النص المفهرس
صفحات 361-380
٧١ - («الإِسْلاَمُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَأَلْهِجْرَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا)). ٧١ - ((الإِسْلاَمُ يَجُبُّ) - بفتح المثناة التحتية وضم الجيم - ( مَا قَبْلَهُ) مِن الكُفر والمعَاصِي وما يترتب عليهما من حقوق الله تعالى ؛ أي : يقطع ذلك ويمحو أثره، أما حقّ الآدمي فلا يسقط ، وظاهر الخبر أن مجرَّد الإسلام مكفِّر للسوابق ، سواء أساء أو أحسن بَعْدُ . وأمّا خبر: (( من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بِمَا عمل في الجاهلية ، ومَن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر)) !! فوارد على منهج التحذير . انتهى مناوي ٧٧/٣؛ على ((الجامع)). ( وَالِهِجْرَةُ) ؛ أي : الانتقال من أرض الكفر إلى بلاد الإسلام ( تَجُبُّ) - بالمثناة الفوقية والجيم - أي: تمحو ( مَا قَبْلَهَا))) من الخَطايا المتعلقة بحقّ الله تعالى من العقوبات ، أمّا الحقُّ الماليُّ ؛ كزكاة ، وكفارة يمين ! ففي سقوطها خلاف بين العلماء . والمراد بالهجرة : ما كان قبل الفتح . وفيه : عظم موقع كلّ واحد من الخصلتين . وفي تكرير « يَجُبُّ )) في كلٍّ منهما دلالةٌ على أن كلَّ واحد منهما يكفِّر بمفرده ؛ قاله المناوي . والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق )) بهذا اللفظ مرموزاً له برمز الطبراني . وذكره العجلوني في ((كشف الخفا)) بلفظ: ((الإسلام يَجُبّ ما قبله))، وقال: رواه ابن سعد في ((طبقاته )) عن الزبير ، وجبير بن مطعم . ورواه الإمام أحمد والطبراني عن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه . انتهى . ونحو ذلك في (( الجامع الصغير )) والمناوي . وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) في كتاب ((الإيمان)) من حديث ابن شماسة المهري قال : حَضَرْنا عمرو بن العاصي وهو في سياقة الموت ؛ فبكى طويلاً ٣٦١ ٧٢ - ((الإِسْلاَمُ يَعْلُو ولاَ يُعْلَىْ)). وحول وجهه إلى الجدار فجعل ولده يقول: يا أبتاه، أمَا بشرك رسول الله وَله بكذا ! أمَا بشرك بكذا ! فأقبل بوجهه ؛ فقال : إنّ أفضل ما نُعِدّ شهادَةَ ( أنْ لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله ) إني كنت على أطباق ثلاث ؛ لقد رأيتني وما أحدٌ أشدَّ بغضاً للمصطفى وَل ◌َ منّي، ولا أحبّ إليّ أن أكون استمكنت منه فقتلته ؛ فلو مُتُّ على ذلك كنتُ من أهل النار ؛ فلما جعل الله في قلبي الإسلام أتيتُه ؛ فقلت: أبسط يمينك أبايعك ؛ فبسطها، فقبضت يدي، قال: (( مَا لَكَ))؟ قلت: أشترطُ. قال: ((تَشْتَرِطُ مَاذَا؟)) قلت: أن يُغْفَر لي، فقال: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ أُلحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ))، فما كان أحدٌ أحبَّ إِلَيّ ولا أجلَّ في عيني منه ، وما كنتُ أطيق أن أملأ عيني منه ؛ إجلالاً له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت ، ولو مثُ على تلك الحالة رجوت أن أكون من أهل الجنة . ثمّ وُلِّينا أشياءَ ما أدري حالي فيها !!. انتهى . ٧٢ - («الإِسْلاَمُ يَعْلُوْ وَلاَ يُعْلَىْ) عليه . قال البيهقي : قال قتادة : يعني : إذا أسلم أحدُ أبوين فالولد مع المسلم ، فلا يتبع الفرع أحدَ أبويه الكافر ؛ بل المسلم ، فالعُلُوُّ في نفس الإسلام . وقال ابن حزم : معناه إذا أسلمت يهودية أو نصرانية تحت كافر يفرّق بينهما ، ويحتمل العلو بحسب الحُجَّة ، أو بحَسَب النصرة في العاقبة ، فإنها للمسلمين . انتهى مناوي على ((الجامع)). والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) وفي (( كشف الخفاء )) وقالا : رواه الدارقطني والضياء في ((المختارة))، والخليلي في ((فوائده))، والروياني كلّهم عن عائذ بن عمرو المزني رفعه. ورواه الطبراني في ((الصغير))، والبيهقي في ((الدلائل)) عن معاذ رفعه. وعلَّقه البخاري في ((صحيحه)). ٣٦٢ ٧٣ - ((إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ)). والمشهور على الألسنة زيادة: ((عليه)) آخراً، بل هي رواية الإمام أحمد ، والمشهور أيضاً على الألسنة: (( الحقُّ يَعْلُو ولا يُعلَىُ عَلَيْهِ )). قال ابن حجر : وسنده ضعيف . انتهى . ٧٣ - ((إِيَّاكَ) - منصوب بفعل مضمر لا يجوز إِظهاره - من قبيل قولهم: إياكَ والأَسَدَ ، وتقديره هنا : باعد نفسكَ ( وَدَعْوَةَ) - بفتح الدال ـ: المرَّة من الدعاء ؛ أي : احذر الظلم لئلا يدعو