النص المفهرس

صفحات 261-280

٩- (« الإِحْسَانُ :
خذلاناً ، ويترك التدبير فإنه قد يكون حَواناً :
وَالْمَرْءُ يُرْزَقُ لا مِنْ حيثُ حِيلِتِهِ ويُصْرَفُ الرزقُ عَن ذِي الحِيلَةِ الدَّاهِي
قال بزرجمهر : وَكَل الله تعالى الحرمان بالعقل ، والرزق بالجهل ؛ ليعلم أنّه لو
كان الرزق بالحيل ؛ لكان العاقل أعلمَ بوجوه مطلبه والاحتيال لكسبه . قال
بعضهم :
بِنُجُومِ أفْلاَكِ السَّماءِ تَعَلُّقِيْ
لَوْ كَانَ بِالْعَقْلِ الغِنَىْ لَوَجَدْتَنِيْ
شَيْئَانِ مُفْتَرِقَانِ أَيَّ تَفَرِّقِ
لَكِنَّ مَن رُزِقَ الحِجَا حُرِمَ الغِنَى
التقىُ مَلَكانِ فتساءلا ؛ فقال أحدهما : أُمِرْتُ بسَوْق حوت اشتهاه فلان
اليهودي ، وقال الآخر : أمرتُ بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد . انتهى ملخصاً
بعضه من المناوي على ((الجامع)).
وهذا الحديث رمز له في (( الجامع الصغير )) بأنه رواه ابن ماجه ، والحاكم ،
والطبراني في ((الكبير))، والبيهقي في ((سننه))؛ عن أبي حُميد السّاعدي ، قال في
العزيزي : وهو حديث صحيح .
وقال المناوي على ((الجامع)): قال الحاكم : على شرطهما . وأقرّه الذهبي.
لكن فيه هشام بن عمار! أورده الذهبي في (( ذيل الضعفاء))، وقال أبو حاتم :
صدوق تغيَّر ، فكلَّما لُقِّن تَلَقّن . وقال أبو داود : حدّث بأرجحَ من أربعمائة حديث
لا أصل لها. وفيه إسماعيل بن عياش! أورده في ((الضعفاء))؛ وقال : مختلف
فيه وليس بقوي. وفيه عمارة بن غزية! أورده في ((الذيل )) أيضاً وقال : ثقة ،
ضعفه ابن حزم . انتهى كلام المناوي على ((الجامع)).
٩ - ( ((الإِحْسَانُ) قال ابن حجر الهيتمي: ((أل)) فيه للعهد الذهني المذكور
في الآيات الكثيرة نحو ﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [٢٦/ يونس]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحُبُّ
﴾ [الرحمن].
﴾ [البقرة]، ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَانُ:
الْمُحْسِنِينَ (١٥)
٢٦١

أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ .. فَإِنَّهُ يَرَاكَ )).
فلمّا كثُر تكّرره وعَظُم ثوابه سأل عنه جبريل ليُعلِمهم بعظم ثوابه وكمال رفعته ،
وهو مصدر ((أحسنت كذا))، و((وفي كذا)) إذا أحسنته وكمَّلته ؛ متعدياً بهمزة ،
من حسن كذا ، وبحرف الجر كـ ((أحسنت إليه)) إذا فعلت معه ما يحسن فعله ،
والمراد هنا الأول إذا حاصله راجع إلى إتقان العبادات بأدائها على وجهها المأمور به
مع رعاية حقوق الله تعالى فيها ومراقبته واستحضار عظمته وجلاله ! ابتداءً
واستمراراً .
وهو على قسمين :
أحدهما غالبٌ عليه مشاهدة الحقّ كما قال ◌َليهِ :
( أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) مِن عَبَد : أطاع ، والتعبُّد : التنسُّك ، والعبودية : الخضوع
والدُّلّ . ( كَأَنَّكَ تَرَاهُ) . وهذا من جوامع الكَلِم لأنَّه جَمَع مع وجازته بيان مراقبة
العبد ربّه في إِتمام الخضوع والخشوع وغيرهما في جميع الأحوال ، والإخلاص له
في جميع الأعمال ، والحثّ عليهما مع بيان سببهما الحامل عليهما لملاحظة أنّه لو
قدّر أنَّ أحداً قام في عبادة وهو يعاين ربّه تعالى لم يترك شيئاً ممّا يقدر عليه من
الخضوع والخشوع وحسن الصّمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها
على أحسن وجوهها .
والثاني : من لا ينتهي إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه وتعالى
مطّلع عليه ومشاهد له وقد بيّنه بَّه بقوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ! فَإِنَّهُ يَرَاكَ ))) مشيراً
إلى أنّه ينبغي للعبد أن يكون حاله مع فرض عدم عيانه لربه تعالى كهو مع عيانه ؛ لأنّه
تعالى مطّلع عليه في الحالين ؛ إذ هو قائم على كلّ نفس بما كسبت ، مشاهدٌ لكلّ
أحد من خلقه في حركته وسكونه ؛ فكما أنّه لا يُقدِم على تقصير في الحال الأول ؛
كذلك لا ينبغي له أن يُقْدِم عليه في الحال الثاني ، لما تقرر من استوائهما بالنسبة إلى
اطّلاع الله تعالى وعلمه وشهود عظيم كماله ، وباهر جلاله .
٢٦٢

