النص المفهرس
صفحات 341-360
وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ » . قال مجاهد : لا يتعلَّم العلمَ مستحي ولا مستكبر . وقيل لابن عباس : بِمَ نِلْتَ هذا العلم ؟ قال: بلسان سَؤُول وقَلْبٍ عَقُولٍ . والحصر في الحديث بالنّظر للغالب ، وإلاّ! فقد يحصل العلم بسبب الرياضة المقتضية لإفاضة العلوم على القلب من غير تعلم . ( وَإِنَّمَا الحلْمُ) ؛ أي : المكتسب ( بِالتَّحَلُّمِ))) ؛ أي : بحمل النفس عليه. قال الراغب : الحلم : إمساك النفس عن هيجانِ الغضب . والتّحلُّم : إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب . انتهى . وفيه إشارة إلى أنّ المَلَكة قد تحصل بالاكتساب ، فإذا كان عادته الغضب والانتقام ؛ وعالج نفسه ومنعها من الانتقام المرَّةَ بعد الأخرى ، تعوّدتْ على الحِلم حتى صار مَلكة له ، وكذا معالجة نحو الكِبْر والبُخل والعُجب والحَسد تقتضي تبدُّل الوصف الذميم بالوصف الجميل . والحديث قال العجلوني في ((الكشف)): رواه الطبراني في ((الكبير))، وأبو نعيم والعسكري عن أبي الدرداء رفعه بلفظ: (( إنّما العِلم بالتعلم والحِلْم بالتّحلّم، ومن يَتَحرَّ الخيرَ يُعْطَه، ومن يتوقَّ الشرَّ يوقَه . لم يسكن الدرجات العلى ؛ ولا أقول لكم من الجنة : مَن استقسم ، أو تطيّ طيراً يردّه من سفره)). وفي سنده محمد بن الحسن الهمذاني: كذاب. ولكن رواه البيهقي في (( المدخل )) عن أبي الدرداء موقوفاً . وفي رواية للطبراني ؛ وكذا البيهقي عن أبي الدرداء بزيادة بعد قوله (( يوقه)): (( ثلاث مَن كُنّ فَيْه لَمْ يَسْكُنِ الدَّرَجَاتِ العُلَى، ولاَ أَقُولُ لَكُمْ الجنَّةَ مَن تَكَمَّنَ ، أو اسْتَفْسَمَ ؛ أَوْ رُدّ مِن سفر تطَيُّراً )). وأخرجه العسكري عن أنس مرفوعاً ، وعن معاوية مرفوعاً بلفظ: (( يا أيها الناس ؛ إنّما العِلم بالتَّعَلُّم والفِقه بالتّفَقُّه، ومَن يُرد الله بِهِ خيراً يُفَقِّهْهُ في الدين ، ٣٤١ ٦١ - ((إِنَّمَا الْمَرْءُ بِخَلِيلِهِ، وإنّما يَخشى اللهَ مِنْ عِبَادِه العلماءُ ». وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) وابن أبي عاصم في ((العلم)) عن معاوية أيضاً . وجزم البخاري بتعليقه ؛ فقال: وقال النبي ◌َّهِ: ((من يُرد اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدين))، وقال: ((إنّما العِلم بالتّعلم)). وأخرجه الدارقطني في (( الأفراد )) والخطيب ؛ كلاهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، والخطيب عن أبي الدرداء بلفظ: ((إِنّما العِلم بالتّعلم ، وإنّما الحِلْم بالتّحلُّم ، ومن يَتَحرَّ الخيرَ يُعْطَه ، ومن يَتَوقَّ الشرّ يُوقَه » وأخرجه أبو نعيم عن شداد بن أوس بلفظ : إنّ رجُلاً قال : يا رسول الله ؛ ماذا يزيد في العِلم ؟ قال: (( التّعلم)) . وفي سنده كذّاب ، وهو عمر بن صبيح. وأخرجه البزار بسند في حديث طويل رجاله ثقات عن ابن مسعود مرفوعاً أنّه كان يقول: ((فعليكم بهذا القرآن فإنه مَأْدُبة الله ، فمن استطاع منكم أن يأخذ من مَأْدُبةِ الله فليفعلْ ، فإنّما العِلم بالتّعلم )) . وروى البيهقي في ((المدخل))، والعسكري في ((الأمثال)): كلاهما عن أبي الأحوص أنه قال: ((إنّ الرجل لا يولد عالماً، وإنّما العِلم بالتّعلم». وروى العسكري أيضاً عن حُميدٍ الطويل أنّه قال : كان الحسن يقولُ : إذا لم تكن حليماً فَتَحَلَّم، وإِذَا لَمْ تكنْ عَليماً فتعلَّم ، فقلما تشبّه رجل بقوم إلّ كان منهم . وروى العسكري أيضاً من وجه آخر عن عمرٍو البجلي أنه قال : الحُسْن هو الله ، والله أحسن منك رِداءً ، وإن كان رداؤك حِبَرةً رداؤه الحِلم ، فإن لم یکن حِلم - لا أبالك - فتحلَّم ، فإنّ من تشبه بقومٍ لَحِق بهم . انتهى . ٦١ - ((إِنَّمَا المَرْءُ): يعني الإنسان (بِخَلِيْلِهِ )؛ أي : صاحبه ، يعني : هو على عادته وطريقته وسيرته ، لأن الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يشعرُ ، ٣٤٢ فَلْيَنْظُرِ الْمَرْءُ مَنْ يُخَالِلُ )» . ( فَلْيَتْظُرْ )؛ أي: فليتأمَّل ويتدبّر ( المَرْءُ) بعين بصيرته إلى أمور ( مَنْ يُخَالِلُ)))؛ أي : الذي يريد صداقته ، فمن رآه ورضي دينه وخلقه صادقه ، ومن سخط دينه فليجتنبه ، ومن رآه يرى له مثل ما يرى له ؛ صحبه ، فأقَلّ درجات الأُخوَّة والصّداقة النظرُ بعين المساواة ، والكمال رؤية الفضل للأخ ، وفي معنى الحديث قول الشاعر : فُكُلُّ قَرِينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدِي عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ وإن كانَ ذَا خيرٍ فَقَارِنهُ تَهْدِي فَإِنْ كَانَ ذَا شرٌّ فجَنّهُ سُرعَةً ولاَ تَصْحَبِ الأَرْدَا فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي إذَا كنْتَ فِي قَوْمِ فَصَاحِبْ خِيَارَهُم والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)) باللفظ الذي أورده المصنف . وذكره النووي في ((رياض الصالحين)) بلفظ: ((الرجلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكم مَن يُخَالِل )) ؛ وقال : رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال الترمذي: حديث حسن. ومثله في ((الجامع الصغير)) . وذكره العجلوني في ((الكشف)) بلفظ: ((المرءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فلينظر أحدكم من يخالل)) . وقال : رواه أبو داود والترمذي وحسّنه ، والبيهقي ، والقضاعي عن أبي هريرة رفعه ، وتساهل ابن الجوزي فأورده في (( الموضوعات )) ومن ثَمّ خطّأه الزركشي ، وتبعه في (( الدرر)) . وقال الحافظ في (( اللآلىء)): والقول ما قال الترمذي . يعني: أن الحديث حسن . ورواه العسكري عن أنس رفعه بلفظ: (( المرء على دين خلِيلِه ، ولاَ خيرَ في صُحبةٍ مَن لاَ يرى لَكَ مِن الخير ؛ أو من الحقِّ مثل الذي ترى له )) ورواه ابن عدي في ((كامله)) بسند ضعيف. وأورده جماعة؛ منهم البيهقي في ((شعبه)) بلفظ : من يخالّ - بلام مشددة -. انتهى كلام (( الكشف)). ٣٤٣ ٦٢ - ((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِخْراً)). وفي ((دليل الفالحين)): قال السيوطي في ((المرقاة)): هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على (( المصابيح))، وزعم أنه موضوع . قلت : قال الحافظ العلائي : نسبة هذا الحديث إلى الوضع جهلٌ قبيح ، بل هو حَسَن ؛ كما قال الترمذي، ولا ينتهي إلى الضعف فضلاً عن الوضع . قال الحافظ العسقلاني في ردِّه عليه : قد حسَّنه الترمذي ، وصححه الحاكم . انتهى كلام «دليل الفالحين)). ملخصاً . ثم قال ابن علان : وبه يعلم ما في قول المصنف - يعني النووي - بإسناد صحيح ، إلا أن يريد به المقبول مجازاً ، فيشمل الحسن ، والله أعلم . ٦٢ - ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ) هو: المنطق الفصيح المعرِبُ عمَّا في الضمير. وقال القاضي : البيانُ: جمعُ الفصاحة في اللفظ والبلاغة باعتبار المعنى. ( لَسِحْراً ))) - بفتح لام التوكيد - ؛ أي : إنّ من البيان لنوعاً يَخُلُّ من العقول والقلوب في التمويه محلّ السّحر ، والسِّخر - في الأصل -: الصّرف، قال تعالى ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون] وسمّي السحر سحراً !! لأنه مصروف عن جهته. والساحر بسحره يزيّنُ الباطل في عين المسحور حتى يراه حقّاً ، فكذا المتكلم بمهارته في البيان وتفُّه في البلاغة وترصيف النظم ؛ يسلب عقل السامع ، ويشغله عن التفكر فيه والتدبُّر له ؛ حتى يخيّل إليه الباطل حقّاً والحقّ باطلاً، وهذا معنى قول ابن قتيبة (( إن منه ما يقرب البعيد ، ويبعد القريب ، ويزين الباطل القبيح ، ويعظم الصغير ؛ فكأنه سحر)) . والقصد النهي عن ذلك كالنهي عن السحر ؛ إن كان ذلك البيان لأجل سَتْر حَقِّ ونُصرةٍ باطل . ويحتمل أنه مدحٌ إن كان زخرفة العبارةِ لأجل قبول حقّ ونصره ؛ فيكون تشبيهه بالسحر من حيث استمالةُ القلوب فقط ، لا في النهي . وهذا قاله النبيّ ◌َّ﴿ حين قدم وفد تميمٍ وفيهم الزِّبرِقَان وعمرو بن الأَهيَم فخطبا ٣٤٤ ببلاغة وفصاحة ، ثمّ فَخَر الزبرقان فقال : يا رسول الله ؛ أنا سيّد بني تميم ، والمطاعُ فيهم ، والمجاب لديهم ، أَمنعهم من الظلم ، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك . فقال عمرو : إنه الشديد العارضة ، مانع لجانبه ، مطاع في أدنيه ؛ فقال الزِّبْرِقان : والله لقد علم مني أكثر مِمَّا قال ؛ ما منعه أن يتكلم إلاّ الحسد !! فقال عمرو : أنا أحسدك ! والله إنّك للئيم الخال ، حديث المال ، ضيّق العَطن ، أحمق الولد ، والله يا رسول الله لقد صدقتُ فيما قلتُ أوّلاً ، وَمَا كذبت فيما قلتُ ثانياً ؛ لكني رجل إذا رضيتُ قلت أحسن ما علمت ، وإذا غضبتُ قلتُ أقبحَ ما وجدت ، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعاً . فقال رسول الله وَله: ((إن من البيان لسحراً)). قال الميداني: هذا المثال في استحسان النطق وإيراد الحجة البالغة . قال التوربشتي : وحقّه أن يقال إن بعض البيان كالسّحر ، لكنّه جعل الخبر مبتدأً مبالغةً في جعل الأصل فرعاً ، والفرع أصلاً . انتهى من ((شروح الجامع الصغير)). والحديث أخرجه الإمام مالك، والإمام أحمد، والبخاري في (( النكاح والطِّبّ))، وأبو داود في ((الأدب))، والترمذي في ((البرِّ)): كلهم عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما . وذكره في ((الجامع الصغير)) بلفظ: ((إنّ مِنَ الْبَان سحراً، وإن مِنَ الشِّعْرِ حِكَماً)) . ورمز له برمز الإمام أحمد وأبي داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . والجملة الثانية في البخاري بلفظ: ((إنّ مِنَ الشِّعر لَحِكْمةً)) من حديث أُبِّ رضي الله عنه . وذكره في ((الجامع الصغير)) أيضاً بلفظ: ((إنّ مِنَ البَيان سحراً، وإنّ مِنَ العِلم جهلاً ، وإنّ منَ الشِّعر حِكَماً، وإن منَ القَول عَيَالاً )) ورمز له برمز أبي داود في ((الأدب))؛ من حديث صخر بن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، عن جدّه: بريدةَ بن الحصيب رضي الله عنهم آمين . ٣٤٥ ٦٣ - ((أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ، وَعَلِيِّ بَابُهَا ». ٦٣ - ((أَنَا مَدِيْنَةُ العِلْمِ وَعَلَيٌّ بَابُهَا))) الذي يُدخَل منه إلى المدينة، فإن المصطفى ﴿ المدينةُ الجامعَة لمعاني الديانات كلّها، ولا بدّ للمدينة من باب ، فأخبر أن بابها هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، فمن أخذ طريقه دخل المدينة ، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى ، وقد شهد له بالأعلمِيَّة الموافقُ والمخالف ، والمعادي والمحالف ؛ أخرج الكلاباذي : أن رجلاً سأل معاوية رضي الله تعالى عنه عن مسألة ، فقال : سل علياً ؛ هو أعلم مني . فقال : أريد جوابك ، قال : ويحك كرهتَ رجلاً كان رسول الله وَلا يعزه بالعِلم عزاً !! . وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك ، وكان عمر بن الخطاب يسأله عمّا أشكل عليه ؛ جاءه رجل فسأله ، فقال : هُهنا عليٌّ فاسأله ؛ فقال : أريد أسمعُ منك ؛ يا أمير المؤمنين !! قال: قُم ؛ لا أَقام الله رجليك . ومَحًا اسمه من الدّيوان . وصحّ عنه من طرق أنه كان يتعوّذ من قوم ليس فيهم عليٌّ بن أبي طالب حتى أمسكه عنده ولم يولُّه شيئاً من البعوث لمشاورته في المشكل . وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال : ذُكر لعطاء : أكان أحد من الصحب أفقه من علي ؟! قال : لا والله . قال الحرالي : قد علم الأولون والآخِرون أنّ فهم كتاب الله تعالى منحصر إلى علم عليٍّ ، ومَن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يَرفع الله عن القلوب الحجاب حتى يتحقّق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء . إلى هنا كلامه ؛ ذكره المناوي . وفيه أيضاً : وناهيك بهذه المرتبة ما أسناها ، وهذه المنقبة ما أعلاها ، ومن زعم أن المراد ((وعلي بابها)) أنه مرتفع من العُلُوِّ وهو الارتفاع فقد تنخَّلَ لغرضه ٣٤٦ الفاسد بما لا يُجدِيه ، ولا يُسمنه ولا يُغنيه . أخرج أبو نعيم عن ترجمان القرآن مرفوعاً: ما أنزل الله عز وجلّ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلّ وَعِليٌّ رأسُها وأميرُها . وأخرج عن ابن مسعود قال : كنت عند النبي ◌َّ﴿ فسئِل عن عليّ كرم الله وجهه ! فقال: (( قُسمت الحكمة عشرة أجزاء ؛ فأعطي عليٌّ تسعةَ أجزاء ، والناس جزءاً واحداً )). وعنه أيضاً: (( أُنزل القرآن على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلّ وله بطن وظهر ، وأما عليّ ؛ فعنده منه علم الظاهر والباطن )) . وأخرج أيضاً عن سيّد المرسلين وإمام المتقين: (( أنا سيّد ولد آدم ؛ وعليٌّ سيّد العرب)). وأخرج أيضاً: ((عليٍّ راية الهدى)). وأخرج أيضاً: ((يا عليّ؛ إن الله أمرني أن أُدنيك وأعلمك لتسعى))، وأنزلت عليه هذه الآية ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنَّ وَعِيَةٌ ()﴾ [الحاقة]. وأخرج عن ابن عباس: كنا نتحدَّث أنّ رسول الله وَّرِ عهد إلى عليٍّ كرم الله وجهه سبعين عهداً لم يعهده إلى غيره . والأخبار في هذا الباب لا تكاد تحصى . انتھی کلام المناوي على (( الجامع )» . والحديث ذكره في (( الجامع الصغير ))، مرموزاً له برمز العقيلي ، وابن عدي ، والطبراني في ((الكبير))، والحاكم في ((المستدرك)) وصحَّحه ، زاد المناوي: وكذا أبو الشيخ في ((السنة)): كلّهم عن ابن عباس ((ترجمان القرآن)) مرفوعاً مع زيادة: (( فمن أراد العلم فليأت الباب )) . ورمز له أيضاً برمز ابن عدي والحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما . قال المناوي: ورواه الإمام أحمد بدون الزيادة يعني قوله: (( فمن أراد العلم فليأت الباب )) . قال الذهبي - كابن الجوزي -: موضوع ، وقال أبو زرعة : كم خلق افتضحوا به . وقال ابن معين : لا أصل له . وقال الدارقطني : غير ثابت ، ٣٤٧ وقال الترمذي ؛ عن البخاري : منكر ، وتعقَّبه جمع من الأئمة منهم الحافظ العلائي فقال : مَن حكم بوضعه فقد أخطأ ، والصواب أنه حسن باعتبار طُرقه ؛ لا صحيح ولا ضعيف . وليس هو من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول ، بل هو كخبر : ((أرأفُ أمّتي بأمتي أبو بكر)). قال الزركشي: الحديث ينتهي إلى درجة الحَسَنِ المحتجِّ به ، ولا يكون ضعيفاً ، فضلاً عن كونه موضوعاً !! وفي ((لسان الميزان)): هذا الحديث له طرق كثيرة في ((المستدرك )) أقلُّ أحوالها أن يكون للحديث أصل ، فلا ينبغي إطلاق القول عليه بالوضع . انتهى . ورواه الخطيب في (( التاريخ )) باللفظ المذكور من حديث أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ثم قال : قال القاسم : سألت ابن معين عنه ؛ فقال : هو صحيح . قال الخطيب : قلتُ : أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية ؛ وليس بباطل ، إذ رواه غير واحد عنه ، وأفتى بحسنه ابن حجر ، وتبعه السخاوي ؛ فقال: هو حديث حسن. انتهى؛ كلام المناوي على ((الجامع)). وذكره في ((الجامع الصغير)) بلفظ: (( أنا دار الحِكمة ، وعليّ بابها)). ورمز له برمز الترمذي عن علي بن أبي طالب ، أي : من رواية إسماعيل بن موسى الفزاري ؛ عن محمد بن عمر الرومي ، عن شريك ، عن سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة ، عن أبي عبد الضياء ، عن عليّ وقال : غريب . انتهى مناوي على (( الجامع)) . وقال في ((المقاصد)): إنه رواه الترمذي في ((المناقب)) من ((جامعه))، وأبو نعيم في ((الحلية)) وغيرهما من حديث عليٍّ: أنّ النبيّ وَّ قال: «أنا دارُ الحِكمةِ وعليٌّ بابها)) قال الدار قطني في (( العلل)): إنّه حديث مضطرب غير ثابت . وقال الترمذي : إنه منكر ، وكذا قال شيخه البخاري ، وقال : إنه ليس له وجه صحيح . وقال ابن معين - فيما حكاه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) -: إنه كذب لا أصل له، وأورده ابن الجوزي من هذين الوجهين في (( الموضوعات » ووافقه ٣٤٨ الذهبي وغيره على ذلك . انتهى كلام ((المقاصد )). وقال المناوي في (( شرح الجامع )) بعد ذكر حديث عليٍّ من رواية شريك المذكور : وزَعَم القزويني كابن الجوزي وضعهُ ، وأطال العلائي في ردّه . وقال : لم يأت أبو الفرج ولا غيره بِعلّة قادحة في هذا الخبر ؛ سوى دعوى الوضع دفعاً بالصدر . وسئل عنه الحافظ ابن حجر في ((فتاويه)) فقال: هذا حديث صحَّحه الحاكم ، وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات))؛ وقال : إنه كذب . والصواب خلافُ قولهما معاً ، وأنه من قسم الحسن : لا يرتقي إلى الصحة ؛ ولا ينحطّ إلى الكذب . قال : وبيانه يستدعي طولاً لكن هذا هو المعتمد . انتهى كلام المناوي . وقال الحافظ السيوطي في ((الدرر)): وقد بسطت كلام العلائي وابن حجر في ((التعقبات على الموضوعات))، وقال في ((اللآلئ)) بعد كلام طويل: والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتجّ به . انتهى. وقال في ((شرح الهمزية)) لابن حجر المكي عند قولها « كَمْ أبانَتْ عَنْ علوم »: إنّه حَسَنٌ خلافاً لمن زعم وضعه . انتهى . وقال في (( الفتاوى الحديثية)): رواه جماعة وصححه الحاكم، وحسَّنه الحافظان العلائي وابن حجر . انتهى . وقد ألَّف العلامة حافظ العصر أبو الفيض أحمد بن الصِّدّيق الغماري المتوفى سنة ١٣٨٢ رحمه الله تعالى مؤلفاً خاصّاً في هذا الحديث؛ سمّاه (( فتح الملك العلي بصحة حديث بَابِ مَدِينةِ العلْمِ عليّ )) وقد طبع بمصر فليطلبه من أراده . وما ذكرناه هو خلاصة ما قيل في هذا الحديث ، ومَن أرادَ المزيدَ فليراجع ٣٤٩ ٦٤ - ((أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ)). ((المقاصد)) و((الكشف)) و((اللآلئ المصنوعة)) مع مؤلَّف السيد أحمد الغِماري رحمه الله تعالى . آمين . ٦٤ - (( أَنْتَ) أيّها الرجل القائل ((إنّ أبي يريد أن يجتاح مالي))؛ أي : يستأصله ( وَمَالُكَ لأَبَيْكَ))) يعني: إنّ أباك كان سبباً في وجودك ، ووجودُك سبب وجود مالِكَ ، فإذا احتاج فله الأخذ منه بقدر الحاجة ؛ كما يأخُذُ من مال نفسه إذا كان المأخوذ فاضلاً عن حاجة الابن ، ومثلُ الأب سائرُ الأصول ؛ ولو من جهة الأُم ، ومثل الابن سائرُ الفروع ؛ ولو من جهة البنت . وسببه - كما في ابن ماجه عن جابر بن عبد الله - أنّ رجلاً قال : يا رسول الله ؛ إنّ لي مالاً وولداً ، وإن أبي يجتاح مالي ، فذكره حملاً له على بِرِّ أبيه ، وعَدَم عقوقه ، فليس المراد إباحة ماله له حتى يستأصله بلا حاجة . وهذا الحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز ابن ماجه في ((التجارة))؛ عن جابر بن عبد الله. قال ابن حجر الحافظ في (( تخريج أحاديث الهداية )): رجاله ثقات لكن قال البزار : إنما يُعرف عن هشام ، عن ابن المنكدر مرسلاً ، وقال البيهقي : أخطأ مَن وصله عن جابر . انتهى مناوي على (( الجامع)). ورمز له في ((الجامع)) أيضاً برمز الطبراني في ((الكبير)). قال المناوي : وكذا البزار ، كلاهما عن سمرة بن جندب وابن مسعود . قال الحافظ الهيثمي : ومن طريق سمرة فيه عبد الله بن إسماعيل الحوداني ، قال أبو حاتم : ليّنٌ ، وبقية رجال البزار ثقات . انتهى . ومفهومه : أنّ رجال الطبراني ليسوا كذلك، ومن طريق ابن مسعود فيه إبراهيم بن عبد الحميد ؛ ولم أجد مَن ترجمه !! وبقية رجاله ثقات . انتهى . وقال الحافظ ابن حجر : فيه من طريق ابن مسعود هذا : معاوية بن يحيى وهو ٣٥٠ ضعيف . وأما حديث سمرة ، فإن العقيلي بعد تخريجه عنه قال : وفي الباب أحاديث فيها ليْنٌ ، وبعضها أحسن من بعض . وقال البيهقي : روي من وجوه موصولاً لا يثبت مثلها ، وقال الحافظ ابن حجر في موضع آخر : قد أشار البخاري في (( الصحيح)) إلى تضعيف هذا الحديث . انتهى ؛ نقله المناوي على ((الجامع الصغير)). وقال في (( كشف الخفا)): وله طرق أخرى عند البيهقي في ((الدلائل))، والطبراني في ((الأوسط)) و ((الصغير)) بسند فيه المنكدر - ضعَّفوه - عن جابر ؛ قال: جاء رجل إلى النبي وَ﴿ه، فقال: يا رسول الله: إنّ أبي أخذ مالي، فقال النبي ◌َ ﴿: ((إِذهبْ فأتني بأبيك))، فنزل جبريل على النبيّ وَّ فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقرئُك السلامَ ؛ ويقول لك : إذا جاء الشيخ فَسَلْه عن شَيءٍ قاله في نفسه ؛ ما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبيّ وَليقول: ((ما بالُ ابنك يشكوك ؛ تريد أن تأخذ ماله))؟ قال : سله يا رسول الله؛ هل أنفقته إلاّ على إحدى عمَّاته أو خالاته ؛ أو على نفسي !! فقال النبيّ ◌َّهِ: ((إنْهِ دَعْنَا مِنْ هُذا؛ أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ قُلْتَهُ فِي نَفْسِكَ مَا سَمِعَتْهُ أَذْنَاكَ )». فقال الشيخ: والله يا رسول الله ؛ ما يزال اللهُ يزيدُنا بِكَ يقيناً ، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمعتْهُ أذناي. فقال: ((قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ ، فقال : قلتُ : تَعِلُّ بِمَا أَجْنِي عليكَ وتَنْهَلُ غَذَوتُكَ مَوْلُوداً وَمُنْتُكَ يافِعاً لِسُقْمِكَ إلاّ ساهراً أَتَمَلْمَلُ طُرِقْتَ بِهِ دُوني فعَيْنَيَّ تَهمُلُ لَتَعْلَمُ أنّ الموتَ وَقْتُ مُؤَجَّلُ إليها مَدَى ما كنتُ فِيكَ أُؤْمِّلُ كَأنّكَ أنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ فَعَلْتَ كَما الجارُ المُجَاوِرُ يَفْعَلُ بِرَدِّ عَلَىْ أَهْلِ الصَّوابِ مُوَكَّلُ إذا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ كأنِّي أَنَا المَطْرُوقُ دُونَك بالّذي تَخَاف الرّدَى نفسي عَلَيكَ ؛ وإِنَّها فَلَمَا بَلَغْتَ السِّنَّ والغَايَةَ الَّتِي جَعَلْتَ جَزَائي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً فليتَكَ إذْ لم تَرْعَ حَقَّ أبُوَّتي تَرَاهُ مُعِدّاً للخِلافِ كَأَنَّهُ ٣٥١ ويروى بدل البيت الأخير قولُه : عَليَّ بِمالٍ دُون مَالِك تَبْخَلُ فأَوَلَيْتَنِي حَقَّ الجِوَارِ فَلَمْ تَكُنْ قال: فحينئذ أخذ النبيّ وَ ه بتلابيب ابنه؛ وقال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيْكَ)). وذكره في (( الكشاف )) في تفسير سورة الإسراء بلفظ : شكا رجل إلى رسول الله و ﴿ أباه وأنّه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكَّأُ على عَصّا ، فَسأَلَه فقال : إنّه كان ضعيفاً وأنا قويٌّ، وفقيراً وأنا غنيٌّ ، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي ، واليوم أنا ضعيف وهو قويٌّ وأنا فقير وهو غنيٌّ ؛ وهو يبخل عليَّ بماله . فبكى عليه الصلاة والسلام وقال: ((مَا من حجر ولا مَدَر يَسْمع هذا إلّ بكىْ))، ثُمَّ قال للولد: ((أنت ومالك لأبيك)) وقال مخرِّجُه : لم أجده . وقال في ((المقاصد)) قال شيخنا: أخرجه في (( معجم الصحابة )) من طريق وبيَّض له . قال : قلت : وكأنه رام ذكر الذي قبله . والحديث عند البزار في ((مسنده))؛ عن عمر أنّ رجلاً أتى النبيّ وَّه فقال: إنّ أبي يريد أن يأخذ مالي ... فذكره ، وهو منقطع . وأخرجه الطبراني في (( معاجيمه)) الثلاثة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رجل إلى النبيّ وَ﴿ يستعدي على والده، قال: إنه أخذ منّي مالي، فقال له رسول الله وَله: ((أما عَلِمتَ أنّك ومالَك من كَسْبٍ أبيك)». وأخرج ابن ماجه ؛ عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : جاء رجل إلى النبيّ وَّله فقال: إنّ أبي اجتاح مالي؛ قال: (( أنت ومالُك لأبيك ، إنّ أولادكم من طِيْبٍ كَسْبِكم فَكُلوا مِن أموالكم )» . وأخرجه أحمد عنه ، وكذا ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قال في ((المقاصد)): والحديث قويّ . ٣٥٢ ٦٥ - «أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ ». ٦٦ ـ((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ». ٦٥ - ((أَنْ تَفْعَلَ الخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ))) ((أن)) حرف مصدري فهو بفتح الهمزة ، أي : فِعْلُك الخيرَ واشتغالُكَ بهِ خيرٌ لك من خلافه الّذي هو الترك ؛ أو الاشتغال بالشرِّ، فإنّ النّفس إنْ لم تَشْغَلْها بالخَير شغلتك بالشَرِّ ؛ فينبغي للإنسان أن يوجِّه اهتمامه إلى وجوه الخير وأعمال البِرِّ ؛ ليكون ذلك شُغُلاً شاغِلاً له عن التوجُّه إلى الشّر والتفكير فيه . والحديث المذكور لم أقف على مَن ذكره ؛ ولا من خَرَّجه . ٦٦ - ((أَنْزِلُؤْا) الخطاب للأئمة أو عائمٌ ( النَّاسَ) ؛ من مسلم وكافر ، وولي وصالح وعالم ، وغني وفقير ، وكبير وصغير وأشيب وغيره ( مَنَازِلَهُمْ))) ؛ أي : احفظوا حرمة كلّ أحد على قدره ، وعاملوه بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف ؛ فلا تسوّوا بین الخادم والمخدوم ، والرئيس والمرؤوس ، فإنه یورث عداوة وحقداً في النفوس ؛ لأن الإكرام غذاء الآدمي ، والتارك لتدبير الله في خلقه لا يستقيم حاله ، وقد دبَّرَ الله تعالى الأحوال لعباده غِنى وفقراً، وعزّاً وذلاً، ورفعة وَضَعَة ؛ ليبلوكم أيّكم أشكر ، فالعامل عن الله يعاشر أهل دنياه على ما دبَّر الله لهم ، فإذا لم ينزله المنزلة الّتي أنزله الله ، ولم يخالقه بخلق حسن ؛ فقد استهان به وجفاه ، وترك موافقة الله في تدبيره . فالمراد بالحديث الحضُّ على مراعاة مقادير النَّاسِ ومراتبهم ومناصبهم ، وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام ... وغير ذلك من الحقوق . فمنزلة العالم فوق منزلة الجاهل ، ومنزلة الغني فوق منزلة غيره الّتي اعتادها بحيث لو ترك ذلك لأَورث حقداً . ومن ذلك قبول هديته ، فينبغي عدم الردّ ، إلاّ إذا بلغ رتبة الزهد والورع. وإلّ إذا كانت في المعنى جُعالة على قضاء حاجة ، فالأولى الردّ صوناً للمروءة ، وبعضهم حرّمها إذا كانت بهذه الصّفة . ٣٥٣ فإذا سوّيتَ بين شريف ووضيع وغنيّ وفقير في مجلس أو عطيةٍ ؛ كان ما أفسدتَ أكثر ممّا أصلحتَ . فالغنيُّ إذا أقصيت مجلسه ، أو حقرت هديته يحقد عليك ، لما أَنّ الله تعالى لم يعوِّده ذلك ، وإذا عاملت الولاةَ بما عاملت بِه الرّعية ؛ فقد عرّضت نفسك للبلاء . وقد عدّ العسكري هذا الحديث من الأمثال والحكم ، وقال : هذا ممّا أدّب به المصطفى ور أمته من إيفاء الناس حقوقهم ؛ من تعظيم العلماء والأولياء ، وإكرام ذي الشيبة المسلم ، وإجلال الكبير وما أشبهه . انتهى من ((شروح الجامع الصغير)). والحديث رواه مسلم تعليقاً في مقدمة ((صحيحه)) فقال : ويذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمرنا رسول الله وال﴿ أن نُنزل الناسَ مَنَازِلهم . ووصله أبو نعيم في (( المستخرج)) وأبو داود ، وابن خزيمة ، والبزار ، وأبو يعلى ، والبيهقي في ((الأدب))، والعسكري في (( الأمثال )) وغيرهم من حديث ميمون بن أبي شبيب أنه قال : جاء سائل إلى عائشة رضي الله تعالى عنها فأمرت له بِكِسرة ، وجاء رجلٌ ذو هيئة فأقعدته معها ، فقيل لها : لمَ فعلتِ ذلك؟ قالت: أمرنا رسول الله وَ ل﴿ أن ننزلَ الناسَ مَنَازِلَهم . قال في ((اللآلئْ)): وأعلّه أبو داود بأن ميموناً لم يدرك عائشة ، وردّ عليه بأن ميموناً هذا كوفي قديم أدرك المغيرة ، والمغيرة ماتَ قبل عائشة ، ومجرَّد المعاصرة كافٍ عند مسلم ، وقد حكم الحاكم بصِخَّته، وتبعه ابن الصلاح في (( علومه )). انتهى ما في ((اللآلئْ)). ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) بلفظ : إن عائشة كانت في سفر فأمرت لناسٍ من قريشٍ بغداء ؛ فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة ؛ فقالت : ادعوه فنزل ، فأكل ومضى ، وجاء ٣٥٤ ٦٧ - ((أَنْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّكِ وَنَارُكِ)) ؛ يَعْنِي : الزَّوْجَ. سائل فأمرت له بكسرة . فقالت : إن هذا الغنيّ لم يجمُل بنا إلاّ ما صنعنا به ، وإنّ هذا السائل سأل فأمرت له بما يترضاه ، وإن رسول الله وَ﴿ أمرنا أنْ ننزلَ الناسَ مَنَازٍلهم . ولفظ أبي داود : أنزلوا الناسَ منازلهم. وقد صحَّحه الحاكم وغيره . قال في ((المقاصد)): تُعُقِّب بالانقطاع، وبالاختلاف في رفعه ووقفه كما بسطت ذلك في أول ترجمة شيخنا مع الإلمام بمعناه . وورد عن غير عائشة أيضاً : ١ - كمعاذ، فروى حديثه مرفوعاً الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) بلفظ : ((أنزلِ الناسَ منازِلَهم من الخير والشرّ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصّالحة)». و ٢ - كجابرٍ، فروى حديثه مرفوعاً في ((جزء)) الغسولي بلفظ: ((جالسوا الناسَ على قدْرِ أَحْسَابِهِم ، وخَالِطُوا الناسَ علىُ قَدْرِ أديانهم ، وأنزلوا الناسَ على قدْرِ منازٍلهم ، وداروا الناس بعقولكم)) . و ٣ - كعليٍّ، فروى حديثه موقوفاً في ((تذكرة الغافل)) بلفظ: (( من أنزلَ الناسَ منازِلَهم رفع المؤونةَ عنْ نفسِهِ ، ومن رفع أخاه فوقَ قَدْرِهِ فقد اجتزّ عداوته )) . وبالجملة فحديث عائشة حَسن، وقال في (( التمييز )): وذكره الحاكم أبو عبد الله في كتابه (( معرفة علوم الحديث )) وقال : حديث صحيح . انتهى من (( كشف الخفا )) للعجلوني رحمه الله تعالى. ٦٧ - (( أُنْظُرِيْ) ؛ أي: تأملي أيتها المرأة الّتي هي ذاتُ بَعْلٍ ( أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ) ؛ أي : في أي منزلة أنتِ من زوجك !! أقريبة من مودته ؛ مسعفة له عند شدَّته ، ملبية لدعوته ، أم متباعدة من مرامه ؛ كافرة لعشرته وإنعامه ؟! ( فَإِنَّمَا هُوَ ) ؛ أي الزوج ( جَنَُّكِ وَنَارُكِ)). يَعْنِيْ: الزَّوْجَ) أي : هو سبب ٣٥٥ ٦٨ ـ (( أَنْهَاكُمْ عَنْ قِيلَ ، وَقَالَ ، لدخولِك الجنّة برضاه عنكِ ، وسبب لدخولك النارَ بسخطِه عليك، فاعرفي حقّه وأحسني عشرته ، ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصيةٍ ، وهذا قاله النبي ◌َّ للمرأة الّتي جاءت تسأله عن شيءٍ؛ فقال: ((أَذَاتُ زَوْجِ أَنْتِ ))؟ قالت : نعم ، قال: ((كَيْفَ أَنْتِ منْهُ؟!)» قالت: لا آلوه إلاّ ما عجزت عنه. فذكر الحديث . وأخذ الذهبي من هذا الحديث ونحوه أنّ النشوز كبيرة . والحديث رواه النسائي من طريقين ، وعزاه له جمعٌ جمّ ؛ منهم الذهبي في ((الكبائر))، ولفظه: قالت عمة حصين ... وذكرت زوجها للنبيّ وَل فقال: ((أين أنت منه! فإنّه جَنَّك ونارُك )) أخرجه الذهبي من وجهين ؛ نقله المناوي . وذكره في (( الجامع الصغير)) ورمز له برمز الطبراني في (( الكبير )) وابن سعد في ((الطبقات)) كلاهما عن عمة حُصين - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغراً -: ابنِ مِخْصَن - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الصاد -. وفي العزيزي قال الشيخ : حديث صحيح . ٦٨ - ((أَنْهَاكُمْ عَنْ قِيْلَ وَقَالَ) قال في ((شرح مسلم)): هو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم . وقال في (( رياض الصالحين)): معناه: الحديث بكلّ ما يسمعه فيقول (( قيل كذا))، و((قال فلان كذا)) ممّا لا يعلم صحته ولا يَظُنُّها، و«كفى بالمرءِ إِثماً أن يحدِّث بِكُلِّ ما سَمِعَ )) . انتهى . وقال في (( شرح مسلم)): واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين : أحدهما : أنهما فعلان، فَـ ((قيل)): مبنيّ لما لم يسمَّ فاعله، و((قال)): فعل ماض . والثاني: أنهما [ ((قيلِ وقَالٍ)) ] اسمان مجروران منوّنان؛ لأن القِيل والقالَ [النساء] ومنه ١٢٣ والقول والقالة ؛ كلّه بمعنىّ، ومنه قوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ٣٥٦ وَكَثْرةِ السُّؤَالِ )). قولهم : كثرةُ القيل والقال . انتهى . ( وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ))) قال في (( شرح مسلم)): قيل المراد به القطع في المسائل والإكثار من السؤال عمّا لم يقع ولا تدعو إليه حاجة . وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنّهي عن ذلك ، وكان السّلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلُّف المنهيِّ عنه . وفي ((الصحيح)): كره رسول الله وَّلفي المسائل وعابها . وقيل : المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك . وقيل : يَحتمل أن المراد كثرةُ السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان ، وهذا ضعيف ، لأنّه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال . وقيل : يَحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل في ذلك سؤالُه عما لا يَعنيه ويتضمَّن ذلك حصول الحرج في حقّ المسؤول ، فإنّه قد لا يؤثر إخباره بأحواله ، فإن أخبره شقَّ عليه ، وإنْ كَذَبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحِقته المشقّةُ ، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب . انتهى . قال في (( دليل الفالحين)): والأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعمّ الجميع ، وذلك لأنّه اسم جنس محلّى بـ((أل)) فيعمّ ، أَمَّا سؤال المال للغير !! فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال ، ولنفسه لحاجة فلا كراهة ؛ بشرط عدم الإلحاح ، وذلِّ نفسه زيادة على ذلّ السؤال والمسؤول ؛ فإن فُقِد شرطٌ حرم . انتهى ملخصاً . والحديث ذكره بهذا اللفظ في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز أبي يعلى الموصلي ، وأخرجه الشيخان: البخاري في ثلاثة مواضع: (( الزكاة والاستقراض والأدب))، ومسلم في (( الأحكام )) ؛ ٣٥٧ ٦٩ - ((أَلاَ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ)). عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي وَ إ قال: ((إنّ الله تعالى حرّم عليكم عقوقَ الأمهات ، ومنعاً ، وهاتٍ ، ووَأْدَ البنات ، وكَرِهِ لكم : قيلَ ، وقالَ، وكثرةَ السؤالِ، وإِضاعةَ المال)) وهذا لفظ البخاري في ((الأدب)). ٦٩ - ((أَلَاَ لاَ طَاعَةَ) خبر بمعنى النهي ( لِمَخْلُوْقٍ ) من المخلوقين كائناً من كان ولو أباً أو أماً أو زوجاً ( فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ ))) بل كلّ حقّ ؛ وإن عَظُم ، ساقطٌ إذا جاء حقّ الله ، إنّما الطّاعة فيما رضيه الشارع واستحسنه ، فإذا أمر الإمام بمعصية فلا سمع ولا طاعة . قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم: أَلَسْتُم أُمرتم بطاعتنا بقوله تعالى ﴿ وَأُوْلِى اُلْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [٥٩/ النساء] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله تعالى ﴿ فَإِن تَزَعْثُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [٥٩/ النساء]. قال ابن الأثير: يريد طاعة ولاة الأمور إذا أمروا بما فيه إثم كقتل ونحوه. انتهى مناوي على (( الجامع الصغير)). والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الديلمي في ((مسند الفردوس )) باللفظ الذي أورده المصنف . ورواه الإمام أحمد ، والحاكم عن عمران بن الخُصين ، وعن الحكم بن عمرو الغِفاري رضي الله تعالى عنهم بلفظ: ((لا طاعَةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق )) قال الحافظ الهيثمي : ورجال أحمد رجال الصحيح . وقال في العزيزي : إسناده حسن . ورواه البغوي عن النّاس، وابن حبان عن عليٍّ بلفظ: ((لا طاعةَ لبشر في معصية الله )) ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي رضي الله تعالى عنه بلفظ ((لا طاعة لأحد في معصية الله ... ))، إنما الطّاعة في المعروف)). وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه في رواية: (( لا طاعةً لمن لم يطع الله )). وفي رواية لأحمد أيضاً: ((لا طاعةً لمن عصى الله)). قال الحافظ ٣٥٨ ٧٠ - «الإِسْلاَمُ حُسْنُ الْخُلُقِ)). الهيثمي : فيه عمرو بن زبيب لم أعرفه ! وبقية رجال أحمد رجال الصحيح ، وقال ابن حجر : سنده قوي . انتهى كلام المناوي على (( الجامع)). ٧٠ - ((الإِسْلاَمُ) الكامل ( حُسْنُ الخُلُقِ ) ؛ الذي يرجع حسنُهُ إلى اعتدال قوّة العقل بكمال الحكمة ، وإلى اعتدال القوّة الغضبيّة والشهويّة، وإطاعة كلّ منهما للعقل مع الشرع . ثمّ هذا الاعتدال إمّا أن یکون بجود إلهي و کمال فطري ، وإمّا أن یکون باكتساب أسبابه من المجاهدة والرياضة ؛ بأن يحمل نفسه على كلّ عمل يوجب حسنَ خلُقها ويضادُّ سوء طويَّتها ، إذ هي لا تألفُ ربّها ولا تأنس بذكره ؛ إلّ إذا فُطِمت عن عاداتها وحُفِظت عن شهواتها بالخلوة والعزلة أوَّلاً ، ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات ، ثمّ بإدمان الذكر والدعاء في تلك الخلوة إلى أن يغلب عليه الأنس بالله وبذكره ؛ فحينئذ يتنعَّم به في نهايته ؛ وإن شق عليه في بدايته . ورُبِمّا ظنّ من جاهد نفسه أدنى مجاهدة بترك فواحشٍ المعاصي أنه قد هذّبها وحسّن خلقها ؛ وأنى له بذلك ؛ ولم توجد فيه صفات الكاملين ولا أخلاق المؤمنين !! قال الله تعالى ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَ إِيَكْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ إِلى أَن قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [٢-٤/ الأنفال]. إلى أن قال : وقال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ(﴾﴾﴾ [المؤمنون]. وقال تعالى ﴿اُلتَّكَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ١٢ [التوبة] . وقال عز وجل ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ [٦٢ / الفرقان] إلى آخر السورة . فمن أشكل عليه حال نفسه فليعرضها على هذه الآيات ونظائرها ، فوجود جميع ٣٥٩ هذه الصفات علامةُ حسن الخلق ، وفقد جميعها علامةُ سوء الخلق الذي هو أصل لكثير من المعاصي والذنوب ، ووجود البعض يدلّ على البعض . وقد أشار ◌َّلفي إلى مجامع محاسن الأخلاق ؛ بقوله : ((المؤمن يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ))، وبأمره بإكرام الضيف والجار . وبأن المؤمن إمّا أن يقول خيراً أو يصمت . وبما جاء : ((إذا رأيتمُ المؤمنَ صموتاً وقوراً فادنوا منه فإنه يلقي الحكمة)). (( لا يحلّ لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظر يؤذيه )) . (( لا يحل لمسلم أن يروّع مسلماً » . ((إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله ، فلا يحل لأحدهما أن يُفشي على أخيه ما يكره » . وجمع بعضهم علامات حُسن الخلق فقال : أن يكون كثير الحياء ، قليل الأذى ، كثير الصلاح ، صدوق اللسان ، قليل الكلام ، كثير العمل ، قليل الفضول ، قليل الزلل ، وهو بَرٍّ، وصول ، وقور ، صبور ، رَضِيٌّ ، شكور ، حليم، رفيق ، عفيف ، شفيق ، لا لمّازٌ، ولا سبّابٌ، ولا نَمَّامٌ ، ولا مغتاب ، ولا عجول ، ولا حقود ، ولا بخيل ، ولا حسود ، هشاش بشاش ، يحب في الله ؛ ويُبْغِض في الله ، ويرضى في الله ؛ ويغضب في الله . فهذا هو حُسن الخُلق وفقنا الله تعالى للتحلّي بمعاليه ، وأدام علينا سوابغ أفضاله ، وموانح قربه ، والاندراج في سلك أوليائه وأحبابه ومواليه . آمين . قاله ابن حجر في ((الزواجر)) رحمه الله تعالى . وهذا الحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الديلمي في (( مسند الفردوس». ٣٦٠