النص المفهرس
صفحات 321-340
إِلَّ مَا حَسَّنَهُ الإِسْلاَمُ)).
٤٤ - (( أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ)).
كَانُواْ مُهْتَدِينَ
[الأنعام] .
١٤
(إِلَّ مَا حَسَنَهُ الإِسْلاَمُ))) وأقرّه كالقسامة والدية مئة من الإبل .
وكانت العرب في الجاهلية تحرِّم أشياء نزل القرآن بتحريمها ، فكانوا
لا ينكحون الأمهات ، ولا البنات ، ولا الخالات ، ولا العمات ، إلّ ما يحكى عن
حاجب بن زرارة وهو سيّد بني تميم : تزوج بنته وأولدَها .
وإنما تنزَّهت العرب ، ولا سيّما قريش عن هذه المناكح !! حفظاً لحرمة
الأرحام الدَّانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة ، فتضعف الحَمِيّة وتقل الغيرة ، وهم
أخصُّ الناس بالمناكح الطاهرة ، وكان أقبح ما يصنع بعضهم أن يجمع بين الأختين .
والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الديلمي في ((مسند
الفردوس )) .
٤٤ - ((أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُوْلِهِمْ))) رواه الديلمي - بسند ضعيف -
عن ابن عباس مرفوعاً. وفي ((اللآلىء)) بعد عزوه لـ (( مسند الفردوس )) عن ابن
عباس مرفوعاً قال : وفي إسناده ضعيف ومجهول . انتهى .
وقال في ((المقاصد)): وعزاه الحافظ ابن حجر لـ ((مسند الحسن بن سفيان))
عن ابن عباس بلفظ: ((أُمِرْتُ أن أخاطبَ الناسَ عَلَىْ قَدْرِ عُقُولِهِم)) قال: وسنده
ضعيف جدّاً .
ورواه أبو الحسن التميمي من الحنابلة في (( العقل)) له ؛ عن ابن عباس من
طريق أبي عبد الرحمن السلمي أيضاً بلفظ: (( بعثنا معاشر الأنبياء نُخَاطِبُ النَّاسَ
عَلَىُ قَدْرِ عُقُولِهِم » .
وله شاهد عن سعيد بن المسيب مرسلاً بلفظ: (( إنّا مَعَاشِرَ الأنبياء أُمِرْنَا ... »
وذكره .
٣٢١
ورواه في ((الغُنْيُّة)) للشيخ عبد القادر الجيلاني قدّس سرّه بلفظ: ((أُمِرْنَا مَعَاشِرَ
الأنبياءِ أَنْ نحدِّثَ النّاس علىْ قَدْرِ عُقُولِهِم ».
وفي ((صحيح البخاري)) ؛ عن عليٍّ موقوفاً: حدِّثُوا الناس بما يَعرِفُون،
أَتْحِبُّونَ أنْ يُكذَّبَ اللهُ ورسُولُهُ !!
ونحوه ما في ((مقدمة صحيح مسلم)) عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدِّثٍ
قوماً حديثاً لا تبلغُهُ عُقُولهم إلاّ كَانَ لِبَعْضِهِم فِتْنَةٌ .
وروى العقيلي في ((الضعفاء)) وابن السنّي وأبو نعيم في (( الرياضة )) وغيرهم
عن ابن عباس مرفوعاً: (( ما حدّثَ أحدكم قوماً بحديثٍ لا يفهمونَه إلاّ كَانَ فِتْنَةٌ
عليهم )) .
ورواه الديلمي أيضاً من طريق حمّاد بن خالد ، عن ابن عباس رفعه :
(( لا تحدّثوا أُمَّتي مِن أحاديثي إلّ ما تَحْملُهُ عُقُولُهم )).
وروى البيهقي في ((الشعب)) عن المقدام بن معدي كرب مرفوعاً: ((إذا حَدَّثْتُم
النّاسَ عَن رَبِّهم فلا تُحدِّثُوهم بما يَعْزُبُ عنهم ويشقّ عليهم)).
وصحّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: حفظتُ عن النبيّ وَّ وعاءين ؛ فأمّا
أحدهما فبشتُهُ، وأمّا الآخر فلو بثَثْتُهُ لقُطع هَذَا الْبُلْعُوم .
وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعاً: (( عاقبوا أرقَّاءكم علىُ قَدْرِ عُقُولِهم)).
وأخرجه الدار قطني عن عائشة مثله .
وروى الحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين ؛ عن أبي ذَرٍّ مرفوعاً :
(( خالقوا الناس بأخلاقهم » .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود مرفوعاً: (( خَالِطِ الناسَ بِمَا
يَشْتَهُونَ ؛ وَدِيْنُكَ فَلا تَكْلُمنّه )).
ونحوه عن عليٍّ رفعه: (( خَالِقِ الفَاجِرَ مُخَالَفَةً، وخَالِصِ المؤمنَ مُخَالَصَةً ،
٣٢٢
٤٥ - ((إِنَّ اللهَتَعَالَى بَعَثَنِي رَحْمَةً مُهْدَاةً ، بُمِثْتُ بِرَفْعٍ أَقْوَامٍ وَخَفْضٍ
آخَرِينَ )).
٤٦ - ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنِ النِّسْيَانِ، وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) .
ودِينُكَ لا تُسْلِمْهُ لأَحدٍ )) . انتهى .
ذكر جميعَ ذلك العجلونيُّ في (( كشف الخفا )) رحمه الله تعالى .
٤٥ - ((إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ بَعَثَنِيْ) أَرْسَلَني (رَحْمَةً مُهْدَاةً) - بضم الميم وسكون
الهاء -: أي: هدية للمؤمنين والكافرين بتأخير العذاب. ( بُمِثْتُ بِرَفْعِ أَقْوَامٍ) وهم
المؤمنون ( وَخَفْضٍ آخَرِيْنَ))) وهم مَن أبى واستكبر ، وإن بلغ من الشرف المقام
الأفخر ، بمعنى : أنه يضع قدرهم ويذلّهم باللِّسان والسِّنان ؛ فكان عنده مزيد
الرحمة للمؤمنين ، وغاية الغلظة على الكافرين ؛ فاعتدل فيه الإنعام والانتقام .
وهذا الحديث ذكره في (( الجامع الصغير))، وقال : أخرجه ابن عساكر في
((التاريخ)) عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما .
٤٦ - ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ)؛ أي: عفا ((مِن جازَه يجوزه)): إذا تعدّاه وعَبَر عليه
(لأُمَّتِيْ ) أمةِ الإجابة (عَنِ النِّسْيَانِ ) - بكسر النون -: ضد الذِّكر والحفظ ؛ أي :
عن إثم النِّسيانِ، ( وَمَا أُكْرِهُوْا)؛ أي: الأمة، وذَكَّره(١) !! نظراً للمدلول؛
لا لِلَفظ (عَلَيْهِ)))؛ أي: حُمِلُوا على فعله قهراً. قال المناوي: والمراد رفعُ
الإثم ، وفي ارتفاع الحكم خُلْف ، والشافعي كالجمهور على الارتفاع .
قال العلقمي: وحَدُّ الإكراه : أن يهدِّد قادرٌ على الإكراه بعاجل من أنواع
العقوبات ؛ يُؤْثِرُ العاقلُ لأجله الإقدام على ما أُكره عليه ، وقد غلب على ظنّه أنه
يفعل به ما هذَّدَ به ؛ إن امتنعَ مِمّا أكْرَهَهُ عليه ، وعجز عن الهرب والمقاومة
والاستغاثة بغيره ونحوهما من أنواع الدّفع .
(١) أي ضمير (( أكرهوا)).
٣٢٣
٤٧ - ((إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَىْ لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ )).
ويختلف الإكراهُ باختلاف الأشخاص والأسباب المكره عليها . انتهى
(عزيزي)).
وهذا الحديث ذكره المناوي في ((كنوز الحقائق)» باللفظ الّذي أورده
المصنف ؛ مرموزاً له برمز الطبراني في ((الكبير)) عن ثوبان الهاشمي (( مولى
المصطفى 98َ))، وقال الحاكم: إنّه صحيح على شرطهما . ذكره المناوي.
وأطال العجلوني في (( كشف الخفا)) في تخريجه وما قيل فيه من قدح ، إلى أن
قال : وأصل الباب: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في ((الصحيحين)) ؛ عن
زُرَارة بن أَوفى يرفعه: ((إنّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ
تَكَلّم بِهِ » . انتهى .
٤٧ - ((إِنَّ اللّهَ جَعَلَ الحَقَّ) يعني: أجْرَاهُ (عَلَى لِسَانٍ عُمَرَ ) بن الخطاب،
فكانَ كالسّيف الصّارِمِ والحُسام القاطِعِ. قال الطيبي: ((جَعَلَ)) بمعنى ((أجْرَى))،
فعدّاه بـ ((على)) وفيه معنى ظهور الحقِّ واستعلائه على لسانه، ووضع ((جعل))
موضع أَجْرَاه !! إيذاناً بأنّ ذلك كان خَلْقِيّاً ثابتاً لازماً مستقراً (وَقَلْبِهِ))) فكان الغالب
على قلبه جلال الله ؛ فكأنَّ الحقَّ معتَمَله حتى يقوم بأمرِ الله وينفّذ بقاله وحاله ؛ وفاءً
بما قلّده الله الخلق من رعاية هذا الدين الذي ارتضاه لهم . انتهى مناوي على
((الجامع)) .
وقال الحفني : أي هو زائد عن غيره في ذلك ؛ وإن كان أفضل منه كأبي بكر ،
إذ قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل ، فالغالب على سيّدنا أبي بكر
الرأفة ، والغالب على سيّدنا عمر الشدّة في دين الله تعالى، ولذا لما أسلم ووَجَد
الناسَ مختفين فقال: ألسنا على الحقّ؛ يا رسول اللهِ !! فقال ◌َله: ((بَلَى)) فقال:
ففيم الاختفاء ؟ . فأمر بالصَّلاة والطّواف جِهاراً فَظَهَر الإسلام مِنْ حِينِئِذٍ ، وإنما قيل
هو زائد ... الخ !! لأنّ جَميع الصّحابة كذلكَ لا يجري على ألسنتهم وقلوبهم إلّ
الحق . انتهى كلام الحفني .
٣٢٤
٤٨ - ((إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَىْ أَجْسَامِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ ،
وفي (( سنن أبي داود)) في ((كتاب الخراج)) أنّ عمر بن عبد العزيز كتب : أنّ
من سأل عن مواضع الفيء ، فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ،
فرآه المؤمنون عَدْلاً موافقاً لقول النّبيِنَّهُ: ((جعل اللهُ الحقَّ على لِسَانِ عُمَرَ
وقَلْبِهِ )) .
فرض الأعطية وعقد لأهل الأديان ذمّة بما فرض عليهم من الجزية لم يضرب
فيها بخُمس ولا مَغْنَم . انتهى .
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر بن الخطاب رضي اللهُ
تعالى عنهما ؛ وقال الترمذي : حسن صحيح غريب من هذا الوجه .
وأخرجه أبو يعلى والحاكم ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وقال
الحاكم : على شرط مسلم ، وأقرّه الذهبي .
وأخرجه الطبراني في « الكبير)) عن بلال بن رباح الحبشي المؤذن ، وعن
معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما .
وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود في (( الخراج))، وابن ماجه ، والحاكم ،
وصحّحه عن أبي ذَرِّ الغِفاري رضي الله تعالى عنه بلفظ: (( إنّ اللهَ وَضَعَ الحقَّ عَلَى
لِسَانِ عُمَرَ يقولُ به)). وفي ((كشف الخفا)) للعجلوني: حديث: ((الحقُّ بَعْدِي مَعَ
عُمر حيثُ كَانَ )) قال الصغاني : موضوع . انتهى .
وأقول رواه في (( الجامع الكبير)) عن الحكيم الترمذي ، وابن عساكر ؛ عن
الفضل بن عباس بلفظ: ((الحق بَعْدِي مَعَ عُمر بنِ الخطابِ حيثُ كَانَ)) . انتهى
كلام العجلوني رحمه الله تعالى .
٤٨ - ((إِنَّ اللهَ) عزّ وجلّ (لاَ يَنْظُرُ إِلَىْ أَجْسَامِكُمْ) المجرّدة عَن السِّيَر
المرضية، وفي ((صحيح مسلم)): ((أجسادكم)) بدل (( أجسامكم))؛ أي :
لا يجازيكم على ظاهرها (وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ) الظاهِرَة .
٣٢٥
وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ )) .
( وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَىْ قُلُوْبِكُمْ))) التي هي محلّ التقوى ، وأوعية الجواهر ، وكنوز
المعرفة ؛ أي : إنّما تكون المجازاة على ما في القلب من عظمة الله وخشيته
ومراقبته ؛ دون الصُّور الظّاهرة ، فمعنى النظر هنا : الإحسان والرحمة والعطف .
