدة ، فتبطل الأَقوات
والمعاونات ، ولولا ذلك ما اختاروا من الأسماءِ إلاَّ أحسنها ، ومن البلاد إلا
أطيبها ، ومن الصِّناعات إلا أجْملها ، ومن الأفعال إلاَّ أَرْفعها ، ولتنازعوا فيه ،
لكنَّ الله بحكمته جعل كلاّ منهم في ذلك مخيّراً .
فالنَّاس ؛ إمَّا راضٍ بصنعتهِ لاَ يبغي عنها حِوَلاً ؛ كالحائِكِ الَّذي رَضِيَ بصناعته
ويَعيبُ الحَجَّامِ الَّذِي يرضَى بصناعَتِهِ ، وبذلك انتظم أمرهم و ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
﴾ [المؤمنون) . وإمَّا كاره لها يكابدها مع كراهته إِيَّاها، كَأنَّه لا يجد عنها
٥٣
فَرِحُونَ
بَدَلاً. وعلى ذلك دلَّ هذا الحديث: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [٣٢/ الزخرف] .
فَالتَّباين والتَّفرق والاختلاف سبب الالتئام والاجتماع والاتِّفاق ، فسبحان الله
ما أحسن صنعه !. انتهى مناوي على (( الجامع)).
والحديث ذكره في (( الجامع الصَّغير)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد ،
والشَّيخين : البخاري ومسلم ، وأبي داود ؛ عن عمران بن حصين .
والتُّرمذي ؛ عن عمر بن الخطّاب .
والإمام أحمد ؛ عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنهم . أجمعين .
١٧٩ - ((كَلِّمُوْا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُوْنَ) ؛ أي : بما يفهمونه وتدركه عقولهم ،
لأنَّ العقول لا تحتمل إلاَّ عَلى قَدْرِ طَاقَتِهَا ، فلها حد محدودٌ لا تتعدَّاه ، وشرُّ العلم
الغريبُ ؛ ( وَدَعُوْا مَا يُنْكِرُونَ)))؛ أي: ما يشتبه عليهم فهمه ؛ لأنَّ السَّامع لما
لا يفهمه قد يعتقد استحالته جهلاً ؛ فلا يصدق بوجوده .
٤٧٤
١٨٠ - ((كَمَا تَدِينُ .. تُدَانُ )).
فأفاد أنَّ المتشابه لا ينبغي ذكره عند العامَّة .
ويؤخذ من ذلك طلب تعليم العلوم السَّهلة أوّلاً لقاصر العَقل .
وينبغي للمدرِّس أنْ يكلُّم كلَّ طالب على قدر فهمه وعقله ، فيجيبه بما يحتمله
حاله .
ومن اشتغل بعمارة أو تجارة أو مهنة ؛ فحقُّه أن يقتصر به من العلم على قدر
ما يحتاج إِلَيْهِ مَنْ هو في رتبته من العامَّة ، وأنَّ يملأ نفسه من الرّغبة والرَّهبة الوارد
بهما القرآن. انتهى مناوي على ((الجامع)).
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) باللَّفظ الَّذي أورده المصنّفَ مرموزاً له برمز
البخاري .
وفي ((الكشف)) أنه في ((صحيح البخاري))؛ عن علي موقوفاً بلفظ: ((حَدِّثُوا
النّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ! )).
ونحوه ما في مقدمة ((صحيح مسلم))؛ عن ابن مسعود قال: (( مَا أَنْتَ
بِمُحَدِّثٍ قَوْماً حَدِيْئاً لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةٌ)). انتهى. ذكره في الكلام
على حديث : ((أُمِرْنَا أنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ)) .
١٨٠ - ((كَمَا تَدِيْنُ تُدَانُ))) ؛ أي : كما تفعل تُجازى بفعلك ، وكما تفعل
يُفعل معك ، سُمِّي الفعل المبتدأ جزاء ، والجزاء هو الفعل الواقع بعدَهُ ؛ ثواباً كان
أو عقاباً. للمشاكلة، كما في ﴿ وَجَزَُّؤَأْ سَبِئَةٍ سَفِئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [٤٠/ الشورى].
مع أنَّ الجزاء المماثل مأذونٌ فيه شَرعاً ؛ فيكون حسناً لا سيئاً !!
قال الميداني في ذلك : ويجوز إجراؤه على ظاهره ، أي : كما تُجازي أنْتَ
النَّاس على صنيعهم تُجَازَى أنْتَ على صنيعك ، والكاف في محلِّ نصب للمصدر ؛
أي : تُدان دِینا مثل دِینك .
٤٧٥
والقصاص إنْ لم يكن فيك ؛ أُخِذَ من ذرِّيَّتك، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ
تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُوا عَلَيْهِمّ فَلْيَتَّقُواْ اللّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا!
﴾ [النساء] .