١٠ - ((إِخْتِلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ)) .
وقد ندب أهل الحقائق ١ - إلى مجالسة الصالحين لأنه لاحترامه لهم وحيائه
منهم لا يُقدِم على تقصير في حضرتهم . و٢ - إلى أنّ العبد ينبغي له أن يكون في
عبادة ربه كضعيف بين يدي جبّار ؛ فإنه حينئذ يتحرَّى أن لا يصدر منه سوء أدب
بوجه. انتهى كلام ابن حجر في ((شرح الأربعين» .
وهذا الحديث ذكره في (( الجامع الصغير )) مرموزاً له برمز الإمام مسلم
والثلاثة : أبي داود والترمذي والنسائي ؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
عنه .
وهو قطعة من حديث طويل، أوله: بينما نحن جلوس عند رسول الله وَ * ذات
يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ... الحديث وهو مذكور بطوله في
(( كتاب الأربعين النووية )) وكذا رمز له برمز أحمد والشيخين وابن ماجه ؛ عن
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه .
١٠ - ( ((إِخْتِلاَفُ أُمَّتِيْ رَحْمَةٌ))) اعلم أن هذا الحديث قد تكلّم عليه العلماء
قديماً وحديثاً من جهة معناه ، ومن جهة عزوه ، وأنا أنقل كلامهم ؛ وإن وقع فيه
تكرار في بعض المواضع لأجل حصول الفائدة بالوقوف على ما قيل فيه ...
قال العجلوني في كتاب (( كشف الخفاء ومزيل الإلباس )) ما نصّه :
قال في ((المقاصد)): رواه البيهقي في (( المدخل )) بسند منقطع عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما بلفظ: قال رسول الله وَّ: ((مَهْمَا أُوتِيْتُمْ مِنْ كِتَابِ الله
تعالى ؛ فالعملُ به لا عُذر لأحد في تركه ، فإنْ لم يكنْ في كتاب الله ! فسنةٌ منّي
ماضية ، فإنْ لم تكنْ سُنَّةً مِنّي! فَمَا قَالَ أصْحَابِي ، إنّ أصحابي بمَنْزِلَةِ النّجومِ في
السماء ، فأيّما أخذتم بِهِ اهْتَدَيْتُم ، واخْتِلافُ أصْحَابي لكُم رَحْمَةٌ )) .
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني ، والديلمي بلفظه ، وفيه ضعيف ، وعَزاه
الزركشي وابن حجر في ((اللآلئ)) لنصر المقدسي في ((الحجة)) مرفوعاً ، من غير
٢٦٣

بيانٍ لسنده ؛ ولا لصحابيّه، وعزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب (( العلم
والحكم )) بغير بيان لسنده أيضاً؛ بلفظ: (( اختلافُ أصحابي رحمةٌ لأُمّتي )) وهو
مرسل ضعيف .
وبهذا اللفظ أيضا ذكره البيهقي في (( رسالته الأشعرية)) بغير إسناد .
وفي ((المدخل)) له عن القاسم بن محمد من قوله : اختلاف أصحاب
محمد ﴿ رحمةٌ لعباد الله .
وفيه أيضاً عن عمر بن عبد العزيز : أنّه كان يقول : ما سرّني لو أنّ أصحاب
محمد وَلّه لم يَخْتَلِفُوا ، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة .
وفيه أيضاً عن يحيى بن سعيد أنه قال : أهل العلم أهلُ توسعة ، وما برح
المفتون يختلفون ؛ فيحلِّل هذا ويحرِّم هذا . فلا يعيب هذا على هذا .
ثمّ قال في «المقاصد)» أيضاً : قرأت بخط شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - أنّه
حديث مشهور على الألسنة . وقد أورده ابن الحاجب في (( المختصر )) في مباحث
القياس بلفظ: ((اختلاف أُمتي رحمة للناس )) ، وكثر السؤال عنه ، وزعم كثير من
الأئمّة أنّه لا أصل له، لكنّه ذكره الخَطَّبي في ((غريب الحديث)) مستطرداً ؛ فقال :
اعترض هذا الحديث رجلان : أحدهما ماجن ، والآخر مُلحد ؛ وهما إسحاق
الموصلي ، وعمرو بن بحر الجاحظ ، وقالا : لو كان الاختلاف رحمة ؛ لكان
الاتفاق عذاباً ، ثمَّ تشاغل الخطابي بردِّ كلامهما ، ولم يشفِ في عزو الحديث ؛
لكنّه أشعر بأن له أصلاً عنده .
ثمّ قال الخَطَّابي: والاختلاف في الدّين ثلاثة أقسام :
الأول : في إثبات الصانع ووحدانيته ، وإنكاره كفرٌ .
والثاني : في صفاته ومشيئته ، وإنكارهما بدعة .
والثالث : في أحكام الفروع المحتملة وجوهاً ؛ فهذا جعله الله رحمة وكرامة
للعلماء ، وهو المراد بحديث: ((اختلاف أمتي رحمة)) انتهى.
٢٦٤

وقال النووي في ((شرح مسلم)) ج١١ ص٩٢ : ولا يلزم من كون الشيء رحمة
أن يكون ضدّه عذاباً ، ولا يلتزم هذا ولا يذكره إلّ جاهل أو متجاهل ، وقد قال
تعالى ﴿ وَمِن زَّحْمَتِّهِ، جَعَلَ لَكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُوا﴾ [٧٣/ القصص] فسمّى اللّيل رحمة،
ولا يلزم من ذلك أن يكون النهار عذاباً انتهى .
ومثله يقال: فيما رواه ابن أبي عاصم في (( السنة)) عن أنس مرفوعاً :
(( لا تجتمع أمتي على ضلالة))، ورواه الترمذي عن ابن عمر بلفظ: ((لا يجمع الله
أمتي على ضلالة ، ويدُ الله مع الجماعة » .
ورواه أحمد ، والطبراني في (( الكبير )) عن أبي نصر الغفاري في حديث رفعه :
(«سألتُ رَبِّي أن لا تجتمع أمتي على ضلالَةٍ )) . فقد قيل مفهومه: إن اختلاف هذه
الأمة ليس رحمة ونعمة ، لكن فيه ما تقدم نظيره عن النووي وغيره .
وفي ((الموضوعات)) للعلامة ملا علي قاري : أن السيوطي قال - يعني في
((الجامع الصغير)) -: أخرجه نصر المقدسي في ((الحجة))، والبيهقي في ((الرسالة
الأشعرية )) بغير سند ، ورواه الحليمي والقاضي الحسين وإمام الحرمين وغيرهم ،
ولعلّه خُرِّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا !!.
ثمّ قال السيوطي ؛ عقب ذكره لكلام عمر بن عبد العزيز : وهذا يدلّ على أنّ
المراد اختلافُهم في الأحكام الفرعية ، وقيل : في الحِرَف والصنائع ، والأصحُ
الأول ، فقد أخرج الخطيب في رواة مالكٍ ؛ عن إسماعيل بن أبي المجالد قال :
قال هارون الرشيد لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ؛ نكتب هذه الكتب - يعني
مؤلفات الإمام مالك - ونفرِّقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأُمّة ؟ قال : يا أمير
المؤمنين ؛ إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمّة ، كلٌّ يتبع ما صحّ
عنده ، وكل على هدى ، وكلّ يريد الله تعالى .
وفي ((مسند الفردوس)) عن ابن عباس مرفوعاً: ((اختلافُ أَصْحابي لكُم
رحمةٌ)). وذكر ابن سعد في ((طبقاته))؛ عن القاسم بن محمد أنه قال : كان
٢٦٥

