النص المفهرس

صفحات 241-260

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى الْهِلَاَلَ .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛
أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِأَلْيُمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ)) .
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ونوزع بأن الحديث عُدّ من منكرات سليمان
المذكور !! وقد ضعفه ابن المديني ، وأبو حاتم ، والدارقطني ، وقال : ليّن ليس
بثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))؛ وقال : يخطىء !!
وقال الحافظ ابن حجر : صحَّحه الحاكم وغَلِط في ذلك ، فإن فيه سليمان بن
سفيان ضعَّفوه ، وإنّما حسّنه الترمذيُّ !! لشواهده . انتهى . قال :
( كَانَ ) النبيّ (َّهِ إِذَا رَأَىُ الهِلاَلَ؛ قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ أَهِلَّهُ ) قال الطيبي : روي
بالفكِّ والإدغام . ( عَلَيْنَا ) ؛ أي : أطلعه علينا مقترناً ( بِاليُمْنِ ) ) ؛ أي : البركة
( وَأَلإِيْمَانِ) ؛ أي: بدوامه وكماله ( وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَم ) ؛ أي : الانقياد
للأحكام .
قال الحكيم الترمذيّ: ((اليُمْنُ)): السعادة، و((الإيمان)): الطمأنينة بالله،
كأنّه سَأَل دوامهما، و(( السلامة والإسلام )) : أن يدوم له الإسلام ويسلم له شهره ،
فإنّ للهِ في كلّ شهر حكماً وقضاءً في الملكوت ، وفيه تنبيهٌ على ندب الدعاء ؛
لا سيّما عند ظهور الآيات وتقلُّب أحوال النيرات : وعلى أنّ التوجُّه فيه إلى الربِّ ؛
لا إلى المربوب ، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع ؛ لا إلى المصنوع . ذكره
التوربشتي. انتهى من المناوي على ((الجامع)).
وزاد قوله : (رَبِّيْ وَرَبُّكَ اللهُ))) لأن أهل الجاهلية فيهم مَن يعبد القمرين ؛
فكأنه يناغيه ويخاطبه ؛ فيقول : أنت مسخَّر لنا لتُضيء لأهل الأرض ؛ ليعلموا عدد
السنين والحساب .
وقال الطّيبي: لما قدّم الدعاء في قوله: ((اليمن والإيمان ، والسلامة
والإسلام)» طلب في كلّ من الفقرتين دفع ما يؤذيه من المضارّ ، وجلب ما يرفعه من
المنافع . وعبَّر بالإيمان والإسلام عنها !! دلالة على أنّ نعمة الإيمان والإسلام
٢٤١

وَفِي رِوَايَةٍ: ((بِالأَمْنِ )) بَدَلَ ((ألْيُمْنِ)).
وَكَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
.
شاملةٌ للنِّعم كلِّها ، ومحتوية على المنافع بأسرها ، فدلَّ على عظم شأن الهِلالِ حيث
جُعِلَ وسيلة لهذا المطلوب، فالتفت إليه قائلاً: (( ربي وربك الله )) مقتدياً بأبيه
﴾؛ بعد قوله ﴿هَذَارَبٍِّ﴾ [٧٦/ الأنعام].
إبراهيم حيث قال ﴿لَآ أُحِبُّ الَّفِلِينَ
وفيه من اللطائف أنّ المصطفىُ وَّه جمع بين طلب دفع المضارّ وجلب المنافع
في ألفاظ يجمعها معنى الاشتقاق ؛ ذكره المناوي في (( كبيره على الجامع)) رحمه الله
تعالى . آمين .
(وَفِي رِوَايَةٍ) للدارمي في ((مسنده))، والطبراني في (( الكبير)) بسند ضعيف
( بِالأَمْنِ بَدَلَ) قوله : ( الْيُمْنِ ) الواقع في الرواية السابقة .
ولفظ الرواية هذه : عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال :
كان رسول الله وَ ﴿ إِذَا رَأَى الهلالَ قالَ: ((اللهُ أُكْبَرُ، اللَّهم؛ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأَمْنِ
وَأَلْإِيْمَانِ، والسَّلامَةِ وَالإسْلاَم، وَالتَّوفِيْقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَىْ، ربُّنَا وربُّك اللهُ)).
انتهى. ذكرها في ((الأذكار)) و((الجامع الصغير)).
( وَ) أخرج أبو داود في الأدب، وابن ماجه في ((الوصايا))؛ عن علي بن
أبي طالب رضي الله تعالى عنه - وفي العزيزي : إنه حديث صحيح - قال :
( كَانَ آخِرُ كَلَمِهِ وَّهِ)؛ أي: ممَّا يتعلَّق بنصح الأُمة والأعمال المطلوبة
منهم ، وكذا ما بعده ، فإنّ فيه نهياً للأُمَّةِ عن مِثلٍ فِعلِ اليهود من اتّخاذهم قبور
أنبيائهم مساجد كما سيأتي. أما آخِرُ كَلامه على الإطلاق: فَـ (( جَلالَ رَبِّيَ الرَّفِيعَ ))
كما سيأتي، وقيل: ((الرَّفِيقَ الأَعْلى)). وجمع بأنه نَطَق بهما مَعاً؛ بأن قال:
((جَلَالَ رَبِّي الرَّفيعَ .. الرَّفِيقَ الأَعلى))! قاله الحفني على ((الجامع)).
٢٤٢