ومعنى نفيه : نفيُّ ذلك ، فعبّر عن الكائن عند النظر بالنظر مجازاً ، وذلك لأن النظر
في الشاهد دليل المحبّة ، وترك النظر دليلُ البُغْض والكراهة ، وميلُ الناسِ إلى
الصُّور المعجبة ، والله منزّه عن ذلك ، فجعل نظره إلى ما هو السرّ واللُّبُّ ؛ وهو
القلب .
والجمال قسمان : ظاهري ، وباطني ؛ كجمال علم وعقل وكرم ، وهذا هو
محلّ نظر الله من غيره ، وموضع محبته ؛ فيرى صاحب الجمال الباطني ، فيكسوه
من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت رُوحه من تلك الصفات ؛ فإن
المؤمن يعطى حلاوةً ومهابةً بحسب إيمانه ؛ فمن رآه هابه ، ومن خالطه أحبَّه ؛ وإن
كان أسود مشوهاً ، وهذا أمر مشهود بالعيان .
قال الغزالي : قد أبان هذا الحديث أن محلّ القلب موضعُ نظر الرّبِّ ، فيا عجباً
ممن يَهْتَمّ بوجهه الّذي هو محل نظر الخلق ؛ فيغسله وينظفه من القَذَر والدَّنس ،
ويزيَّنه بما أمكن لئلا يطّلع فيه مخلوق على عيب ، ولا يهتمُّ بقلبه الذي هو محلّ نظر
الخالق فيطهّرهُ ويزيَّتُهُ لئلا يطّلع ربّه عَلَى دَنَسٍ أو غيره فيه . انتهى مناوي على
(( الجامع الصغير)) .
وهذا الحديث رواه مسلم في ((صحيحه)) في ((كتاب الأدب))؛ عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه، ورواه مسلم أيضاً في ((الأدب)) عنه بلفظ: (( إنّ الله لا ينظر
إلى صُوَرِكُم وأموالكم، ولكنْ ينظُر إلى قلوبكم وأعمالكم)) .
ورواه ابن ماجه بمثله عن أبي هريرة في ((باب الزهد)) بلفظ: (( إنما يَنْظُر ...
الخ )).
٣٢٦
٤٩ - ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا)).
٤٩ - ((إِنَّ اللهَ) تَعالى ( يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُوْرِ) قال المناوي على (( الجامع)):
هي الأخلاق الشرعية والخصال الدينيّة . انتهى .
قال الحفني : كالصلاة والصوم وتعليم العلم ونحو ذلك . انتهى .
أي : لا الأمور الدنيويّة ، فإن العلوّ فيها نزولٌ؛ كما في المناوي.
( وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا))) - بفتح أوله - ؛ أي: حقيرها ورديتها كالعُجب والكِبر.
فمَن اتصف بالأخلاق الزكية أحبَّه ، ومن تحلّى بالأوصاف الرديّة كَرِهَهُ .
والإنسان يضارع الملَكَ بقوة الفكر والتمييز ، ويضارع البهيمة بالشهوة
والدناءة . فمن صرف همَّته إلى اكتساب معالي الأخلاق أحبّه الله ، فحقيقٌ أن يلتحق
بالملائكة لطهارة أخلاقه . ومن صرفها إلى السفاسف ورذائل الأخلاق التحق
بالبهائم ، فيصير إمّا ضارياً ككلب ، أو شَرِهاً كخنزير ، أو حقوداً كجمل ، أو متكبراً
كَنَمِرٍ ، أو رواغاً كثعلب ، أو جامعاً لذلك كشيطان .
وشرف النفس صونُها عن الرذائل والدّنايا ، والمطامع القاطعة لأعناق الرجال ؛
فيرباً بنفسه أن يلقيها في ذلك .
يَزْبأُ عَنْ أُمُورِهِ الدَّنِيَّة
مَنْ نَفْسُهُ شَرِيفةٌ أَبِيَّة
يَسْهَرُ فِي طِلاَبها اللَّيالِي
وَلَمْ يَزَلْ يَجْنَحُ لِلْمَعَالِي
والحديث ذكره العجلوني في (( كشف الخفا)) بلفظ: ((إنّ الله يُحِبُّ مَعَاليَ
الأُمُورِ ويُبِغِضُ سَفْسَافَها)) ، وقال : رواه الحاكم عن سهل بن سعد .
ورواه أبو نعيم والطبراني وابن ماجه ؛ عن سهل أيضاً بلفظ: ((إنّ الله كريمٌ
يُحبُّ الكَرَمَ، وَيُحبُّ مَعَالي الأخْلاق؛ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَها ».
ورواه ابن ماجه عن طلحة، وأبو نعيم عن ابن عباس بلفظ: (( إنّ الله جوادٌ
يحبُّ الجُودَ، ويُحبُّ مَعَالِيَ الأخلاقِ ويَكْرَهُ سَفْسَافَها )).
٣٢٧
٥٠- ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلُّهِ)).
ورواه الطبراني عن الحسن بن عليٍّ بن أبي طالب بلفظ: ((إنّ الله يُحبُّ مَعَاليَ
الأمُورِ وأَشْرَفَها، وَيَكرَهُ سَفْسَافَهَا)). انتهى.
٥٠ - ((إِنَّ اللهَ) تعالى ( يُحِبُّ الرِّفْقَ) - بكسر فسكون -: لين الجانب بالقول
والفعل ، والأخذ بالأسهل والدفع بالأخَفّ ( فِي الأَمْرِ كُلُّهِ))) ؛ أي : في أمر الدّين
وأمر الدنيا في جميع الأحوال والأفعال حتى في معاملة المرء نفسه ، ويتأَكَّد ذلك في
معاشرة مَن لا بدّ من معاشرته ؛ کزوجته وخادمه وولده .
فالرَّفْقُ محبوبٌ مطلوبٌ مرغوبٌ ، وكلُّ ما في الرفق من الخير ففي العنف مثله
من الشرِّ .
قال الغزالي : فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمُر بِهِ ؛
رفيقٌ فيما ينهى عنه ، حليمٌ فيما يأمر به ؛ حليم فيما ينهى عنه ، فقيهٌ فيما يأمر به ؛
فقيه فیما ینھی عنه .
وعظ المأمونَ واعظٌ بعنفٍ ؛ فقال له : يا هذا أرفق ، فقد بُعث مَن هو خير منك
إلى من هو شرٌّ مِنّي .
قال تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ فَوْلًا لَيْنًا﴾ [٤٤/طه]. أخذ منه أنه يتعيّن على العالِم الرفق
بالطالب ، وأن لا يوبِّخَه ولا يعنِّقَه . انتهى .