عليك . ( المَظْلُوْم))) ؛ أي : من ظلمتَه بأيٍّ وجه كان من نحو استيلاء على ما يستحقه ، أو إيذاء له . فأقام المسبب الذي هو الدعاء مقام السبب الذي هو الظلم . وخلاصُك من الظلم بأن تردَّ إليه حقّه، أو تمكِّنَه من استيفائه ، فإنك إن ظلمته ودعا عليك استجيب له ؛ وإن كان عاصياً مجاهراً ، لأنّه إنما يسأل الله حقّه الواجب على خصمه . وربُّ العالمين لا يمنع صاحب حقّ من حقّه لأنّه الحاكم العادل . نعم وَرَد أنّ الله سبحانه وتعالى : يرضي خصوم بعض عباده بما شاء. وفي خبرٍ رواه ابن لال والديلمي وغيرهما : أنّ في صحف إبراهيم : أيها الملِك المسلّط المبتلى المغرور ؛ إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها لبعض ، لكن بعثتك لتردّ عني دَعوَة المظلوم ؛ فإني لا أردُّها ؛ ولو كانت من كافر . وقال عمر بن عبد العزيز : إنّ الله يأخذ للمظلوم حقّه من الظّالِم، فإيّاكَ أن تظلم من لا ينتصر عليك إلاّ بالله تعالى ، فإنه تعالى إذا عَلِم التجاءَ عبده بصدق واضطرارِ انتصر له ولا بدّ! ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [٦٢/ النمل] انتهى مناوي على ((الجامع)) . والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) بلفظ: (( إياكم ودَعوة المظلوم ؛ وإن كانت من كافر ، فإنها ليس لها حجابٌ دُون الله عزّ وجلّ )) أخرجه سمويه عن أنس ٣٦٣ رضي الله تعالى عنه . قال المناوي : وله شواهد كثيرة سبقت ؛ ويجيء كثير منها . وذكره في ((الجامع)) بلفظ: (( اتّقَ دَعْوةَ المظلوم ؛ فإنّما يسألُ الله تعالى حقّه ، وإنّ الله تعالى لنْ يمنَعَ ذَا حقّ حقّه)). ورمز له برمز الخطيب عن عليٍّ أمير المؤمنين ، وهو حديث ضعيف . وذكره العجلوني في ((الكشف)) بلفظ: ((اتّقوا دعوةَ المظلوم)) وقال : رواه أحمد وأبو يعلى عن أنس مرفوعاً؛ بزيادة: (( وإن كانت من كافر ، فإنّه ليس بينها وبینَ الله تعالی حجابٌ )) . ورواه الطبراني عن خزيمة رفعه بزيادة : فإنها تُحمل على الغَمام، ويقول اللهُ جلّ جلاله: ((وعزّتي وجَلَالي لأنصرنّكِ ولو بعد حينٍ » ورواه الحاكم وقال: إنّه على شرط مسلم، والضياء في ((المختارة )) عن ابن عمر مرفوعاً بزيادة : « فإنها تصعَد إلى السماء كأنّها الشّرَار )). ورواه الحاكم عن ابن عمر بلفظ: (( اتّقوا دَعوة المظلوم فإنّها تَصعد إلى السماء كأنّها شرارة » . ورواه أبو يعلى عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ: (( اتّقِ دَعوة المظلومِ ؛ فإنّه ليس بينها وبينَ الله تعالى حجابٌ)). واتفق عليه الشيخان بهذا اللفظ عن ابن عباس مرفوعاً . ورواه الخطيب عن عليٍّ بلفظ: (( اتّقِ دَعوة المظلوم فإنّما يسأل اللهَ حقّه ، وإنّ الله لم يمنع ذا حقّ حقّه)) انتهى كلام العجلوني . وذكره أيضاً في موضع آخر بلفظ: (( اتّقوا الظُّلمَ فإنّه ظلماتٌ يوم القيامة))، وقال : رواه الإمام أحمد ، والطبراني ، وابن ماجه عن ابن عمر . وأخرجه أحمد، والبخاري في (( الأدب المفرد ))، ومسلم عن جابرٍ بزيادة : ٣٦٤ ٧٤ - «إِيَّاكَ وَقَرِينَ السَّوءِ ، فَإِنَّكَ بِهِ تُعْرَفُ » . ٧٥ - «إِيَّاكَ وَاَلْخِيَانَةَ، ((واتّقوا الشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلَكُم ؛ حَملَهم على أن سفكوا دماءَهم واستحلّوا محارمهم » . انتهى . وقد ألّف العلامة القاضي محمد بن أحمد مشحم اليمانيّ الصّعديّ كتاب : ((تحذير الظّلوم من سهام دعوات المظلوم)). رسالة مطوّلة جمع فيها كثيراً من الأحاديث المتعلقة بالتحذير من الظُّلم مع ذكر حكايات وأشعارٍ تتعلق بذلك ، وهي مخطوطَة لم تطبع . ٧٤ - ((إِيَّكَ وَقَرِيْنَ السَّوْءِ) - بالفتح - : مصدر ( فَإِنَّكَ بِهِ تُعْرَفُ))) أي : تشتهر بما اشتهر من السوء. قال تعالى ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِنًا فَسَآءُ قَرِينًا ٣٨ [النساء] . ومن ثمّ قالوا : الإنسان موسوم بسيما مَن يقارن ، ومنسوب إليه أفاعيل مَن صاحب ؛ أي : فإنْ صاحَبَ الفاجر كان دليلا على فجوره ، وعكسه بعكسه . وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه : الصاحبُ مناسب . ما شيء أدلّ على شيءٍ ؛ ولا الدخانُ على النار من الصاحب على الصاحب . وقال بعض الحكماء : اعرف أخاك بأخيه قبلك ، وقال آخر : يُظَنّ بالمرء ما يظنُّ بقرينه . عَنِ المرءِ لا تَسْأَلْ وسَلْ عَنْ قَرِيْنِهِ فَكُلُ قَرِينٍ بِالمُقَارِنِ يَقْتَدي ومقصود الحديث : التحرُّز من أخلاق السوء ، وتجنّب صحبة أهل