((الصَّلاَةَ ... الصَّلاَةَ، إِنَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )).
وَكَانَ آَخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ: ((قَاتَلَ اللهُ
اُلْيَهُودَ وَالنَّصَارَىُ ؛ إِنَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ،
وقوله : ( («الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ) ؛ أي : احفظوها بالمواظبة عليها ، والإتيان بها
في أوقاتها ، فهو منصوب على الإغراء ، وكرّره للتأكيد .
( أنَّقُوا اللهَ فِيْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) ) ؛ أي : فيما مَلَكتم من الأرِقّاء بالإنفاق
عليهم ، والرِّفق بهم ، وخصّ اليمين !! لأنّ أكثر تصرُّف الشخص فيما يملكُ بيده
اليمنى ، فأُضيف المِلْك إليها لذلك ، وقرن الوَصيّة بالصّلاة الوَصيّةَ بالمملوكِ !!
إشارة إلى وجوب رعاية حقُّه على سيِّده كوجوب الصلاة . قالوا : وذا من جوامع
الكَلِمٍ ، لشمول الوصية بالصلاة لكلِّ مأمور ومنهي إذ هي تنهى عن الفحشاء
والمنكر ، وشمول ما ملكت أيمانكم لكلّ ما يَتَصَرَّف فيه ملكاً وقهراً، لأنّ (( ما ))
عامٌ في ذوي العلم وغيرهم، فلذا جعله آخر كلامه. انتهى. ذكره شُرَّاحُ (( الجامع
الصغير)).
( وَ) أخرج البيهقي في ((سننه))؛ عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه
قال: ( كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ) النبيّ (نَّهِ أَنْ قَالَ ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُوْدَ وَالنَّصَارَى) ؛
أي : قَتَلهم وأهلكهم . ( إِنَّخَذُوا قُبُوْرَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) هذا ظاهر في اليهود ؛ دون
النّصارى ، إذ ليس لهم نبيٌّ مدفون ، لأن سيدنا عيسىُ رُفع وليس بينه وبين نبيّنا نبيٌّ
أصلاً !! فإمّا أن يكون ضمير (( اتخذوا)) راجعاً لليهود فقط، وإما يكون راجعاً
للنصارى أيضاً باعتبار إطلاق لفظ الأنبياء على أحبارهم تجوُّزاً ، لأنّهم كانوا
يعظُّمُونهم كتعظيم الأنبياء ويسجدون إلى قبورهم ، وهذا نهي لأُمَّته عن مثل
فعلهم. ويؤيده قولُه في رواية لمسلم: ((قبورُ أنْبِيَائِهِمْ وصَالِحِيْهِم مَسَاجِدَ )).
ولهذا لما أفرد النّصارى في حديث قال: ((إذا مَاتَ فيهم الرجُلُ الصَّالِحُ »،
ولما أفرد اليَهود في حديث قال: ((قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ)).
٢٤٣

لاَ يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ)) .
وَكَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( جَلَالَ رَبِّيَ
الرَّفِيعَ ، فَقَدْ بَلَّغْتُ )) ، ثُمَّ قَضَىْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( لاَ يَبْقَيَنَّ دِيْنَانِ ) - بكسر الدال ـ ( بِأَرْضِ العَرَبِ))).
قال المناوي: وفي رواية: (( بجزيرة العرب )) انتهى.
أي : فهو نهي عن إقامة الكفّار فيها .
وفي المناوي على ((الجامع)): وقد أخذ الأئمّة بهذا الحديث ؛ فقالوا: يُخرَج
من جزيرة العرب من دان بغير ديننا ، لكنّ الشافعي خصّ المنع بالحجاز : وهو مكة
والمدينة واليمامة وقراها ؛ دونَ اليمنِ من أرض العرب . انتهى .
( وَ) أخرج الحاكم في ((المستدرك)) عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
هے
( كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ نَّهِ) مطلقاً ( ((جَلَاَلَ رَبِّيَ) - بالنصب - أي: أَختار
جَلَالَ رَبِّيَ ( الرَّفِيْعَ، فَقَدْ بَلَّغْتُ)) ) جميع ما أمرت بتبليغه فلا عُذر لكم .
( ثُمَّ قَضَى)؛ أي: مات (ِِّ). ولا يناقضه ما سبق، لأنَّ ذلك آخرُ وصاياه
الأهلِه وأصحابِه وولاة الأمور من بعدِه ؛ وذَا آخر مانطق به .
قال السهيليُّ : وجه اختيار هذه الكلمة من الحكمة أنّها تتضمن التوحيد والذكر
بالقلب حتى يستفاد منه الرُّخصة لغيره في النّطق ، وأنّه لا يشترط الذكر باللِّسان.
وأصل هذا الحديث في (( الصحيحين)) عن عائشة رضي الله تعالى عنها :
كان النبيّ ◌َّهِ يقول وهو صحيح: ((إنّهُ لَم يُقْبَضْ نبيٌّ حتَّى يرىُ مَفْعَدَه من
الجَنَّةِ))، ثُمَّ أفاق فأشْخص بصره إلى سقف البيت، ثُمَّ قال: ((اللَّهُمَّ الرَّفيقَ
الأَعْلَى)). فعلمت أنّه لا يختارنا، وعرفت أنّه الحديث الّذي كان يُحدِّثنا وهو
صحيح ، والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاءٍ محبوبه ، فلما عيّن للبقاء محلاً خاصّاً ؛
ولا ينال إلا بالخروج من هذه الدّار التي تنافي ذلك اللِّقاء اختار الرفيقَ الأَعلى .
٢٤٤

.
..
تتمة: ذكر السهيليُّ عن الواقدي: أنّ أولَ كلمة تكلَّم بها المصطفىُ وَّ لمَّا
وُلد : ((جلالَ ربِّي الرفيعَ ))، لكن روى عائذٌ: أنّ أوّلَ ما تكلّم به لما ولدته أُّه
حين خروجه من بطنها : ((الله أكبرُ كبيراً ، والحمدُ للهِ كثيراً، وسبحانَ الله بكرةً
وأصيلاً )» . انتهى.
ذكره المناوي في ((شرح الجامع الصغير)) رحمه الله تعالى . آمين .
٢٤٥

الْفَصْلُ الْثَالِثُ
فِي ثَلاَثِ مِنَّةٍ وثلاثَةَ عَشَرَ حَدِيثاً مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهِيَ عَلَى عَدَدِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَأَهْلِ بَدْرِ شُمُوسِ الإِسْلاَمِ .
( الفصلُ الثّالِثُ )
من الباب السابع
( في ) ذكر ( ثَلاَثٍ مِائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ حَدِيْئاً ) تقريباً
( مِنْ جَوَامِعٍ كَلِمِهِ وََّ).
مِن إضافة الصفة للموصوف ؛ أي : كَلِمه الجوامع للمعاني الكثيرة في الألفاظ
القليلة ؛ بنظم لطيف لا يَعْثُر الفكر في طلبه ، ولا يلتوي الذهن في فهمه ، فما من
لفظة يسبق فهمها إلى الذّهن إلّ معناها إليه أسبقُ، كما قال ◌َ: ((أُعْطِيتُ جَوَامِعَ
الْكَلِمِ واخْتُصِرَ ليَ الْكَلاَمُ اخْتِصَاراً)) . رواه أبو يعلى والبيهقي عن ابن عمر ،
والدار قطني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. قاله الزرقاني على (( المواهب)).
( وَهِيَ عَلَى عَدَدِ الرُّسُلِ الكِرَامِ ) صلوات الله وسلامه عليهم ، إذْ قيل : إنهم
ثلثُمائةٍ وثلاثةَ عَشَرَ، وقيل : وأَرَّبَعَة عَشَر ، وقيل: وخمسةً عَشَر، والأسلم
الإمساك عن ذلك، لقوله تعالى لنبيّهِ وَلِّ ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيَّكَ وَمِنْهُم مَن لَّمْ
نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [٧٨/ غافر].
( وَ) هي أيضاً على عدد ( أَهْلِ بَذْرٍ ) الكبرى ( شُمُؤْسِ الإِسْلاَمِ) رضوان الله
عليهم. في (( السّيرة الشامية)) بدر : قرية مشهورة على نحو أربع مراحل من المدينة
المنورة ، وكان أهل غزوة بدر ثلثمائة وسبعة عشر رجلاً ، وفي رواية : وثلاثة عشر
رجلاً، ويؤيِّد هذه الرواية أنّه وَله أمر بَعدِّهم فأخبر بأنهم ثلثُمائة وثلاثةَ عشر؛ ففرح
بذلك، وقال: ((عِدَّةُ أَصْحَابِ طَالُوتَ)) انتهى . ذكره الباجوري.
٢٤٦