فاتَّق الله في أولاد النّاس يحفظك في ذرِّيتك ، وَيُبَسِّر لهم ببركة تقواك ما تَقَرُّبِهِ عَيْنُكَ
بعد موتك ، وإن لم تَتَّقِ الله فيهم ؛ فأنْتَ مُؤَاخذٌ بذلك في نفسك وذرِّيَّتك ، وما فعلته كله
يفعل بهم ، وهم وإن كانوا لم يفعلوا ؛ لكنهم تبعاً لأُولئك الأصول ، وناشئون عنهم
وَالْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْعُ إِلََّ تَكِدًا﴾ [الأعراف] .
والحديث ذكره في (( كشف الخفا)) للعجلوني ، وقال : رواه أبو نُعيم ،
والديلمي ؛ عن ابن عمر رفعه في حديث بلفظ: ((البِرُ لاَ يَبْلَىُ، وَالذَّنْبُ لاَ يُنْسَى،
وَالدَّيَّانُ لاَ يَمُوتُ، فَكُنْ كَمَا شِئْتَ ، فَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ )).
وأورده ابن عديّ أيضاً في (( الكامل)) وفي سنده ضعيف.
قال في ((اللآلىء)): رواه البيهقي في ((كتاب الزُّهد))، و(( الأسماء
والصِّفات))؛ عن أبي قلابة قال: قال رسول الله وَّر: ((الذَّنْبُ لاَ يُنْسَى، وَالِبِرُّ
لاَ يَبْلِىُ، وَالدَّيَّانُ لاَ يَمُوتُ، وَكَمَا تَدينُ تُدَان)). ثمَّ قال في ((اللآلىء)): هذا
مرسل .
ورواه ابن عديّ في (( الكامل )) من حديث محمد بن عبد الملك .
وأخرجه عبد الرَّزَّاق في ((جامعه )) ؛ عن أبي قلابة رفعه مرسلاً .
ووصله أحمد في ((الزُّهد )) ، لكن جعله من قول أبي الدَّرداء .
ولابن أبي عاصم في «السُّنَّ)) بسندٍ فيه وضَّاع ؛ عن أنسٍ في حديث أنَّه قال :
((يَا مُوسىُ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ ».
وفي ((الحلية))؛ عن يحيى بن أبي عمرو الشَّيباني ؛ أنَّه قال : مكتوب في
((التَّوراة)): { كما تدين تدان، وبالكأس الذي تسقي به تشرب}. وفي التنزيل
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [١٢٣/ النساء].
٤٧٦
١٨١ - (( كَمَا تَكُونُوا .. يُوَلَّى عَلَيْكُمْ )).
وفي النجم؛ عن فُضَالة بن عبيد: مكتوب في ((الإِنجيل)): { كما تدين
تدانُ، وبالمكيال الَّذي تَكِيلُ تكتال}. انتهى كلام ((الكشف)). وفي
((العزيزي)): إنَّه حديث حسن لغيره .
١٨١ - ( ((كَمَا تَكُوْنُوْا يُؤَلَّى عَلَيْكُمْ)))؛ فإذَا اتَّقيتم الله وخفتم عِقَابَهُ ولَّى
عليكم من يخافه فيكم ، وعكسه .
وفي بعض الكتب المنزلة : { أَنا الله ؛ ملك الملوك ، قُلُوبُ الملوك ونَواصيهم
بيدي ، فَإِنِ العبادُ أَطاعوني جعلتُهُمْ عليهم رحمة ، وإنْ هم عصوني جعلتهم عليهم
عقوبةً ؛ فلا تشتغلوا بسبِّ الملوك ، ولكن توبوا إِليَّ أُعَطِّفْهُم عليكم } .
ومن دعاءِ المصطفىِ وَّهُ: ((اللَّهُمَّ؛ لاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا)).
والرواية بحذف النُّون وإثبات الياء في ((يُوَلَّى))، و((ما)) مصدريَّة؛ أعملت حملاً
على ((أنْ)) المصدريَّة، كما أهملت ((أن)) حملاً على (( ما)).
وذكر السُّيوطي في ((فتاواه الحديثيّة )): أنَّ حذف النُّون على لُغةٍ من يحذفُها بلا
ناصبٍ ولا جازم ؛ كما في حديث: (( لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّهَ حَتَّى تُؤْمِنُوا )) . أَوْ أَنَّ حذفها
على رأي الكوفيِّينَ الَّذي ينصبون ((كلَّما))، أو على أنَّه من تغيير الرواة ، لكن هذا
بعيد جداً . انتهى .
وأنشد بعضهم في المقام :
بِذُنُوبِنَا دَامَتْ بَلِيُنَا وَاللهُ يَكْشِفُهَا إِذَا تُبْنَا
والحديث ذكره العجلوني في ((الكشف))؛ وقال : رواه الحاكم ، ومن طريقه
الديلمي ؛ عن أبي بكرة مرفوعاً بلفظ: (( يُؤَلَّى عَلَيْكُمْ أوْ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ)) .