اختلاف أصحاب محمد رَ ﴿ رحمةً للناس .
وأخرجه أبو نعيم بلفظ: كان اختلاف أصحابِ رسولِ الله وَل ◌ِ رحمةً لهؤلاء
الناس . انتهى كلام ((كشف الخفا ومُزيل الإلباس)).
وذكر في (( شرح الإِحياء)) في كتاب العلم ج١ ص٢٠٥ بعضاً مما نقلناه عن
((كشف الخفاء))، وزاد أنّه رواه أبو نصر السِّجزي في ((الإبانة))؛ وقال : غريب ،
والخطيب ، وابن عساكر في ((تاريخهما)).
وقال ابن السبكي في ((تخريج أحاديث المنهاج)): هذا شيءٌ لا أصل له . وقال
والده : لم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع ! انتهى .
وقال ابن الملَقِّن في ((تخريج أحاديث المنهاج)) : لم أر مَن خرّجه مرفوعاً بعد
البحث الشديد عنه، وإنّما نقله ابن الأثير في مقدمة ((جامعه)) من قول مالك.
انتهى كلام ((شرح الإحياء)) ملتقطاً .
وفي المناوي على ((الجامع الصغير)): ((إِخْتِلافُ)) افتعال من الخلف ، وهو
ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور ؛ ذكره الحراني .
((أُمَّتِي))؛ أي : مجتهدي أمتي في الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها ، فالكلام
في الاجتهاد في الأحكام ؛ كما في (( تفسير القاضي)) قال: فالنهي مخصوصٌ
بالتفرّق في الأصُول ؛ لا الفروع . انتهى .
قال السبكي : ولا شكّ أن الاختلاف في الأصول ضلال ؛ وسبب كلّ فساد ؛
كما أشار إليه القرآن .
وأمّا ما ذهب إليه جمع ؛ من أنّ المراد الاختلاف في الحِرف والصنائع !
فردّه السّبكي بأنّه كان المناسب على هذا أن يقال : اختلاف الناس رحمة ؛ إذ
لا خصوص للأمة بذلك ، فإنّ كلّ الأُمم مختلفون في الحرف والصنائع ! فلا بدّ من
خصوصية !!
٢٦٦

٠٠
قال: وما ذكره إمام الحرمين في ((النهاية)) كالحليمي ؛ من أنّ المراد اختلافهم
في المناصب والدرجات والمراتب ؛ فلا ينساق الذهن من لفظ ((الاختلاف)) إليه.
((رَحْمَةٌ)) للناس . كذا هو ثابت في رواية مَن عزا المصنف الحديث إليه ،
فسقطت اللفظة منه سهواً ؛ أي : اختلافهم توسعة على الناس بجعل المذاهب
كشرائع متعدِّدة بعث النبيّ وَله بكلّها ؛ لئلا تضيق بهم الأمور من إضافة الحقّ الذي
فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم ، ولم يكلّفوا ما لا طاقة لهم به توسعةً
في شريعتهم السمحة السهلة ، فاختلاف المذاهب نِعمةٌ كبيرة ، وفضيلةٌ جسيمة ،
خصّت بها هذه الأمّة ، فالمذاهبُ التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم من أقواله
وأفعاله على تنوُّعِها كشرائع متعددة ، وقد وعد بوقوع ذلك فوقع ، وهو من
معجزاته وَلي: أما الاختلاف في العقائد فضلالٌ ووبالٌ كما تقرَّر، والحقُّ ما عليه
أهل السّنة والجماعة فقط . فالحديث إنّما هو في الاختلاف في الأحكام .
و (( رحمة )) نكرةٌ في سياق الإثبات لا تقتضي عموماً فيكفي في صحَّته أن يحصل
في الاختلاف رحمة ما في وقتٍ مّا في حالٍ مّا على وجهٍ مّا .
وأخرج البيهقي في (( المدخل )) عن القاسم بن محمد ؛ أو عمر بن عبد العزيز :
لا يسرّني أنّ أصحاب محمد ؛ لم يختلفوا ، لأنّهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة .
ويدلّ لذلك ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً: (( أصحابي بمنزلة
النجوم في السماء فبأيُّهم اقتديتم اهتديتم : واختلاف أصحابي لكم رحمة )) .
قال السّمهوديّ : واختلاف الصّحابة في فتيا اختلافُ الأمّة .
وما روي من أن مالكاً لما أراده الرشيد على الذّهاب معه إلى العراق ؛ وأن
يحمل الناس على ((الموطأ)) كما حمل عثمانُ الناس على القرآن ؟ فقال مالك : أمّا
حملُ الناس على (( الموطأ)) فلا سبيل إليه ؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم افترقوا بعد
موته ◌َ﴿ في الأمصار، فحذَّثوا، فعند أهل كلّ مصر عِلْمٌ، وقد قال ◌َّ:
٢٦٧

((اختلاف أمتي رحمة)) كالصّريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام ، كما نقله ابن
الصلاح؛ عن مالك من أنّه قال في اختلاف أصحاب رسول الله مَله: مخطِىءٌ
ومصيب ، فعليك بالاجتهاد .
قال : وليس كما قال ناس : فيه توسعة على الأُمّة بالاجتهاد إنّما هو بالنّسبة إلى
المجتهد ، لقوله : فعليك بالاجتهاد ، فالمجتهد مكلّف بما أدّاه إليه اجتهاده ؛ فلا
توسعة عليهم في اختلافهم ، وإنّما التوسعة على المقلّد، فقول الحديث (( اختلاف
أمّتي رحمة للناس)) أي: لمقلديهم، ومساق قول مالك ((مخطئ ومصيب ... الخ))
إنّما هو الردّ على مَن قال : من كان أهلاً للاجتهاد له تقليد الصحابة دون غيرهم .
وفي ((العقائد)) لابن قدامة الحنبلي: ((إن اختلاف الأئمة رحمة واتفاقهم
حجة)). انتهى .
فإن قلت : هذا كلّه لا يجامع نهي الله تعالى عن الاختلاف ، بقوله تعالى
وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَّفَرَّقُواْ﴾ [١٠٣/ آل عمران] وقوله تعالى ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ
تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ [١٠٥/ آل عمران]؟! الآية.
قلتُ : هذه دسيسة ظهرت مِن بعض مَن في قلبه مرض ، وقد قام بأعباء الردّ
عليه جمع جمٌّ ؛ منهم : ابن العربي وغيره بما منه أنّه سبحانه وتعالى إنما ذمّ كثرة
الاختلاف على الرسل كفاحاً ، كما دلّ عليه خبر: ((إنَّما أهلكَ الّذين مِن قبلِكم كثرةُ
اختلافِهم على أنبيائهم » .
وأما هذه الأمّة ! فمعاذ الله تعالى أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين ؛
لأنه أوعد الّذين اختلفوا بعذاب عظيم. والمعترض موافق على أنّ اختلاف هذه الأمّة
في الفروع مغفورٌ لمن أخطأ منهم ، فتعيَّن أنّ الآية فيمن اختلف على الأنبياء ؛ فلا
تعارض بينها وبين الحديث .
وفيه ردٌّ على المتعصبين لبعض الأئمة على بعضٍ ، وقد عمّت به البلوى وعظم
به الخطب .
٢٦٨