إِخْتَرْتُهَا مِنَ (( الشِّها)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَ: ((أَلْمَوَاهِبِ اللَّهُنَّهِ))
لِلْعَلَّمَةِ الْقُسْطُلأَنِيِّ، وَ: ((الْجَامِعِ الْصَغِيرِ)) وَ: ((الدُّرَرِ الْمُنْشَتِرَةِ فِي
الأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ)» كِلاَهُمَا لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ، وَ: ((كُنُوزِ
الْحَقَائِقِ )) وَ: ((طَبَقَاتِ الأَوْلِيَاءِ)) كِلاَهُمَا لِلْعَلَّمَةِ الْمُنَاوِيِّ.
( إِخْتَرْتُهَا)؛ أي: انتقيتها وجمعتها ( مِنْ) كتابٍ ( («الشِّفَاءِ ) بتعريف حقوق
المصطفىّ وَ﴿)) (لِلْقَاضِيْ) أبي الفضلِ (عِيَاضٍ) بن موسى اليَخْصُبي المالكي
رحمه الله تعالى رحمة واسعة . آمين .
( وَ) من كتاب ( ((المَوَاهِبِ اللَّهُنَّة) بالمنح المحمدية)) (لِلْعَلَّمَةِ ) شهاب
الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الخطيب ( القُسْطُلاَنِيِّ) - بضم القاف ، وسكون
السين . وضم الطاء المهملتين ، وتشديد اللام - كذا أخذناه عن المشايخ شرقاً
وغرباً ، ووجدناه بخط مَن يقتدى به. انتهى من (( هدي الأبرار شرح منظومة طلعة
الأنوار))؛ نقله شيخنا الشيخ حسن المشاط في تعليقه على ((رفع الأستار)).
( وَ) من كتاب ( ((الجَامِعِ الصَّغِيْرِ) من أحاديث البشيرِ النَّذِيرِ)).
( وَ) من كتابِ (((الذُّرَرِ المُنْتَثِرَةِ فِي الأحَادِيْثِ المُشْتَهِرَةِ)) ) على ألسنة العامة
ومن ضاهاهم من الفقهاء الذين لا علم لهم بالأحاديث كما ذكر ذلك في مقدمتها .
( كِلاَهُمَا)؛ أي: ((الجامع)) و((الدرر)) ( لِلْحَافِظِ ) وَلِيِّ الله تعالى جلال الدين
عبد الرحمن بن أبي بكر ( السُّيُوْطِيِّ ) رحمه الله تعالى رحمة الأبرار .
( وَ) من كتاب ( ((كُنُوْزِ الْحَقَائِقِ ) في حديث خير الخلائق))، ( وَ) من كتاب
( ((طَبَقَاتِ الأَوْلِيَاءِ))) وهي الطبقات الكبرى المسمّاة ((الكواكب الدرية في تراجم
السادة الصوفية)) ( كِلاَهُمَا)؛ أي: ((كنوز الحقائق)) و((الطبقات)) ( لِلْعَلَّمَةِ )
الحبر الفهامة صاحب القلم السَّيَّال : عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين
العابدين الملقَّب ((زين الدين)) الحدادي ( المُنَاوِيِّ ) - بضم الميم -: صاحب
التصانيف السائرة رحمه الله تعالى ورضي عنه ، وقد تقدَّمت ترجمتهم جميعاً في أول
٢٤٧

وَمِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً ،
الكتاب رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار ، وأسكنهم أعلى فراديس القرار ، ونفعنا
بعلومهم ، وأعاد علينا من فهومهم بمنه وكرمه . آمين .
( وَمِنَ المَعْلُوْمِ ) المقرّرِ ( عِنْدَ النَّاسِ): اسمٌ وضع للجمع كالقوم والرَّهط ،
وواحده إِنسان من غير لفظه ، مشتق من : ناس ينوس ؛ إذا تدلى وتحرك ، فيطلق
٥)﴾ [الناس]،
على الجنّ والإنْسِ. قال تعالى ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنَّاسِ
﴾ [الناس]، وسمّى
٦
ثُمَّ فسّر الناس بالجنّ والنّاس، فقال ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
الجنّ ناساً كما سُموا رجالاً، قال تعالى ﴿وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ آلْجِنّ﴾
[٦/ الجنا وكانت العرب تقول: رأيت ناساً من الجنّ، ويصغر الناس على
((نويس))، لكن غلب استعماله في الإنس؛ قاله في ((المصباح)).
( كَافَّةً )؛ أي: جميعاً، قال سيبويه: إنّ ((كافَّةً)) يلزم التنكير والنصب على
الحالية ؛ كعامّة ، وقاطبة ، وطرّاً ، ونحوه ، وزاد غيره : أنّها لا تثنى ولا تجمع
ولا تطلق على غير العقلاء ، ولم يَرد ذلك في كلام الله تعالى ، ولا في كلام
العرب !.
ووهّموا من استعملها على خلاف ذلك : كابن نباته في (( خطبه )) وصاحب
((الكشاف)) في ((كشافه))، وفي قوله في خطبة ((المفصل)): (( محيط بكافّة
الأبواب )) لإخراجه لها عن النصب والتنكير ، واستعمالها فيما لا يعقل .
وأما قول الجوهري (( (( الكافة)) الجميع من الناس)) !! فلا وهم فيه ؛ لأن
النكرة إذا أريد لفظها يجوز أن تعرَّف فلا وَهَم فيه، كما توهَّم صاحب (( درة
الغواص)) للحريري؛ ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في ((شرح الشفا)) على قول
المتن: ((ما روته الكافّة عن الكافة)). وتعقّبه بقوله: هذا وإن اتفقوا عليه لا وجه
له رواية ودراية .
أما الأوّل : فلأن العرب إذا استعملت لفظاً في معنى وضعته له على وجه
مخصوص من الإعراب ؛ لم يلزم غيرهم اتّباعهم فيه ، ولو قلنا بذلك لأدّى إلى
٢٤٨

