النص المفهرس
صفحات 441-460
١٤٥ - ((الصَّلاَةُ .. مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ ، وَالنَّبِيذُ .. مِفْتَاحُ كُلِّ شَرِّ)).
١٤٦ - ((صُومُوا .. تَصِخُوا)).
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) ورمز له برمز البيهقي في (( شعب
الإيمان)) ؛ عن عمر بن الخطّاب، ثمَّ قال البيهقي: عكرمة لم يَسْمَعْ من عمر !!
قال : وأظُنُّ عن ابن عمر .
قال الحافظ العراقي في حاشية ((الكشاف)): فيه ضعيفٌ وانقطاعٌ .
ولم يقف عليه ابن الصَّلاح ؛ فقال في (( مشكل الوسيط)) : إنَّه غير معروف .
وقول النَّويِّ في (( التنقيح )) حديث منكرٌ باطلٌ ! رده ابن حجر ، وشنَّع .
وأخرجه أيضاً الديلمي في (( مسند الفردوس )) من حديث علي . انتهى مناوي على
((الجامع)). وذكره في ((كشف الخفاء ))، وأطال في ذكر مخرِّجيه ، فراجعه .
١٤٥ - ( ((الصَّلاَةُ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ) يحصل للعَبد، (وَالنَّبِيذُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرِّ)))؛
أي: أصله ومنبعه ؛ والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً برمز
الإمام أحمد ، وذكره في (( كشف الخفاء)) ، وقال : رواه الدَّیلمي ؛ عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما .
١٤٦ - ( ((صُوْمُوْا تَصِخُوْا))) من الأَمراض، لما ورد: ((المَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ ،
وَالحِمْيَّةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ ». وَالصَّوْمُ أَعْظَمُ حِميةٍ ؛ لأَنَّ يُخلِي الجوف من العفونات ،
وهذا فيمن يتناول عند فطوره وسحوره اللائق !! أمَّا من يخلط ويَأكل عند ذلك قَدْر
ما يأكله وهو مفطر أو أكثر !! فلا تحصل له الصِّحة ؛ لوجود العفونات في جوفه .
وقد أجمعَ مُجرِّبَةُ أعمالِ الدّيانِةِ مَنْ: ﴿ وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ
يُرِيدُونَ﴾ [٥٢/ الأنعام]؛ على أنَّ مفتاح الهدى والصِّحَّة: الجوعُ؛ لأنَّ الأعضاء إذا
وهنت لله نَوَّرَ الله القَلبَ، وصَفَّى النََّس، وقَوَّى الجِسْم ؛ ليظهر من أمر الإِيمان
بقلب العادة جديد عادةٍ هي لأَوليائِهِ أجل في القوى من عادته في الدُّنيا لعامَّة خلقِهِ .
انتهى من شروح ((الجامع الصغير)).
٤٤١
والحديث ذكره في ((الجامع)) ، وقال : أخرجه ابن السُّنِّي وأبو نُعَيْم معاً في
كتاب (( الطب النبوي)) ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال الزَّينُ العراقي:
كلاهما سندهُ ضَعِيفٌ .
وذكره في ((كشف الخفاء)) بلفظ: ((سَافِرُوا تَرْبَحُوا، وُصُومُوا تَصِغُوا ،
وَاغْزُوا تَغْنَمُوا )). وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
مرفوعاً .
ورواه الطَّبرانيُّ بلفظ: ((اغْزُوا تَغْنَمُوا، وَصُومُوا تَصِخُوا، وَسَافِرُوا
تَسْتَغْنُوا » .
وفي رواية لابْنِ نَجِيبٍ : ((سَافِرُوا تَرْبَحُوا، وَصُومُوا تَصِخُوا، وَاغْزُو
تَغْنَمُوا )).
وَلِلطَّبراني، والحاكم؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ((سَافِرُوا
تَصِخُوا وَتَغْنَمُوا)). وبهذا اللَّفظ رواه أيضا القضاعي، والطّبراني؛ عن ابن عمر
رفعه .
ورواه أبو نُعيم في ((الطب)) أيضاً؛ عن ابن عمر رفعه بلفظ: (( سَافِرُوا تَصِغُوا
وَتَسْلَمُوا)). ورواه أيضاً؛ عن أبي سعيد الخدري رفعه: ((سَافِرُوا تَصِخُوا)).
ومثله في ((الدرر )) مَعْزُوّاً لأَحمد ؛ عن أبي هريرة ، والطّبراني ؛ عن ابن عباس ،
والقضاعي؛ عن ابن عمر. وعزاه في ((الَّلآلي)) لـ ((مسند أحمد))؛ عن أبي هريرة
بلفظ: ((سَافِرُوا تَصِخُوا، واغْزُوا تَغْنَمُوا)). انتهى بحذف.
٤٤٢
( حَرْفُ الضَّادِ )
١٤٧ - ((ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ .. الْعِلْمُ)).
( حَرْفُ الضَّادِ )
١٤٧ - ( ((ضَالَّةُ المُؤْمِنِ) ؛ الكامل الإِيمان (العِلْمُ)) ) ؛ يعني: يسعى في
تحصيله كما يسعى صاحب الضَّالَّة في تحصيلها ؛
شبهَه بالضَّالَّةِ بجامع الحفظ والتَّقييد في كلِّ .
وتمام الحديث: ((كُلَّمَا قَيَّدَ حَدِيثاً طلبَ إِلَيْهِ آخَر)). ذكره في (( الجامع
الصغير)) مرموزاً له برمز الدَّيلمي في ((مسند الفردوس))؛ عن عليٍّ أمير المؤمنين ،
وأخرجه أبو نُعيم وابن لال أيضاً . انتهى مناوي على (( الجامع الصغير)). وقد
تقدم: ((الحِكْمَةُ ضَالَّة المُؤْمِنِ)).
٤٤٣
( حَرْفُ الطَّاءِ )
١٤٨ - ((طَاعَةُ الْمَرْأَةِ .. نَدَامَةٌ)).
١٤٩ - ((طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ)).