وأخرجه البيهقي بلفظ (( يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ)) بدون شَكٍّ، وبحذف (( أبي بكرة)).
فهو منقطع .
٤٧٧
١٨٢ - ((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ،
وأخرجه ابن جميع في ((معجمه))، والقضاعي؛ عن أبي بكرة بلفظ: (( يُوَلَّى
عَلَيْكُمْ )) بدون شَكٍّ ، وفي سنده مجاهيل .
ورواه الطَّبراني بمعناه ؛ عن الحسن أنَّه سمع رجلاً يدعو على الحَجَّاج ، فقال
له : لا تفعل، إنَّكم من أنفسكم أُتيتم؛ إنَّا نخاف إنْ عُزل الحجَّاجِ أَو مات أنْ يَتَوَلَّى
عليكم القردة والخنازير ، فقد روي : ((إِنَّ أَعْمَالَكُمْ عُمَّالُكُمْ، وَكَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى
عَلَيْكُمْ)) .
وقال (( النجم)) : روى ابن أبي شيبة ، عن منصور بن أبي الأسود قال : سألتُ
الأَعمش عن قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الَّذِينَ بَعْضَا﴾ [١٢٩/ الأنعام]. ما سَمِعْتَهُم
يقولون فيه ؟ قال : سَمِعْتُهم يقولون: إذا فَسَد النَّاس أُمْر عليهم شرَارُهُمْ.
وروى البيهقي ؛ عن كعب قال : إِنَّ لكل زمان ملكاً ، يبعثه الله على نحو قلوب
أهله ، فإذا أراد صلاحَهم ؛ بعث عليهم مصلحاً ، وإذا أراد هلاكَهم ؛ بعث عليهم
مُتْرَفِيهِمْ .
وله عن الحسنِ : أنَّ بني إسرائيل سألوا موسى عليه الصَّلاة والسَّلام : سل لنا
ربَّك يُبَيِّن لنا علم رضاه عنا، وعلم سخطه ، فسأله ، فقال : أَنْبِثْهم أنَّ رضائي عنهم
أنْ أستعمل عليهم خيارهم ، وأنَّ سخطي عليهم أن أستعمل عليهم شِرارهم . انتهى
ملخصاً .
١٨٢ - ((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ) ؛ أي: عِشْ بباطِنِكَ عَيْشَ الغريبِ عن
وطنه بخروجك عن أوطان عاداتها ومألوفاتها ؛ بالزُّهد في الدُّنيا ، والتَّزؤُد منها
للآخرةَ ، فَإِنَّها الوطن ؛ أي : إنَّ الدَّار الآخرة هي دار القَرارِ ، كما أنَّ الغريب حيث
حلَّ نازعٌ لوطنه ، ومهما نال من الطُّرَف أعدَّها لوطنه ، وكلما قَرُبَ مرحلةً سرَّه ،
وإنْ تَعَوَّقَ ساعةً ساءَهُ ، فلا يتّخذ في سفره المساكن والأصدقاء ، بل يجتزىء بالقليل
قدر ما يقطع به مسافة عبوره ؛ لأنَّ الإنسانَ إنَّما وجد ليمتحن بالطّاعة ؛ فيثاب ، أو
بِالإِثم ؛ فيعاقب ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [٧/ هود]، فهو كعبد أَرسله سيِّدهُ في
٤٧٨
أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ )) .
حاجة ، فهو إمَّا غريب أو عابر سبيل ، فحقُّه أن يبادر لقضائِها ثُمَّ يَعُود إلى وطنِهِ .
وهذا أصل عظيم في قصر الأمل ، وأنْ لا يتّخذ الدُّنيا وطناً ومسكناً ، بل يكون
فيها على جناح سفر مهيّاً للرَّحيل ، وقد اتفقت على ذلك وصايا جميع الأمم .
وفيه حثٌّ على الزُّهد والإعراض عن الدُّنيا ، والغريب المجتهد في الوصول إلى
وطنه لا بُدَّ له من مركب ؛ وزاد ؛ ورفقاء ؛ وطريق يسلكها .
فالمركب : نفسه ، ولا بد من رياضة المركوب ليستقيم للرّاكب ، والزَّاد :
التقوى ، والرُّفقاء: الَّذين أنْعم الله عليهمْ من السَّبِّين والصِّدِّيقين و[الطريق: ] الصِّراط
المستقيم، وإذا سَلَك الطَّريق لم يزل خائفاً من القطّاع؛ ((إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلٍ
الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنِهَا إِلَّ ذِرَاعٍ)). انتهى مناوي على ((الجامع)).