.
١٠ ۔
قال الذهبي : وبين الأئمة اختلاف كثير في الفروع وبعضٍ الأصول ، وللقليل
منهم غلطات وزلفات ، ومفردات منكرة ، وإنما أمرنا باتباع أكثرهم صواباً ، ونجزم
بأنّ غرضهم ليس إلا اتّباع الكتاب والسُّنة ، وكلّ ما خالفوا فيه لقياس أو تأويلٍ .
قال : وإذا رأيت فقيهاً خالف حديثاً ، أو ردًّ حديثاً ، أو حرَّف معناه ، فلا تبادر
لتغليطه ؛ فقد قال عليّ كرّم الله وجهَه - لمن قال له: أتظنّ أنَّ طلحة والزُّبير كانا على
باطل!؟ -: يا هذا إنّه ملبوس عليك، وإن الحق لا يعرف بالرجال ، اعرفِ الحقّ
تعرف أهله .
وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعاً في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكلِّ
على تعظيم الباري جلّ جلاله ، وأنه ليس كمثله شيء ، وأن ما شرعه رسوله حقٌّ ،
وأن كتابهم واحد ، ونبيّهم واحد ، وقبلتهم واحدة ، وإنما وضعت المناظرة لكشف
الحقِّ ، وإفادة العالم الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيه الأغفل الأضعفَ ، فإن داخلها
زهو من الأكمل ، وانكسار من الأصغر ! فذلك دأب النفوس الزكية في بعض
الأحيان غفلة عن الله تعالى ؛ فما الظّنّ بالنفوس الشريرة المنطقية . انتهى .
ويجب علينا أن نعتقد أنّ الأئمة الأربعة والسُّفيانين والأوزاعي وداود الظاهري
وإسحاق بن راهويه وسائر الأئمة على هُدىّ ، ولا التفات لمن تكلّم فيهم بما هم
بريئون منه . والصحيح - وفاقاً للجمهور - أن المصيب في الفروع واحد ، ولله تعالى
فيما حكم عليه أمارة ، وأنّ المجتهد كلّف بإصابته ، وأن مخطئه لا يأثم ؛ بل
يؤجر ، فمن أصاب فله أجران ، ومن أخطأ فله أجر .
نعم ؛ إن قصّر المجتهد أثم اتفاقاً ، وعلى غير المجتهد أن يقلّد مذهباً معيّناً .
وقضية جعل الحديث ((الاختلاف رحمة)) جوازُ الانتقال من مذهب لآخر .
والصحيح عند الشافعية جوازه ، لكن لا يجوز تقليد الصحابة وكذا التابعين - كما
قاله إمام الحرمين - من كلّ مَن لَم يدوّن مذهبه ، فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء
والإفتاء ، لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحرَّرت ؛ حتى ظهر تقييد مطلقها
٢٦٩

وتخصيص عامّها ، بخلاف غيرهم ؛ لانقراض أتباعهم .
وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوامٌ من
تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم . انتهى .
نعم ؛ يجوز لغير عامّي من الفقهاء المقلّدين تقليدُ غير الأربعة في العمل
لنفسه ؛ إن علم نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده .
لكن بشرط أن لا يتتبع الرُّخص بأن يأخذ من كلّ مذهب بالأسهل بحيث تنحَلُّ
ربقة التكليف من عنقه . وإلا ! لم يجز . خلافاً لابن عبد السلام حيث أطلق جواز
تتبُّعها ، وقد يحمل كلامه على ما إذا تتبّعها على وجهٍ لا يصل إلى الانحلال
المذكور .
وقول ابن الحاجب كالآمدي (( من عمل في مسألة بقول إمام ليس له العمل فيها
بقول غيره اتفاقاً)) !! إن أراد به اتفاق الأصوليين ، فلا يقضي على اتفاق الفقهاء
والكلام فيه . وإلا ! فهو مردود ، أو مفروض فيما لو بقي من آثار العمل الأول
ما يستلزم تركُّب حقيقة لا يقول بها كلّ من الإمامين ؛ كتقليد الإمام الشافعي في
مسح بعض الرأس ؛ والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة ؛
فعلم أنّه إنما يمتنع تقليد الغير في تلك الواقعة نفسها ، لا مثلها .
کأن أُفتي ببینونة زوجته بنحو تعلیق فنگح أختها ، ثم أُفتي بأن لا بينونة ليس له
الرجوع للأولى بغير إبانتها(١) . وكأن أخذ بشفعة جوارٍ تقليداً للحنفي ، ثم استحقت
عليه فيمتنع تقليده للشافعي في تركها ؛ لأنّ كُلاّ من الإمامين لا يقول به ، فلو اشترى
بعده عقاراً وقّد الإمام الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار لم يمنعه ما تقدَّم من
تقليده في ذلك ، فله الامتناع من تسليم العقار الثاني ، وإن قال الآمدي وابن
الحاجب ومَن على قدمهما - كالمحلّي - بالمنع في هذا ، وعمومه في جميع صور
(١) أي الأخت الثانية.
٢٧٠

