النص المفهرس
صفحات 281-300
حقّه ، ولا تضمن الزيادة لعذره ، وباع منه بقدر حقّه إن أمكن تجزُّؤه ، وإلاّ ! باع الكلّ وأخذ من ثمنه قدر حقّه ، وردّ الباقي بصورة هبة ونحوها . وله أخذ مال غريم غريمه ؛ إن لم يظفر بمال غريمه ، وكان غريم الغريم ممتنعاً أيضاً . وله فعل ما لا يصل للمال إلاّ به ؛ ككسر باب ونقب جدار وقطع ثوب ، ولا يضمن ما فوَّته بذلك ، ومحلّ ذلك إذا كان ما يفعل به ذلك ملكاً للمدين ؛ ولم يتعلق به حقٌّ لازم ؛ كرهن وإجارة . وما ذكر في دين آدميٍّ . إمّا دين الله تعالى ؟ كزكاةٍ امتنع المالك من أدائها ! فليس للمستحق الأخذ من ماله إذا ظفر به لتوقُّفه على النّة . ٣ - والمنفعة إن كانت واردة على عين ؛ فهي كالعين ، فله استيفاؤها منها بنفسه إن لم يخش من ذلك ضرراً ، وإلاّ! فلا بدَ من الرّفع إلى الحاكم . وإن كانت واردة على ذمّة ؟ فهي كالدَّيْن ، فإن كانت على غير ممتنع طالبه بها ، ولا يأخذ شيئاً من ماله بغير مطالبة ، وإن كانت على ممتنع ؛ وقَدَر على تحصيلها بأخذ شيءٍ من ماله ؟ فله ذلك بشرطه . هذا تفصيل ((مسألةِ الظّفر)) في كتُب الفقه الشافعي ، والله أعلم . وهذا الحديث رواه البخاري في ((التاريخ))، وأبو داود والترمذيّ في ((البيوع))؛ من رواية شريك بن عبد الله النخعي ، ومن رواية قيس بن الربيع : كلاهما عن أبي صالح السمان . ورواه الحارث بن أبي أسامة من رواية الحسن البصري : كلاهما - أي : الحسن البصري وأبي صالح السمان - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . وقال الترمذي : حديث حسن غريب . وأخرجه الدارمي في (( مسنده )) والحاكم! وقال : إنه صحيح على شرط ٢٨١ ١٤ - (( أَذَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيِي)). مسلم ، ولكن أعلّه ابن حزم ، وكذا ابن القطان والبيهقي ، وقال أبو حاتم : إنّه منكر ؛ أي : ضعيف . وقال الإمام الشافعي : إنّه ليس بثابت عند أهله ؛ أي : ضعيف . وقال الإمام أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبيّ ◌َّر من وجه صحيح ، ولعلّ كلام الإمام أحمد باعتبار ما وقف عليه ! وإلّ ؛ فليس في رواته وضّاع ولا كَذّاب ، ويحتمل أن يكون ليس مرادُ الإمام أحمد حقيقةَ البطلان بل الضعف ، بدليل قوله لا أعرفه ... الخ . وقال ابن ماجه : له طرق ستّة كلّها ضعيفة . قال السخاوي : لكن بانضمامها يقوى الحديث . انتهى . أي: لأنّ تباين الطّرق وكثرتها يفيد قوّةً؛ وأن للحديث أصلاً . وقد رواه الدارقطني، والطبراني في ((الكبير)) و((الصغير))؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ورجاله ثقات، وصحَّحه الضياء في (( المختارة )) ورواه الطبراني في (( الكبير)) وابن عساكر والبيهقي من حديث أبي أمامة - بإسناد ضعيف - ، والدارقطني عن أَبيّ بن كعب بإسناد ضعيف ، والطبراني أيضاً عن رجل من الصحابة . فحديث أبي هريرة لا يقصر عن درجة الحسن ، وقد صحَّحه ابن السّكّن . وسبب الحديث كما رواه إسحاق بن راهويه في (( مسنده » أن رجلاً زنى بامرأةٍ آخر، ثُمّ تمكّن الآخر من زوجة الزّاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار النبي وَّل في الأمر ... فذكر الحديث؛ قاله الزرقاني على ((المواهب)). ١٤ - ((أَذَّبَنِيْ رَبِّيْ) ؛ أي : علّمني رياضة النّفس ومحاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة . ( فَأَحْسَنَ تَأْدِيْنِيْ))) بإفضاله عليَّ بالعلوم الوهبيّة ممّا لم يقع نظيره لأحد من البريّة . ٢٨٢ قال بعضهم : أَدَّبَه بآداب العبوديّة ، وهذّبه بمكارم أخلاق الربوبيّة ؛ لما أراد إِرساله ليكون ظاهر عبوديّته مرآة للعالم ؛ كقوله: (( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمونِي أُصَلِّي » وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته ، وللصديقين في السير إليه ؛ ﴿فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [٣١/آل عمران]. وقال القرطبي : حَفِظَه اللهُ مِنْ صِغره ، وتولَّى تأدِيبَه بنفسه ، ولم يَكِلُهُ في شيءٍ من ذلك لغيره ، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كرَّهَ إليه أحوال الجاهلية وحماه منها ، فلم يجر عليه شيءٌ منها ، كلّ ذلك لطف به وعطف عليه ، وجمع للمحاسن لديه . انتهى . وقال بعضهم : أدَّب الله روح رسوله وربّاها في محل القرب قبل اتصالها ببدنه باللّطف والهيبة ؛ فتكامل له الأنس باللّطف، والأَدَب بالهيبة ، واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج من اتّصالها كمالاتٌ أخرى من القوّة إلى الفعل ، وينال كلّ من الروح والبدن بواسطة الآخر من الكمال ما يليق بالحال ، ويصير قدوة لأهل الكمال . والأدب : استعمال ما يُحمد قولاً وفعلاً. أو الأخذ بمكارم الأخلاق . أو الوقوف مع المستحسنات ، أو تعظيم مَن فوقه مع الرفق بمن دونه ، وقيل : غير ذلك . والحديث المذكور رواه الإمام أبو سعد ابن السمعاني في كتاب ((أدب الإِملاء)) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله أذَّبني فأحسن تأديبي، ثُمَّ أمرني بمكارم الأخلاق ؛ فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ﴾)) [الأعراف] . الْجَهِلِينَ لـ قال السخاوي : سند هذا الحديث ضعيف جدّاً، وإن اقتصر شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - على الحكم عليه بالغرابة ؛ في بعض ((فتاويه)) !!. ولكن معناه صحيح . ولذا جزم بحكايته ابن الأثير في خطبة (النهاية)) وغيرها، ثُمّ قال: ٢٨٣ ١٥ - ((إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْراً .. فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ ، وبالجملة فهو كما قال ابن تيمية : لا يعرف له إسناد ثابت . وقال السيوطي في ((الدرر)): ضعَّفه ابن السّمعاني وابن الجوزي ، وصحَّحه أبو الفضل ابن ناصر رحمهم الله تعالى ، آمين . ١٥ - ((إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْراً) كَاملاً ( فَقَّهَهُ فِي الدِّيْنِ ) ؛ أي : فهّمه الأحكام الشرعية بتصوُّرها والحكم عليها ، أو باستنباطِها من أدلَّتها ، وكلّ ميسر لما خلق له ، هذا ما عليه الجمهور . وقال الغزالي : أراد العلم بالله وصفاته الّتي تنشأ عنها المعارف القلبيّة ؛ لأنّ الفِقه المتعارف ؛ وإن عظم نفعه في الدِّين ؛ لكنّه يرجع إلى الظواهر الدينيّة ، إذ غاية نظر الفقيه في الصّلاة مثلاً الحكمُ بصخَّتها عند توقُّر الواجبات والمعتبرات . وفائدته : سقوط الطلب في الدنيا . وأما قبولها وترتُّب الثواب فليس من تعقُّله ، بل يرجع إلى عمل القلب وما تلبّس به من نحو خشية ومراقبة ، وحضور وعدم رياء ونحو ذلك ؛ فهذا لا يكون أبداً إلا خالصاً لوجه الله ، فهو الّذي يصحُّ كونه علامةً على إرادة الخير بالعبد . وأما الفقهاء فهم في وادٍ والمتزوِّدون للآخرة بعلمهم في وادٍ . ألا ترى إلى قول مجاهد (( إنّما الفقيه من يخافُ الله))، وقول الحسن - لمن قال ((قال الفقهاء)) -: وهل رأيت فقيهاً ؛ إنّما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة !! والفِقه في المعرفة أشرف كلّ معلوم ، لأن كلّ صفة من صفاته توجب أحوالاً ينشأ عنها التلبّس بكلّ خلق سَنِيّ ، وتجنُّب كلّ خُلق رديّ . فالعارفون أفضل الخلق ، فهُم بالإرادة أخلق وأحقّ . وأمّا تخصيص الفقه بمعرفة الفروع وعللها ! فتصرُّف حادث بعد الصدر الأول . انتهى ؛ من المناوي على ((الجامع)). وقال الحفني على ((الجامع الصغير)): الظاهر أن المراد في هذا الحديث ونظيرِه بالفقه : العلم بالله تعالى وصفاته والتخلُّق بمقتضى ما علم ؛ إذ هذا هو الذي ٢٨٤ وَزَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَهُ)). ينفع القلب . وعلم الفقه المعلوم ! وإن كان خيراً كبيراً ! لا دخل له في تطهير القلب ، إذ هو مجرد أحكام ووقائع . انتهى . (وَزَهَّدَهُ) - بالتشديد -: صيّره زَاهداً ( فِي الدُّنْيَا ) ؛ أي : جعل قلبه معرضاً عنها ، مبغضاً محقراً لها ؛ رغبة به عنها ، تكريماً له ، وتطهيراً عن أدناسها ، ورفعة عن دناءتها (وَبَصَّرَهُ) - بالتشديد ــ ( عُيُوبَهُ))) ؛ أي : عرّفه بها وأوضحها له ؛ ليتجنبها كأمراض القلب ؛ من نحو حسد وحقد ، وغلِّ وغشٍ ، وكبر ورياء ، ومداهنة وخِيانة ، وطول أمل وقسوة قلب ، وعدم حياءٍ وقلّة رحمة .. وأمثالها . وفيه دلالة على أنّ الزهدَ في الدنيا علامة إرادة الله الخير بعبده . قال الغزالي : والزهد فيها : أن تنقطع همّته عنها ويستقذرها ويستنكرها ؛ فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة ، والدنيا وإن كانت محبوبة مطلوبة للإنسان ؛ لكن لمن وُفِّق التوفيق الخاصّ وبصّره الله بآفاتها تصير عنده كالجيفة ، وإنما يتعجَّب من هذا الراغبون في الدنيا ، العميان عن عيوبها وآفاتها ، المغترُّون بزخرفها وزينتها ، ومَثَل ذلك : إنسان صنع حلوى من أغلى السكر وعجنها بسمٍّ قاتل ، وأبصر ذلك رجل ولم يبصره آخر . ووضعه بينهما ، فمن أبصر ما جعل فيه من السّمّ زهدهُ ، وغيره يغترُ بظاهره فيحرص عليه ، ولا يصبر عنه ؛ قاله المناوي على ((الجامع)). والحديث رواه البيهقي في (( شعب الإيمان))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وعن محمد بن كعب القرظي مرسلاً، ورواه الديلمي في (( مسند الفردوس )) عن أنس أيضاً ، قال العراقي : وإسناده ضعيف جدّاً، وقال غيره : واهٍ ؛ قاله المناوي على ((الجامع)). ٢٨٥ ١٦ - ((إِذَا أَسَأْتَ .. فَأَحْسِنْ)). ١٧ - ((إِذَا لَمْ تَستَحِ .. فَأَصْنَعْ مَا شِئْتَ)). ١٦ - ((إِذَا أَسَأْتَ ) بفعل كبيرة ، أو صغيرة ، أو ما لا ينبغي مع شخص ( فَأَحْسِنْ))) - بفتح الهمزة - أي: بالتوبة في الأول ، وبفعل ما يكفّر الصغيرة في الثاني ، وبالاعتذار للشخص في الثالث. قاله الحفني على ((الجامع)). وقال المناوي على ((الجامع))؛ أي : قابل الفِعلة السّيّئة بخصلة حسنة ، كأنّ تقابل الخشونة باللِّين ، والغضب بالكظم ، والسَّورَة بالأناة ، وقس عليه ؛ ذكره الزمخشري، وشاهِدُه ﴿ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [١١٤/ هود]. وهذا إشارة إلى أن الإنسان مجبول على الشهوات ، ومقتضى البهيميّة والسبعيّة والملكيّة، فإذا ارتكب من تلك الرذائل رذيلة يطغيها بمقتضى الملَكِيَّة: ((أَتْبع السَّيَّةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا)). ومن البيّن أنّ الكبيرة لا يمحوها إلّ التوبة. قال الراغب : والحسنة يعبّر بها عن كلّ ما يَسُرّ من نعمة تَنال المرء في نفسه وبدنه ، والسيئة تضادّها ، وهما من الألفاظ المشتركة ؛ كالحيوان الواقع على أنواع مختلفة . انتهى . والحديث رواه الحاكم، والبيهقي في (( شعب الإيمان))؛ عن ابن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال : أراد معاذ بن جبل سفراً فقال : يا رسول الله ؛ أوصني ... فذكره . ورواه عنه أيضاً الطبراني وغيره ، وفي العزيزي : إنه حديث ضعيف . انتهى . والله أعلم . ١٧ - ((إِذَا لَمْ تَسْتَح) - بحذف الياء المثناة التحتيّة ، وإثباتها - ويكون الجازم حَذَف الياء الثانية ؛ لأنه من (( استحيا))، والأول من ((استحى)). ( فَأَصْنَعْ مَا شِئْتَ)) ) الأمرُ للتهديد والتوبيخ ؛ أي : إذا نُزع منك الحياء وكنت لا تستحي من الله ولا تراقبه في فعل أوامره واجتناب نواهيه ( فَأَصْنَعْ مَا شِئْتَ») أي : ما تهواه نفسك من الرذائل ، فإنّ الله مجازيك عليه ، ونظيره قوله تعالى ٢٨٦ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [٤٠/ فصلت]، وقوله تعالى ﴿فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونٌِّ﴾ [١٥/ الزمر] فإذا ارتفع الحياء صنعت النفس ما تهوى ، وأنشد بعضهم : وَلَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِةَ اللَّيَّالِي وَلاَ الدّنيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ فَلاَ وَاللهِ مَا في العَيْشِ خَيْرٌ وقال آخر : إِذَا لَمْ تَصُنْ عِرْضاً وَلَمْ تَخْشَ خَالِقاً وتَسْتَحْيِ مَخْلُوقاً فَمَا شِئْتَ فَاصْنَعِ أو الأمر للإباحة ؛ أي : انظر إلى ما تريد أن تفعله ، فإن كان مِمّا لا يُستحى من الله ومن الناس في فعله ؛ فافعله ، وإن كان مِمّا يُستحى من الله ومن الناس في فعله ؛ فدعه . وعلى هذا مدار الأحكام من حيث إن الفعل إمّا أن يُستحيا منه ؛ وهو ١ - الحرام و ٢ - المكروه و٣ - خلاف الأولى، واجتنابها مشروع. أو لا يُستحيا منه وهو ١ - الواجب و٢ - المندوب، و٣ - المباح، وفعل الأوّلَين مطلوبٌ. والثالث جائز . والحياء - بالمدّ - لغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به . وقيل : انقباض وخشية يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطّلع منه على قبيح . واصطلاحاً : خُلُق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ . وأمّا الحيا - بالقصر - ! فيطلق على المطر ، وعلى فرج الناقة . وقد صحَّ أنه وَّه قال: ((الحياءُ خَيْرٌ كلُّه؛ لا يأتي إلّ بخير » . وحكي أنّ رجلاً رأى (١) النبيّ وَّه فقال له: أنت قلتَ ((الحيا خير كلّه)) ؟ - بالقصر - فقال : لا . ثُمّ رآهُ ثانياً فسأله مثل ذلك ؛ فقال : لا ، فأخبر بذلك بعض (١) الظاهر أنه في المنام !!. ٢٨٧ العلماء ، فقال : الحيا - بالقصر - فرج الناقة ، والذي في الحديث - بالمدّ - فرآه الثالثة وسأله: وقال: أنت قلت: ((الحياءُ خَيْرٌ كلّه)»؟. فقال: نعم . وينبغي أن يراعى فيه القانون الشرعي ، فإنّ منه ما يذمّ كالحياء المانع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجود شروطه . فإن هذا جبن لا حياء ، ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات الدِّين إذا أشكلت عليه ، ومن ثَمّ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : نِعْمَ النّساء نساء الأنصار ؛ لم يمنعهنّ الحياءُ أن يتفقّهنَ في الدين، ولذا جاءت أم سُليم إلى رسول الله وَّه وقالت: إنّ الله لا يستحي من الحقّ ؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: ((نَعَم ؛ إذَا رَأَتٍ المَاءَ )) . وروى البيهقي عن الأصمعي أنه قال: من لم يتحمل ذلّ التّعلم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبداً . وَمَنْ لَمْ يَذُقْ ذُلَّ الثَّعَلُّمِ سَاعةً تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ وروى أيضاً عن عمر قال : لا تتعلَّم العلم لثلاث ، ولا تتركه لثلاث : لا تتعلم العلم لتماريّ به ، ولا لترائيَ به ، ولا لتباهيَ به . ولا تتركه حياءً من طلبه ، ولا زهادة فيه ، ولا رضاً بجهالة . وروى الترمذي أنّه ◌ِوَ﴿ه قال: ((اسْتَحْيُوا مِن اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))، قالوا: إنّا نَسْتَحِي والحمدُ للهِ !! فقال: ((لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِخْيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَياءِ : أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، والْبَطْنَ ومَا حَوَى، وأنْ تَذْكُرَ المَوتَ والْبِلَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقّ الْحَيَاءِ ». وأهل المعرفة في ذلك يتفاوتون بحسب تفاوت أحوالهم ، وقد جمع الله سبحانه وتعالى لنبيّه ◌َ﴿ كمال الحياء بنوعيه، فكان في الحياء الغريزيّ أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرها ، وكان في الكسبيّ واصلاً إلى أعلى غايته وذروتها ، والله أعلم . والحديث المذكور رواه البخاريُّ في ذكر بني إسرائيل عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه بلفظ : ٢٨٨ ٠٠ ((إنّ مِمّا أدرك الناس من كلام النّبوّة: إذَا لَم تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)). وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه ؛ عن أبي مسعود المذكور بلفظ : ((آخِرُ مَا أدرك الناس مِنْ كَلامِ النّبوّة الأُولى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)). وكذا رواه ابن عساكر عن أبي مسعود أيضاً . وكذا رواه الإمام أحمد عن حذيفة لكن بلفظ: ((إنّ ممّا أدرك الناس من كلام النّوَة الأُولى : إذا لَمْ تَستَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)). ورواه الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي الطُّفيل مرفوعاً بلفظ: ((كَانَ يُقَالُ إِنَّ مِمّا أَدْرَكَ النَّاسُ ... )) الحديث ، ورواه ابن عدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وكذا الدمياطي عنه ، وقال غريب . انتهى ذكره العجلوني رحمه الله تعالى في (( كشف الخفا)). تنبيه : حكي أنّ بعضهم وافى البصرة نحو شعبة يسمع منه ويكثر ، فصادف المجلس قد انقضى ؛ وانصرف شعبة إلى منزله ، فحمله السرف إلى أن سأل عن منزل شعبة ؛ فأرشد إليه ، فجاء فوجد الباب مفتوحاً فدخل من غير استئذان ، فوجد شعبة جالساً على البالوعة يبول ، فقال : السلام عليكم ؛ رجلٌ غريب قَدِمتُ من بلدة بعيدة لتحدِّثني بحديث رسول الله وَ لير! فأعظم شعبة ذلك ، فقال : يا هذا ؛ دخلتَ منزلي بغير إذني، وتكلِّمُني على مثل هذه الحال !!. فقال: إني خشيت الفوت. فقال : تأخّر عنّي حتى أصلح من شأني ، فلم يفعل واستمر في إلحاح ، قال : وشعبةُ يخاطبه وذكره في يده يستبرىء . فلما أكثر قال : أكتب : حدثنا منصور بن المعتمر ، عن ربعيٍّ بن حراش ، عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه؛ عن رسول الله وَ الر قال: ((إن مِمّا أدرك الناس من كلام النّبوّة الأولى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)) . ثم قال : والله؛ لا أحدَّتُك بعد هذا الحديث ، ولا حَدَّثتُ قوماً تكون فيهم . والله أعلم . ٢٨٩ ١٨ - ((إِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ .. عَمِيَ أَلْبَصَرُ)). ١٨ - ((إِذَا نَزَلَ القَضَاءُ)؛ أي: المقضيُّ (عَمِيَ البَصَرُ)؛ أي: غُطّ عنه نور العقل حتّى لا يرى بنوره المنافع فيطلبها ، ولا المضارّ فيجتنبها ، فهو محجوب بحجاب القدرة مع بقاء صورته ، فكم من متردٌّ في مهلكة وهو يبصرها ، ومفوّت منفعة في دينه أو دنياه وهو مشرف عليها. قال تعالى ﴿ وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا [الأعراف] ومنه عُلم : أن العبد لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، وأنّه يُصِرُونَ ١٩٨ لا راد لقضائه بالنقضٍ ، ولا معقّب لحكمه بالرّد . وهذا الحديث رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأخرجه البيهقي من قول ابن عباس بلفظ : إنّ القدر إذا جاء حَالَ دُونَ البَصَر . قاله جواباً عن قول نافع بن الأزرق في معناه (( أرأيت الهدهد كيف يجيء فينقرُ الأرض فيصيب موضع الماء ، ويجيء إلى الفخّ ؛ وهو لا يبصره حتى يقع في عنقه ))؟! ورواه الترمذي بلفظ: (( إِذَا جَاء القَدرُ عَمِي البَصَرُ، وإذَا جاء الحَيْنُ غَطَّى العَينَ)) . ورواه ابن أبي شيبة والحاكم - وصححه - من طرق عن ابن عباس أنّه قيل له : كيف تفقَّد سليمان الهدهد من بين الطّير ؛ قال : إنّ سليمان نزل منزلاً فلم يَدْرِ ما بُعْدُ الماء ، وكان الهدهد يدلّ سليمان على الماء ، فأراد أن يسأله عنه فتفقَّده . قيل: (( كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخّ ، ويلقى عليه التراب ، ويضع له الصبيّ الحُبَالَة؛ فيغيّيها فيصيده ))؟! فقال: إذَا جَاءَ القَضَاءِ ذَهَبَ البَصَر . وفي رواية سعيد بن منصور ، وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك : أنّ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ذكر يوماً الهُدهُدَ ، فقال : يعرف بعد مسافة الماء في الأرض . فقال نافع بن الأزرق : قِفْ .. قِفْ يا ابن عباس، كيف تزعم أنّ الهُدْهُدَ يرى الماء من تحت الأرض ؛ وهو ينصب له الفخُّ فيذر عليه التراب فيصاد ؟! ٢٩٠ ١٩ - ((إِرْحَمُوا تُرْحَمُوا)). فقال ابن عباس : لولا أن يذهب هذا فيقول : كذا وكذا، لم أقل له شيئاً ! إنّ البَصَر ينفع ما لَمْ يأتِ القدر ؛ فإذا جاء القدر حال دون البصر . فقال