مُوَافِقِينَ وَمُخَالِفِينَ، مُسْلِمِينَ وَغَيرَ مُسْلِمِينَ .. أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْصَحُ النَّاسِ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي
ذَلِكَ أَحَدٌ .
التضييق على الناس في استعمال الألفاظ العربية . وعَدُّ هذا ونحوه لحناً - كما قاله
الحريري - لا وجه له .
وأما الثاني : فلأنّه روي عن عمر رضي الله تعالى عنه استعماله في كتابه لبني
كاكله المرويِّ عنه رواية ثابتة ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه في ذلك أيضاً حيث
کتبه بعینه بین جمع من الصّحابة وناهیك بهم فصاحةً !!
فإن أردت تفصيله فانظره في شرحنا لـ (( درة الغواص في أوهام الخواص)).
انتهی کلام الخفاجي رحمه الله تعالى .
والمراد بقوله (( كافّة)): عموم الناس كما بيَّنه بقوله: ( مُوَافِقِيْنَ ) لنا في الدّين
والعقيدة ، ( وَمُخَالِفِيْنَ) فيهما ( مُسْلِمِيْنَ؛ وَغَيْرَ مُسْلِمِيْنَ) ، فجميع الطوائف
وجميع الفرق على اختلاف أديانهم وعقائدهم ومذاهبهم ومشاربهم كلّهم معترفون
( أَنّ رَسُوْلَ اللهِ ◌َِّ أَفْصَحُ النَّاسِ عَلَى الإِطْلاَقِ ) أي : أقدرهم على الإتيان بالكلام
الفصيح ؛ أي : البليغ ، فالفصاحة قد تطلق ويراد بها البلاغة ، وهو أحسنهم بياناً ،
وأعذبهم كلاماً، وأسرعهم أداءً ، وأحلاهم منطقاً ، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع
القلوب ، ويسلب الأرواح ، لا يوازى فصاحة ، ولا يبارى بلاغة .
( وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ ) مِن سائر الطوائف ، فكيف وهو الذي شدّت به
الفصاحة نطاقها، ومدّت إليه البلاغة رواقها، وقد كان يقول: ((أنَا أَفْصَحُ
العَرَبِ)) !! ذكره في ((المواهب))؛ أي: والعرب أفصح الناس ، فهو أفصح
الفصحاء ، وقد قال له عمر بن الخطاب : يا رسول الله ؛ مالكَ أفصحُنا ولم تخرج
من بين أظهرنا؟ !. فقال: ((كَانَتْ لُغَةُ إِسْمَاعِيْلَ قَدْ دَرَسَتْ، فَجَاءَِي بِهَا جِبْرِيْلُ
فَحَفِظْتُهَا )). رواه أبو نعيم في (( تاريخ أصبهان)) بإسناد ضعيف ، وفي رواية ابن
عساكر: ((فَحَفَّظَنِيهَا)) ؛ أي: جبريل ، فلذا كنت أفصح العرب . ينطق بأفصح
٢٤٩

وَهَاكَهَا مُرَتَّبَةً عَلَى الْحُرُوفِ :
اللّغات وأتمِّ البلاغات ، وأفحم بلغاء العرب قاطبة ، فلم يدع منهم أحداً إِلاَّ أعجزه
وأدلّه، وحيّره في أمره وأعلّه؛ قاله الزرقاني على ((المواهب)) قال:
وأما ما يُروى: (( أنا أفصحُ مَنْ نَطَقَ بالضَّادِ)) !! فقال ابن كثير : لا أصل له .
انتهى ، لكن معناه صحيح .
وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد ، ولا ينكرها موافق ولا معاند .
وقد جمع العلماء كابن السنّي ، والقضاعيّ ، وابن الصّلاح في آخرين من كلامه
الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه كتباً مستقلة ، وتبعهم المصنف فذكر منها
جملة وافرة في هذا الفصل ، ( وَهَاكَهَا) ؛ أي: خذها ، لأن ((ها )) اسم فعل أمر
بمعنى ((خذ)). وفيه: لغتان: القصر والمدّ، ويستعمل مجرَّداً، فيقال: للواحد
المذكر وغيره (( ها)) بالقصر، و(( هاء)) بالمد ، ويستعمل متلواً بكاف الخطاب
بحسب المخاطب، فيقال: ((هاكَ، وهاكِ، وهاكما، وهاكم، وهاكن))،
ويستعمل مقتصراً على تصرف الهمزة فيقال: ((هاء وهاؤما وهاؤم وهاءون)).
وهذه أفصح اللّغات فيها ، وبها ورد القرآن ؛ قاله السيوطي في (( شرح جمع
الجوامع )» النحوي .
( مُرتَبَةٌ عَلَى الحُرُوْفِ ) فَما كانَ أوله همزة ففي حرف الهمزة ، وما كان أوله باء
موحدة ففي حرف الباء ، وهكذا قال المصنف :
٢٥٠

( حَرْفُ الْهَمْزَةِ )
قَالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
١ - «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ)) .
( حَرْفُ الهَمْزَةِ ) ؛
أي: هذا باب الأحاديث المبدوءة بحرف الهمزة ، وصَدَّرها بحديث «أُوتِيْتُ
جَوَامِعَ الْكَلِمٍ )) !! لما فيه من المناسبة للفصل الذي عقده، إذ تضمّن ذلك الحديث
براعة الاستهلال ، وحسن المطلع ، وهي أنْ يأتي المتكلم في طالعة كلامه بما يشعر
بمقصوده .
ومراد المصنف التنويه بفصاحته 18 بذكر شيءٍ من جوامع كلمه الدّالة على
أنّه وَالله أحرز قصب السبق في مضمار الفصاحة والبلاغة مع ملاحظة ما اشتملت عليه
تلكَ الأحاديث من الأحكام ومكارم الأخلاق المطلوب من الشخص التخلُّق بها
والعمل بما فيها، كيما يَتِمَّ له الاقتداء بالنبيّ بَّه في أفعاله وأقواله وأخلاقه الذي هو
موضوع الكتاب ، فرحم الله المصنف رحمة واسعة ، وجمعنا به في مستقرٍّ رحمته
بمنه وكرمه . آمين .
( قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ١ - ((أُوْتِيْتُ جَوَامِعَ الكَلِم) واخْتُصِرَ لِيَ الْكَلامُ
اخْتِصَاراً)) رواه العسكري في ((الأمثال)) عن جعفر بن محمد ، عن أبيه مرسلاً بهذا
اللفظ ، لكن في سنده من لا يُعرف .
ورواه الديلمي بلا سند عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه بلفظ :
(( أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ واخْتُصِرَ لِيَ الكَلامُ أَخْتِصَاراً .
ورواه الشيخان لكن بلفظ: (( بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ » .
وفي خبر آخر رواه أحمد: ((أُوتِيْتُ فواتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوامِعَهُ » .
وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أَنَّهُ مرَّ برجل يقرأ كتاباً من التوراة فذكر
٢٥١