(حَرْفُ الطَّاءِ )
١٤٨ - ( (طَاعَةُ المَرْأَةِ نَدَامَةٌ)) ) ؛ لنُقْصانِ عقلها ودينها ، وتقصير رأيِهَا ،
والنَّاقص لا ينبغي طاعَتُه إلاَّ فيما أُمِنَتْ غَائِلَتُّهُ وَهَانَ أَمْرُهُ ، فَإِنَّ أَكْثرَ ما يُفْسِدُ المُلْكَ
وَالدُّوَلَ طَاعَةُ النِّسَاءِ ، ولهذا قال عمر - فيما رواه العسكري -: خَالفوا النِّساءَ، فَإِنَّ
فِي خِلاَفِهِنَّ البَرَكَةَ .
قال إمام الحرمين : لا نعلم امرأةً أشارت برأيٍ فَأَصابت إلاَّ أمّ سلمة في صلح
الحُدَيْبِيَة . انتهى . واستدرك عليه ابنة شعيب في أمر موسى . انتهى .
وأمَّا ما اشتهر على الأَلْسنة من خَبَر ((شَاوروهنَّ وخالفوهنَّ)) !! فلا أَصل له .
انتهى مناوي على ((الجامع)).
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير )) مرموزا له برمز ابن عدي ؛ عن زيد بن
ثابت رضي الله تعالى عنه .
قال الحفني : وهذا الحديث قد تُكُلِّم فيه بالوَضع . انتهى .
١٤٩ - (((طُوْبَى) - تأنيث أطيَبَ، أي: راحة وطيب عيش (لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ
عَنْ عُيُوْبِ النَّاسِ ))) ؛ فلم يشتغل بها ، فعلى العاقل أن يتدبَّر في عيوب نفسه ، فإِن
وجد بها عيباً ! اشتغل بعيب نفسه ، فيستحي من أن يترك نفسه وَيَذمَّ غيره ، بل یعلم
أنَّ عجز غيره عن نفسه في التنزُّه عن ذلك العيب كعجزه ، هذا إن كان ذلك عيباً يتعلَّق
بفعله واختياره ، فإنْ كان خَلْقياً! فالذَّتُ له ذمّ للخالِقِ . فَإِنَّ مَنْ ذَّ صنعة فقد ذمَّ
صانِعَهَا .
٤٤٤
١٥٠ - ((طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ )).
وإذا لم يجد بنفسه عيباً! فليعلم أن ظنَّه بنفسه أنَّه عَرِيَ من كلِّ عيبٍ جهلٌ
بنفسه ، وهو من أعظم العيوب .
ومن علامة بُعْدِ العَبد عن حضرةِ ربِّه نسيانُ عيوبه ونقائِصه ؛ وذلك لأنَّ حضرة
الحقِّ نورٌ ، وشأن النُّور أن يكشف عن الأشياءِ بخلاف الظلام !!
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) و(( كشف الخفاء)) وقالا: رواه
الدَّيلمي ؛ عن أنس مرفوعاً ، وتمامه : (( وَأَنْفَقَ الفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الفَضْلَ
مِنْ قَوْلِهِ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ؛ وَلَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا إِلى البِدْعَةِ )).
ورواه العسكريُّ عنه أيضاً ، وعدَّه من الحكم والأَمثال .
ورواه أيضاً أبو نُعيم من حديث الحسين بن علي ، قال الحافظ العراقي : وكلُّها
ضعيفة ، قال في التمييز : وأخرجه البزَّار ؛ عن أنس مرفوعاً بإسناد حسن . انتهى .
١٥٠ - ((طُوْبَىْ لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))) . قاله جواباً لمن سأل : أيُّ
النَّاسِ خير ؟ و(( طوبى)) كلمة إنشاء ؛ لأنَّها دعاء ، معناها : أصابَ الخير من طال
عُمُرُهُ وحسن عمله . وكان الظَّاهر أن يجابَ بقولِهِ (( مَنْ طَالَ)). فالجواب من
الأُسلوبِ الحكيم ؛ أي : غير خافٍ أنَّ خَيْرَ النَّاس من طال عمره وحسن عمله .
قال القاضي : لما كان السُّؤال عمَّا هو غيبٌ لا يعلمه إلاَّ الله ؛ عدل عن الجواب
إلى كلامٍ مبتدأ ، ليشعر بأمارات تدلُّ على المسؤول عنه ؛ وهو طول العمر مع حسن
العمل ، فإنَّه يدلُّ على سعادة الدَّارين والفوز بالحُسْنَيَّيْن .
قال الإمام علي بن أبي طالب : مَوْتُ الإِنسانِ بَعْدَ أن كَبِرَ وَعَرَفَ رَبَّه خيرٌ من
موته طفلاً بلا حسابٍ في الآخرة. ذكره الطيبي. انتهى مناوي؛ على ((الجامع)).
قال العجلوني في ((كشف الخفاء )): ومفهوم الحديث أنَّ شرَّ النَّاس مَن طال
عمره وقَبُحَ عمله ، وهو كذلك .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) في (( كتاب المرضى)» أحاديث
٤٤٥
تدلُّ للأمرين ، وجمع بينهما باختلاف الحالين . وقلت في ذلك :
إن رَاقَبَ الرَّحْمَنَ عَبدُهْ
طُوْلُ الحَيَاةِ حَمِيدَةٌ
ـرٌ وَالسَّعِيدُ أَتَاهُ رُشده
وَبِضِدِّهِ نَالمَوْتُ خَيْـ
انتهى .
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز الطبراني في ((الكبير))،
وأبي نعيم في ((الحلية )) بسندٍ فيه بَقِيَّةُ ! عن عبد الله بن بسر مرفوعاً .
وفي العزيزي : إنَّ إسناده حسن . وأخرجه التِّرمذي ؛ عن أبي بكر بلفظ :
(( خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)). وقال: حسن صحيح. انتهى ((كشف
الخفاء)) .
٤٤٦
(حَرْفُ الظَّاءِ )
١٥١ - ((ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ .. حِمَىَ؛ إِلاَّ بِحَقِّهِ)).
(حَرْفُ الظَّاءِ )
١٥١ - ((ظَهْرُ المُؤْمنِ ) ، وكذا جميع بدنه ( حِمَىِّ ) ؛ أي : محميٌّ معصوم
من الإيذاء ( إِلا بِحَقِّه))) ؛ أي : حقِّ الله ، أو بحقِّه ؛ أي : المؤمنِ ، أي : الحقُّ
المتوجِّه عليه من حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ معلّم ، فيحرم ضرب المسلم بغير حقٌّ ، وقد
عُدَّ ذلك كبيرةً .