ابن الأزرق : لا أجادلك بعدها في شيءٍ . وأنشد غلام ثعلب لنفسه : وَكَانَ ذَا رَأيٍ وَعَقْلٍ وبَصَرْ إِذَا أَرَادَ اللهُ أمراً بامْرِىءٍ يَأْتِي بِهِ مَحْتُومُ أسْبابِ القَدَرْ وَحِيْلَةٍ يُعْمِلُهَا فِي كلِّ مَا فَسَلَّهُ عَن عَقْلِهِ سَلَّ الشَّعَرْ أغْوَاهُ بِالْجَهْلِ وَأعْمَى عَيْنَهُ رَدَّ عَلَيْهِ عَقْلَهُ لِيَعْتَبِرْ حَتَّى إِذَا أَنْفَذَ فِيْهِ حُكْمَهُ وهذا الشعر تضمَّن معنى حديث: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ إنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سَلَبَ ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهُمْ حَتَّى يَنْفُذَ فِيهِمْ قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ، فَإِذَا مَضَى أَمْرُهُ ؛ رَدَّ إِلَيْهِمْ عُقُولَهُم وَوَقَعَتِ النَّدَامَةُ » . رواه الديلمي في (( مسند الفردوس)» عن أنس وعليّ رضي الله تعالى عنهما . وقال في (( الدرر)) : رواه الديلمي والخطيب ؛ عن ابن عباس بسند ضعيف . وقال في ((المقاصد)): رواه أبو نعيم في (( تاريخ أصبهان))، ومن طريقه الديلمي في (( مسنده )) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً ، وكذا الخطيب وغيره بسند فيه لاحق بن حُسين كذّاب وضّاع؛ بلفظ: ((إنّ الله إذَا أَحبَّ إنْفَاذَ أَمْرِ سَلَبَ ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهم)). انتهى من ((كشف الخفا)) للعجلوني . وفي ((الميزان)): إنه خبر منكر ؛ أي : لأن فيه سعيدَ بن سماك بن حرب متروك كذّاب ؛ ذكره المناوي . ١٩ - ((إِرْحَمُوْا) مَنْ في الأرض ( تُرْحَمُوْا))) - بضمِّ أوله ، مبنياً للمجهول - أي : يرحمكم الله سبحانه لأنّ الرحمة من صفات الحقّ الّتي شَمل بها عِباده ، فلذا كانت أعلى ما اتّصفت بها البشر ، فندب إليها الشارع في كلّ شيءٍ ، حتّى في قتال الكفّار والذّبح وإقامة الحُجج وغير ذلك . ٢٩١ ٠,٠٠ ٢٠ - ((إِزْهَدْ فِي الدُّنْيَا .. يُحِبَّكَ اللهُ، وَأَزْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ .. يُحِبَّكَ النَّاسُ)). وتمام الحديث: ((واغْفِرُوا يُغْفَرْ لكُم، وَئِلٌ لأَقْمَاعِ القَوْلِ، وَيْلٌ لِلْمُصِرّينَ الّذين يُصِرُّونَ عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ » أخرجه الإمام أحمد وعبدُ بن حُميد والبخاري في (( الأدب)). والبيهقي في ((شعب الإيمان)) والطبراني بسند جيِّد ؛ كما قال المنذري والعراقي . وقال الحافظ الهيثمي : رجال أحمد رجال الصحيح غير حبان بن زيد الشرعبي وثقه ابن حبان ؛ قاله المناوي . وقوله: ((لأَقْمَاع القَوْل)) : - بفتح الهمزة جمع قِمَع ؛ بكسر القاف وفتح الميم كَضِلَع - : وهو الإناءَ الذي ينزل في رؤوس الظروف لتُمْلاَ بالمائعات ، ومنه ويلٌ الأقماع القَوْل شبّه أسماع الّذين يستمعونَ القَوْل؛ ولاَ يَعُونه ولا يَعْملون به بالأقماع الّتي لا تعي شيئاً مِمّا يفرغُ فيها، فكأنه يمرّ عليها مجتازاً كما يمرّ الشراب في الأقماع !! والله أعلم . ٢٠ - ((إِزْهَدْ) من الزُّهد - بضم أوله وقد تفتح -، وهو - لغةً - : الإعراض عن الشيءٍ احتقاراً له ، و- شرعاً -: الاقتصار على قَدْرِ الضَّرورة من المال المتيقّن الحلِّ فهو أخصُّ من الوَرَع ؛ إذ هو ترك الحرام والمشتبهِ . ( فِي الدُّنْيَا ) باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها لتحذير الله تعالى منها ؛ أي : أعرض عنها بقلبك ولا تحصّل منها إلاّ ما تحتاج إليه ، فإنّك إن فعلت ذلك ( يُحِبَّكَ ) - بفتح الباء المشددة - ( اللهُ) تعالى لكونك أعرضت عمّا أعرض عنه ؛ ولم ينظر إليه منذ خلقه ، ولأنّ الله تعالى يحبُّ من أطاعه ، وطاعتهُ تعالى لا تجتمع مع محبة الدّنيا ، كما دلّت عليه النصوص والتجربة والتواتر ؛ لأنّ ((حُبّ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة))، والله لا يحبُّ الخطايا ولا أهلها . ( وَازْهَدْ فِيْمَا فِي أَيْدِيْ النَّاسِ ) ؛ أي: فيما عندهم من الدنيا ( يُحِبَّكَ ) - بفتح الموحدة المشددة - ( أُلنَّاسُ ))) لأنّ قلوبهم مجبولَةٌ على حُبّها مطبوعة عليها . ٢٩٢ ومن نازع إنساناً في محبوبه كرِهَهُ وقَلاَهُ ، ومَنْ لَم يعارضه فيه أحبَّهُ واصطفاه . ولهذا قال الحسن البصري : لا يزال الرجل كريماً على الناس حتى يطمع في دنیاهم ؛ فيستحقُّون به ویکرهون حديثه . وقيل لبعض أهل البصرة : مَنْ سيّدُكم ؟ قالوا : الحسن البصري ، قيل : بمَ سَادَكُم ؟ قال : احتجنا لعلمه ، واستغنى عن دنيانا . انتهى . وقال النووي في ((شرح الأربعين)) قوله: ((ازْهَدْ في الدنيا .. الخ)) الزُّهد: تركُ مَا لا يُحتاج إليه مِن الدنيا ؛ وإن كان حلالاً ، والاقتصار على الكفاية . والورع : ترك الشبهات . قالوا : وأعقل الناس الزهاد ؛ لأنّهم أحبوا ما أحبّ الله ، وكرهُوا ما كره الله تعالى من جمع الدنيا ، واستعملوا الراحة لأنفسهم . قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو ((أُوْصِيَ لأعقل الناس))! صُرف إلى الزُّهاد . ولبعضهم : تَضْحَى إلى كُلِّ الأَنَامِ حَبِيْبَا كُنْ زَاهِداً فِیما حَوتْ أَيْدِي الوَرَی فَغَدا رئيساً فِي الجُحُورِ قَرِيبًا أَوَ مَا تَرَى الخُطَّافَ حَرَّمَ زَادَهُم وللشافعي رضي الله تعالى عنه في ذمّ الدُّنيا : وَسِيقَ إلينا عَذْبُهَا وعَذَابُها وَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيًا فإِنِّي طَعِمْتُهَا كَمَا لاَحَ فِي ظَهْرِ الفَلاَةِ سَرَابُها فَلَمْ أَرَهَا إلّ غُروراً وَبَاطِلاً عَلَيْها كِلَابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُها وَمَا هِيَ إلّ جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ وَإِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلاَبُها فإنْ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْماً لأَهْلِهَا حَرَامٌ عَلَى نفسِ التَّقِيِّ ارْتِكَابُهَا فَدَعْ عَنْكَ فَضْلاَتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا قوله : ((حرام على نفس التقي ارتكابها )» يدلُّ على تحريم الفرح بالدّنيا ، وقد صرّح بذلك البغوي في تفسير قوله تعالى ﴿ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنًا﴾ [٢٦/ الرعد]. ٢٩٣ ثُمّ المراد بالدنيا المذمومة : طلب الزّائد على الكِفاية ، أمّا طلب الكِفَاية ! فواجبٌ . قال بعضهم : وليس ذلك من الدنيا . وأمّا الدنيا فالزائدة على الكِفاية ، واستَدَلّ بقوله تعالى ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [١٤/آل عمران] ... الآية، فقوله تعالى ذلك إشارة إلى ما تقدم من طلب التوسع والتبسط . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : طلب الزائد من الحلال عقوبةٌ ابتلى اللهُ بها أهل التوحيد . ولبعضهم : إلّ الّتِي كَانَ قَبْلَ الموتِ يَيْنِيهَا لاَ دَارَ لِلْمَرِهِ بَعْدَ الموتِ يَسْكُنُها وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرِّ خَابَ بَانِيهَا فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ أنّ الزَّهَادَةَ فِيهَا تَركُ مَا فِيهَا النَّفْسُ تَرْغَبُ فِي الدُّنْيَا وَقَد عَلِمَتْ فاغْرِسْ أصولَ الثَُّى مَا دُمْتَ مُجْتَهِداً واعْلَمْ بأنّكَ بَعْدَ المَوتِ لاَقِيهَا ثُمّ بعد ذلك إذا فرح بها لأجل المباهاة والتفاخر والتطاول على الناس ؛ فهو مذموم ، ومن فرح بها لكونها من فضل الله تعالى ؛ فهو محمود . قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اللَّهُم لا نفرح إلاّ بما رزقتنا . انتهى كلام النووي ملخصاً . والحديث !! قال السخاوي وغيره : رواه ابن ماجه ، والطبراني في ((الكبير))، والحاكم ، وابن حبان ، وأبو نعيم والبيهقي وآخرون ؛ من حديث خالد بن عمر القرشي ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه أنّه قال : 4 ٠٫٠٠ جاء رجل إلى النبيّ وَ ﴿ فقال: يا رسول الله؛ دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُه أحَبِّي اللهُ وأحَبّنِي الناسُ !! فقال: ((ازْهَدْ ... )) وذكر الحديث . وحسَّنه الترمذي ، وتبعه النّوويّ، وصحَّحه الحاكم ، وتعقَّبه الذّهبي ؛ بأن فيه خالد بن عمر وَضَّاعٌ ، ومحمد بن كثير المصيصي ضعَّفه أحمد . ٢٩٤ ٢١- (( إِسْتَعِينُوا عَلَى أَلْحَاجَاتِ بِأَلْكِثْمَانِ؛ فإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ )). وقال المنذري عقب عزوه لابن ماجه : وقد حسّنَ بعض مشايخنا إسناده ! وفيه بُعد ، لأَنّه من رواية خالد القرشي وقد ترك واتّهم !! . قال : لكن على هذا الحديث لامِعةٌ من أنوار النّبوّة ، ولا يمنع كونُه من رواية الضعفاء أن يكون النبي ◌َّر قاله . انتهى . وقال السخاوي : فيه خالد هذا مجمع على تركه ، بل نسبوه إلى الوضع . قال ابن حبان : ينفرد عن الثقات بالموضوعات . وقال ابن عدي : خالدٌ وضع هذا الحديث . وقال العقيلي : لا أصل له . لكن رواه غير الحاكم عن الثوري ، وأخرجه أبو نعيم من طريق مجاهد عن أنس مرفوعاً ، لكن في سماع مجاهد من أنس نظر !! وقد رواه الثقات فلم يجاوزوا به مجاهداً ، وكذا یروی عن الربيع بن خُنَيم رفعه مرسلاً . وبالجملة فقد حسّن الحديثَ النووي ؛ ثم العراقي ، وكلام شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - ينازع فيه كما بيَّنته في تخريج (( الأربعين)). انتهى. وقال ابن حجر الهيتمي في ((شرح الأربعين)): التحسين إنّما جاء باعتبار تعدد الطُرق ، فهو حسن لغيره ؛ لا لذاته ، وهو أحد الأحاديث الأربعة الّتي عليها مدار الإسلام . انتهى . ٢١ - ((إِسْتَعِيْنُوْا عَلَىْ) قَضَاء (الحَاجَاتِ بِالْكِتْمَانِ ) - بكسر الكاف - أي: إخفائها عن الغير قبل الشروع فيها مستعينينَ بالله على الظُفرِ بها ، فالكِتمان ؛ وإن كان سبباً عادياً لقضائها ؛ لكنّه في الحقيقة لله تعالى . وعلّل طلب الكتمان بقوله : ( فَإِنَّ كُلَّ ذِيْ نِعْمَةٍ مَحْسُوْدٌ ))) يعني : إِنْ أظهرتُم حوائجكم