٢ - ((إِتَّقِ اللهَ فِيمَا تَعْلَمُ )) .
للنبيّ وَّه، فقال: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ فَاتِحاً وَخَاتِماً، وَأُعْطِيْتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وفَواتِحَهُ
واخْتُصِرَ لِي الحَدِيْثُ أُخْتِصَاراً ».
ولأبي يعلى عن خالد بن عرفطة قال : كنت عند عمر فجاء رجل فذكره ..
وفيه : فقال النبي ◌َّهُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أُوتِيتُ جوامِعَ الكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ واخْتُصِرَ لي
الكَلامُ اخْتِصَاراً » .
وفي رواية ابن سيرين عن أبي هريرة: «أُعطيتُ فَوَاتِحَ الكَلِمِ )) . وفي أخرى :
((أُعطِيتُ مَفَاتِيحَ الكَلِمِ )) . وفي أخرى: أُعطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ » .
وفي حديث أبي موسى: ((أُعْطِيتُ فَواتحَ الكَلِمِ وخَواتِمَه))، قلنا :
يا رسول الله ؛ عَلِّمنا مما علمك اللهُ! فعلمنا التشهد .
ورواه أيضاً في (( المختارة)) عن عمر بن الخطاب بلفظ آخر ، مع بيان سبب
وروده. ومعناه: أنَّهُ بِ لهِ أوتي مَلَكةً يقتدرُ بها على إيجاز اللفظ مع سعة المعنى ،"
بنظم لطيف ، لا تعقيد فيه ؛ يعثر الفكر في طلبه ، ولا التواء يَحارُ الذّهن في فهمه ،
فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذهن إلا ومعناها أسبقُ إليه . وقيل : أراد القرآن ،
وقيل : أراد أنّ الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الأمور المتقدمة جمعت له في
الأمر الواحد والأمرين ، والله أعلم .
٢ - (((إِنَّقِ) - بكسر الهمزة وشد المِّثناة فوق ــ ( اللهَ) أمر من التقوى: فَعْلَى
من الوقاية : ما يُتقى به مما يُخاف ، فتقوى العبد للهِ : أن يجعل بينه وبين ما يخشاه
من غضبه وقاية تقيه منه ، وهي هنا الحذَرُ ( فِيْمَا تَعْلَمُ)) ) ؛ أي : احذره وخَفْه في
العمل ، أو في تركب العمل بالذي تعلمه - وحذف المفعول للتعميم - وذلك بأن
تتجنب المنهي وتفعل المأمور .
وخاطب العالم ! لأن الجاهل لا يعرف كيف يتقي من جانب الأمر ، ولا من
جانب النهي . والمراد أصالةً العلمُ العيني الذي لا رخصة للمكلّف في تركه وما عداه
٢٥٢

٣ - (( إَِّقِ اللهَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ)).
من كمال التقوى . قال ابن القيم : وللمعاصي من الآثار القبيحة ما لا يعلمه إلاّ
الله ، فمنها : حرمان العلم ، فإن العلم نور يُقذف في القلب ، والمعصية تطفئه ؛
فَأَرْشَدَنِيْ إلى تَرْكِ الْمَعَاصِي
شَكَوتُ إِلى وَكِيْعِ سُؤْءَ حِفْظِي
وَنُورُ اللهِ لاَ يُهْدَى لِعَاصِي
وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ العِلْمَ نُورٌ
وكتب رجل إلى أخيه : إنَّكَ أوتيتَ علماً فلا تطفئنَّ نوره بظلمة الذُّنوب ؛ فتبقى
في الظُّلْمةِ يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم .
أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام: (( يا داود أدنى ما أصنع بالعالم
إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي )) .
وقال بشر : التَّلَذُّذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظمُ من كل تنعم في الدنيا ؛
فمن أجاب شهوته فيه فما اتقى فيما علم. انتهى ذكره المناوي على ((الجامع)).
وهذا الحديث رواه البخاري في ((التاريخ))، والترمذي : كلاهما عن زيد بن
مسلمة الجعفي قال : قلت : يا رسول الله ؛ سمعت منكَ حديثاً كثيراً فإني أخاف أنْ
ينسيني آخره أوّله فمُدَّني بكلمة جامعة ؛ فقال: ((اتق اللهَ فِيما تَعْلَمُ)) . قال الترمذي
في ((العلل)) : سألت عنه محمداً - يعني البخاري - فقال: سعيد بن أشوع لم يسمع
من زيد ، فهو عندي مرسل. وقال السيوطي في (( الجامع الكبير )): منقطع . انتهى
ذكره المناوي في (( شرح الجامع )) وقال : رواه أيضاً الطبراني من حديث سعيد بن
أشوع عن زيد بن مسلمة الجعفي . انتهى
٣ - ( (( إِنَّقِ اللهَ): خَفْهُ واحذره ( فِي عُسْرِكَ) - بضم فسكون -: الضيق،
والصعوبة ، والشدّة. (وَيُشْرِكَ)) ): الغنى والسهولة ؛ أي: خَفِ الله واحذره في
ضيقك وشدّتك ، وضدّهما بأن تجتنب ما نهى عنه وتفعل ما أمر به في جميع
أحوالك يعني : إذا كنت في ضيق وشدَّة وفقرٍ ؛ فخَفِ الله أن تفعل ما نهى عنه ، أو
تهمل ما أمر به ، وإن كنت في سرور وغنىّ ؛ فاحذره أن تطغى وتقتحم
٢٥٣