قال العلقمي : وسببه كما في البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
دخل رهط من اليهود على النبيّ وَّ﴿ فقالوا : السام عليكم ؛ قالت عائشة : ففهمتُها
فقلتُ: وعليكم السَّامُ واللَّعنةُ، قالت: فقال رسول الله وَلي: ((مهلاً يا عائشة ؛
إنَّ اللهَ يُحبُّ الرِّفْقَ في الأمر كُلُّه))، فقلتُ : يا رسول الله ؛ أو لم تسمع ما قالوا !؟
قال رسول الله وَله: ((قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ)). انتهى من المناوي على ((الجامع))،
ومن العزيزي على (( الجامع)).
والحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم في ((الاستئذان))؛ كلاهما عن
٣٢٨
عائشة رضي الله تعالى عنها ، وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله
تعالى عنها مرفوعاً: ((إنّ الرِّفْقَ لا يكونُ في شَيءٍ إلَّ زَانَهُ، وَلاَ نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إلّ
شَانَه )).
وفي رواية له ؛ من حديث شعبة عنها : ركبت بعيراً فكانت فيه صعوبةٌ فجعلت
تردّده، فقال لها رسول الله وَلجر: ((عليكِ بالرِّفْقِ إنّ الرِّفْقَ ... )) الحديث.
وعَزَاه في ((اللآلي)) لـ ((مسند الإمام أحمد)) عن عائشة رضي الله تعالى عنها .
وأخرجه البخاري في (( الأدب المفرد )) وأحمد وآخرون بلفظ: كنتُ عَلَى بَعِيرِ
فيهِ صُعُوبةٌ، فقال النبيّ ◌ََّ: ((عليكِ بِالرِّفْقِ فإنَّهُ لاَ يكونُ فِي شيءٍ إلَّ زَانَهُ ،
وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّ شَانَهُ)) .
ورواه العسكري عن عائشة بلفظ: (( مَا كَانَ الرِّفق في قَوم إلّ نَفَعَهُم، وَلاَ كَانَ
الخُرْقُ فِي قَومٍ إلاّ ضَرّهم » .
وله من حديث حجاج بن سليمان الرعيني قال : قلت لابن لهيعة : كنت أسمع
عجائز المدينة يَقُلنَ ((إنّ الرِّفْقَ في المعيشةِ خَيْرٌ مِنْ بَعضِ التِّجارَةِ))، فقال: حَدَّثِيه
محمد بن المنكدر ، عن جابر ، رفعه .
ولَه أيضاً عن عروة بن الزبير قال : مكتوب في التوراة: {الرِّفق رَأْسُ
الحِكْمَةِ} .
وأَثَر عُروة عند أبي الشيخ بلفظ : بلغني أنه مكتوب في التوراة : {ألاَ إِنَّ
الرِّفق} .. الخ .
وأخرج الطبراني عن جرير مرفوعاً: ((الرفق زيادة تبركة)).
وروى العسكري والقضاعي عن عائشة مرفوعاً: (( مَن أُعطي حظّه مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ
أُعطيَ حَظَّهُ من خير الدنيا والآخرة ، ومَنْ حُرِمٍ حَظَّه مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ
الدنيا والآخرة » .
٣٢٩
٥١ - ((إِنَّ اللهَ يُنْزِلُ الرِّزْقَ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ ».
وفي رواية للعسكري عنها بلفظ: ((إذا أرادَ اللهُ بأهْلِ بَيْتٍ خيراً أدْخَلَ عليهم
الرّفْقَ )) . ومثله للقضاعي عن أبي الدرداء مرفوعاً .
وروى العسكري عن أنس مرفوعاً: (( ما كان الرّفق في شيءٍ قطُّ إلّ زَانَهُ،
وَلاَ كَان الخُرِقُ في شيءٍ قطُ إلّ شَانَهُ » .
ورواه عن جرير رفعه: ((مَن يُخْرَمِ الرِّفقَ يُحرمِ الخيرَ كلّه » .
وروى البيهقي في (( مناقب الشافعي)) عن ابنه محمد أنّه قال: رآني أبي وأنا
أعجل في بعض الأمور ، فقال : يا بُنَّيّ ؛ رفقاً ، فإنّ العجلة تنقض الأعمال ،
وبالرفق تدرك الآمال .
ثمّ ساق الشافعي سنده إلى أبي هريرة رفعه: ((إنّ الله رفيقٌ يُحبُّ الرِّفْقَ ،
ويعطي عليه ما لا يعطي على العُنْفِ )) .
وقال النجم: وعند الطبراني عن ابن مسعود : (( الرفق يمنٌ، والخُرقُ شؤْمٌ
- وهو عند البيهقي - وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرِّفق ؛ فإنّ الرفق لم
يكنْ في شيءٍ قطّ إلّ زانَهُ، وإنّ الخُرقَ لم يكن في شيءٍ قطُّ إلّ شَانَه)).
وعند الدارقطني في ((الأفراد)) عن أنسٍ: «إذا أراد الله بأهْلِ بيتٍ خَيراً نَفَعَهُم
في الدّين ، وَوَقَّرَ صَغِيرُهم كبيرَهُم ، ورَزَقَهُم الرِّفْقَ فِي مَعِيْشَتِهِم ، والقَصْدَ فِي
نَفَقَّاتِهِم، وبَصَّرَهُم عُيُوبَهُم فيتوبوا منها ، وإِذَا أَرَادَ بِهِم غَيرَ ذَلك تَرَكَهُم هَمَلاً)).
انتهى من (( كشف الخفا)) .
٥١ - ((إِنَّ اللهَ) تعالى ( يُنْزِلُ الرِّزْقَ) - كذا في (( كنوز الحقائق)) ! قال
العجلوني: والمشهور على الألسنة: «المعونة - (عَلَىْ قَدْرِ المَؤُوْنَةِ»).
وهو في ((الجامع الصغير)) كما قال العجلوني : إنه مشهور على الألسنة .
قال العزيزي في (( شرح الجامع)): ومعناه: أنّ الله يُعين الإنسان على قدر
ما يحتاج إليه من المؤونة ؛ بحسَب حاله ، وما يناسبه .