للناس حسدوكم فعارضوكم في مرامكم . ٢٩٥ قال السخاوي وغيره : والأحاديث الواردة في التحدث بالنّعم محمولةٌ على ما بعد وقوعها ؛ فلا تعارض هذا !! نعم إن ترتب على التّحدث بها حَسَد فالكتمان أولى . انتهى . وأُخذ من الحديث أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمرٍ إِخفاءَ التحاور فيه ؛ والاجتهاد في طَيِّ سرُّهم . قال الشافعي : مَن كَتَم سِرَّهُ كانَت الخِيَرَةُ في يده . قال : وروي لنا عن عمرو بن العاصي أنّه قال : مَا أفشيتُ إلى أحدٍ سرّاً فأفشاه فَلُمْتُه ، لأنّي كنت أَضْيَقَ منه سرّاً . وقال بعض الحكماء : مَن كتم سِرَّه كان الخيار له ، ومن أفشاه كان الخيار عليه ، وكم من إظهار سرّ أراقَ دَم صاحبه ومنع من بلوغ مأربه !! ولو كتمه كان من سطواته آمناً ! ومن عواقبه سالماً ، وبنجاح حوائجه فائزاً ! وقال بعضهم : سُّك مِن دَمِك ، فإذا تكلَّمت فقد أرقته . وقال أنوشروان : من حصّن سرّه فلَهُ بتحصينه خصلتان : الظّفر بحاجته ، والسّلامة من السّطَواتِ . وفي (( منثور الحكم)) : انفرد بسرِّك ، ولا تودعه حازماً فيزول ، ولا جاهلاً فيحول ؛ لكن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق ومشورة ناصح فيتحرَّى له مَن يأتمنه عليه ويستودعه إِيّاه ؛ فليس كلّ من كان على الأموال أميناً كان على الأسرار أميناً ، والعفّة عن الأموال أيسرُ من العِفّة عن إذاعة الأسرار . قال الراغب : إذاعة السِّرِّ من قِلَّة الصَّبر وضِيق الصّدر، ويوصف به ضَعَفة الرجال والنساء ، والسبب في صعوبة كِتمان السِّر أنّ للإنسان قوّتين : آخِذة ؛ ومعطية ، وكلتاهما تتشوّف إلى الفعل المختصّ بها ، ولولا أنّ الله وَّلَ المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوده ، فصارت هذه القوّة تتشوّف إلى ٢٩٦ ٢٢ - ((إِسْتَعِينُوا عَلَى كُلِّ صَنْعَةٍ بِأَهْلِهَا )). فعلها الخاصّ بها ، فعلى الإنسان أن يُمسِكها ولا يُطلِقَها إلّ حيث يجب إطلاقها . انتهى . مناوي على ((الجامع))، وزرقاني على ((المواهب)). والحديث أخرجه الطبراني في (( معاجمه)) الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه ، لكن بلفظ: ((اسْتَعِينُوا عَلَى إنجاحِ حَوَائِجِكُمْ بالكِتْمانِ » ... والباقي سواء. وكذا أخرج الحديثَ البيهقيُّ في (( الشعب))، وأبو نعيم وابن أبي الدنيا والعسكري والقضاعي وابن عديّ : كلّهم ؛ عن معاذ بن جبل وفيه عند الجميع سعيد بن سلام العطار كذّبه أحمد وغيره ، وقال البخاري : يذكر بوضع الحديث ، وقال فيه العجلي : لا بأس به . ولكن أخرجه العسكري أيضاً من غير طريقه بسند ضعيف مع انقطاعه بلفظ : ((استعينوا على طلب حوائجكم بالكتمان لها، فإنّ لكلِّ نِعمة حَسَدة، ولو أنّ امرَأَ کان أقوم من قدح لکان له من الناس غامز » . ويُستأنس له بما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عباس مرفوعاً: ((إِنَّ لأهل النِّعَم حُسّاداً فاحذروهم)) . وفي الباب عن جماعة منهم عمر ؛ عند الخرائطي ، وابن عباس ؛ عند الخطيب ، وعلي بن أبي طالب ؛ عند الخِلَعي ، فلا يسوغ دعوى وضعه كما صنع ابن الجوزي ، وقد جزم الحافظ العراقي بأنه ضعيف فقط . انتهى من الزرقاني . لكن قال العلامة الحفني في حاشية (( الجامع الصغير)) : الجمهور على أن هذا الحديث موضوع ، والله أعلم . ٢٢ - ((إِسْتَعِيْنُوْا عَلَى كُلِّ صَنْعَةٍ بِأَهْلِهَا))) ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)) ورمز له برمز الحاكم، وذكره في ((كشف الخفا)) بلفظ: (( استعينوا على كُلّ صَنْعَةٍ بِصَالِحِ أهْلِها))، وقال: قال في ((الأصل)): قد يستأنس له بقوله وَلِّ: ((مَا كَان مِنْ أمْرٍ دُنْيَاكُمْ فإلَيْكُم » . ٢٩٧ ٢٣ - ((اِسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )). وقال في (( التمييز)): ويشهد له ما ثبت في (( سنن أبي داود )) عن سعد قال: مرضت مَرَضاً فَأَتاني رسول الله ﴿ يَعُودني، فَوَضَع يَدَهُ بينَ ثَدْتِيّ حتّى وجدتُ بَرْدَها على فؤادي، وقال لي: ((إنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُدٌ فَأْتِ الحَارِثَ بنَ كَلَدَةَ مِنْ ثَقِيفٍ ، فإنَّهُ رَجُلٌ يُطِبُّ ... )) الحديث . ٢٣ - ((اِسْتَفْتِ قَلْبَكَ) ؛ أي : اطلب الفتوى من قلبك ، وعوّل على ما فيه ؛ لأنّ للنفس شعوراً من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته فيه وما تذمّ ؛ فيطمئن القلب للعمل الصالح طمأنينة تبشِّره بأمن العاقبة ، ولا يطمئِنُّ للإثم بل يورثه نفرة وتندُّماً وحزازة ؛ لأن الشرع لا يقرُّ عليه، وفي رواية: (( اسْتَفْتِ نَفْسَك)) (وَإِنْ) غاية لمقدَّر دلّ عليه ما قبله ، أي: فالتزم العمل بما في قلبك وإنْ ( أَفْتَاكَ النَّاسُ ) ؛ أي : علماؤهم كما في رواية : وإنْ أقْتَاكَ المُفْتُونَ (وَأَفْتَوْكَ))) بخلافه ، فرّخصوا لك فيه ، لأنهم إنما يطّلِعُون على الظّواهر لا السّرائِر . والجمع للتأكيد !! كما في قوله تعالى ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمَّهِلَهُمْ﴾ [١٧/ الطارق] فأتى بالثاني تأكيداً للأول ، قال النووي في (( شرح الأربعين)) مثاله : الهدية إذا جاءتك من شخص غالبُ ماله حرام وتردَّدت النفس في حلِّها وأفتاك المفتي بحلّ الأكل ، فإن الفتوى لا تزيل الشّبهة ، وكذلك إذا أخبرته امرأة بأنه ارتضعَ مع فلانة ، فإن المفتي إذا أفتاه بجواز نكاحِها لعدم استكمال النّصاب لا تكون الفتوى مزيلةً للشبهة ، بل ينبغي الورع ؛ وإن أفتاه الناس . لكن قال المناوي : قال حجة الإسلام الغزالي : ولم يردّ كلّ أحد لفتوى نفسه ، وإنّما ذلك لـ ((وابصة)) في واقعة تخصّه. انتهى. قال البعض : وبفرض العموم ؛ فالكلام فیمن شرح الله صدره بنور اليقين فأفتاه غيره بمجرَّد حدس أو ميل من غير دليل شرعي ، وإلاّ! لزمه اتباعه ، وإن لم ينشرح له صدره . انتهى . ٢٩٨ وبما بحثه صرَّح حُجّة الإسلام ، لكن بزيادة بيان وإحسان ، فقال ما محصوله : ليس للمجتهد أو المقِّد إلّ الحكم بما يقع له أو لمقلَّده . ثمّ يقال للورِع: استفت قلبك وإن أفتوك ، إذ للإثم حزازات في القلوب ، فإذا وجد قابض مال في نفسه شيئاً منه ؛ فليتّق الله ، ولا يترخّص تعلّلاً بالفتوى من علماء الظاهر ، فإن لفتاويهم قيوداً من الضّرورات ، وفيها تخميناتٌ واقتحامُ شبهاتٍ ، والتّوقي عنها من شِيَم ذَوي الدِّين وعادات السالكين لطريق الآخرة . انتهى كلام المناوي . والحديث المذكور رواه الإمام أحمد ابن حنبل والدارمي في (( مسنديهما )) بإسناد حسن ، ورواه أبو يعلى وأبو نعيم والطبراني مرفوعاً؛ كلّهم عن وابصة بن معبد الأسدي رضي الله تعالى عنه قال : أتيت رسول الله وَ ير وأنا لا أريد أن أدع شيئاً من البِّر والإِثْمِ إلا سألت عنه، فقال لي: ((أُدْنُ يَا وَاِبِصَةٌ)). فدنوت منه حتى مَسَّت ركبتي ركبته، فقال: (( يا وابصة ؛ أخبرك بما جئت تسأل عنه ، أو تسألني عنه ؟)) قلت : يا رسول الله ، أخبرني ، قال: ((جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِّرِ والإِثْمِ)) . فقلت : نعم ، قال : فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري؛ ويقول: (( يا وابصةُ؛ استَفْتِ نَفْسَك، البِّرُ ما اطْمَأَنّتْ إليه النّفْسُ واطْمَأَنّ إليه القَلْبُ، والإِثْمُ مَا حَاكَ في النفس وتردّدَ في الصدر ؛ وإن أفتاكَ الناس وأفتوك » . قال النووي : حديث حسن . قال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: وفي جوابه وَليو لوابصة بهذا إشارة إلى متانة فهمه وقوّة ذكائه وتنوير قلبه؛ لأنّه وَل# أحاله على الإدراك القلبيّ ، وعلم أنّه يدرك ذلك من نفسه ، إذ لا يدرك ذلك إلاّ مَن هو كذلك . وأما الغليظُ الطبع الضعيف الإدراك ! فلا يجاب بذلك ، لأنّه لا يتحصّل منه على شيءٍ ، وإنما يفضّل له ما يحتاج إليه من الأوامر والنواهي الشرعية . وهذا من جميل عاداته وَ﴿ مع أصحابه، فإنه وَلّ كان يخاطبهم على قدْرٍ ٢٩٩ ٢٤ - (( أَسْلِمْ .. تَسْلَمْ)). عقولهم، ومِن ثَمَّ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أمر رسول الله وَ لِّ أن نُنْزِلَ الناس منازِلَهم . انتهى . قال في (( كشف الخفا ومزيل الإلباس)): وفي الباب عن النّواس ووائِلَة وغيرهما رضي الله تعالى عنهم . انتهى . ٢٤ - (( أَسْلِمْ) - بكسر اللام - ( تَسْلَمْ))) - بفتحها - : فيه غاية الاختصار ، ونهاية الإيجاز والبلاغة ، وجمع المعاني مع ما فيه من البديع ؛ وهو الجناس الاشتقاقي : وهو رجوع اللّفظين في الاشتقاق إلى أصل واحد . وهذا قطعة من كتاب النبيّ وَلّ إلى هرقل مذكور في حديث طويل مشهور بـ ((حديث هرقل))، رواه البخاري في مواضع كثيرة من ((صحيحه))، وأخرجه مسلم في (( المغازي )) وغيرها ، ولفظ الكتاب : ((بسم الله الرحمن الرحيم مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ - وفي رواية البخاري في ((الجهاد، وبدء الوحي)): من محمدٍ عبد الله ورسوله - إلى هرقلَ عَظِيمِ الرُّومِ؛ سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى. أمَّا بَعْدُ ؛ فإنِّي أدعوكَ بِدِعَايَةِ الإسلام، أسلِم تَسَّلَمْ يُؤْتِكَ اللهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيِسِينَ، ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا ﴾)) [آل عمران] ٦٤ بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اَلَهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (١) انتهى (١) . وفي رواية للبخاري في ((الجهاد )): ((أسلم تسلم، وأسْلِمٍ يُؤْتِكَ الله ... )) الخ بتكرار (( أَسْلِمْ)) مع زيادة الواو في الثانية ، فيحتمل التأكيد ، ويحتمل أن الأمر الأول للدخول في الإسلام ، والثاني للدوام عليه . كقوله تعالى ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُواْ بِالَّهِ﴾ [١٣٦/ النساء] قاله الحافظ؛ نقله عنه الزّرقاني ثُمّ قال: (١) في اللفظ النبوي اقتباس من الآية لا تصريح بنصها ! فتنبه . ٣٠٠