ما لا يرضاه ، فإنّ نعمته إذا زالت عن إنسان قلّما تعود إليه ، وقدَّم العسر على
﴾ [الانشراح] ،
اليسر !! لأن اليسر يعقبه، كما دلّ عليه قوله تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُثْرًا
أو اهتماماً بشأن التقوى فيه .
قال بعض العارفين : من علامات التحقق بالتقوى : أن يأتي المتقي رزقه من
حيث لا يحتسب ، وإذا أتاه من حيث يحتسب ما تحقق بالتقوى ، ولا اعتمد على
الله ؛ فإن معنى التقوى أن تتخذ الله وقايةً من تأثير الأسباب في قلبك باعتمادك
عليها ، والإنسان أبصر بنفسه ، وهو يعلم من نفسه بمن هو أوثق ، وبما تسكن إليه
نفسه ، ولا تقل : إنّ الله أمرني بالسعي على العِيال ، وأوجب مؤنتهم ، فلا بدّ من
الكدِّ في السبب الذي جرت العادة أن يرزقه فيه ، فإنا ما قلنا لك لا تعمل فيها ؛ بل
نهيناك عن الاعتماد عليها والسكون عندها ، فإن وجدت القلب يسكن إليها ؛ فاتَّهم
إيمانك ، وإن وجدت قلبك ساكناً مع الله تعالى ، واستوى عندك وجود السبب
المعين وفقده ؛ فأنت الذي لم تشرك بالله شيئاً ، فإن أتى رزقك من حيث
لا تحتسب ! فذلك بشرى أنك من المتقين .
تنبيه : قال ابن عربي: طريق الوصول إلى علم القوم التقوى ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى
ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَهِم﴾ [٩٦/ الأعراف]؛ أي: أطلعناهم على العلوم المتعلّقة
بالعلويات والسفليّات ، وأسرار الجبروت وأنوار الملك والملكوت . وقال الله
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ﴾ [٢ - ٣/ الطلاق].
تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَا ()
[٢٨٢/ البقرة]
والرزق: روحانيّ وجسمانيّ، وقال ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُِعُمُ اللهُ﴾
أي : يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية انتهى ؛ ذكره
المناوي على (( الجامع )).
وهذا الحديث قال في (( الجامع الصغير )) أخرجه أبو قُرَّةَ الزبيدي - نسبة إلى
زَبيد المدينة المشهورة باليمن - في (( سننه)) واسم أبي قرة : موسى بن طارق ، عن
طُلَيْب - بالتصغير - ابن عرفة . قال المناوي : له وِفَادة ، ولم يروِ عنه إلا ابنه كُلیب
وهما مجهولان ، ذكره الذهبي كابن الأثير . انتهى .
٢٥٤

٤ - (( إِتَّقُوا مَوَاضِعَ الثُّهَمِ )).
٥- ((أَتَشُّكُمْ عَقْلاً .. أَشَدُّكُمْ للّهِ خَوْفاً » .
٤ - ( ((إِنَّقُوْا مَوَاضِعَ التُّهَم))) ذكره في (( كنوز الحقائق)). ورمز له برمز
البخاري في ((التاريخ)). وقد أرشدنا النبي ◌َّ كيف نتقي مَواضِع الثُّهم؛ حيث قال
لمن أبصره مع زوجته صفيّة: ((إنّها أُمُّكُمَا صَفِيَّةُ)) فاستعظما ذلك! فقال: ((إنّ
الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ أَبْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِّي خَشِيْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئاً ».
فأشفق عليهما فحرسهما ، وأشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التُّهمَة حتى
لا يتساهل العالم الورع في أحواله ؛ ظناً منه أنه لا يُظَنُّ به إلا الخير ؛ إِعجاباً منه
بنفسه ، وهي زَلةٌ عظيمة ، إذ أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا بدّ له من منقِّص
ومبغِض ! فتعيَّن الاحترازُ عن تهمة الأعداء والأشرار ، فإنّهم لا يظنّون بالناس كلّهم
إلا الشرَّ .
٥ - ( ((أَتَقُّكُمْ عَقْلاً أَشَدُكُمْ لِلّهِ خَوْفاً))) ذكره في (( كنوز الحقائق)»، ورمز له
برمز الغزالي ، وعزاه في (( شرح الإحياء )) إلى داود بن المحَبَّر في (( كتاب العقل))
قال : حدثنا ميسرة ، عن محمد بن زيد ، عن أبي سلمة ، عن أبي قتادة رضي الله
تعالى عنه قال: قلتُ : يا رسول الله ؛ أرأيت قول الله عزّ وجلّ ﴿ أَيُّكُمْ لَحْسَنُ عَمَلًا﴾
[٢/ الملك] فقال ◌َلهُ: ((أَتَقُّكُمْ عَقْلاً أَشَدُكُمْ للّهِ خَوْفاً ، وَأَحْسَنُكُمْ فِيْمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَنَهَى
عَنْهُ ، وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّكُمْ تَطَؤُّعاً ».
وأخرج داود بن المحَبَّر في (( كتاب العقل )) أيضاً عن البراء بن عازب رضي الله
عنه قال: سمعت النبيِ وَل﴿ يقول: ((جَدَّ المَلائِكَةُ وَأَجْتَهَدُوا فِي طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ
بِأَلْعَقْلِ، وَجَدَّ المُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، فَأَعْمَلُهُمُ بِطَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
أَوْفَرُهُم عَقْلاً » .
وأخرج داود في كتابه المذكور عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قلت :
يا رسول الله؛ بمَ يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: ((بِالعَقْلِ ». قلت : وفي
الآخرة؟ قال: ((بِالعَقْلِ)). قلت: أليس إنما يُجْزَون بقَدْر أعمالهم؟ فقال ◌َله:
٢٥٥

٦ - ((إِجْتَنِبُوا الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ)).
٧- ((الأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ » .
((يا عَائِشَةُ؛ وَهَلْ عَمِلُوا إِلاَّ بِقَدْرِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ عَزّ وَجَلّ منَ العَقْلِ !. فَقَدْرِ
مَا أُعْطُوا مِن العَقْلِ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ، وَبِقَدْرِ مَا عَمِلُوا يُجْزَوْنَ )) . قال العراقي: رواه
الحكيم الترمذي في ((نوادره)). ذكر ذلك كله في ((الإحياء)) و ((شرحه)).
٦ - ( ((إِجْتَنِبُوْا الخَمْرَ) ؛ مصدر خَمَره ؛ إذا ستره ، سمّي به عصير العنب إذا
اشْتَدَّ !! لأنه يخمر العقل، ولها نحو أربعمائة اسم، وتذكَّر وتؤنث ، والتأنيث
أفصح ، وهو حرام مطلقاً ، وكذا كلّ ما أسكر عند الأكثر ؛ وإن لم يسكر لقلَّته ، بل
الشافعي وأحمد ومالك على وصفها بذلك ، فعندهم الخمر كلُّ مسكر ، وخالف
أبو حنيفة . فالمعنى ؛ على رأي الجماعة : اجتنبوا كلّ مسكر ؛ أي : - ما من شأنه
الإسكار - ، فشمل العصير ، والاعتصار ، والبيع ، والشراء ، والحمل ، والمسّ ،
والنظر، وغيرها . ذكره المناوي على ((الجامع)).
أي : اجتنبوا تعاطيها ؛ (فَإِنَّهَا مِفْتَحُ كُلِّ شَرِّ)) ) كان مغلقاً من زوال العقل ،
والوقوع في المنهيات ، وحصول الأسقام والآلام .
والحديث المذكور ذكره في (( الجامع الصغير))، ورمز له برمز الحاكم في
((الأطعمة))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
قال في العزيزي : وهو حديث صحيح .
٧ - ( ((الأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ))) متفق عليه ؛ من حديث عائشة رضي الله
تعالى عنها . قال النجم الغزي : وربما قيل : على قدر المشقة)).
وقال النبيُّ وَّهِ لعائشة بعد اعتمارها: ((أجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ» وفي
لفظ: ((أو تَعَبِكِ)) وفي آخر: ((إنّ لكِ مِنَ الأَجْرِ عَلَى قَدرِ نَصَبِكٍ ونَفَقَتِكِ)» بالواو .
وروى ابن الإمام أحمد في ((زوائده )) عن ابن المبارك عن سفيان من قوله : إنما
الأجر عَلَىُ قَدْر الصَّبْرِ .
٢٥٦