٣٣٠
وقال المناوي ؛ يريد أن العبد إذا لَزِمَه القيام بمؤونة من تلزمه مؤونته شرعاً ،
فإن كانت تلك المؤن قليلةً قَلَّلَ له ، وإن كانت كثيرة وتحمَّلها على قدر طاقته وقام
بحقّها وعانى من فنون الدنيا ما أُمر به لأجلها ؛ أمدّه الله بمعونته ، ورَزَقَهُ منْ حيثُ
لا يَحْتَسِبُ بِقَدْرِهَا . وعماد ذلك طلبُ المعونة من الله تعالى بصدق وإخلاص ، فهو
حينِئِذٍ مجابٌ فيما طلب من المعونة ، فمن كانت عليه مؤنة شيءٍ فاستعان الله عليها
جاءته المعونة على قدر المؤونة ، فلا يقع لمن اعتمد ذلك عجز عن مرامٍ أبداً .
!
وفي ذلك ندب إلى الاعتصام بحول الله وقوَّته وتوجيه الرّغبات إليه بالسؤال
والابتهال ، ونهيٌ عن الإمساك والتقتير على العيال ؛ فلا يخشى الإنسان الفقر من
كَثْرة العيال ، فإنّ الله يعينه على مؤونتهم ، بل يندب له أن يعمل على ما فيه
تكثيرُهم ؛ اعتماداً على الله . ولِذا لما شكا بعض التلامذة لشيخه ضِيق العيشِ أَمَرَهُ
بالزّواج ؛ فتعجب لكونه على مؤونة نفسه ، لكنه امتثل ثُمّ شكا له بعد ذلك ؛ فأمره
بالسكنى في بيت ، ثمّ باتخاذ دابة ، ثمّ باتّخاذ خادم ، فوسّع الله عليه بعد ذلك ،
فالشيخ أخذ ذلك من هذا الحديث . انتهى كلام المناوي على (( الجامع)» ، مع زيادة
من غيره .
وتمام الحديث - كما في ((الجامع الصغير)) -: (( ويُنْزِلُ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ
البَلاَءِ ))، ورمز له بأنّه أخرجه ابن لال في ((مكارم الأخلاق)) وابن عدي.
قال المناوي: وكذا البيهقي في ((الشعب)) : كلّهم ؛ عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه، وفيه عبد الرحيم بن رافد! أورده الذهبي في (( الضعفاء »، وقال :
ضعفه الخطيب ، عن وهب بن وهب . قال أحمد وغيره : كذّاب ، لكن يأتي
ما يقوّيه بعض قوة. انتهى كلام المناوي على ((الجامع)).
وكأنه يعني بما يقوِّيه حديث: (( إنّ المعونَةَ تأتي مِنَ الله للعَبْدِ عَلَى قَدْرِ
المَؤُونَةِ ، وإنّ الصَّبْرَ يأتي مِنَ الله للعَبدِ عَلَى قَدْرِ المُصِيبَةِ » .
أخرجه الحكيم الترمذي في ((النوادر))، والبزار في ((المسند))، والحاكم في
٣٣١
٥٢ - ((إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً ..
كتاب ((الكنى والألقاب))، والطبراني في ((الكبير)): كلهم عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه .
قال الهيثمي : وفيه طارق بن عمّار ! قال البخاري : لا يتابع على حديثه .
وبقية رجاله ثقات . وقال المنذري : رواته محتجّ بهم في (( الصحيح)) إلا طارق بن
عمّار ففيه كلام قريب ؛ ولم يترك . قال : والحديث غريب . انتهى ؛ نقله المناوي
على (( الجامع )) .
وهذا الحديث وهو حديث: (( إنّ المعونة تأتي من الله للعبد)» ... الخ
ذكره العجلوني في ((الكشف))؛ وقال: رواه البيهقي في (( الشعب))،
والعسكري في ((الأمثال))، والبزار وابن شاهين عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه .
ورواه البيهقي أيضاً بلفظ: ((أنزل الله عزّ وجلّ المعونَةَ عَلَى قَدْرِ المُؤُونَةِ ،
وأنْزِلَ الصَّبْرَ عِنْدَ البَلاءِ ». ورواه ابن الشخير بلفظ: (( أنزل المعونَةَ مع شدة
المؤُونَةِ ، وأنزلَ الصَّبْرَ عِنْدَ البَلاءِ)).
ورواه عمر بن طلحة من حديث أبي الحواري ؛ حدثنا : عبد العزيز بن عمر أنه
قال : أوحى الله عزّ وجلّ إلى داود عليه الصّلاة والسلام: يا داودُ اصْبِرْ عَلَى المؤونَةِ
تَأْتِك المَعُونَةُ، وإِذَا رَأَيْتَ لِي طالباً؛ فَكُنْ لَهُ خَادِماً .
انتهى كلام العجلوني في (( الكشف )) رحمه الله تعالى .
٥٢ - ((إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً ) هي في الأصل : ضرب اليد على اليدِ في البيع
والبيعة ، والخَسَرُ في الأصل : نقص رأس المال ، ثُمّ استعمل في المقتنيات
الخارجة ؛ كالمال والجاه ، وأكثر استعماله في النفيس مِنها ؛ كصحة وسلامة وعَقْل
وإيمان وثواب ، وهو المراد هنا ؛ ذكره الراغب .
أي: من أشد الناس خُسراناً لعظيم الثواب ، وأعظمهم حَسْرةً يوم المآبِ .
٣٣٢
مَنْ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ)) .
٥٣ - ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ
( مَنْ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ) بترك الواجب أو المندوب (بِدُنْيَا غَيْرِهِ ») ؛
أي : بسبب اشتغاله بجلب دنيا غيره ؛ كخدام العظماء يشتغلون بنفع
مخاديمهم ، والقيام بمصالحهم ، ويتركون الصّلوات ، ويحلفون الأيمان الفاجرة ،
ويأخذون أموال الناس لاسترضاء مخاديمهم ؛ كذا قاله الزرقاني على (( المواهب)).
وفي القليوبي على ((المنهاج )) الفقهي: وأخسُّ الأَخِسّاء : مَن باع دينه بدنيا
غيره كالمكّاس . انتهى . أي : وكالقاضي الذي يحكم لغيره بملك غيره ظلماً ؛ كما
قاله شيخنا .
وفي ((المواهب مع الشرح)): أن ابن النّجار في (( تاريخ بغداد )) روى من
حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة العَتِرِي (( حليف بني عديّ)) أبي محمد المدني
وُلِد على عهد النبيّ ◌َِّ، ووثّقه العجلي.
روى عن أبيه عامٍ صحابيٍّ مشهور حديثاً لفظه: ((أخَسُّ الناسِ صَفْقَةً: رَجُلٌ
أْلَق يديهِ في آمَالِهِ ، ولَمْ تُسَاعِدْه الأيام على أمنِّتِهِ ؛ فخرج مِنَ الدّنيا بغير زاد ،
وقَدِم على الله بغير حجة)). وهو مِمَا بيّض له الديلمي لعدم وقوفه له على سَنَد .