وكذا يحرم ضربُ أهلِ الذِّمَة ؛ لكن إِثم ضرب أهل الذِّمة دون إِثم ضرب
المؤمن. وهذا الحديث له شاهد خرَّجه أبو الشَّيخ، والعسكري في ((الأمثال))؛
عن عائشة بلفظ: ((ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمَىَ إلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ )) . نَظِيرُ المَعَاصِي
حِمَى الله . والمعنى : لا يضرب ظهره إلا في حدٍّ من الحدود .
والحديث المذكور في المتن ذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز
الطَّراني في (( الكبير))، وكذا الدَّيلمي ؛ عن عصمة بن مالك الخطمي الأنصاري
رضي الله عنه وجزم المنذري بضعفه . انتهى مناوي على (( الجامع)).
٤٤٧
( حَرْفُ الْعَيْنِ )
١٥٢ - ((الْعِدَةُ .. دَيْنٌ)).
( حَرْفُ العَيْنِ )
١٥٢ - ( ((العِدَةُ دَيْنٌ))) ؛ أي: هي في مكارم الأخلاق كالدَّين الواجب أداؤه
في لزوم الوفاء ، فيكره الخُلْف في الوعد بلا عذر ، لما ورد فيه من التَّشديد والحثِّ
على الوفاء بالوعد ؛ وإن كان مندوباً .
فمن ذلك: ما رواه الطَّبراني في ((الأوسط )) وغيره ؛ عن علي أمير المؤمنين .
ولفظه: (( العِدَةُ دينٌ، ويل لمن وعد ثمَّ أخْلَفَ، ويلٌ ثمَّ وَيْلٌ له)) فالمخلف
يستوجِبُ بالمنع لوم الخلف ، ومقت الغادر ، وهجنة الكذوب .
وقد أثنى الله على إسماعيل عليه الصَّلاة والسَّلام بِأَنَّه كان صادق الوَعْد . قال
الشَّاعر :
وَكَفَّكَ بِالمَعْرُوفِ أضْيَقُ مِنْ قُقْلٍ
لِسَانُكَ أَحْلَىْ مِنْ جَنَى النَّحْلِ وَعْدُهُ
إِلىْ أَمَدٍ نَاولتَه طَرَفَ الحَبْلِ
تَمَنَّى الَّذِي يَأْتِيكَ حَتَّى إِذَا انْتُهى
وقال كعب :
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلاً وَمَا مَوَاعِيدُهَا إلَّ الأَبَاطِيلُ
وقال آخر :
وَعَدْتَ وَكَانَ الْخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً مَوَاعِيدَ عُزْقُوبٍ أَخَاهُ بِيَئِبِ
وقال النَّجم الغزّي : وممَّا كتبته لبعضهم مستجيزاً :
قَدْ وَعَدْتُمْ بِالجَمِيلِ أَنْجِزُوا مَا وَعَدْتُمْ فَنِجَازُ الوَعْدِ زَيْنْ
في حَديثٍ قَدْ رُوِنِنَا لَفْظَهُ عَنْ ثِقَاتِ العُلَمَاءِ: ((الوَعْدُ دَيْنْ))
والحديث ذكره في (( كشف الخفاء)) وقال : رواه القضاعي بلفظ التَّرجمة
٤٤٨
١٥٣ - ((اَلْعُزْلَةُ .. سَلَاَمَةٌ)).
فقط، ورواه الطَّبراني في ((الأوسط)) والقضاعي وغيرهما ؛ عن ابن مسعود بلفظ :
قال: لاَ يَعِدْ أحَدُكُمْ صَبِيَّهُ ثُمَّ لاَ يُنْجِزْ لَهُ، فَإِنَّ رسول اللهَِّ قال: «العِدَةُ دَيْنٌ )).
ورواه أبو نُعيم عنه بلفظ : إذا وعد أحدكم صبيَّه فلينجز له ، فإنِّي سمعت
رسول الله ◌َ، وذكره بلفظ: ((العِدَةُ عَطِيَّةٌ)). ورواه البخاريُّ في ((الأدب
المفرد)) موقوفاً، ورواه الطبراني والدَّيلمي؛ عن عليٍّ مرفوعاً بلفظ: ((العِدَةُ
دَيْنٌ ، وَيْلٌ لِمَنْ وَعَدَ ثُمَّ أَخْلَفَ، وَيْلٌ لَهُ - ثَلاَثاً )).
وللدَّيلمي أيضاً بلفظ: ((الوَعْدُ بِالعِدَةِ مِثْلُ الدَّيْنِ أَوْ أَشَدُ))؛ أَي : وعد
الواعد، وفي لفظ له: ((عدَةُ المُؤْمِنِ دَيْنٌ، وَعِدَةُ المُؤْمِنِ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ ». انتهى
ملخصاً .
١٥٣ - (العُزْلَةُ سَلاَمَةٌ) ؛ في الدِّين والدُّنيا ، والسَّلامة هي رأس المال ، وقد
قيل : لاَ يَعْدِلُ بالسَّلامة شيءٍ .
وفيه حثٌّ على إيثارِ العُزْلةِ إذَا تعذَّرت صُحبة الصَّالحين، وحجةٌ لِمَنْ فضَّل
العُزلة، وقد ترجمَ البُخاريُّ (( بَابٌ: العُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ خُلَّطِ السُّوءِ ».
وذكر حديث أبي سعيد رفعه: (( وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُد رَبَّهُ وَيَدَعُ
النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ))؛ وأخرج ابن المبارك ؛ عن عمر : خذوا حظّكم من العزلة .
وما أحسن قول الجنيد (( مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطاء)).
قال الغزالي : عليك بالتفرُّد عن الخلق ؛ لأنَّهم يشغلونك عن العبادةِ .
وما أحسن ما قيل :
فَدَامَ الأُنْسُ لِي وَنَمَا الشُّرُورُ
أنِسْتُ بِوحْدَتِي وَلَزِمْتُ بَيْتِي
هُجِرْتُ فَلاَ أُزَارُ وَلاَ أَزُورُ
وَأَدَّيَنِي الزَّمَانُ فَلاَ أُبَالِي
أَسَارَ الجَيْشُ أَمْ قَدِمَ الأَمِيرُ !