ما وقع العمل به أوَّلاً ؛ فهو ممنوع ، وزَعْم الاتفاق عليه باطل .
وحكى الزركشي أنّ القاضي أبا الطيّب أقيمت صلاة الجمعة فهَمَّ بالتكبير ؛
فذرق عليه طير ، فقال : أنا حنبلي ، فأحرم ، ولم يمنعه عمله بمذهبه من تقليد
المخالف عند الحاجة !!.
وممن جرى على ذلك السبكي فقال : المنتقل من مذهب لآخر له أحوال .
الأول : أن يعتقد رجحان مذهب الغير ، فيجوز عمله به ! اتباعاً للراجح في
ظنّه .
الثاني : أن لا يعتقد رجحان شيء ، فيجوز .
الثالث : أن يقصد بتقليده الرخصة فيما يحتاجه ؛ لحاجة لحقته أو ضرورة
أرهقته ، فيجوز .
الرابع : أن يقصد مجرَّد الترشخّص فيمتنع ، لأنّه متبع لهواه ؛ لا الدِّين .
الخامس : أن يكثر ذلك ويجعل اتباع الرُّخص دَيْدَنه ، فيمتنع ؛ لما ذكر ولزيادة
فحشه .
السادس : أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع ! فيمتنع .
السابع : أن يعمل بتقليد الأوّل كحنفيٍّ يدّعي شفعة جوار فيأخذها بمذهب
الحنفيّ ! فتستحق عليه ؛ فيريد تقليد الإمام الشافعي ، فيمتنع لخطئه في الأولى أو
الثانية ؛ وهو شخص واحد مكلّف . قال : وكلام الآمدي وابن الحاجب منزّل
عليه .
وسئل البُلقيني عن التقليد في المسألة السريْجِيّة فقال : أنا لا أفتي بصحة
الدور ، لكن إذا قّد من قال بعدم وقوع الطلاق كفى، لا يؤاخذه الله سبحانه
وتعالى ؛ لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها ؛ أي مع التقليد . وهو ذهاب منه
إلى جواز تقليد المرجوح وتتبعه .
٢٧١

قال بعضهم : ومحل ما مرَّ من منع تتبُّع الرُّخص إذا لم يقصد به مصلحة دينيّة ،
وإلا ! فلا منع ؛ كبيع مال الغائب ، فإن السبكيّ أفتى بأن الأولى تقليد الشافعي
فيه ، لاحتياج الناس غالباً في نحو مأكول ومشروب إليه ، والأمر إذا ضاق اتسع .
وعدم تكرير الفدية بتكرر المحرم اللُّبس ، فالأولى تقليد الشافعي لمالك فيه . كما
أفتى به الأبشيطي رحمه الله تعالى .
وذهب الحنفية إلى منع الانتقال مطلقاً. قال في ((فتح القدير)): المنتقل من
مذهب لمذهب باجتهاد وبرهان آثم ، عليه التعزير وبدونهما أولى .
ثم حقيقة الانتقال إنما تتحقق في حكم مسألة خاصّة قلَّد فيها وعمل بها ، وإلا !
فقوله (( قّدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل أو التزمت العمل به )) على الإجمال
وهو لا يعرف صورها ! ليس حقيقة التقليد بل وعد به ، أو تعليق له كأنّه التزم العمل
بقوله فيما يقع له ، فإذا أراد بهذا الالتزام ؛ فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد
بالزامه نفسه بذلك ! قولاً أو نيّة شرعاً ، بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما
[الأنبياء] ،
٧
يحتاجه بقوله تعالى ﴿فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ
والمسؤول عنه إنّما يتحقّق عند وقوع الحادثة !!. قال : والغالب أنّ مثل هذه
الالتزامات لكفّ الناس عن تتبُّع الرُّخَص ، إلا أنَّ أَخْذ العامي في كل مسألة بقول
مجتهد أخفّ عليه ، ولا يُدرى ما يمنع هذا من النقل والعقل . انتهى .
وذهب بعض المالكية إلى جواز الانتقال بشروط: ففي (( التنقيح )) للقرافي ؛
عن الزناتي : التقليد يجوز بثلاثة شروط
١ - أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع ؛ كمن تزوَّج بلا صداق ،
ولا وليّ ولا شهود ؛ فإنه لم يقل به أحد. و٢ - أن يعتقد في مقلَّده الفضل،
و ٣ - أن لا يتتبع الرخص والمذاهب.
وعن غيره : يجوز فيما لا ينقض فيه قضاء القاضي ، وهو ما خالف الإجماع ،
أو القواعد الكليّة ، أو القياس الجليّ .
٢٧٢

١١ - ((أُخْزُنْ لِسَانَكَ
ونقل عن الحنابلة ما يدلُّ للجواز .
وقد انتقل جماعة من المذاهب الأربعة من مذهبه لغيره ؛
منهم عبد العزيز بن عمران كان مالكياً ؛ فلمّا قدم الإمام الشافعيّ - رحمه الله
تعالى - مصرَ تفقّه عليه .
وأبو ثور من مذهب الحنفيّ إلى مذهب الشافعيّ .
وابن عبد الحكم من مذهب مالك إلى الشافعيّ ، ثم عاد إلى مذهب مالك .
وأبو جعفر بن نصر من الحنبليّ إلى الشافعيّ .
والطحاويّ من الشافعيّ إلى الحنفيّ . والإمام السَّمعاني من الحنفي إلى
الشافعيّ .
والخطيب البغدادي والآمدي وابن برهان من الحنبلي إلى الشافعيّ ،
وابن فارس صاحب ((المجمل)) من الشافعيّ إلى المالكيّ،
وابن الدّهان من الحنبلي للحنفيّ ؛ ثم تحول شافعياً .
وابن دقيق العيد من المالكي إلى الشافعيّ ،
وأبو حيان من الظّاهريّ للشافعيّ ! ذكره الإسنوي وغيره . وإنما أطلنا وخرجنا
عن جادة الكتاب !! لشدّة الحاجة لذلك ، وقد ذكر جمع أنه من المهمات التي يتعيّن
اتقانها . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى في شرح ((الجامع الصغير)).
١١ - ((أُخْزُنْ لِسَانَكَ ) ؛ أي: صُنه واحفظه عن التكلم فيما لا يعنيك ، فإن
الكلام تَرجمانٌ يعبّر عن مستودعات الضمائر ، ويخبر بمكنونات السرائر ،
ولا يمكن استرجاع بوادره ، ولا يقدر على دفع شوارده ، فحقٌّ على العاقل أن
يحترز من زلله بالإمساك عنه ، أو الإقلال منه .
قال عليٍّ كرّم الله وجهه : اللسان معيار أطاشه الجهل ، وأرجحه العقل .
٢٧٣

