النص المفهرس
صفحات 221-240
◌ُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وليس الحكمُ كذلك عند الجمهور ، بل يشرع قولُ ذلك في كلِّ سفر إذا كان سفرَ طاعة ؛ وإن كان المسافر فيه لا ثوابَ له ، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب من غيره ، وهذا التعليل متعقّبٌ ، لأن الذي يخصُّه بسفر الطاعة لا يمنع مَن سافر في مباح أو معصية من الإكثار من ذكر الله تعالى ، وإنَّما النزاع في خصوص استحباب هذا الذكر بسفر الطاعة ، فذهب قوم إلى الاختصاص لكونه عبادة مخصوصة شُرع له ذكرٌ مخصوص ، فيختصُّ به كالذكر المأثور عقب الأذان والصلاة ، وإنما اقتصر الصحابيُّ على الثلاث !! لانحصار سفره وَّ ه فيها . انتهى . ( يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) - بفتحتين: مكان عال ـ ( مِنَ الأَرْضِ ثَلاَثَ تَكْبِيْرَاتٍ). هذا غاية ما كان يقول نَله، فالتقييد بالثلاث لبيان الواقع؛ لا للاختصاص ، فإنَّ الزيادة على الثلاث زيادةُ خير . قال الطيبيُّ : وجه التكبير على الأماكن العالية هو ندب الذكر عند تجدُّد الأحوال والتقلُّبات، وكان المصطفى ◌َله يراعي ذلك في الزمان والمكان . انتهى . وقال الحافظ العراقي : مناسبة التكبير على المرتفع : أنَّ الاستعلاء محبوبٌ للنفس ، وفيه ظهورٌ وغلبة ، فينبغي للمتليّس به أن يذكر عنده أنَّ اللهَ أکبر من كلِّ شيء ، ويشكر له ذلك ويستمطر منه المزيد . (ثُمَّ يَقُولُ: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ) بالرفع على البدلية ؛ من الضمير المستتر في الخبر المقدَّر ، أو من اسم (( لا))؛ باعتبار محلّه قبلَ دخولها . ( وَحْدَهُ) ؛ نصب على الحال ، أي : لا إله منفرد إِلاَّ هو وحده . ( لاَ شَرِيْكَ لَهُ) عقلاً ونقلاً . أمَّا الأول !! فلأن وجودَ إلهين محالٌ كما تقرَّر في الأصول . وأمَّا الثاني !! فلقوله تعالى ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [١٦٣ / البقرة]، وذلك يقتضي أن ٢٢١ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، آئِبُونَ ، لا شريك له، وهو تأكيد لقوله ((وَحْدَهُ)) لأن المتَّصفَ بالوحدانية لا شريك له . ( لَهُ المُلْكُ ) - بضم الميم - : السلطان والقدرة وأصناف المخلوقات ( وَلَهُ الْحَمْدُ). زاد الطبراني في رواية: (( يُحْيِي وَيُمِيْتُ وَهُوَ حَيٍّ لاَ يَمُوتُ بِيِّدِهِ الخَيْرُ ، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ ) هذه الجملة الأخيرة عدَّها بعضهم من العمومات في القرآن التي لم يدخلها تخصیص ؛ وهي ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوَّتِ﴾ [١٨٥/ آل عمران]، ﴿﴾ وَمَا مِن دَابَةٍ فِ الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ جَ﴾ [الحجرات] ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ رِزْقُهَا﴾ [٦/ هود] ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٢٨) [البقرة] ونوزع في الأخيرة بتخصيصها بالممكن . قال القرطبي : وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجاد كلِّ موجود ، وأَنَّ المعبود في كلِّ مكان . ( آئِيُوْنَ ) بهمزة ممدودة فهمزة مكسورة . فموحّدة ؛ واحدهُ : آئِب ؛ وهو : الراجع. قال في (( مفتاح الحصن)): بكسر الهمزة بعد الألف ، وكثيرٌ من الناس يلفظ بياء بعد الألف ، وهو لحن . ومعناه : راجعون . قال في ((الحرز)) : وكون الياء لحناً إنما هو في الوصل ، أما في الوقف عليه !! فهو صحيح بلا خلاف . انتهى . ثم هو خبرُ مبتدأٍ محذوف ، أي : نحن راجعون ، وليس المرادُ الإخبار بمحض الرجوع ، فإنَّه تحصيلُ الحاصل ، بل الرجوعُ في حالة مخصوصة ، وهي تلتُسهم بالعبادة المخصوصة ، والاتصاف بالأوصاف المذكورة ؛ أشار إليه العلقمي . وفي ((الحرز)): الأولى أن يفسّر (( آئبون)) براجعون عن الغفلة. فإنَّ الأوَّاب ونعت الأولياء ، ومنه ﴿فَإِنَّمُ كَانَ ١٧ وصفُ الأنبياء ، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّهُ( أَوَابُ: ٢٥﴾ [الإسراء] ويقال