قال الإمام النووي : وظاهره أن الثّواب والفضل في العبادة بكثرة النصَب
والنفقة . قال الحافظ ابن حجر : وهو كما قال ، لكنّه ليس بمطَّرد ، فقد يكون
بعض العبادة أحقّ من بعض ، وهي أكثر فضلاً وثواباً بالنسبة للزمان ؛ كقيام ليلة
القدر بالنسبة لقيام رمضان ، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام
بالنسبة لصلاة ركعات في غيره ، وإلى شرف العبادة المالية ، والبدنية ؛ كصلاة
الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها وأطول من قراءتها ... ونحو ذلك من
صلاة النافلة ، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر من التطوع !! أشار إلى ذلك ابن
عبد السلام في ((القواعد))، وقال أيضاً: وقد كانت الصلاة قُرَّة عين النبيّ وَّرِ وهي
شاقَّة على غيره ، وليست صلاة غيره مع مشقَّتها مساويةً لصلاته مطلقاً . والله أعلم .
انتهى؛ ذكره العجلوني في ((الكشف)).
وقد جعل الفقهاء هذا الحديث أساساً لقاعدة قرَّروها في كتبهم وعبَّروا عنها
بقولهم : ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً ، واستثنوا منها مسائل مذكورة في
((الأشباه والنظائر))، وقد نظمها السيد العلامة الولي سراج الدين أبو بكر بن
أبي القاسم الأهدل المتوفى سنة : ـ ١٠٣٥ - خمس وثلاثين وألف هجرية رحمه الله
تعالى آمين ؛ فقال :
لِهَذِهِ فيما مضى فَقُلْتُ :
اعْلَم بأنِّي كنتُ قَدْ نَظَمْتُ
قاعدةٌ: مَا كَانَ أربىُ فِعْلا
وَأَصْلُها من الْحَدِيثِ المُنْتَخَبْ
وَأَخِرَجُوا عَنْ ذَاكَ بِضْعَ عَشْرٍ
وذَلِكَ القَصْرُ عَلَىُ الإِتْمَامِ
ثُمَّ الضُّحى ثَمَانِ رَكْعَاتٍ أَبَرْ
والْوِتْرُ مَهْمَا بِثَلاَثٍ يُفْعَلُ
لَكِنْ عَلَىُ قولٍ ضَعِيفٍ نُقُلا
فإنّهُ يكونُ أزْكىُ فَضْلا .
عَنِ النبيْ: ((الأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبْ))
فَهَاكَهَا مَنْظُومَةٌ كَدُرِّ
يَفْضُلُ في الثَّلاثَةِ الأَيَّامِ
وإنْ يَكُنْ أكْثَرُهَا ◌ِنْشَيْ عَشَرْ
فإنّها مِمَّا يَزِيدُ أَفْضَلُ
عَنِ ((الْبَسِيطِ)) وَالإِمَامِ ذِي العُلا
٢٥٧

مِنْ غَيْرِهَا وإنْ يَكُنَّ أَطْوَلا
كذَا صَلاَةُ الصُّبْحِ كَانَتْ أَفْضَلا
وَرَكْعَةُ الوِتْرِ لَّدَيْهِمْ أَفْضَلُ
تَهَجُدَ اللّيْلِ وإِنْ كَانَتْ أَقَلْ
كَذَا صلاةُ العِيْدِ مِنْ كُسُوفِ
وسُنَّةُ الفجر بلا تطويلٍ
وفي الصَّلاةِ سُورَةٌ كَمالا
وَقِيْلَ بَلْ مِنْ قَدْرِهَا وَذَاكَ مَا
وَالْجَمِعُ في مَضْمَضَةٍ وَمَا تَلا
كَذلِكَ الفَصْلُ بِغَرْفَتَيْنِ
وَالْحَجُّ والْوُقُوفُ مِمَنْ رَكِبَا
كَذَلِكَ المِيقَاتُ لِلإِهْلَاَلِ
وَمَرّةٌ جَمَاعَةً إِنْ صَلَّى
مُنْفَرِداً خَمْساً وَعِشْرِينَ جَعَلْ
الْبَعْضَ مِنْ أُضْحِيّةٍ تَبَؤُكَا
وَيَنْبُغِي عَدُّكَ كُلَّ مَا أَتَىْ
كَرَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ المَسَاجِدِ
واللَّفْظُ في اسْتِعَاذَةٍ بِمَا وَرَدْ
وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّأَقُلِ
مِنْ سُنَّةِ الفَجْرِ وأيضاً تَفْضُلُ
وَهْوَ مَعَ الكَثْرَةِ والطُّوْلِ حَصَلْ
أزْكَىْ وَلَوْ مَعْ طُولِهَا المَعْرُوفِ
أفضلُ منها مَعْهُ للدَّليلِ
أفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَلَو قَدْ طَالاً
لَمْ يَرِدِ البَعْضُ وَإلاّ قُدّمَا
أفْضَلُ مِنْ فَصْلٍ بِسِتٌّ حَصَلا
أَزْكَى مِنَ السِّتِ بِغَيْرٍ مَيْنِ
أفْضَلُ مِنْهُ مَاشِياً تَأَدُّبَا
أفْضَلُ مِنْ دُوَيْرَةِ الأَمَالِي
أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ وَأَعْلى
وَهَكَذَا تَصَدُّقٌ وَقَدْ أَكَلْ
فَهْوَ عَلَىُ بَذْلِ الْجَمِيعِ قَدْ زَكَا
فِيْهِ الدَّلِيْل لِلْقَلِيْلِ مُشْبِتَا
أفْضَلُ مِنْ إِثْيَانِهِ بِزَائِدٍ
فِي الذِّكْرِ مِنْ زِيَادَةٍ في المُعْتَمَدْ
والْحَمْدُ للهِ عَلَى التَّفَضُّلِ
قال سيِّدي أحمد زرّوق رحمه الله تعالى : قاعدة : الأجر على قدر الاتباع
لا عَلَى قدر المشقة ، لفضل الإيمان والمعرفة والذّكر والتلاوة على ما هو أشدّ منها
بكثير من الحركات الجسمانيّة . وقوله عليه الصلاة والسلام: ((أجْرُكِ عَلَى قَدْرِ
نَصَبِكِ)) !! إخبارٌ خاصّ في خاصّ لا يلزم عمومه، لا سيّما : وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أمْرَينٍ
إِلّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُما. مع قوله: ((إنّ أعْلَمَكمُ بِاللهِ وأتْقَاكُمْ لهِ أَنَا)). وكذا جاء :
((خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ)) ... إلى غير ذلك. والله أعلم . انتهى كلام سيدي زروق
٢٥٨