الرِّيَب ؛ ليكون موفر العرض سليماً من العيب ؛ فلا يلام بلائمةِ غيره . والحديث أخرجه ابن عساكر في (( التاريخ)) ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه ؛ قاله في (( الجامع)) مع المناوي . وفي العزيزي : إنه حديث ضعيف . والله أعلم . ٧٥ _ ((إِيَّاكَ وَالْخِيَانَةَ)؛ أي : خيانة الغير ؛ كالخيانة في الوديعة ، وخيانة ٣٦٥ فَإِنَّهَا بِثْسَتِ الْبِطَانَةٌ » . ٧٦ - ((إِيَّاكِ وَمَا يَسُوءُ الْأُذُنَ)). النفس كأن لا تمتثل المأمورات ، وكأن لا تجتنب المنهيات ؛ قاله الحفني . والخِيانة : تكون في المال والنفس والعدد والكيل والوزن والزرع ... وغير ذلك . وفي العزيزي : قال بعضهم : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيءٍ فلا يؤدِّي الأمانة فيه . قال أبو عبيد : لا نراه خصّ به الأمانة في أمانات الناس ؛ دون ما افترض الله على عباده وانتمنهم ، فإنه قد سمَّى ذلك أمانة ؛ فقال تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَّتِكُمْ﴾ [٢٧/ الأنفال] فمن ضيّع شيئاً مِمّا أمر الله بِه ، أو ارتكب شيئاً ممّا نهى الله عنه ؛ فقد خان نفسه ، إذ جلب إليها الذمّ في الدّنيا والعقاب في الآخرة . انتهى . (فَإِنَّهَا بِئْسَتِ البِطَانَةُ ))) - بالكسر - ؛ أي : بئس الشيء الذي يستبطنه من أمره ويجعله بطانة . قال في ((المُغْرب)): بطانةُ الرجل أهله وخاصَّته ؛ مستعار من بطانة الثوب . وقال الراغب : تستعار البطانة لمن تخصّه بالاطلاع على باطن أمرك . وقال القاضي : البطانة أصلها في الثوب ؛ فاستعيرت لما يستبطن الرجل من أمره ويجعلُه بِطَانة حاله ؛ قاله المناوي . وقال الحفني : البِطَانة في الأصل : الثوب الملاصق للجسد ، والجهة التي لا تلاصقه تسمّى ◌ِهَارةً ، فاستعيرت لكلّ شيءٍ ملازم ، يقال : بطانة الرجل أهلُه وعياله ، والمراد هنا الصّفة الملازمة للشخص . انتهى . والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الطبراني . ٧٦ - ((إِيَّاكِ) - بكسر الكاف -: خطاب لامرأة (وَمَا يَسُوْءُ اُلأُذُنَ)) ) قال ذلك ٣٦٦ ثلاثاً ، وهو نهي عن الغِيبة ؛ أي : احذري النطق بكلام يسوء غيركِ ؛ إذا سمعه عنكِ ، فإنّه موجب للتنافر والعداوة . والحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي الغادية - بغين معجمة -؛ قال : خرجت أنا وحبيب بن الحارث وأم العلاء ؛ مهاجِرِين إلى رسول الله وَّلهم فأسلمنا، فقالت المرأة : أوصني ... فذكره . وأخرجه أبو نعيم في (( المعرفة)) ؛ من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفَاوي ؛ عن العاصي بن عمرو الطفَاوي ، عن حبيب بن الحارث ، قلت : يا رسول الله أوصني ... فذكره . قال في ((الإصابة)): والعاصي مجهول . وأخرجه الطبراني في (( الكبير)) عن عمّه العاصي بن عمرو الطفَاوي ، قال: حدثتني عمّتي؛ قالت: دخلت مع ناسٍ على النبيّ وَّر قلت: حدِّثْنِي حديثاً ينفعني الله بِه ... فذكره . قال الهيثمي : فيه العاصي بن عمرو الطفَاوي؛ وهو مستور ، روى عنه محمد بن عبد الرحمن الطّفَاوي وتمّامُ بن السريع ، وبقية رجال المسند رجال الصحيح . انتهى . وقال السخاوي : هذا مرسل ، فالعاصي لا صحبة له ، وقال شيخي (( يعني ابن حجر)): مجهول، لكن ذكره ابن حبان في ((الثقات)). انتهى . ولذلك لم يذكره الذهبي في (( الصّحابة » !! انتهى مناوي . وفي ((الكشف)): إنّه رواه عبد الله بن أحمد في ((زوائده))؛ من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفَاوي قال : سمعت العاصي قال : خرج أبو الغادية وحبيب بن الحارث وأم الغادية مهاجرِين إلى رسول الله وَ لتر فأسلموا ، فقالت المرأة: أوصني يا رسول الله؛ قال: (( إيّاكِ وَمَا يَسُوء ألأُذُنَ)) وهو مرسل ، إِذ العاصي لا صحبة له . ٣٦٧ ٧٧ - ((إِيَّكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ؛ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي الْمَنْبِتِ السُّوءِ)). وأخرجه ابن منده في ((المعرفة))، والخطيب في ((المؤتلف)) عن العاصي ، عن عمّته ((أم غادية)) قالت: خرجت مع رهط من قومي إلى النبيّ وَّ فلما أردت الانصراف؛ قلت: يا رسول الله أوصني. قال: ((إياكِ وَمَا يَسُوءُ الأُذْنَ)). انتهى ملخصاً . ٧٧ - ((إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ ) - بكسر الدال المهملة ، وفتح الميم - جمع : دِمنة ، مثل سِدَر وسِدْرَة ، وهي البَعْر ؛ أي : احذروا المرأة الحسناء ومنبتها سوء ؛ كالشجرة