فَلَسْتُ بِسَائِلٍ مَا دُمْتُ يَوْماً
وفي (( إتمام الدِّراية لقراء النِّقاية)) للحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله
٤٤٩
١٥٤ - ((الْعِرْقُ .. دَسَّاسٌ)).
تعالى : ومخالطة النَّاس وتحمُّل أذاهم أفضل من اعتزالهم .
قال ◌َلهُ: ((المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَىْ أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي
لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلى أَذَاهُم)). رواه البخاري في ((الأدب المفرد))،
وغيره .
وهو - أي : اعتزالهم - أفضل حيثُ خاف الفتنة في دينه بموافقتهم على ما هم
عليه، وعليه يُحمل حديث عُقْبَةَ السَّابق: ((أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ
بَيْتُكَ )).
وحديث البخاري : ((يوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمَا يَتبعُ بِهَا شَعَفَ
الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)). انتهى ملخصاً.
والحديث ذكره في ((كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الدَّيلمي في ((مسند
الفردوس )) .
١٥٤ - ( ((العِزْقُ دَسَّاسٌ)))؛ أي: دَخَال ـ بالتَّشديد - لأَنَّ ينزع في خفاء
ولطف ، يقال : دَسَسْتُ الشَّيءَ إذَا أَخْفَيْتَه وأخملته، ومنه ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنُهَا
١٠
[الشمس] أي : أَخْمَلَ نَفْسَهُ وأبخس حظّها ، وقيل : معنى دسَّاس : خفيٌّ قليل ، وكل
من أخفيته وقلَّلته فقد دسته .
والمعنى : أنَّ الرجل إذا تزوَّج في منبت صالح يجيء الولد يشبه أهل الزَّوجة في
العمل والأَخلاق ونحوهما ، وعكسه بعكسه ، فعلى العاقل أن يَتَخَيَّر لنُطْفَتِهِ
وَلا يضعها إلاَّ في أصلِ أصيلٍ ، وعنصر طاهر ، فإِنَّ الولد فيه عرق ينزع إلى أمِّه ،
فهو تابع لها في الأخلاق والطّباع. انتهى مناوي على (( الجامع)).
فمن أراد التزوُّج بامرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها ؛ فإِنَّها تأتيه بأحدهما ؛ لأنَّ
الخلال تتبع الخال ، فينبغي التزوُج بأصيلةِ النَّسب ؛ تباعداً بأولاده عن المنبت
السُّوء، وتقدم حديث: ((إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ)» . ولله درُّ مَن قال :
٤٥٠
١٥٥ - ((عَفْوُ الْمُلُوكِ .. أَبْقَىْ لِلْمُلْكِ)).
١٥٦ - ((عَلَىْ أَلْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ )) .
لاَ تَنْكِحَنَّ سِوَىْ كَرِيمَةٍ مَعْشَرٍ فَالْعِزْقُ دَسَّاسٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ
أَوَ مَا تَرَى أنَّ النَّيجَةَ دَائِماً تَبَعُ الأَخَسِّ مِنَ المُقَدِّمَتَيْنِ
والحديث ذَكَرَهُ العجلوني في «الكشف )» ، وقال : رواه الدَّيلميُّ والبَيْهقيُّ في
(( شعب الإيمان))؛ كلاهما عن ابن عباس مرفوعاً في حديثٍ أَوَّلُهُ: ((النَّاسُ
معادنُ ، والعِرْقُ دَسَّاسٌ، وَأَدَبُ السُّوء كَعِرْقِ السُّوءِ )) .
وللمديني في كتاب (( تَضييع العمر والأيام في اصطِنَاع المعروف إِلى اللِّئام)) عن
أنسٍ بلفظ: ((تَزَوَّجُوا فِي الحُجْزِ الصَالِحِ فإنَّ العِرْقَ دَسَّاسٌ)) ذكره النجم الغزي.
انتهى. وَنَحْو ذلك في (( الجامع الصغير))، ورمز للحديث الأخير برمز ابن عَدِي
عن أنسٍ .
1
قال المناوي ورواه - يعني الحديث الأَخير - الدَّيلميّ في (( مُسْنَدَ الفِردَوس »
والمديني في كتاب ((تضييع العمر))؛ عن ابن عمَر وزادَ: (( وانْظُرْ فِي أَيِّ نِصَابٍ
تَضَعُ وَلَدَكَ ))! قَالَ الحافظ العراقيُّ: وَكُلُّهَا ضعيفة .
١٥٥ - ((عَفْوُ المُلُوْكِ) - بضمِ الميم؛ جمع ((مَلِكِ)) بفتح الميم وكسر اللام -
( أَبْقَىْ ) - بالموحدة والقاف - ( لِلْمُلْكِ)))؛ أي: أَدْوَمُ وأَثْبَتُ ، وَيَمُدُّ فِي العُمُرِ
أيضاً ؛ كما في حديث الحكيم ؛ أي : يُبَارِكُ فيه بِصَرْفِهِ في الطاعات ؛ فكأنَّه زاد ،
وأَفاد بمفهومِهِ أَنَّ التَّسَارُعَ إِلى العقوبة لا يَطُولُ معه المُلْكُ. قِيلَ: وهذا مُجَرَّبٌ ،
انتھی (( عزيزي )).
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) وقال: أخرجه الرافعيُّ في (( تاريخ
قَرْوين )) ؛ عن علي أَمير المؤمنين كرم الله وجهه . آمين .
١٥٦ - ((عَلَىُ اليَدِ)؛ أي: على صاحبها ضمان (مَا) - أَي: الَّذي -
( أَخَذَتْ )؛ أي : أَخَذَتْهُ اليد ( حَتَّى تُؤَدَِّهُ))) إِلى صاحِبِهِ ، فحينئذ تَبْرَأُ مِنَ
٤٥١
١٥٧ - ((الْعَيْنُ .. حَقٌّ)).