٨- ((أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ؛
المغربي في ((قواعده)).
وهو موافق لما انتقده الشیخ أحمد بن حجر في « تحفته )» حیث قال بعد استثناء
هذه الصّور المنظومة سابقاً : ولك أن تقول : لا يرد شيء من ذلك على القاعدة ،
لأن هذه كلّها لم تَحْصُل الأفضلية فيها من حيث عدم أَشَقِّيَّتها ؛ بل من حيثية أخرى
اقترنت بها ؛ كالاتّباع الذي يربو على ثواب الكثرة والمشقّة . فتأمله لتعلم ما في
كلام الزركشي وغيره ، فإنّ المجتهد قد يرى من المصالح المختصّة بالقليل ما يفضله
علی الکثیر . انتهى كلام ابن حجر رحمه الله تعالى .
لكن قال العلامة المحقّق الفقيه عبد الله بن سليمان الجرهزيّ اليمنيّ الزّبيديّ
المتوفّى سنة : - ١٢٠١ - إحدى ومائتين وألف هجرية رحمه الله تعالى آمين؛ معقّباً
على كلام ابن حجر ما نصّه :
قلت: فيه ما فيه !! إذ تفضيل القليل للاتباع منافٍ لقوله وَله: ((الأَجْرُ عَلَى
قَدْرِ النّصَبِ))، فإن لم يُحمل على الاستثناء لم يَزُل الإشكال . انتهى كلام الجرهزي
رحمه الله تعالى .
٨ - ( ( أَجْمِلُوا ) - بهمزة قطع مفتوحة ، فجيم ساكنة ، فميم مكسورة - أي :
ترفقوا ( فِي طَلَبِ الدُّنْيَا) بأن تطلبوا الرّزقَ طلباً جميلاً ؛ أي : تُحسِنوا السعي في
نصيبكم منها بلا كدٍّ وتعبٍ وتكالُبٍ ، فلم يُحَرِّم الطَّلَبَ بالكلّية ، بل أَمَر بالإجمال
فيه ، وهو ما كان جميلاً في الشرع ؛ محموداً في العرف ، فيطلب من جهة حلّه
ما أمكن .
ومن إجماله اعتماد الجهة التي هيََّها الله ويسّرها له ، ويسَّره لها ، فينتفع بها
ولا يتعدَّاها . ومنه أن لا يطلب بحرصٍ وقَلَقٍ وشَرَهٍ وَوَلَهِ ، حتى لا ينسىُ ذکر رَبِّهِ
ولا يتورّط في شبهة ؛ فيدخل فيمن أثنى عليهم بقوله تعالى ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا
بَعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [٣٧/ النور] ... الآية. قاله المناوي على ((الجامع)).
٢٥٩

فَإِنَّ كُلَّ مُيَسَرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا)).
ثم وجه الأمر بذلك بقوله : ( فَإِنَّ كُلّ)؛ أي : كلّ أَحد من الخلق ( مُيَسَّرٌ )
- بوزن معظّم - أي: مهيّأ مصروف مسهل ( لِمَا كُتِبَ): قُدّر (لَهُ مِنْهَا))) يعني :
الرزق المقدَّر له سيأتيه ولا بدّ ، فإنّ الله تعالى قسم الرزق وقدّره لكلِّ أحد بحسب
إرادته ؛ لا يتقدَّم ولا يتأخّر ، ولا يزيد ولا ينقص بحسب علمه الأزليِّ ، وإن كان
يَقَع ذلك بتبديل في اللَّوح أو الصحف بحسب تعليق بشرط .
وقال: ((أجملوا))، وما قال: ((اتركوا)) !! إشارة إلى أنّ الإنسان؛ وإن علم
أنّ رزقه المقدَّرَ له لا بدّ له منه لكنْ لا يترك السعيَ رأساً ، فإن مِن عوائد الله في خلقه
تعليقَ الأحكام بالأسباب ، وترتيبَ الحوادث على العلل ، وهذه سنته في خلقه
مطّردة ، وحكمته في ملكه مستمرة ، وهو وإن كان قادراً على إيجاد الأشياء اختراعاً
وابتداعاً؛ لا بتقديم سبب وسبق علة ؛ بأن يُشْبِعَ الإنسانَ بلا أكل ، ويُرْويَه بغير
شرب ، وينشِىء الخلق بدون جماع .. لكنّه أجرى حكمته بأنّ الشبع والرِّي والولد
يحصل عقب الطّعم والشرب والجماع. فلذا قال: ((أجملوا))؛ إيذاناً بأنّه وإن كان
هو الرزّاقَ ، لكنه قدر حصوله بنحو سعي رفيق ، وحالة كسب من الطلب جميلة ،
فجمع هذا الخبر بالنظر إلى السبب ، والمسبب ، والمسبَّبِ له ؛ وذلك هو : الله ،
والرزق ، والعبد ، والسعي .
وجمع بين المسبب والسبب !! لئلا يتكل من تلبّس بأهل التّوكل وليس منهم ،
فيهلِك بتأخّر الرزق ؛ فربّما أوقعه في الكفر !! ولئلا ينسب الرزق لسعيه ؛ فيقع في
الشرك . وقد عرف بذلك أن من اجتهد في طَلَب الدّنيا وتهافت عليها شغل نفسه بما
لا يُجدي ، وأتعبها فيما لا يغني ، ولا يأتيه إلّ المقدور ؛ فهو فقير وإن ملك الدنيا
بأسرها ، فالواجب على المتأدِّب بآداب الله تعالى أن يَكِل أمره إلى الله تعالى ،
ويسلّم له ، ولا يتعدَّى طوره ، ولا يتجرَّأ على ربِّه ويترك التكلُّف ؛ فإنه ربّما كان
٢٦٠