انتهى ملخصاً، ومثله في (( الجامع الصغير وشرحه)).
٥٣ - ((إِنَّ الدِّيْنَ) - بكسر الدال ــ أي: دين الإسلام ( يُسْرٌ) أي: ذو يُسْر ؛
نقيض العسر ، أو هو يُسر ، مبالغة لكثرة اليسر - بالنسبة للأديان قبله - كأنّه نفسه ،
لأنّ الله رَفَعَ عَنْ هذه الأمة الإصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى مَن قَبْلَهم .
ومن أوضح الأمثلة له أنّ توبَتَهم كانت بقتل أنفسهم ، وتوبة هذه الأُمّة بالإقلاع
والعزم على عدم العَود والنّدم .
( وَلَنْ يُشَاذَّ ): أي: يُقَاوِمَ (الدِّيْنَ) بأن يتعمَّق بكثرة العِبادَة كأن يَصُوم كلّ
٣٣٣
أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ)) .
يوم ، ويَقُومَ جَميعَ اللَّيل ، فإنه يعجِزُ ، فيترك جميع ذلكَ ، فيصيرُ معرضاً عن الله
بعد الإقبال ، أو بالمبالغة في الطهارة والصّلاة وإخراج الحروف من مخارجها .
و(( الدّينَ)) منصوب على المفعولية، وفاعله قوله: (أَحَدٌ ) الثابت في رواية ابن
السكن وفي بعض الروايات عند الأصيلي ، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند
الإسماعيلي وأبي نعيم وابن حبان وغيرهم ، وأكثرُ رواه البخاري بإسقاط لفظ
((أحدٌ)) على إضمار الفاعل للعلم به، و((الدين)) نصب على المفعولية أيضاً .
وحكى صاحب ((المطالع)) أن أكثر الروايات برفع ((الدّينُ)) على أنّ ((يُشاذّ))
مبنيٌّ لما لم يُسمّ فاعله ، وعارضه النووي بأنّ أكثر الروايات : بالنصب .
قال الحافظ ابن حجر : ويجمع بينهما بأنّه بالنسبة إلى روايات المغاربة
والمشارقة ، ويؤيِّد النصب لفظُ حديث بريدة عند أحمد: ((إِنه من يشادُّ هذا الدين
يغلبه )) . ذكره في حديثٍ آخرَ يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب . انتهى زرقاني
( إِلاَّ غَلَبَهُ))) قال العلقمي: المعنى لا يتعمَّق أحدٌ في الأعمال الدينيّة ويترك
الرّفْقَ إلّ عجز وانقطع، فيُغلب. قال في ((الفتح)): وليس المراد منع طلب
الأكمل في العبادة ، فإنّه مِنَ الأمور المحمودة ، بل منع الإفراط المؤدي إلى
الملال ، والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل ، أو إخراج الفرض عن وقته
كمن بات يصلّي اللّيل ويغالب النّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللّيل؛ فنام عن صلاةٍ
الصّبح ؛ أي : عن وقت الفضيلة ، أو إلى أن خرج الوقت المختار ، أو إلى أن
طلعت الشمس ؛ فخرج وقت الفريضة .
وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد : ((إِنَّكُم لَنْ تَنَالُوا هَذَا الأَمْرَ
بالمبالغة ، وخَيْرُ دِئِنِكُمْ أَيْسَرُهُ )) .
وقد يستفاد من هذا ، الإشارة إلى الأخذ بالرّخصة الشرعية ، فإن الأَخْذَ بالعزيمةِ
في موضع الرّخصة تنطُّعٌ ، كمن يترك التيقُّمَ عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به
استعمال الماء إلى حصول الضّرَرِ .
٣٣٤
٥٤ - ((إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأَولَى)).
قال ابن المنير : في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوّة فقد رأينا ورأى الناس
قبلنا أنّ كلّ متنطّع في الدّين ينقطع . انتهى عزيزي .
وقال الطيبيّ: بناء المفاعلة في (( يشادّ)) ليس للمغالبة، بل للمبالغة نحو
طَارَقْتُ النَّعْلَ، وهو من جانب المكلّف ، ويحتمل أنْ يكونَ للمبالغة على سبيل
الاستعارة ، والمستثنى منه عامّ الأوصاف ؛ أي : لم يحصل ويستقرَّ ذلك المشاةُّ
على وصف من الأوصاف إلاّ على وصف المغلوبيّة . انتهى زرقاني.
وتمام هذا الحديث: ((فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وأبْشِرُوا، واسْتَعِينُوا بالغُدوة والرَّوحةِ
وشيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)). انتهى من (( الجامع الصغير)). ورمز له برمز البخاري
والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . وفي الزرقاني : قال الحافظ ابن
حجر : هذا الحديث من أفراد البخاري ؛ عن مسلم . انتهى .
٥٤ - ((إِنَّ الصَّبْرَ)؛ الكامل المحبوب ما كان (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَىُ)))؛
أي : عند زمن ابتداء المُصِيبة وَشِدّتِها بخلاف زَمن آخرها ؛ فإنّه وإن كان فيه ثوابٌ
إلّ أنه دُون الأوّل ؛ لأنّ آخر المصيبة يهوّن الأمر شيئاً فشيئاً؛ فيحصل له التّسَلِّي.
والصّبر : حبس النفس على كريمٍ تتحمَّلُه أو لذيذٍ تفارقه ، وهو لفظ عامّ رُبّما
خُولف بين أسمائه بحسب اختلاف موقعه . فَحَبْسُ النفس لمصيبةٍ يسمَّى ((صبراً))؛
لا غير، ويقابلُه: الجَزَع، وحبسها في محاربة يسمى ((شجاعةً)) ويقابله :
الجبنُ ، وفي إمساك عن الكلام يسمّى ((صمتاً وكتماناً )) ويقابلُه: القَلَقُ .
وأصل الصّدم : ضرب الشيءٍ الصلْب بمثله ، فاستعير للمصيبة الواردة على
القلب . انتهى من ((شروح الجامع الصغير)).
والحديث ذكره في (( الجامع الصغير )) باللّفظ الّذي أورده المصنف مرموزاً له
برمز الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة : البخاري ، ومسلم ، وأبي داود ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه .
٣٣٥
٥٥ - ((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ اللهِ شَيْئاً . . إِلَّ عَوَّضَكَ اللهُ خَيْراً مِنْهُ)).