( أَو ) بل (عَابِرُ سَبِيلٍ) طريق قال الطّيبي: ليست ((أو)) للشَّكِّ ولا للتَّخيير
والإباحة ، والأَحسن أن تكونَ بمعنى ((بل)).
فشبّه النَّاسكَ السَّالك بالغريب الَّذي لا مسكن له يؤويه ، ثُمَّ ترقى وأضرب عنه
إلىّ عابر السَّبيل لأنَّ الغريب قد يسكن في بلد الغُربة ، بخلاف عابر السَّبيل ، القاصد
لبلد شاسع ، وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق ! فإنَّ من شأنه أن
لا يقيم لحظة ، ولا يسكن لمحة ، ومن ثمَّ عقَّبه بقوله: ( وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ
القُبُورِ ))) ؛ أي : استمرّ سائراً ولا تَفْتُر ، فإنَّك إنْ فترتَ انقطعتَ وهلكتَ في تلك
الأَوديةِ ، فلا تتنافس في عمارة الدُّور فعل المستوطن المغرور ؛ فَيَأْتيكَ الموتُ من
غیر استعدادٍ ، وتقدم على سفر آخرة بغير زاد .
والحديث أخرجه البيقي في ((الشُّعب))، والعسكري ؛ من حديث ابن عمر بن
الخطّاب مرفوعاً في جملة حديث .
وأخرجه البخاري في ((صحيحه))؛ (( كتاب الرِّقاق)) ؛ عن ابن عمر قال: أَخذ
رسول الله وَله بمنكبي فقال: ((كُنْ فِي الدُّنْيا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل)).
٤٧٩
١٨٣ - ((أَلْكَيِّسُ .. مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ أَلْمَوْتٍ،
وَأَلْعَاجِزُ .. مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ،
وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصَّباحَ ، وإذَا أَصبحتَ فلا تَنْتُظر
المَسَاءَ، وخُذْ من صِحَتك لِمَرضك، ومن حياتك لموتك)). وهذه رواية البخاري
كما في « الأربعين النَّوويَّة )).
وزاد أحمد ، والنَّسائي؛ أوَّله: ((اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)). ورواه التُّرمذيُّ بمثل
رواية البخاري، إلاّ أَنَّه قدَّم جملة: ((وَإِذا أصبحت))، وقال : ومِنْ حياتك قبل
موتِكَ ، فَإِنَّكَ لا تدري يا عبد الله! ما اسمك غَداً!)) . ورواه أبو داود وابن ماجه .
١٨٣ - ((الكَيِّسُ) - بتشديد الياء مكسورة ؛ مأخوذة من الكَيْس- بفتح فسكون.
قال في ((النهاية)): أي: العاقل المتبصِّر في الأمور ، النَّاظر في العَواقب.
هو : ( مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ) ؛ أي : أذلَّها واسْتَعْبَدها وَأَذَّبها ، وقيل : حاسَبَها ؛ يعني :
جعل نفسه مطيعةً منقادةً لأوامرربِّها ، مجتنبةً لنواهيهِ ، فلازم الطّاعة وتجنّب المعصية .
( وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ ) قبل نزوله ، ليصيرَ على نور من ربه ؛ فالموت عاقبة
أمور الدُّنيا ، فالكيِّسُ مَن أَبصر العاقبةَ، والأَحمق من عَمِيَ عنها وحَجَبَتْهُ الشَّهوات
والغفلات ، وعاجل الحاصل يشترك في درك ضرِّه ونفعه جميع الحيوانات بالطّبع ؛
وإِنَّمَا الشَّأْن في العمل للآجِل !!
فجديرٌ بمن الموتُ مصرَعُهُ ، والتُّراب مضجعه، ومُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ جليسه ، والدُّود
أنيسُهُ ، والقبر مَقَرُّهُ، وبطن الأَرض مستقرُّه، والقيامةُ موعدُهُ ، والجنَّةُ أو النَّار مورِدُهُ ؛
أن لا يكون له فكر إِلاَّ في الموت وما بعده، ولا ذكر إلاَّ له، ولا استعداد إِلاَّ
لأجله ولا تدبير إِلاَّ فيه، ولا اهتمام إلاَّ به، ولا انتظار إلاَّ له، وحقيق أن يَعُدَّ نَفْسَه
من الموتى ويراها في أهل القبور ، فكل ما هو آت قريب ، والبعيد ما ليس بآت .
( وَالعَاجِزُ) - بمهملة وجيم وزاي - ؛ من العجز ؛ أي : المقصِّر في
الأمور، ورواه العسكري: ((الفَاجر))؛ بالفاء والرَّاء ؛ من الفُجور .
( مَنْ أَتْبَعَ) - بسكون المثنَّاة الفوقيّة - ( نَفْسَهُ هَوَاهَا) ؛ أي : صيَّرها تابعةً
٤٨٠