ولله درُّ القائل :
لاَ يَلْدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعْبَانُ
احْفَظْ لِسَانَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ
كَانَتْ تَهَابُ لِقَاءَهُ الشُّجْعَانُ
كَمْ فِي المَقَابِرِ مِنْ قَتِيْلِ لِسَانِهِ
قال ابن الأعرابي : أمراض النفس قولية وفعلية ، وتفاريع القولية كثيرة ، لكن
عللها وأدويتها محصورةٌ في أمرين :
الأول : أن لا تَتكلم إذا اشتهيت أن تتكلم .
والآخر : أن لا تتكلم إلا فيما إن سكتّ عنه عصيتَ ، وإلاّ! فلا، وإيّاكَ
والكلام عند استحسان كلامك ، فإن حالتئذ من أكبر الأمراض ، وما له دواءٌ إلّ
الصمت ، وقد نُسب إلى الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى في آفات اللسان
هذه المنظومة :
لِتَحْظَىُ بالأَمَانِ وَبِالأَمَانِي
تَعَلَّمْ حِفْظَ آفَاتِ اللِّسَانِ
حَكَتْ فِي نَظْمِهَا عِقْدَ الجُمَانِ
وَخُذْهَا إِنَّها سَبْعُونَ شَيْئاً
وَكِذْبٌ ثُمَّ سَبٌّ فِي هَوَانِ
مِرَاءٍ والجِدَالُ وَطَعْنُ جَانِي
وَنَوْحٌ واشْتِغَالٌ بِالأَغَانِي
وَخَوْضٌ في مَحَلِّ بافْتِتَانِ
بِقَولٍ والكَلَامُ لَدَى الأَذَانِ
عَوَامَ النَّاسِ عَنِ صَعْبِ المَعَانِي
ونَهِيُ العُرَفِ عَنْ خَطَأ اللِّسانِ
لِذِي الوَجْهَينِ في أَمْرِ الدِّهَانِ
ويَعْدَ طُلُوعِ فجرٍ لِلِعِيانِ
دُخُولٍ خَلا لحَاجَاتٍ تُعَانِي
وَفَتْحِ القَوْلِ عِنْدَ كَبِير شَانٍ
فَكُفْرٌ وَالخَطَامَعْ خَوفٍ كُفْرٍ
وفُخْشٌ غِيبَةٌ وَنَمِيمةٌ مَعْ
وسُخْرِيةٌ وَتَعْرِيْضٌ وَلَعْنٌ
مُخَاصَمَةٌ وَإِفْشَاءٌ لِسِرٍّ
سُؤَالُ المَالِ والدُّنيا ، نِفَاقٌ
سُؤَالُكَ عَنِ أَغَاليطٍ وَأَيْضاً
وتَغْلِيظُ الكَلَامِ وَأَمْرُ نُكْرٍ
سُؤَالٌ عَنْ عُيوبِ النّاسِ أَخْذٌ
كُلامٌ حَالَةَ القُرآنِ يَتْلَىُ
وَحَالَةَ خُطْبَةٍ وَبِمَسْجِدٍ مَعْ
وَفِي حَالِ الصَّلاَةِ وَفِي جِمَاعٍ
٢٧٤

إِلَّ مِنْ خَيْرِ )) .
وبِالأَلْقَابِ نَبْزٌ مَعْ يَمِينٍ
إِخَافَةُ مُؤْمِنٍ وَفُضُولُ قَوْلٍ
عَلَىُ غَيْرِ الدُّعَاءِ كَأَهْلِ ظُلْمٍ
سُؤَالُ إمَارَةٍ وَوَصِيّةٌ مَعْ
وَرَدُّ كَلامِ مَتْبُوعٍ وَقَطْعٌ
تَنَاجِي اثْنَيَنِ مَدْحٌ مَعْ مِزَاحِ
عَلَىُ النَّفْسِ الدُّعَاءُ وَرَدُّ عُذْرٍ
سُؤَالُكَ عَنْ حَلاَلٍ أَوْ طَهُورٍ
وَسَجْعٌ والْفَصَاحَةُ مَعْ سَلاَمِ
كَذَا مُتَغَوِّطٍ أوْ بَائِلٍ مَعْ
وَإِرْشَادٌ لِنَحْوِ طَرِيقٍ سُوءٍ
وَآَفَاتُ العِبَادَاتِ اللَّوَاتِي
كَذَا الْآفَاتُ ضِمنَ مُعَامَلاَتٍ
وَقَدْ تَمّتْ بِعَونِ اللهِ فَآَخْلِصْ
غَمُوسِ أوْ بِغَيْرِ اللهِ دَانِ
وَإِكْثَارُ اليَمِينِ بِلاَ تَوانٍ
بدُونِ صَلاحِ حَالٍ كلَّ آنٍ
تَوَلّيْهِ عَلَىْ دَارٍ وَخَانٍ
لِقَولِ الغَيْرِ شِعْرٌ ذُو امْتِهَانِ
وَنُطْقٌ بالَّذِي هُو غَيرُ عَانِي
أَتَىْ بالرَّأْىِ تَفْسِيرُ القُرَانِ
بِغَيرٍ مَحَلِّهِ قَصْدَ امْتِحَانِ
عَلَىُ الذِّمِيْ وَذِيْ فِسْقٍ مُهَانِ
كَلامِ الأَجْنِيَّةِ في مَكَانِ
وإِذْنٌّ في المعَاصِي لِلْمُدَانِ
تَعَدَّتْ وَالَّتِي قَصُرَتْ لِفَانِ
وَآَفَاتُ السُّكُوتِ بِلا بَيَانِ
لِنَاظِمِهَا دُعَاءَكَ بِالْجِنَانِ
وقد ذكر الإمام الغزالي في (( إحياء علوم الدين )) آفاتِ اللِّسان مفصّلةً بما يشفي
العليل فراجعها إن شئت .
( إِلَّ مِنْ خَيْرِ))) كقراءة القرآن ، وذكر الله تعالى ، ومذاكرة العلم ، والأمر
بالمعروف ، وذلك أن قول الخير خيرٌ من السكوت ؛ لأن قول الخير ينتفع به من
يسمعه ، والصّمت لا يتعدَّى نفعه .
وهذا الحديث رواه الطبراني في (( الصغير)) ؛ من حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه . وفيه ليث بن أبي سليم مُختلف فيه ، وتمام الحديث: ((فإنَّكَ بِذَلِكَ
تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ )) وقَد جاءتْ أحاديث كثيرة في التحذير من خطر اللِّسان، ولاَ نجاة
من خطره إلّ بالصّمت، فلذلك مدح الشرع الصمت وحثّ عليه؛ فيما روي عنه وَليه
٢٧٥