الخضراء النابتة في الزبل . ومعناه : أنه كره نكاح ذات الفساد في أصلها ، فإن أعراق السّوء تنْزِعُ أولادها ؛ أي : لشبههم بها . وتفسير حقيقته : أنّ الريح يجمع الدِّمن ؛ وهي البعر في البقعة من الأرض ، ثم يركبه الساقي فإذا أصابه المطر أنبت نباتاً غضّاً ناعماً يهتزّ ، وتحته الأصل الخبيث ، فيكون ظاهره حسناً ؛ وباطنه قبيحاً فاسداً . قال الشاعر : وَقَدْ يَنْبُتُ المَرعَىْ عَلَى دِمَنِ الثَّرَى وَتَبْقَى حَزَازَاتُ النَّفُوسِ كَمَا هِيَّا ومعنى البيت : أن الرجلين قد يظهران الصلح أو المودة وينطويان على البغضاء والعداوة ؛ کما ینبت المرعى على الدِّمن . وهذا أكثريّ ، أو کلّيّ ۔ في زماننا -، والله المستعان . والحديث رواه الدار قطني في ((الأفراد ))، والرامَهُزْمزي والعسكري كلاهما في ((الأمثال))، وابن عدي في ((الكامل))، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) وأبو بكر بن دريد في (( المجتنى))، والخطيب في ((إيضاح الملتبس))، والديلمي في ((الفردوس)) : كلّهم من حديث الواقدي ؛ قال : حدثنا يحيى بن سعيد بن دينار ، عن أبي وجْزَةَ يزيد بن عبيد ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخُدري مرفوعاً باللفظ المزبور مع زيادة : قيل : يا رسول الله ؛ وماذَا ؟ قال : ((المَرْأَةُ الحَسْنَاءُ ) الجميلة ( فِي المَنْبِتِ) - بالميم - ( الشُّوْءِ))) قال ابن عدي : ٣٦٨ ٧٨ - ((الإِيمَانُ نِصْفَانِ؛ فَنِصْفٌ فِي الشُّكْرِ ، وَنِصْفٌ فِي الصَّبْر )». تفرَّد به الواقدي وهو متروك، وذكره أبو عبيد في (( الغريب ))، وقال الدار قطني: لا یصح من وجه . ٧٨ - ((الإِيْمَانُ نِصْفَانِ؛ فَنِصْفٌ فِي السُّكْرِ) أي : العمل بالطاعة ( وَنِصْفٌ فِي الصَّبْرِ))) عنِ المحارم . والحديث ذكره في (( الجامع )) مرموزاً له برمز البيهقي في (( شعب الإيمان))؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه . قال المناوي : وفيه يزيد الرّقاشي ، قال الذهبي وغيره : متروك ، ورواه القضاعي بهذا اللفظ ، وذكر بعض شُرَّاحه أنه حسن . انتهى كلام المناوي . ٣٦٩ ( حَرْفُ أَلْبَاءِ ) ٧٩ - (( أَلْبِرُ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ( حَرْفُ البَاءِ ) أي : هذا باب الأحاديث التي أولها حرف الباء الموحدة . ٧٩ - ((البِرّ) - بكسر الموحدة -؛ أي : الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبُرِّ في تغذية البدن ، أي: معظم البِرّ ( حُسْنُ الخُلُقِ ) - بضم اللام -: فالحصر مجازيّ ، وضدّه الفجور ، والإثم ، ولذا قابله به ، والبِرُّ بهذا المعنى عبارة عما اقتضاه الشارع ؛ وجوباً أو ندباً ، والإثم ما ينهى عنه ، وتارة يُقابَل البرُّ بالعقوق فيكون هو الإحسان ، والعقوق الإساءة . وأمّا حسنُ الخلق ! فهو التخلُّق مع الحقِّ والخلقِ ، والمراد هنا المعروف ، وهو طلاقة الوجه ، وكفّ الأذى ، وبذل الندى ، وأن يحبّ للناس ما يحب لنفسه ، وهذا راجع لتفسير البعض له بأنه الإنصاف في المعاملة والرفق في المجادلة ، والعدل في الأحكام ، والإحسان في العسر واليسر ... إلى غير ذلك من الخصال الحميدة . قال النووي : قال العلماء : البِرُّ يكون بمعنى الصلة ، وبمعنى الصدق ، وبمعنى اللُّطف ، والمبرة وحسنِ الصحبة والعشرة ، وبمعنى الطاعة ، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق . انتهى . ففعلُ أنواع الخير ناشىءٌ عن حسن الخلق ، وفعل الشرور يدلّ على سوء الخُلُق وعدم استقامة الطبيعة. انتهى شروح ((الجامع الصغير)). ( وَالإِثْمُ مَا حَاكَ) - بحاء مهملة وكاف ــ ( فِي صَدْرِكَ) ؛ أي : تحرّك فيه وتردّد ، ولم ينشرح له الصدر ، وحصل في القلب منه الشكُّ وخوفُ كونه ذنباً . ٣٧٠ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ » . ٨٠- ((بِرُّوا آبَاءَكُمْ .. تَبَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَعِقُوا .. تَعِفَّ . ( وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ )) ) ؛ أي : أماثلُهم الذين يستحيا منهم كالعلماء والصلحاء ، بخلاف من لا يُبالى باطلاعهم ، والمراد بالكراهة هنا الدينية الخارمة ، فخرج العادية ؛ كمن يكره أن يُرى آكلاً لنحو حياءٍ أو بخلٍ ، وغير الخارمة ؛ كمن يكره أن يركب بين مشاة لنحو تواضعٍ . وإنما كان التأثيرُ في النفس علامةً للإثم !! لأنه لا يصدر إلّ لشعورها بسوء عاقبته . وظاهر الخبر أن مجرَّد خطور المعصية إثمٌ لوجود الدلالة ولا مخصص ، وَذَا مِن جوامع الكلم . لأن البِرَّ كلمة جامعة لكلّ خير ، والإثم جامع للشرّ . انتهى « مناوي )) . والحديث أخرجه الإمام أحمد ، والبخاري في (( الأدب المفرد ))، ومسلم في ((الأدب))، والترمذي في ((الزهد))؛ عن النّاسِ بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: سأل رجل رسول الله وَله عن الإثم والبر ... فذكره . واستدركه الحاكم فوهمَ ، وعجيب ذهول الذهبي عنه في اختصاره . ٨٠ - ((بِرُّوا آبَاءَكُمْ) ؛ أي: وأمهاتِكم ، وكأنّه اكتفى به عنه من قبيل ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ﴾ [٨١/ النحل]، أو أراد بالآباء ما يشمل الأمهات تغليباً ؛ كالأبوين فإنكم إن فعلتم ذلك ( تَبَرُّكُمْ) - بفتح الموحدة - ( أَبْنَاؤُكُمْ ) ؛ أي : وبناتكم ، و(( كَمَا تَدِيْنُ تُدَانُ » . عن ثابت البناني قال : رأيت رجلاً يضرب أباه في موضع ؛ فقيل له ما هذا ؟ فقال الأب : خلُّوا عنه ، فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع ؛ فابتليت بابن يضربني في هذا الموضع . (وَعِقُّوا) - بكسر العين المهملة -: من عفّ يَعِفّ من ((باب ضرب))، يقال : عفّ عن كذا فهو لازم ؛ أي : لا تزنوا بنساء الغير ( تَعِفَّ ) - بكسر العين - قال ٣٧١ نِسَاؤُكُمْ )) . البرماوي في ( شرحه على ((لامية ابن مالك)) ): والحاصل : أنّ مضارع المضاعف اللازم : الكسر ، والمتعدي : الضم ، وما سُمع من المضموم في الأول نادر ، وما سمع من المكسور في الثاني نادر ؛ فيحفظ في كلِّ منهما ولا يقاس عليه . ( نِسَاؤُكُمْ))) أي : حلائلكم عن الرجال الأجانب ؛ أي لا يزنين . قال الراغب : دخلت امرأة يزيد بن معاوية وهو يغتسل ؛ فقالت : ما هذا !؟ قال : جلدت عُمَيْرة(١) ، ثم دخل وهي تغتسل ، فقال: ما هذا؟ قالت : جَلَدَني زوج عميرة. انتهى ((مناوي)) . والحديث رواه الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما . وقال المنذري : إسناده حسن ، وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد ((غير منسوب)) !! والظاهر أنّه من المتكثرين من شيوخه ؛ فلذلك لم ينسبه . انتهى . وبالغ ابن الجوزي فجعله موضوعاً . وأخرجه الطبراني في ((الكبير))، والخطيب في (( التاريخ))، والحاكم في ((المستدرك)»: كلّهم من طريق علي بن قتيبة عن مالك ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله تعالى عنه بلفظ: ((بِرُّوا آباءكم تَبُّكم أبناؤكم، وعِقُّوا عن النِّساء تَعِفَّ نساؤكم ، ومن تُتُصِّل إليه فلم يقبلْ ؛ فلن يَرِد عليّ الحوض)) . قال الحاكم : صحيح . وقال ابن الجوزي : موضوع ، لأن عليّ بن قتيبة يروي عن الثقات البواطيل . انتهى . وتعقبه السيوطي بأن له شاهداً. انتهى، وأورده في (( الميزان )) في ترجمة عليّ بن قتيبة الرفاعي وقال : قال ابن عدي : له أحاديث باطلة عن مالك ، ثم أورده في هذا الخبر . انتهى مناوي رحمه الله تعالى . (١) هو اسم لفرج الرجل. والمراد الاستمناء بالكف. وكذا يحمل خبرها بعده. (عبد الجليل). ٣٧٢ ٨١- (( بُعِثْتُ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ)). ٨٢ - («الْبَلاَءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ». ٨١ - (( بُمِثْتُ بِمُدَارَاةٍ) - بلا همز - ( أُلنَّاسٍ))) : كَلِيْن الكلام ، وخفض الجناح ، وترك الإِغلاظ عليهم ، والقيام لمن يحصل له حِقد إذا لم يقم له ، وذلك من أسباب الأُلفة واجتماع الكلمةِ وانتظام الأمر ، ولهذا قيل : مَن لانت كلمتُه وجبت محبته ، وحسنت أحدوثته ، وظمئت القلوب إلى لقائه ، وتنافست في مودته . والمداراة : تجمع الأهواء المتفرقة ، وتؤلِّف الآراء المتشتتة ، وهي غير المداهنة المنهيِّ عنها . والفرق بينهما : أن المداراة بذل الدنيا لسلامة الدين ، والمداهنة : بذل الدين لأجل الدنيا ، وهي محرمة ؛ والمداراة مطلوبة ؛ لأنّها من أخلاق المؤمنين . ولذا لما طرق بعض الناس(١) بابه ◌َ ل﴿ فسأل عنه؛ فقيل له : فلان ، فقال : بئس أخو العشيرة ، فلما فتح له ودخل عَظَّمه وفرش له رداءَه ، وأظهر له البشر ؛ فلما ذهب الرجل قيل له : كيف ذلك؟ قال: ((إِنَّا لَنَبَشُ فِيْ وُجُوهِ قَوْم - أي: لأجل التأليف - وَقُلُوبُنَا تَلْعَنْهُمْ)) أي: لعلمنا بنفاقهم -: أي: تلعنهم ما دَامُوا لم يَرْجعوا للحقّ. انتهى (شروح ((الجامع الصغير)) . والحديث أخرجه البيهقي في (( شعب الإيمان)) عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف ؛ كما قاله العزيزي . ٨٢ - ((البَلَاَءُ مُوَكَّلُ بِالمَنْطِقِ))) قال الديلمي: البلاء : الامتحان والاختبار، ويكون حسناً ويكون سيئاً ، والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ، ويبلوه بما يكره ليمتحن صبره . ومعنى الحديث : أنّ العبد في سلامة ما سكت ، فإذا تكلم عرف ما عنده بمحنة (١) هو السيد المطاع : الأقرع بن حابس كما سيأتي في الجزء الرابع . ٣٧٣ النطق؛ فيتعرض للخطر؛ أو للظفر، ولذا قال ◌َله لمعاذ (( أَنْتَ فِي سَلَاَمَةٍ مَا سَكَتَّ، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ فَلَكَ؛ أَوْ عَلَيْكَ)). ويحتمل أن يريد التحذير من سرعة النطق بلا تثبت ؛ خوف بلاء لا يطيق دفعه ، وقد قيل : اللسان ذئب الإنسان ، وما من شيء أحقّ بسجن من اللسان . وعلى ذلك أنشدوا : لاَ تَنْطِقَنَّ بِمَا كَرِهْتَ فَرُبَّمَا نَطَقَ الِّسانُ بِحَادِثٍ فَيَكُونُ وقال آخر : لاَ تَمْزَحَنَّ بِمَا كَرِهْتَ فَرُبَّما ضَرَبَ المُزاحُ عليكَ بالتَّحِقِيقِ وفي (( تاريخ الخطيب)) : اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد ، فقدموا الكسائي يصلي جهريّة فأرتج عليه في قراءة (الكافرون )) ، فقال اليزيدي: قارىءُ الكوفة يُرْتَجُّ عليه في هذه !! ، فحضرت جهرية أخرى ؛ فقام اليزيدي : فأُرتج عليه في الفاتحة ، فقال الكسائي : إِحْفَظْ لِسَانَكَ لا تَقُولَ فَتُبْتَلَى إِنّ البَلاءَ مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ والحديث رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في ((الأدب المفرد))؛ من رواية إبراهيم النخَعي، عن ابن مسعود مرفوعاً بهذا اللفظ ، وزيادةً: ((لو سَخِرِتُ مِنْ كَلْبٍ لخشيت أن أُحوَّل كلباً » . ورواه الخطيب والديلمي وأبو نعيم والعسكري مرفوعاً: ((البلاءُ موَّلٌ بالمَنْطِقِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً عَيََّ كَلْبَةً بِرَضَاعٍ كَلْبَة لَرَضِعَهَا )) وسنده ضعيف . وهو عند أحمد في ((الزهد))؛ موقوفاً على ابن مسعود . قاله السخاوي . ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعاً بزيادة: (( مَا قَالَ عَبْدٌ لِشَيءٍ : وَاللهِ لاَ أَفْعَلُهُ إِلاَّ تَرَكَ الشيطانُ كلَّ شيءٍ ووُلِع به حتى يؤثِّمه )) . وقد رواه القضاعي وابن السمعاني عن عليّ ، والديلمي عن ابن مسعود ، والعسكري عن أبي الدرداء رفعوه ، وابن لال في ((المكارم )) عن ابن عباسٍ عن أبي بكر الصديق موقوفاً ، وابن ٣٧٤ ٨١ - ((اَلْبَيَِّةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَأَلْيَمِينُ أبي الدنيا من مرسل الحسن: خمستهم بلفظ: ((الْبَلاَءُ مُوَكَّلٌ بِالقَوْلِ ». وأورده ابن الجوزي في (( الموضوعات)) من حديث أبي الدرداء وابن مسعود . قال السخاوي في (( المقاصد )): ومع مجموع ما ذكرناه - يعني هذه الطرق التي لخصت من كلامه - لا يحسن الحكم عليه بالوضع ؛ لأن تعدُّد الطّرق وتباين مخارجها دليلٌ على أنّ للحديث أصلاً، ويشهد لمعناه قولُهُ وَالخير للأعرابي الذي دخل عليه يعوده ، وقال له : ((لاَ بَأْسَ طَهُورٌ)) ، فقال الأعرابي : كلآ بل هي حمى تفور على شيخ كبير ، تزيره القبور، قال: ((فَنَعَمْ إِذاً)). انتهى من الزرقاني على ((المواهب)) وغيره . ٨٣ - ((البيَّةُ) قال البيضاوي : البينة في الأصل : الدلالة الواضحة التي تفصل الحقّ من الباطل . وقال غيره : هي ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل ، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده ، والمراد هنا ما يثبتُ به الحقّ من شاهِدٍ أو شاهدين ، أو شاهدٍ ويمينٍ ، أو أربعة رجال ، أو أربع نسوة . وسمّي الشهود (( بيّنة)) !! لأن بهم يتبيَّنُ الحقّ . وقوله : ( عَلَىُ المُذَّعِيْ ) هو : مَن يخالف قولُه الظاهر ، والمدّعى عليه : من يوافق قوله الظاهر . وقيل : المدعي من لو سكت خُلِّ ولم يطالب بشيءٍ ، والمدعَى عليه من لا يخلّى؛ ولا يكفيه السكوت. وفي رواية: (( على من ادعى)) . ( وَأَلْيَمِيْنُ ) قال الإمام النووي : هذه اليمين تسمى يمينَ الصّبر ، وتسمىُ يمينَ الغموسِ ، وسميت يمينَ الصبر !! لأنها تحبس صاحب الحقّ عن حقّه ، والحبس : الصبر، ومنه قيل للقتيل والمحبوس عن الدفن ((مصبَّر))، قال ◌َّ: ((منْ حَلَفَ على يمينٍ صَبْرٍ يقتطعُ بها مالَ امرىء مسلم هو فيها فاجرٌ ؛ لقي الله وهو عليه غضبان)) . وهذه اليمين لا تكون إلاّ على الماضي. ٣٧٥ عَلَىْ مَنْ أَنْكَرَ )). ووقعت في القرآن