الضمان ، والإِسناد إلى اليدِ على المبالغة لأنَّها هي المتَصَرِّفَة ، فمن أخذ مال غيره
بِغَصْبٍ أَو عَارِيَّةٍ أو نحو ذلك! لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلى مالِكِهِ إِن كان باقياً ، وإِن تَلِفَ ! لَزِمَهُ رَؤُّ
بَدَلِهِ ، وأَخَذَ بظاهِرِه المالكيَّةُ ، فَضَمَّنُوا الأُجَرَاءَ مُطْلَقاً .
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) و(( الكشف)) وقالا: أخرجه الإِمام
أحمد، والأَربعة، والحاكم بهذا اللفظ، ولفظ أَبي داود والترمذي (حتَّى تُؤَدِّيَ »
بدون الهاء ؛ وكلهم رووه عن الحسن البصريِّ، عن سَمُرَة مرفوعاً .
قال : في ((التمييز)): وصَخَحَه الحاكِمُ وحَسَّنَهُ الترمذي .
والحسن البصري راويه عن سَمُرَة مُخْتَلَفٌ في سَمَاعِهِ منه !! وزاد فيه أكثرهم :
ثم نسي الحسن فقال : هو أمينك لا ضمان عليه . انتهى .
١٥٧ - ((العَيْنُ حَقٌّ)))؛ يعني : الضرر الحاصل عنها حَقٌّ، أَي : ثابتٌ
وُجودِيٌّ مَقْضِيٍّ به في الوضع الإلهي ، لا شُبْهَةَ في تأثيرهِ في النفوس والأَموالِ . هذا
قول عامة الأَمة ومذهبُ أَهلَ السُّنّةِ .
وأَنكره قوم مُبْتَدِعَةٌ !! وهم محجوجون بما يشاهَدُ منه في الوجود ، فكم من
رَجُلٍ أَدْخَلَتْهُ العين القَبْرَ !! وكم من جَمَلٍ أدخلته القِدْر !!
لكنه بمشيئة الله تعالى، ولا يُلْتَفَتُ إِلى مُعْرِضٍ عن الشَّرْع والعقل تمسكاً
باستبعادٍ لا أَصْلَ له! فإِنَّا نُشَاهِدُ مِنْ خَواصُ الأَحْجارِ وتأثير السِّحَر ما يَقْضِي مَعَهُ
العَجَبُ ، وتحقق أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ مُسَبِّبِ الأَسْبَابِ .
وقُرِّب ذلك بالمرأة الحائض ؛ تضع يدها في إناء اللَّبَنِ فيفسد ، ولو وضعتها
بعد طهرها لم يفسد !! وتدخل البُستَانَ فَتَضُرُّ بكثيرٍ من العروش بغير مَسِّ !
والصحيح ينظر إلى الأَرمَدِ فقد يَزْمَدُ !! ویتثاءبُ واحد بحضرته فیتثاءب هو ! وقد
ذكروا أنَّ جنساً من الأَفاعي إذا وقع بَصَرُهُ على الإِنسان هلك !
وحينئذ فالعين قد تكون من سُمِّ يَصِلُ مِنْ عَيْنِ العَائِنِ فِي الهواءِ إِلى بَدَنِ المَعْيُونِ .
٤٥٢
..
وقد أجرى الله عادَتَهُ بوجودِ كثيرٍ مِنَ القُوى والخَواصِّ والأَجْسَام والأرواح ،
كما يحدث لمن ينظر إِليه مَنْ يحتشمه مِنَ الخجل فيحدث في وجهِهِ حُمْرَةٌ شديدة لم
تكن قبلُ . وكذا الاصفرار عندَ رؤيةٍ مَنْ يَخَافُهُ ، وذلك بواسطةِ ما خلق الله في
الأرواح من التأثيرات . ولشدّة ارتباطها بالعين نُسِبَ الفِعْل إِلى العين ، وليست هي
المؤثرة !! إِنّما التأثيرُ الرُّوحِ ، والأرواح مختلفة في طبائعها ، وقواها ، وكيفياتها ،
وخواصها .
فمنها ما يؤثِّر في البدن بمجرَّد الرؤية بغير اتصال ، ومنها ما يؤثِّرُ بالمقابلة ،
ومنها ما يؤثر بتوجه الروح ؛ كأحاديث من الأدعية والرُّقى والالتجاء إلى الله ، ومنها
ما يقع بالتوهُّم والتخييل .
فالخارجُ من عين العائن سَهْمٌ معنوي ؛ إِنْ صَادَفَ البَدَنَ ولا وقايةَ ؛ لأثَّر فيه ،
وإِلا ، فلا ، كالسَّهم الحسِّي . وقد يرجعُ على العائن .
وقد اخْتُلِفَ في جريان القِصَاص في القتل بالعين !!
فقال القرطبي : لو أتلف العائن شيئاً ضمنه ، ولو قَتَل فعليه القِصاصُ ؛ أو الدِّيةُ
إِذَا تكرَّر ذلك منه بحيث يصير عادةً .
ومنع الشَّافعيّة القِصَاصَ في ذلك ؛
وقال النَّوويُّ في ((الرَّوضة)): وَلاَ دِيَةَ فيه ولا كفارة؛ لأَنَّ الحكم إنَّما يترتَّب
علىُ مُنْضَبِطٍ عامٌ ؛ دون ما يختصُّ ببعض النَّاسِ في بعض الأحوال ممَّا لا انضباط
له ، کیف ولم يقع منه فعلٌ أصلاً !؟
ثمَّ قال : قال القاضي : في هذا الحديث من الفِقْه ما قاله بعض العلماء : أنّه
ينبغي إذا عُرِفَ أحدٌ بالإصابة بالعين أنْ يُجْتَنَبَ ويُحتَرَز منه ، وينبغي للإمام منعه من
مداخلة النَّاسِ ويأمره بلزومٍ بيتِهِ ، فَإِنْ كان فقيراً !! رزقه ما يكفيهِ ، وَيَكُفتُّ أَذَاهُ عنِ
النَّاسِ. انتهى. شروح ((الجامع الصغير)).
٤٥٣
وقد ورد الشَّرع بالاستغسال للعين ، في حديث سهل بن حُنَيَف لمَّا أصيب
بالعين فأمر النَّبِي وَلِّ عائنه بالاغتسال .