١٢ - ((أَخْلِصِ اَلْعَمَلَ ..
من قوله : ((مَنْ صَمَتَ نَجَا)) رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن
عمرو - بسند فيه ضعف - وقال : غريب ، وهو عند الطبراني - بسند جيّد - .
وروى الإمام أحمد والترمذيُّ - وصححه - والنسائيُّ وابن ماجه ؛ عن
عبد الله بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي ، عن أبيه قال : قلت
يا رسول الله: أخبرني عن الإسلام بِأَمْرِ لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدَكَ؟ قَالَ: ((قَالْ آمَنْتُ
بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) . قال: قلت فما أتقي ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلىْ لِسَانِهِ .
وهو عند مسلم دون آخر الحديث الذي فيه ذِكر اللِّسان .
وأخرج الترمذي - وقال : حسن - عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال : قلت :
يا رسول الله ما النجاةُ؟ قال: «أمْسِك عَلَيْكَ لِسَانَكَ، ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وابْكِ عَلَى
خَطِيَتِكَ )).
وأخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال :
قال رسول الله وَله: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ ».
وفي الحديث عنه وَ﴿ أنّه قال ((مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْلَمَ فَلْيَلْزَمِ الصَّمْتَ ».
رواه ابن أبي الدّنيا في ((الصمت))، وأبو الشيخ في (( فضائل الأعمال))،
والبيهقي في ( الشعب )) کلّهم من حديث أنس رضي الله عنه - بإسناد فيه ضعف - .
وأخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رفعه قال: ((إذا أصْبَحَ ابنُ آدَمَ
أَصْبَحَتِ الأعضَاءُ كلُّها تُكَفِّرُ اللِّسَانَ تَقُولُ: أَتَّقِ اللهَ فِيْنَا، فَإِنََّكَ إِنِ اسْتَقَمْتَ
اسْتَقَمْنَا، وإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا ».
وروى ابن أبي الدنيا في ((الصمت))؛ من طريق وهيب بن الورد قال : كان
يقال : الحكمةُ عشرةُ أجزاء ؛ فتسعة منها في الصمت ، والعاشر : عزلةُ الناس .
١٢ - ((أَخْلِصٍ) - بفتح الهمزة ، وسكون الخاء المعجّمة، وكسر اللام -
( العَمَلَ ) ، الإخلاص الكامل : أن تعبد ربك امتثالاً لأمره ، وقياماً بحقّ ربوبيته ،
٢٧٦

يُجْزِكَ مِنْهُ الْقَلِيلُ » .
-
لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره ، ولا للسلامة من عضّة الدّهر ونكبته ؛ وذلك
لأن الإخلاص ثلاث درجات :
عليا : وهو أن يعمل العبد لله وحده ! امتثالاً لأمره وقياماً بحق ربوبيّه .
ووسطى : وهو أن يَعْمَل لثواب الآخرة .
ودنيا : وهو أن يعمل للإكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها .
وما عدا هذه الثلاث المراتب ؛ فهو من الرّياء ، فإذا أخلصتَ العمل لله تعالى
( يُجْزِكَ مِنْهُ) ؛ أي : من العمل الخالص لله ( القَلِيْلُ))) وتكون تجارتُك
رابحة، وفي (( التوراة )): ما أُريد به وجهي فقليلُه كثير ، وما أُريد به غير وجهي
فكثيره قليلٌ .
ومن كلامهم : لا تسع في إكثار الطاعة بل إخلاصها .
وقال الغزالي : أقلُّ طاعة سلمتْ من الرياء والعجب وقارنها الإخلاص يكون
لها عند الله تعالى من القيمة ما لا نهاية له . وأكثرُ طاعة إذا أصابتها هذه الآفة لا قيمة
لها ، إلاّ أن يتداركها الله تعالى بلطفه .
قال ابن الكمال : الإخلاص - لغةً - : ترك الرياء في الطاعة .
و- اصطلاحاً -: تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدِّر لصفائه ، وكلّ شيءٍ
تصوّر أن يشوبه غيره ، فإذا صفا عن شوبه فخلص منه سمّي خالصاً .
قال بعضهم : ولا شكّ أن كلّ من أتى بفعل اختياري فلا بدّ له فيه من غَرَض ،
فمهما كان الباعث واحداً سمّي الفعل الصادر عنه إخلاصاً ؛ فمن تصدَّق وغرضه
محضُ الرياء ؛ فهو غير مخلص ، ومن كان غرضه محضَ التقرُّبِ إلى الله تعالى ! فهو
مخلص ، لكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرُّبِ إلى الله
تعالى عن جميع الشوائب ، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ، لكن خصَّصته العادة
٢٧٧