العظيم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [٧٤/ التوبة]، ومنها قوله تعالى إخباراً عن الكفرة ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَّهِ رَيْنَمَا كُنََّ مُشْرِكِينَ ( ﴾ [الأنعام] ومنها قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [٧٧/ آل عمران] .. الآية . ويستحبُّ للحاكم أن يقرأ هذه الآية عند تحليفه للخصم لينزجر . انتهى ( عَلَى مَنْ) ؛ أي : الذي (أَنْكَرَ ))) المدَّعى به عليه، لأنّ جانبَ المدعِي ضعيفٌ ، فكلّف حجة قويّة وهي البيّنة ، وجانب المدعى عليه قويّ ؛ فقَنِع منه بحجة ضعيفة ، وهي اليمين . قال الإمام النووي : وإنما كانت اليمين في جانب المدعى عليه ! لأنه يدعي ما وافق الأصل ؛ وهو براءة الذّمة . ويستثنى مسائل فيقبل فيها قول المدعي بلا بيّنة فیما لا يعلم إلاّ من جهته ، كدعوى الأَب حاجة إلى الإِعفاف . ودعوى السّفيه التوقان إلى النكاح مع القرينة . ودعوى الخنثى الأنوثة أو الذكورة . ودعوى الطفل البلوغ بالاحتلام . ودعوى القريب عدم المال ليأخذ النفقة . ودعوى المدين الإعسار في دينٍ لزمه بلا مقابل كصَدَاقِ الزوجة والضمانِ وقيمة المتلَف . ودعوى المرأة انقضاء العدة بالأقراء ؛ أو بوضع الحمل . ودعواها أنها استخلت وطلقت ، ودعوى المودَع تلف الوديعة ؛ أو ضياعها بسرقة ونحوها . ويستثنى أيضاً القسامة ، فإن الأيمان تكون في جانب المدعي مع اللَّوث . واللِّعان ، فإن الزّوج يقذف ويلاعن ويسقط عنه الحدود ، ودعوى الوطء في مدة العُنَّة ، فإنّ المرأة إذا أنكرته يصدّق الزوج بدعواه ، إلاّ أن تكون الزوجة بكراً ، وكذا لو ادّعى أنّه وطئ في مدّة الإيلاء . وتارك الصلاةِ إذا قال : صليت في البيت ، ومانع الزكاة إذ قال : أخرجتها ؛ إلاّ أن ينكر الفقراء وهُم محصورون ؛ فعليه البيّنة ، وكذا ٣٧٦ لو ادّعى الفقر وطَلَبَ الزكاة أُعطي؛ ولا يحلّف . بخلاف ما إذا ادّعى العيال، فإنّه يحتاج إلى البيّنة . انتهى ملخصاً . قال ابن العربي : وهذا الحديث من قواعد الشريعة الّتي ليس فيها خلاف ، وإنّما اختلف في تفاصيل الوقائع . انتهى . وهذا الحديث أخرجه عبد الرزاق والبيهقي في (( سننه)) وابن عساكر في ((التاريخ)) والدارقطني عن ابن عمرو بن العاصي بزيادة: ((إلاّ في القسامة)). قال الحافظ ابن حجر : وهو حديث غريب معلول . وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمرو أيضاً بلفظ: (( البَيّنَةُ على المدَّعي ، واليمين على المدَّعى عليه )) ، وله شاهد عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما . ٣٧٧ ( حَرْفُ أَلتَّاءِ ) ٨٤ - (« تَرْكُ الشَّرِّ صَدَقَةٌ)). ٨٥- («تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ .. يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ، ( حَرْفُ التَّاءِ ) أي : هذا باب الأحاديث التي أولها حرف التاء - المثناة الفوقية - : ٨٤ - ((تَرْكُ الشَّرِّ ) : السُّوءِ والفساد والظلم ، وجمعه شرور . وهذا شرّ مِنْ ذاكَ أصله: أَشَرُّ؛ بالألف على ((أفعل ))، واستعمال الأصل لغةٌ لبني عامر . قال ابن مالك في (( الكافية)) : وغَالِباً أغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرْ عَن قَولِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ وقرئ شاذاً: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الأَشَرُ﴾ [٢٦/ القمر] على هذه اللغة . (صَدَقَةٌ))) معنى ذلك: أن من ترك الشرّ وترك أذى الناس فكأنّه تَصَدّق عليهم ، وعُلم من ذلك أن فضل ترك الشرّ كفضل الصّدَقة؛ أي : في الجملة . والحديث ذكره في (( المواهب )) بغير عزوٍ . ٨٥ - ((تَعَرَّفْ) - بالمثناة الفوقية وتشديد الراء المفتوحتين - أي : تحبب وتقرَّب (إِلَى اللهِ) تعالى بطاعته والشكر على سابغ نعمته ، والصّبر تحت مُرِّ أقضيتِهِ، وصدق الالتجاء الخالص قبل نزول بَلِيَّتِهِ ( فِي الرَّخَاءِ ) ؛ أي : في حالة الغنى وصحة البدن والأمن ، فالتّعرف في حال الغنى بالصّدقات ونفع الناس بماله ، والتعرف في حال الصّحة بالعبادات ، والتعرف في حالة الأمن بالاشتغال بموالاته تعالى ؛ لخلوّ ذهنه عن العدوّ والخوف، فإن فعلت ذلك (يَعْرِفْكَ فِي الشِّذَّةِ ) بتفريجها عنك ، وجَعْلِهِ لك مِن كلّ ضِيقٍ مخرجاً ، ومن كلّ همٍّ فرجاً بما سلف من ذلك التعرُّف ؛ فإذا تعرَّفت إليه في الاختيار جازاك به عند الاضطرار بمَدَدٍ توفيقه ٣٧٨ وَأَعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ .. لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ .. لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ، وخَفِيٍّ لطفه ؛ كما أخبر تعالى عن يونس عليه الصلاة والسلام بقوله ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ (1) [الصافات] يعني: قبل البلاء ، فلما عرف الله تعالى في الرّخاء بالتسبيح وغيره ؛ نجَّاه من بطن الحوت . الْمُسَبِّحِينٌّ وكما وقع للثلاثه الذين انطبقت عليهم الصخرة ؛ ففرج الله عنهم ، فإنهم تعرّفوا إليه في الرخاء فعرفهم في الشدّة ، بخلاف فرعون فإنّه لما تنكَّر لربّه في حال رخائه ؛ لم ينجه اللجوءُ عند بَلائِهِ، وقيل له ﴿ءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس] . وأمّا أهلُ الله فَتَعَرُّفهم الاشتغال به على الدوام وترك ما سواه ؛ فَيَعْرِفُهم وقتَ الموت ، والقبر ، والقيامة ، وغيرها . قال الصوفية : ينبغي للعبد أن يكون بينه وبين ربّه معرفة خاصّة بقلبه بحيث يجده قريباً للاستغناء له منه ، فيأنس به في خلوتِهِ ، ويجد حلاوة ذِكره ودعائه ومناجاته وخدمته ، ولا يزال العبد يقع في شدائدَ وكُرَبٍ في الدنيا ، والبرزخ ، والموقف ؛ فإذا كان بينه وبين ربّه معرفة خاصّة كفاه ذلك كلّه. انتهى من ((شروح الجامع الصغير)). ( وَأَعْلَمْ) : يا من يتأتَّى منك العِلم ( أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ ) من المقادير ؛ أي : جاوزك فلم يصل إليك ( لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَكَ ) لأَنَّه بانَ بكونه أخطأك أنّه غير مقدَّر عليك ، ( ومَا أَصَابَكَ ) منها ( لمْ يَكُنْ) قُدِّر (ليُخْطِئَكَ ) ؛ أي : محال أن يتجاوزك إلى غيرك ؛ إذ لا يصيب الإنسان إلّ ما قُدِّر عليه . ومعنى ذلك : أنّه قد فُرِغَ مِمَّا أصابك ، أو أخطأك مِن خير أو شرٍّ، فَما أصابَك فإصابته لك محتومة لا يمكن أن يُخطئك ، وما أخطأك فسلامتك منه محتومة ؛ فلا يمكن أن يصيبك ، لأنّها سهام صائبةٌ وُجِّهت من الأزل ، فلا بدّ أن تقع مواقعها ، ٣٧٩ وَأَعْلَمْ أَنَّ النَّْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ، ومِنْ ثَمّ قال ◌َّهِ: ((إنّ لكلّ شيءٍ حقيقة ، وما بلَغَ عبد حقيقة الإِيمان حتّى يعلَم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه )). رواه الإمام أحمد . ففي ذلك حضّ على تفويض الأمور كلّها إلى الله تعالى ، مع شهود أنّه الفاعل لما يشاء، وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدَّى حدّه المقدَّر له، وهذا راجع لقوله تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتٍَ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاً ﴾ [الحديد]، و﴿قُل لَّوْ كُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرُ ٢٢ اَلْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [١٥٤/ آل عمران]. ( وَأَعْلَمْ ) : تنبيه على أنّ الإنسان في هذه الدار ؛ لاسيّما الصالحون معرّضون للمِحَنِ والمصائب وطروق المنغِّصات والمتاعب . قال الله تعالى ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ ﴾ [البقرة] الآيات . ١٥٥ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشْرِ الصَّبِينَ فينبغي للإنسان أن يصبر ويحتسب ويرضى بالقضاء والقدر ، وينتظر وعْدَ الله تعالى له بأنّ عليه صلوات من ربّه ورحمة ، وبأنّه من المهتدين . ( أَنَّ النَّصْرَ ) من الله للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه إنّما يوجد ( مَعَ الصَّبْرِ) على طاعته وعن معصيته . قال ◌َله: ((لا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا الله العَافِيةَ، فإذَا لَقِيتُموهُم فاصْبِرُوا ولا تفِرّوا، فإنّ الله مَع الصّابرين ))، وكذلك الصبر على الأذى في مواطنَ يعقبه [النحل]، و﴿كَم مِّن النّصر ، قال تعالى ﴿وَلَيْنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِنَ [البقرة] ومن خيريّته فِتَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ لهم كونه سبباً لنصرهم على أعدائهم ونفوسهم . ( وَأَنَّ الفَرَجَ) - بفتحتين - : وهو كشف الغَمِّ يحصل سريعاً ( مَعَ الكَرْبِ ) ؛ أي : يعقبه لا محالة ، فلا دوام للكَرْب ، وهو شدّة البلاء ، فإذا اشتدّ البلاء أعقبه الله تعالى الفَرَجَ ، كما جاء : اشْتَدّي أزمَةُ تَنْفَرِجي . وفيه إشارة إلى أنّ الله تعالى إذا أراد أن يفتح لعبده باباً من فضله ابتلاه بشيءٍ من ٣٨٠