وصفته أن العائن يغتسلُ فِي قَدحِ من ماءٍ ؛ يُدْخِلُ يَدَهُ فيه ، فيمضمض ويمجّه
في القدح ، ويغسل وجهه فيه ، ثمَّ يصبُّ بيده اليُسرى علىُ كفِّه اليمنىُ، ثمَّ باليمنى
على كفُّه اليُسرى ، ثمَّ يدخل يده اليسرى فيصبُّ بها على مرفق يده اليمنى ، ثمَّ بيده
الیمنی علی مرفق یده الیُسری ، ثمَّ یغسل قدمه الیمنی ، ثمَّ يُدخل الیمنی فیغسل قدمه
اليُسرى ، ثمَّ يدخل يده اليمنى ، فيغسل الركبتين ، ثمَّ يأخذ داخلة إزاره ، فيصبُّ
على رأسه صبَّةً واحدةً ، ويضع القدح حين يفرغ .
هكذا رواه ابن أبي ذئب ؛ عن الزُّهري عند ابن أبي شيبة . وهو أحسن ما فُشِّرَ
به ؛ لأن الزُّهري رواي الحديث . وزاد ابن حبيب في قول الزُّهري هذا : يصبُّ من
خلفه صبّة واحدة يجري على جسده ، ولا يوضع القدح في الأرض ، ويغسل أطرافه
المذكورة كلها وداخلة الإزار في القدح . قال الزُّهري : هذا من العلم . وأخبر أنَّه
أدرَك العلماء يَصِفُونَهُ واسْتَحْسَنَهُ العلماءُ ، ومضى به العمل . وجاء عن ابن شهاب
من رواية عقيل مثله ؛ إلاَّ أنَّ فيه الابتداءَ بغسلِ الوجه قبل المضمضة ، وفيه غسل
القَدمين أنَّه لا يغسل جميعهما، وإنَّما قال : ثمَّ يفعل مثل ذلك في طرف قدمه
اليمنى عند أصول أصابعه . واليُسرى كذلك ، وهو أقربُ لقول الحديث : وأطراف
رجليه .
وهذا الغسل ينفع بعد استحكام النَّظرة ، أمَّا عند الإصابة به وقبل الاستحكام !
فقد أرشد الشارع إلى دفعه بقوله ((أَلا بَرَّكْتَ !! )) أي : دعوت له بالبركة ؛ بأنّ
تقول: (( ما شاء الله، تبارك الله ))، أو ((اللَّهمَّ بارك فيه ولا تضرّه)).
واختلف العلماء في العائن ؛ هل يُجْبَر على هذا الغسل للمعين ، أم لا ؟
احتجَّ من أوْجَبَهُ بقوله {َّه في رواية ((مسلم)): (( وَإِذا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا)).
وبرواية ((الموطَّأ)» أمره بالوُضوءِ؛ والأَمرُ للوجوبِ . قال المازري : والصَّحيح
٤٥٤
عندي الوجوب ، ويبعد الخلافُ فيه إذا خشي على المعين الهلاك . انتهى . فواجبٌ
على العَائن الغسل .
والحديثُ أَخرجهُ الإمام أحمد ، والشَّيخان ، وأبو داود ، والنَّسائي ؛ من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه ؛ وابن ماجه ، عن عامر بن ربيعة ؛ وفي رواية
لأحمد ؛ عن أبي هريرة أيضاً بزيادة: (( وَيَحضرهَا الشَّيْطَان، وَحَسَدُ ابْنِ آدم».
قال الهيثميُّ : رجاله رجال الصَّحیح .
وأخرجه الإِمام أحمد ، ومسلم في ((الطِّب))؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى
عنهما بزيادة: ((وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ القَدَرِ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ
فَاغْسِلُوا )) .
وأخرجه الإمام أحمد، والطَّبراني في ((الكبير))، والحاكم في ((الطَّب))؛ عن
ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بزيادة: (( تَسْتَنْزِلُ الحَالق))، أي : الجَبَل العَالِي.
وَقَال الحاكم: صحيح. وأقرَّ الذّهبي. انتهى من ((كشف الخفاء)) و((الجامع
الصغير )) وشرحه .
فائدة: أَخرج ابن السُّنِّي والبزَّار؛ عن أَنَسٍ رفعه: (( مَنْ رَأَى شَيْئاً فَأَعْجَبَهُ ؛
فَقَال (( مَا شَاءَ اللهُ، لاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ))؛ لمْ يَضُرَّهُ)). وفي لفظ: ((لَمْ تَضُرَّهُ
العَيْنُ » .
وأخرج ابن عساكر أنَّ سعيداً السَّاجيَّ مِن كراماته أنَّه قيل له : احفظ ناقتك من
فلان العائن، فقال: لا سبيل له عليها ، فعَانَها ، فسقطت تضطربُ؛ فأُخبر
السّاجي ، فوقف عليه ؛ فقال : باسم الله ، حبس حابس ، وشهاب قابس ،
رَدَدتُ عين العائن عليه ، وعلى أحبُّ النّاس إليه ، وعلى كبده وكلوتيه وشيق ،
وفي ماله يليق، ﴿تَفَوَّتْ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ [الملك]. فخرجت حدقة العَائنِ
وَسَلِمَتِ النَّاقَةُ. انتهى مناوي على (( الجامع الصغير)) رحمه الله تعالى.
٤٥٥
(حَرْفُ الْغَيْنِ )
١٦٨ -((الْغِنَى .. غِنَى النَّفْسِ، وَاَلْفَقْرُ .. فَقْرُ النَّفْسِ)).
( خَرْفُ الغَيْنِ )
١٥٨ - ((الغِنَى) - بكسر الغين، والقصر -: ضد الفقر (غِنَى النَّفْسِ)؛ أي:
ليس الغنى الحقيقي هو كثرة العَرَضِ والمالِ ، بل هو غِنىُ النَّس وقَنَعُها بما قُسم
لها ، فيستغني بما حصل له ، لعلمه بأنَّه لم يتغيَّر ، فهذا هو الغِنَى المحمود
المعتبر .
( وَالفَقْرُ فَقْرُ النَّفْس)))؛ لأَنَّه كلَّما حصل على شيء طلب غيره ... وهلمَّ
جرّاً، فنفسُه فقيرةٌ أَبداً حتى يجذبَه ملك الموت بخياشيمه ، ويقبض روحه من
جسده وهو على تلك الحالة الخبيئة الرَّديئة ، من غير استعداد للموت ولا تَأَقُّب له ،
فکان کالّذي يأكل ولا يشبعُ .