١٣ - ((أَدِّ الأَمَانَّةَ إِلَى مَنِ أَثْتَمَنْكَ ،
بالميل عن الحقّ . ومَنْ كان باعتُه مجرَّدَ الزّياء فهو معرّض للهلاك ، فالإخلاص
شرطٌ لقبول كلّ طاعة، كما جاء عنه وَّل﴿ أنه قال: ((أخلصوا أعمالكم لله، فإنّ الله
لا يقبل إلا ما خلص له)) رواه الدار قطني عن الضحّاك بن قيس رضي الله تعالى عنه .
قال المناوي : ولكلّ عمل من المأمورات خصوصُ اسم في الإخلاص ،
كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله ؛ لا من العبد ، وكإخلاص المجاهد بأن النّصر
من الله ؛ لا من العبد المجاهد، قال الله تعالى ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
[١٢٦/ آل عمران] وكذا سائر الأعمال. انتهى كلام المناوي في ((شرح الجامع)).
وهذا الحديث أخرجه الديلمي في (( مسند الفردوس))؛ من حديث معاذ بن
جبل رضي الله تعالى عنه - وإسناده منقطع - ، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب
((الإخلاص))، وابن أبي حاتم، والحاكم، وأبو نعيم في (( الحلية )) من حديث
معاذ؛ قال: لما بعثني رسول الله وَّر إلى اليمن قلت: أوصني، فقال: ((أخلص
دينك يَكْفِك القليل من العمل )) . وقال الحاكم: صحيح ، وتعقّبه الذهبي. انتهى
ذكره في ((شرح الإِحياء)).
١٣ - ((أَدّ) - بفتح الهمزة ، وكسر الدَّال ـ وجوباً في الواجب ، وندباً فيما
تطلب فيه المعاونة من الأداء . قال الراغب : وهو دفع ما يجب دفعه وتوفيتُهُ ؛
أي : أوصل. ( اُلأَمَانَةَ ) وهي : كلّ حقّ لزمك أداؤه وحفظه ، ومن قَصَرها على
حقّ الحقّ أو حقّ الخلق ! فقد قصَّر .
قال القرطبي : الأمانة تشمل أعداداً كثيرة ، لكن أمهاتها : الوديعة ، واللقطَة ،
والرهن ، والعاريَّة . ( إِلَى مَنِ أَثْثَمَنَكَ ) عليها ، ولا مفهوم له ؛ بل غالبيٌّ ، فإنّ
حفظها أثر كمال الإيمان ، فإذا نقص نقصت الأمانة في الناس ، وإذا زاد زادت .
والمراد : من جَعَل لك الشرعُ على ماله يداً ؛ فشمل ما إذا ألقت الريح ثوباً في
بيتك ، أو دخل فيه جائع ، والمراد بأدائها : إيصالُها إليه بالتخلية بينه وبينها ؛
٢٧٨

وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ )).
فليست الأمانة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء ؛ من أنّها الوديعة التي لم يضمنها
ذو اليد إذا لم يقصر .
وقال النووي : الظاهر أن المراد بالأمانة : التكليفُ الذي كلّف الله به عباده ،
والعهدُ الذي أخذه الله عليهم ، وهي التي في قوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ ﴾
[٧٢/ الأحزاب] ... الآية .
وفي ((النهاية)) الأمانة : تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان .
وقال الفخر الرازيّ : قيل : هي التكليف ، سمّي أمانة !! لأنّ من قصّر فعليه
الغرامة ، ومن وفّى فله الكرامة . وقيل: هي لا إلهَ إلاّ الله ، وهو بعيد . فالأكوان
ناطقةٌ بأن الله واحدٌ . وقيل : هي الأعضاء ، فالعين أمانة ينبغي حفظها ، والأذن
كذلك ، وبقيّة الأعضاء . وقيل : هي معرفة الله تعالى .
ولما كانت النفوس نزّاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة ، ورُبّما تأوّلت
جوازها مع مَن لم يلتزمها أعقبه بقوله :
( وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ))) ؛ أي : لا تعامله بمعاملته ، ولا تقابل خيانته
بخيانتك ؛ فتكونَ مثله ، وليس منها ما يأخذه الإنسان مِن مال مَن جحده حقّه إذ
لا تعدّي فيه . أو المراد: إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته ، وإن كان
حسناً ؛ أي : جائزاً ، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو ، وادفع بالتي هي أحسنُ ،
وهذا - كما قاله الطيبي - أحسن .
وهذه مسألة تتكرّر على ألسنة الفقهاء ولهم فيها أقوال ؛
الأول : لا تَخُن من خانك مطلقاً ، وهذا ظاهر الحديث .
الثاني : خن مَن خانك ! قاله الشافعي ، وهو مشهور مذهب مالك !!
وأجابوا عن هذا الحديث بأنّه لم يثبت ، أو المعنى: لا تأخذ منه أزيدَ من
حقك، أو هو إرشادٌ إلى الأكمل كما مرّ، واحتجّوا بقوله تعالى ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ
٢٧٩

·
فَأَعْتَدُ واْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [١٩٤/ البقرة]، وبحديث هند وهو قوله ◌َّرِ: (( خُذِي
مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْروفِ ».
الثالث : إن کان ممّا ائتمنك علیه من خانك فلا تخنه ، وإن کان لیس في يدك
فخذ حقّك منه ؛ قاله مالك .
الرابع : إن كان من جنس حقّك فخذه ، وإلّ فلا ! قاله أبو حنيفة .
قال ابن العربي : والصحيح منها جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالِكَ من جنسه ؛
أو غير جنسهِ إذا عدلت ؛ لأنّ ما للحاكم فعله إذا قَدَرتَ تفعله إذا اضطررت .
انتهى من الزرقاني على ((المواهب))، والمناوي على ((الجامع)).
وهذه المسألة تلقّب عند الفقهاء بـ(« مسألة الظَّفَر )).
وتحرير القول فيها أنّ الحقّ إمّا أن يكون عيناً ؛ أو ديناً ؛ أو منفعة .
١ - فالعين إن خشي مَن أخذها ممّن هي عنده ضرراً؛ فلا بدّ فيها من الرفع إلى
الحاكم ؛ تحرزاً عن الضّرر ، وإلّ! فله أخذها استقلالاً للضرورة .
٢ - والدَّین إن كان على غير ممتنع من أدائه طالَبَه به ؛ فلا يأخذ شيئاً له من غير
مطالبة ، ولو أخذه ! لم يملكه ، ويلزمه رده ، فإن تلف ؟ ضمنه ، وإن كان على
ممتنع من أدائه ! ولو مقرّاً؟ جاز له أخذ جنس حقه بصفته بطريق الظَّفر . ويملكه
بمجرَّد الأخذ ؛ فلا يحتاج إلى صيغة تملك ، فإن تعذَّر عليه الجنس المذكور ؛ بأن
وجد غير جنس حقّه ، أو جنس حقّه بغير صفته ؟ أخذه مقدِّماً النقد على غيره .
ويبيعه مستقلاً كما يستقل بالأخذ ؛ لما في الرفع إلى الحاكم من المؤنة والمشقّة
وتضييع الزمان حيث لا حجّة له ، وإلاّ ! فلا يبيع إلا بإذن الحاكم ، ولا يبيعه إلاّ
بنقد البلد ، فإن کان جنسَ حقّه ! تملكه ، وإن کان غیر جنس حقّه ؟ اشتری به جنس
حقّه ثُمّ تملكه .
ولا يأخذ فوق حقّه إن أمكن الاقتصار على حقّه ، فإن لم يمكن ؟ أخذ فوق
٢٨٠