وسببه: أنّ النبيّ وَ لهُمَرَّ بامرأةٍ تبكي على صبيٍّ لها؛ فقال رسول الله وَلٍّ لها :
((اتقي الله واصبري)) فقالت: إليك عَنّي، فإنّكَ لَمْ تُصب بمصيبتي!، ولم تعرفه .
فقيل لها: إنّه النبيّ وَ ر! فأتت بابه فلم تجد عنده بوَّابين فقالت: لم أعرفك ...
فذكره .
وفي رواية: ((إنّما الصّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولىُ)) وفي رواية: ((إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ
أَوَّلِ صَدْمَةٍ ))، وفي رواية: ((الصَّبْرُ عِنْدِ الصَّدْمَةِ الأُولىُ)).
(((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ اللهِ) ؛ أي: لمحض الامتثال من غير مشاركة غرض من
الأغراض ( شَيْئاً) ؛ بأن لا تشدّد في طلبه لكون تركه فيه رِفق بالمسلمين (إِلاَّ
عَوَّضَكَ اللهُ خَيْراً مِنْهُ))) في الدين والدنيا ، لأنّكَ لما قهرت نفسك وهواك لأجل الله
جُوزِيتَ بما هو أفضل وأنفع .
والحديث ذكره المناوي في (( الطبقات)) باللفظ الذي أورده المصنف.
وذكره العجلوني في ((الكشف)) بلفظ: ((ما ترك عبد شَيْئاً للهِ لا يَتْرُكه إلاّ له ؛
إلّ عَوّضه الله مِنْهُ مَا هُو خَيْرٌ له في دِينه ودنياه )) وقال : رواه أبو نعيم عن ابن عمر
مرفوعاً ، وقال : غريب .
لكن له شواهد منها ما رواه التيمي في (( ترغيبه)) عن أبي بن كعب مرفوعاً
بلفظ: ((لا يَتْرك عبدٌ شيئاً لا يَدَعُهُ إِلاَّ للهِ، إلاَّ آتاهُ اللهُ مَا هُو خَيْرٌ لَهُ مِنْه )).
ولأحمد عن قتادة وأبي الدهماء : أنَّهما نزلا على رجل من البادية ، فقالا له :
هل سمعت من رسول الله وَ﴿ شيئاً؟ قال: نعم سمعته يقول: ((إنّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئاً للهِ
إلّ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُو خَيْرٌ لَكَ مِنْه)). وفي لفظ له أيضاً: ((إنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئاً اتَّقَاءَ
اللهِ إلَّ أَعْطَاكَ اللهُ خَيْراً منه )). ورجاله رجال الصحيح.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر مرفوعاً: (( مَا تَرَكَ عَبْدٌ للهِ أمراً لاَ يَتْرِكُهُ إلّ لله ؛
إلّ عَوّضَه الله مِنْهُ مَا هُو خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ».
٣٣٦
٥٦- ((إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّسَ بِأَمْوَالِكُمْ .. فَسَعُوهُمْ بِأَخْلاَقِكُمْ)).
وللطبراني وأبي الشيخ عن أبي أُمامة مرفوعاً: ((مَنْ قَدَرَ عَلَىْ طَمَعٍ من طَمَعِ
الدُّنيا فأدّاهُ وَلَو شَاءَ لَمْ يُؤَدِّهِ ؛ زَوَّجَهُ اللهُ مِن الحُورِ العِيْنِ حَيْثُ شَاء)) . انتهى.
٥٦ - ((إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوْا) - بفتح السين المهملة - وفي رواية: ((لا تسعون))
- بالفتح أيضاً - أي: لا تطيقون أن تعقُّوا (النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ ) لعزّة المال وكثرة الناس
فلا يمكنكم ذلك ( فَسَعُوْهُمْ بِأَخْلاَقِكُمْ))) بحيثُ تُقبلون على كلّ منهم بالبشاشة
وإظهار المودّة ، وكأنّه جعل المال محلاً لطالبيه لاستراحة من حصل له منك مال ،
فاطمأنّ به كما يطمَئِنّ مَن هُيِّءَ له منزل يدفع عنه الضّرر .
وهذا الحديث ذكره في ((المواهب))، وقال : رواه أبو يعلى والبزار من
طرق؛ أحدها حَسَن عن أبي هريرة رفعه بلفظ: ((إنّكُم لَنْ تَسَعُوا الناسَ بأَمْوَالِكُم ،
ولكنْ ليَسَعْهم منكم بَسْطُ الوَجْه وحُسن الخُلق ».
قال الزرقاني : أي : لا تتسع أموالكم لعطائهم ، فوسّعوا أخلاقكم لصحبتهم .
والوُسع والسَّعة : الجِدَةُ والطّاقة، وذلك لأن استيعاب عامّتهم بالإحسان بالفعل
لا يمكن، فأمر بجعل ذلك بالقول. كما قال تعالى ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾
[٨٣/ البقرة] .
وروى العسكري عن الصّولي: لو وزنت كلمة النبيّ ◌َله بأحسن كلام الناس
كلّهم لرجحت على ذلك، وهي قوله: ((إنكم .. )) الخ . قال : وقد كان ابن عبّاد
كريم الوعد ، كثير البذل ، سريعاً إلى فعل الخير ، فطمس ذلك سوء خُلُقه .
وقال إبراهيم بن أدهم : إنّ الرجل ليدرك بحُسن خُلقه مَا لا يدركه بمالِهِ ؛ لأنّ
المال عليه فيه زكاةٌ وصِلةُ أرحام وأشياء أُخر ، وخُلُقه ليس عليه فيه شيءٌ .
وقال ◌َُّ: ((إنّ الرجل ليدرِكُ بُحسنِ خُلُقه درجة القائِم باللَّيل الظامىءٍ
بالهواجر)) رواه الطبراني. انتهى. وذكر حديث المتن في ((الجامع الصغير)) بلفظ
((المواهب)) مرموزاً له برمز البزار، وأبي نعيم في «الحلية))، والحاكم، والبيهقي
٣٣٧
٥٧ - ((إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ».
٥٨- ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّاتِ )).
في («شعب الإيمان)) . زاد المناوي: رواه الطبراني ؛ كلّهم عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه .
٥٧ - ((إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ)؛ أي: الدَّين (مَقَالاً))) صَولة الطلب ، وقوّة
الحجة .
وأخذ منه الغزالي أنّ المظلوم من جهة القاضي له أن يتظلَّم إلى السلطان وينسبه
إلى الظلم ، وكذا يقول المستفتي للمفتي : قد ظلمني أبي .. أو أخي .. أو
زوجي. فكيف طريقي في الخلاص!؟. والأَولى التعريض بأن يقول: ما قولكم
في رجل ظلمه أبوه أو أخوه ، لكن التعيين مباحٌ ؛ لما ذكر .