والحديث أخرجه الدَّيلمي بلا سند ؛ عن أنس رفعه ، ورواه العسكري ؛ عن
أبي ذرٍّ، في حديث أوَّله: (( يَا أَبا ذرّ ؛ أَتَرىُ أنَّ كَثْرَةَ المَالِ هُوَ الغِنَى !! إنَّمَا الغِنَى
غِنِىُ القَلْبِ ، وَالفَقْرِ فَقْرُ القَلْب)).
وفي النَّجْم : وروى النَّسائي وابن حبَّان وابن عساكر ؛ عن أبي ذرٍّ:
((يَا أَبَا ذَرّ ؛ أَتَرَى كَثْرَةَ المَالِ هُوَ الغِنَى !! إنَّما الغِنَى غِنَى القَلْب وَالفَقْرُ فَقْرُ القَلْبِ،
مَنْ كَانَ الغِنَىُّ فِي قَلْبِهِ ؛ فَلاَ يَضُرُّهُ مَا لَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَنْ كَانَ فَقْرُهُ فِي قَلْبِهِ فَلاَ يُغْنِيهِ
مَا أُكْثِرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يَضُرُّ نَفْسَهُ شَخُهَا)). انتهى.
وصدر الحديث رواه البخاريّ ومسلم ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
مرفوعاً. انتهى (( كشف الخفاء)) للعجلوني .
٤٥٦
(حَرْفُ الْفَاءِ )
١٥٩ - ((اَلْفِتْنَةُ .. نَائِمَةٌ، لَعَنَ اللهُ مَنْ أَيْقَظَهَا)).
١٦٠ - ((فِعْلُ الْمَعْرُوفِ .. يَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ)).
( حَرْفُ الفَاءِ )
١٥٩ - ((الفِتْنَةُ)؛ المحنةُ، وكلُّ ما يشقُّ على الإنسان ، وكل ما يَبتلي الله به
عبادَهُ فتنةٌ . قال تعالى ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾ [٣٥/ الأنبياء]؛ كذا في ((الكشَّاف)).
وقال ابن القَيِّم : الفتنة نوعان: ١ - فِتنة الشُّبُهاتِ، وهي العظمى، و ٢ - فتنة
الشَّهوات ، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفردُ بإحداهما. انتهى مناوي على ((الجامع)).
وفي ((الحفني )) : الفتنة هي ما يحصُل به ضررٌ للعبد في دينه أو دنياه .
( نَائِمَةٌ ) ؛ ساكنةٌ ( لَعَنَ)؛ أي : أبعد ( اللهُ) عن رحمته ( مَنْ أَيْقَظَهَا)))؛
أي : أَثَارَها ، وذلك كأن يلقي المبتدع شبهة على المسلمين ، وكأَنْ يقول شخصٌ
لِطائفةٍ : إنَّ عدوّكم فلان يريد قتالكم ؛ ليحرِّكَهم للقتال ! من غير أصل ، وهكذا .
انتھی « حفني » .
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) و(( كشف الخفا)) وقالا : أخرجه الرَّافعي
الإمام ؛ عن أنس رضي الله عنه، ورواه عنه الدَّيلمي ، لكن بَيِّض ولده لسنده ،
وعند نُعيم بن حماد في (( كتاب الفتن))؛ عن ابن عمر بلفظ :
((إِنَّ الِفِتْنَةَ رَاتِعَةٌ فِي بِلاَدِ اللهِ ، تَطَأْ فِي خِطَامِهَا؛ لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُوقِظَهَا ، وَيْلٌ
لِمَنْ أَخَذَ بِخطَامِهَا » . انتهى .
١٦٠ - ((فِعْلُ المَعْرُوْفِ ) في الدُّنيا ( يَقِيْ مَصَارِعَ الُّوْءِ ))) ؛ أي : الوقوع في
الهَلَكات في الدُّنيا والآخرة . قال العامري : المعروف هنا يعود إلى مكارم الأخلاق
مع الخلق ؛ كالبِرِّ والمواساة بالمال ، والتعهُّد في مهمات الأَحوال؛ كسدُ خُلَّة
٤٥٧
١٦١ - (( فِي كُلِّ ذَاتٍ كَبْدٍ حَرَّى .. أَجْرٌ)).
وإغاثة ملهوف وتفريج مکروب ، وإنقاذ محترم من محذور ، فیجازيه الله من جنس
فعله ؛ بأَن يقيَه مثلها ، أو المعنى : يقيه مصارع السُّوء عند الموت . انتهى مناوي
على (الجامع الصغير)).
والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي الدُّنيا في كتاب فضل قضاء الحوائج للناس ؛
عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه القضاعي في ((الشهاب)).
١٦١ - ((فِي كُلِّ) ؛ أي: في إرواءِ كلِّ ( ذَاتِ كَبِدٍ ) - بفتح فكسر - ( حَرَّى )
- بالقصر؛ كـ ((عَطشىُ)) - من الحرّ، وهو تأنيثُ: حَرَّان ، وهي للمبالغة .
وأنَّثَها !! لأنَّ الكبد مؤنَّث سماعي ؛ يريد أنَّها لشدَّة حرِّها قد عطشت ويبست
من العَطَشِ ، والمراد حرارة الحياة، وفي رواية: ((كُلّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ ))، أيْ : حَيَّة ،
يعني رطوبة الحياة، والمعنى: أنَّ فِي سَقْي كلّ ذي كبدٍ حرَّىُ (أَجْرٌ))) عام
مخصوص بحيوان محترم ، وهو ما لم يُؤْمر بقتلِهِ .
فيحصل الثَّواب بسقيِهِ ، ويلحق به إطعامه ) وغيرُ ذلك من وجوه الإِحسان .
وقال بعضهم : لا يمتنع إِجراؤه على عمومه ، يعني فيُسقى ثمَّ يقتل؛ لأنَّا أُمرنا
بأَنْ نحسن القتلة، ونهينا عن المُثلة. انتهى شروح ((الجامع الصغير)).