والحديث رواه الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
بلفظ: إن رجلاً تقاضى رسول الله ◌َ﴿ فأغلظ له ، فهَمَّ به أصحابه ، فقال :
((دَعُوهُ، فإنَّ لصَاحِبِ الحقِّ مقالاً)) وهو من غرائب الصحيح ، فإنه لا يروى عن
أبي هريرة إلا بإسناد مداره على سلمة بن كُهيل ، وقد صرّح بأنّه سمعه من
أبي سلمة بن عبد الرحمن بمنى حين حجّ .
وذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد عن عائشة رضي الله
تعالى عنها، وبرمز أبي نعيم في (( الحلية)) عن أبي حُميد الساعدي رضي الله تعالى
عنه .
٥٨ - ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ): جمع عمل، وهو حركة البدن ؛ فيشمل القول
ويتجوَّز به عن حركة النفس ، والمراد هنا عمل الجوارح الصّادِرة من المؤمنين ،
أي : إنما صحتها ( بِالنِّيَّاتِ ) من مقابلة الجمع بالجمع ؛ أي : كل عمل بنيّته .
وقال الحربي : كأنه إشارة إلى تنويع النيّة كالأعمال ، كمن قصد بعمله
وجه الله ، أو تحصيل وعده ، أو اتقاء وعيده .
٣٣٨
وفي معظم الرِّوايات: (( بالنّة)) بالإفراد لأن محلّها القلب ؛ وهو متّحد ،
فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر ؛ وهي متعدّدة فناسب
جمعها ، أو لأنّ النّيّة ترجع إلى الإخلاص ؛ وهو واحد للواحد الذي لا شريك له .
وفي ((صحيح ابن حبان)): (( الأعمالُ بالنّيَّات)) بحذف ((إنّما)) وجمعهما،
وللبخاري في ((الإيمان والعتق والهجرة)): ((الأعمالُ بالنّة)) بجمع ((الأعمال))
وإفراد ((النّة)). وله في ((النكاح)): ((العَمَلُ بالنّة)) بإفرادهما.
وهذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين؛ لأنَّ ((أَلْ)) في الأعمال
للاستغراق ، وهو مستلزم للحصر ؛ لأنّ معناه : كلّ عَمَلٍ بِنيّةٍ ، فلا عمل إلّ بنية .
أو لأنّ ((إنّما)) للحصر ، وهل إفادتها له بالمنطوق ؛ أو بالمفهوم ، أو تفيد الحصر
بالوضع ؛ أو بالعرف ، أو تفيده بالحقيقة ، أو بالمجاز؟ ومقتضى كلام الإمام
وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعاً حقيقياً ، بل نقله شيخ الإسلام البلقيني عن جميع
أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلّ اليسير كالآمدي ، وعلى العكس من ذلك أهل
العربية .
وعبّر بالأعمال دون الأفعال !! لأن الفعل قد يكون زمانه يسيراً ولا يتكرر ، قال
جَ﴾ [الفيل]، ﴿وَتَبَنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا
تعالى ﴿أَلَزْتَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبٍ اُلْفِيلِ
بِهِمْ﴾ [٤٥ / إبراهيم] حيث كان إهلاكهم في زمن يسير ولم يتكرر ، بخلاف العمل فإنه
الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد بالاستمرار والتكرار ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَلِحَتِ﴾ [٢٥/ البقرة] طلب منهم العمل الدائم المتجدد لا نفس العمل ، قال تعالى
﴿ فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ
﴾ [الصافات] ولم يقل الفاعلون .
و((النيات)) جمع نية ؛ - بكسر النون وشدّ المثناة التحتية في المشهور، وفي
لغة : تخفيفها .
قال البيضاوي : هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض ؛ من جلب نفع أو
دفع ضرٍّ حالاً أو مآلاً . والشرع خصّه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ؛ لابتغاء رضاء
٣٣٩
٥٩- ((إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ » .
٦٠ - ((إِنَّمَا أَلْعِلْمُ بِالثَّعَلُمِ ،
الله تعالى وامتثال حكمه . وهي محمولة في الحديث على المعنى اللّغوي ، ليحسن
تطبيقه على ما بعده من بقية الحديث وتقسيمه أحوال المهاجر ، فإنه تفصيل لما
أُجمل .
والحديث أخرجه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة : البخاري ؛ في سبعة
مواضع من ((صحيحه))، ومسلم، والترمذي في (( الجهاد))، وأبو داود في
((الطلاق))، والنسائي في ((الأيمان))، وابن ماجه في ((الزهد)) ؛ كلهم من حديث
عمر بن الخطاب. ولم يخرجه في ((الموطأ)» رواية الأكثرين ، وخرّجه في رواية
محمد بن الحسن عنه ، ذكره في آخر (( باب النوادر )) قبيل آخر الكتاب بورقات .
٥٩ - ((إِنَّمَا البَيْعُ) ؛ أي : الجائز الصحيح شرعاً الذي يترتب عليه أثره ؛
الذي هو انتقال المِلك وحِلّ الانتفاع : هو ما وقع ( عَنْ تَرَاضٍ ))) من المتعاقدين مع
باقي أركانه وشروطه ، بخلاف ما لو صدر بنحو إكراه بغير حقّ ، فلا أثر له ، بل
المبيع باق على مِلك البائع ؛ وإن صدرت صورة البيع .
وأفاد الحديث بإناطة الانعقاد بالرضى ؛ اشتراطَ الصيغة لوجود صورته الشرعية
في الوجود ، لأنَّ الرضى أمر خفيٌّ لا يُطَّلع عليه ، فاعتبر ما يدلّ عليه وهو الصّيغة .
والحديث أخرجه ابن ماجه والضّياء ؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى
عنه قال : قدم يهودي بتمر وشعير وقد أصاب الناس جوعٌ ، فسألوه أن يُسَعِّر لهم
فأبى ... وذكر الحديث .
٦٠ - ((إِنَّمَا العِلْمُ) ؛ أي : اكتسابه في الابتداء ، وإدراك الأحكام ووصولُها
إلى الذّهن ( بِالتَّعَلُّم) من العلماء ؛ أي: بالأخذ في أسبابه من سؤال العلماء
العارفين ، والاعتناء بالتّلَقِّي عنهم ، وإِنّما بقاؤه وعدم ضياعه بمذاكرته وعدم الغفلة
عنه ، ولا يستحي مِن السؤال عَمّا أشكلَ .
٣٤٠