والحديث أخرجه البُخاريُّ ومسلمٌ ؛ عن أبي هريرة مرفوعاً ؛ البخاريُّ في (( بدء
الخلقِ وفي باب الآبار))، بلفظ: ((فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ )) في ذيل حديث
المومسة؛ ومسلم في ((الحيوان)) ؛ عنه كمثل معناه .
وذكره في (( الجامع)) بلفظ المصنّ مرموزاً له برمز الإمام أحمد وابن ماجه ؛
عن سُراقة بن مالك ، والإمام أحمد ؛ عن ابن عمرو بن العاصي .
وسببه كما في (( مسند أبي يعلى)) قيل: يا رسول الله ، الضَّوَالُّ ترد علينا ، هل
لنا أجر إنْ نسقيها!؟ قال: ((نعم ... )) ثمَّ ذكره. انتهى مناوي على ((الجامع)).
٤٥٨
( حَرْفُ أَلْقَافِ )
١٦٢ - ((الْقَرِيبُ .. مَنْ قَرَبَتْهُ الْمَوَدَّةُ، وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ)).
١٦٣ - ((قَلْ: آمَنْتُ بِاللهِ .. ثُمَّ أَسْتَقِمْ)).
( حَرْفَ القَافِ )
١٦٢ - ((القَرِيْبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ المَوَدَّةُ وإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ))) ؛ أي: ليس القريب من كان
قريباً في النَّسب ، بل القَريب حقيقةً: من قرَّبته المودَّة والمحبّة ؛ بأنْ كان ودوداً لك
وحبيباً وصديقاً ، فذلك هو القريبُ حقيقةً، وإنْ كان بعيداً عنك في النَّسب ،
فَـ «رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمُّك )).
وأصلُ القرب الأمانة ، فمن كان مثَّصفاً بها فهو الَّذي يحبُّه النّاس وَيُقَرِّبونه ،
وأصل البُعد : الخيانَةَ ، فمن اتَّصف بها . فهو الَّذي يفرُّ النَّاس منه، كالجمل
الأَجرب ، وإن كان أقرب قريب في النَّسب !! وهذا مشاهد معلوم .
وهذا الحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الديلمي في
((الفردوس)).
١٦٣ - ((قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ) ؛ أي : جدِّد إِيمانك بالله ذِكراً بِقَلْبِكَ ونطقاً بلسانِكَ.
( ثُمَّ أَسْتَقِمْ)) ؛ أي : الزم عمل الطَّاعاتِ والانْتِهَاءَ عن المنْهِيَّات ، يحصل لك
كلُّ خير دنيوي وأخروي . وانتزع هاتين الجملتين من آية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمّ
أُسْتَقَامُواْ﴾ [٣٠/ فصلت] وهذا من بدائع جوامع الكَلِمِ ؛ فقد جمعتا جميع معاني الإيمانِ
والإسلام ؛ اعتقاداً وقولاً وعملاً ، إذ الإسلام توحيد ، وهو حاصلٌ بالجملة
الأولى ، والطّاعة بسائر أنواعها في ضمن الثَّانية؛ إذ الاستقامة امتثالُ كلِّ مأمور
وتجنّب كلِّ مَنْهي ، وعرَّفها بعضهم بِأنَّها المتابعة للسننِ المحمَّديَّةِ مع النَّخلُّق
بالأخلاق المرضيَّة .
والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) و((الكشف)) وقال: أَخرجه الإِمام أحمد
٤٥٩
١٦٤ - ((قِلَّةُ الْعِيَالِ .. أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ ».
ومسلم والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه ؛ عن سفيان بن عبد الله الثَّقفي الطَّائفي قال :
قلت : يا رسول الله ؛ قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك ، فذكره .
وفي ابن ماجة قال : قلت : يا رسول الله؛ حدِّثني بأمر أعتصم به، قال: (( قُلْ :
رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ)) . وزاد التِّرمذي : قلت : يا رسول الله ؛ ما أخوف ما تخاف
عليَّ؟ قال: ((هَذَا!)). وَأخذَ بلسانه .
١٦٤ - ((قِلَّةُ العِيَّالِ أَحَدُ اليَسَارَيْنِ)))؛ لأنَّ الغِنَى نوعان :
١ - غنى بالشيء ؛ أي : بالمال ؛ بأنْ يكونَ عنده ما يكفيه ويكفي عياله .
و ٢ - غنى عن الشَّيء؛ بأَنْ لا يكون عنده عيالٌ يحوجونه إلى السَّعي وطلب الدُّنيا.
وهذا هو الغِنَى الحقيقي، فَقِلَّة العِيَالِ لاَ حَاجَةَ معها إلىْ كَثْرَةِ المُؤَنِ .
وقيل : اليسار خَفْضُ العيشِ؛ أي : سَعَتُهُ والراحة فيه ، وزيادة الدَّخل على
الخرج ، أو وفاء الدَّخل بالخرج ، فمن کَثُر عیاله ودخله وفضل له من دخله ، أَوْ
وفى دخله بخرجه ، أَو قَلَّ عياله ودخله وفضل أوْ وَفى !! فهو في يسر ، ومن قَلَّ
دخلُهُ وَكَثُرَ عيالُهُ !! ففي عسر. انتهى شرح (( الجامع الصغير))، وشرح
((المواهب)).
والحديث ذكره في (( الجامع الصَّغير))، وقال: رواه القضاعي في (( مسند
الشِّهاب))؛ عن علي، ((أمير المؤمنين))؛ والدَّيلمي في ((مسند الفردوس))؛ عن
أنس رضي الله تعالى عنهما . انتهى
. وفي ((المقاصد)): حديث: ((قِلَّةُ العِيَالِ أَحَدُ اليَسَارَيْنِ، وَكَثْرَتُهُ أَحَدُ
الفَقْرَيْنِ)) . القضاعي؛ عن علي، والدَّيلمي؛ عن غيره، بالشَّطر الأوَّل مرفوعاً
بسندين ضعيفين. وذكره في (( الإحياء )) بتمامه . انتهى .
وكذا ذكره في ((الجامع الصَّغير)) بتمامه، وأوَّله: ((التَّذْبِيرُ نِصْفُ العَيْشِ)) ..
الخ .
٤٦٠