للصلاة بين العشاءين («صلاة الأوَّابين)). انتهى. لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا ٢٢٢ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ )). ( تَائِيُوْنَ) قال الغزالي في (( المنهاج))؛ نقلا عن شيخه : التوبةُ ترك اختيار ذنب سبق عنك مثلُه ؛ تعظيماً لله تعالى . قال الأُبِّي : وأصلُها الرجوع عما هو مذمومٌ شرعاً إلى ما هو محمود شرعاً . وفي قوله ((تَائِبُونَ)) إشارةٌ إلى التقصير في العبادة، أو قاله بَّـ على سبيل التواضع ، أو تعليماً لأُمَّته !! أو المراد أُمَّته . وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة ، فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب ؛ قاله العلقمي . ( عَابِدُوْنَ، سَاجِدُوْنَ، لَرَبِّنَا)؛ متعلُّق بـ ((ساجدون))، أو بسائر الصفات على سبيل التنازع ، وهو مقدَّر بعد قوله ( حَامِدُوْنَ ) أيضاً . وقال الحِفْني: يقدَّر مع كلٍّ من هذه الأوصافِ ((لِرَبِّنا)) فيكون حُذِفَ من الأَوَّل لدلالةِ الثاني. انتهى. ومعنى ((حامدون)): أي مُثْنُون عليه بصفات الكمال ، وشاكرون حوارف الإفضال . ( صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعد به من إظهار دينه وكون العاقبة للمتقين ؛ وذلك في نحو قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ [٥٥/ النور]. قال العلقمي : وهذا في سفر الغزو ، ومناسبتهُ لسفر الحجِّ والعمرة قولُه تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [٢٧/ الفتح]. ( وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمداً رسول الله وَّهِ يومَ الخندق ، فهو يعني به نفسه، إذ المطلق ينصرف للفرد الكامل . (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) أي: الطوائف المتفرَّقة الذين تجمَّعوا عليه للقتال يوم الخندق. ويحتمل عموم الكفار في ذلك اليوم وغيره (وَحْدَهُ)) ) بغير فعل أحد من ٢٢٣ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ .. قَالَ: (( اللَّهُمَّ ؛ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ)) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ .. قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ ؛ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ( حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ ... حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ) .. الآدميين ، ولا سبب من جهتهم، فقولُه ((وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) نفيٌ لما سبق ذكرُه . وهذا معنى الحقيقة ، فإنَّ فعل العبد خَلْقٌ لربِّه ، والكلُّ منه وإليه ، ولو شاء الله أن يُبید أهل الكفر بلا قتال لفعل ، وفيه دلالة على التفويض إلى الله تعالى واعتقاد أنَّه مالك الملك، وأنَّ له الحمدَ مِلكاً واستحقاقاً ، وأنَّ قدرته تتعلَّق بكلِّ شيء من الممكنات . ( وَ) أخرج البيهقي؛ في ((شعب الإيمان))، وابن عساكر في ((تاريخه))، وأبو نعيم في ((الحلية))، وكذا البزَّار - بإسناد ضعيف ؛ كما تقدَّم - كلُّهم رووه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ ) أي : الشهر المسمَّى بذلك الذي هو فردٌ من أفراد الأشهر الحرم ؛ ( قَالَ ) أي: النبي ◌َّ: ( ((اللَّهُمَّ )؛ أي: يا الله ( بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ ) - بالتنوين - ( وَشَعْبَانَ ) أي : وفِّقنا للأعمال الصالحة فيهما - ( وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ))). لم يقل (( ورمضان)) ؛ بل زاد (((وبلِّغْنا )) !! لبُعْده عن أول رجب ؛ كذا قاله الحفْني. قال ابن رجب : وفيه دليلٌ على ندب الدعاء بالبقاء إلى الأزمنة الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها ، فإنَّ المؤمن لا يزيده عمره إلاَّ خيراً . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والبزَّار ، والطبراني - بسند ؛ قال الهيثمي: فيه عاصم بن عبيد الله ، وهو ضعيف ، لكن روى عنه مالِكٌ - كلُّهم رووه عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) النبي (فَِّ إِذَا سَمِعَ المُؤَذِّنَ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ ) ذلك المؤذِّنُ ، ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ ) أي : ذلك المؤذِّن (حَيَّ عَلَىُ الصَّلاَةِ ، حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ ) أي : هَلُّوا ٢٢٤ قَالَ: ((لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ .. قَالَ : ((وَأَنَا .. وَأَنَا)). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ قَالَ : ( حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ) .. إليها، وأقبلوا وتعالوا مسرعين، ( قَالَ: ((لاَ حَوْلَ) ؛ أي : لا تحوُّل لنا عن معصية الله . ( وَلاَ قُوَّةَ) لنا على طاعة الله تعالى ( إِلاَّ بِاللهِ )) ) تعالى . قال ابن الأثير : المرادُ بهذا ونحوه : إظهارُ الفقر إلى الله تعالى بطلب المعونة منه على ما يحاول من الأمور كالصلاة هنا ، وهو حقيقة العبودية . انتهى . ( وَ) أخرج أبو داود ، والحاكم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ) النبي (بِّهِ إِذَا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ ) ؛ أي : ينطق بالشهادتين في أذانه ؛ ( قَالَ: ((وَأَنَا .. وَأَنَا))) أي: يقول عند أشهد أن لا إله إلاَّ الله: ((وَأَنَا))، ويقول عند أشهد أنَّ محمدًا رسول الله: ((وَأَنَا )). فقوله ((وَأَنَا)) مبتدأُ خبرهُ محذوف؛ أي: وأنا أشهد كما تشهد، فتكرير (( أنا)) راجعٌ إلى الشهادتين . وفيه أنَّه كان مكلَّفاً أن يشهد على رسالته كسائر الأمة . وفيه أنَّه لو اقتصر على قوله ((وَأَنَا)) حصل له فضل متابعة الأذان كلِّه؛ ذكره المناوي على ((الجامع))، وقال: رواه ابن حبَّان وبوَّب عليه ((باب إباحة الاقتصار عند سماع الأذان على وأنا ... وأنا )). انتهى. لكن قال الحفني في (( حواشي الجامع الصغير)): لا تحصلُ سنَّة الإجابة على لفظ ((وأنا))، بل لابُدَّ من أن يقول ((وأنا أشهد ... الخ))، أو يقتصر على ((أشهد ... الخ)) بدون لفظ ((أنا)). انتهى. ( وَ) أخرج ابن السُّنِّي في ((عمل اليوم والليلة)) بسند ضعيف ؛ عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما قال : ( كَانَ) النبي (وَهَ إِذَا سَمِعَ المُؤَذِّنَ؛ قَالَ ) في أذانه (حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ ) ؛ ٢٢٥ قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ أَجْعَلْنَا مُفْلِحِينَ)). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَظَرَ أي: هذه الجملة؛ (قَالَ)؛ أي: النبيِ وَ لّ مجيباً له: ((اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْنَا مُفْلِحِيْنَ )) أي : فائزين بكلِّ خير ، ناجين من كل ضير . فيسنُّ لمن سمع المؤذن أن يقول مثل قوله ، فيأتي بكلِّ كلمة عقب فراغ المؤذن منها حتَّى في الترجيع ؛ وإن لم يسمعه . إِلَّ في قوله ((حي على الصلاة .. حي على الصلاة ، حي على الفلاح .. حي على الفلاح)) فإنَّه يقول ((لا حول ولا قوة إلا بالله)). قال في (( حواشي فتح المعين)) ويسنُّ أن يجيب كُلاّ من الحيعلة بلفظه أيضاً ، ثم يحوقلُ ويزيد مع حيَّ على الفلاح: ((اللهمَّ؛ اجعلنا مفلحين)). انتهى. قال في ((فتح المعين )) : ولو سمع بعض الأذان !! أجاب فيه وفيما لم يسمعه . ولو ترتَّب المؤذِّنون ؟! أجاب الكلَّ . وفي (( حواشي فتح المعين)). ومما عمَّت به البلوى ما إذا أذَّن المؤذنون ، واختلطت أصواتهم على السامع ؛ وصار بعضهم يسبق بعضاً ! وقد قال بعضهم : لا يستحبُّ إجابة هؤلاء . والذي أَفتى به الشيخ عز الدين أنَّه يُستحبُّ إجابتهم ؛ أي: إجابة واحدة ؛ ويتحقق ذلك بأن يتأخَّر بكلِّ كلمة حيث يغلب على ظنِّه أنهم أتوا بها ، بحيث تقع إجابته متأخرة ؛ أو مقارنة ، فلو سكت حتى فرغ كلُّ الأذان ؛ ثم أجاب قبل فاصل طويل عرفاً ؟! كفى في أصل سنة الإجابة . انتهى . وفي (( فتاوي السمهودي)): لا يستحبُّ للمؤذِّن أن يجيب أذان نفسه ؛ وإن تردَّد في ذلك الإسنوي في (( تمهيده)). وصنَّف فيه السمهودي ((جزءاً)) أودعه فتاويه المشرقة . وتردّد الأشخر في إِجابة أذان غير الصلاة : هل يطلب ؛ أم لا ؟ واستظهر الثاني . قال : لأنّ الجواب إنَّما هو للدّعاء إلى الصلاة ، وغيرُه ذكرٌ قد يطلب إجابته. قال: ولم أَرَ فيه شيئاً. انتهى ((شرح الأذكار)). ( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير)) بإسناد ضعيف؛ عن حذيفة بن أَسيدٍ - بفتح الهمزة والتنوين -: الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) النبي (نَّهِ إِذَا نَظَرَ ٢٢٦ إِلَى الْبَيْتِ .. قَالَ: « اللَّهُمَّ؛ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَبِرّاً وَمَهَابَةً )). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ))، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، إِلَىْ أَلْبَيْتِ ) - أي: الكعبة - (قَالَ: «اللَّهُمَّ؛ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا) أضافَهُ إليه ! لمزيد التشريف، وأتى باسم الإشارة! تفخيماً ( تَشْرِيْفاً)؛ أي : ترفيعاً وإعلاءً ( وَتَعْظِيْماً) ؛ أي: تبجيلاً ( وَتَكْرِيْماً) ، أي : تفضيلاً . وكأنّ حكمةَ تقديم التعظيم على التكريم في البيت ؛ وعكسه في قاصده : أنَّ المقصود بالذّات في البيت إظهارُ عظمته في النفوس حتَّى يخضعَ لشرفه ويقوم بحقوقه ، ثم كرامَتُه بإكرام زائريه بإعطائهم ما طلبوه ، وإنجازهم ما أَمَّلوه . وفي زائره وجودُ كرامته عند الله تعالى بإسباغ رضاه عليه ، وعفوه عمّا جناه واقترفه ؛ ثم عظمته بين أبناء جنسه بظهور تقواه وهدايته أيضاً !!. ويرشد إلى هذا ختمُ دعاء البيت بالمهابة الناشئة عن تلك العظمة ، إذ هي التوقيرُ والإجلال ، وختم دعاء الزائر بالبرِّ الناشىء عن ذلك التكريم ، إذ هو الاتساع في الإحسان . فتأمَّلْهُ . أشار إليه بعض المتأخِّرين ؛ قاله ابن علأَّن . ( وَبِرّاً وَمَهَابَةٌ)) ) إجلالاً وعظمةً ، وتمام هذا الدّعاء في حديث الطبراني ؛ كما في شرح ((الأذكار)): ((وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ؛ أو أَعْتَمَرَهُ، تَشْرِيْفاً وَتَكْرِئْماً وَمَهابَةً وَبِرّاً » . انتهى . ( وَ) أخرج ابن ماجه وابن السنِّيِّ: كلاهما ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها - قال في (( الأذكار)): وإسناده جيّد - قالت: (كَانَ) النبيُّ (٠َّهِ إِذَا رَأَىْ مَا يُحِبُّ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِيْ بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ))) قال الحسن : ما من رجل يرى نعمةَ الله عليه ؛ فيقول : الحمد للهِ الّذي بنعمته تَتِمُ الصّالحات إِلاّ أغناه الله. وزاد: (وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: ((الحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ٢٢٧ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَالٍ أَهْلِ النَّارِ » . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَالِ أَهْلِ الثَّارِ )) ) بيّن به أنّ شدائد الدنيا مما يلزم العبدَ الشكرُ عليها ، لأنّ تلك الشدائد نِعَم في الحقيقة ؛ لأنَّها تعرِّضُه لمنافع عظيمة ومثوباتٍ جزيلةٍ ، وأعواض كريمة في العاقبة ؛ تتلاشى في جنبها مشقَّة هذه الشدائد ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرً كَثِيرًا ﴾ [النساء]، وما سمّاه الله خيراً فهو أكثر مما يبلغه الوَهْم . حَتَّى لَقَدْ أَبْطَنَها فِي الأَلَمِ نَحْمَدُهُ عَلَىْ شُمُولِ النَّعَمِ والنعمة ليست هي اللَّذة ، وما اشتهته النّفس بمقتضى الطّبع ، بل هي ما يزيد في رفعة الدّرجة ؛ ذكره الإمام الغزالي ؛ ونقله المناوي رحمهم الله تعالى . آمين . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والترمذي؛ في ((كتاب الدعاء)) - قال الصدر المناوي: بسند جيّد - وأخرجه الحاكم في ((الأدب)»: كلُّهم عن ابن عمر بن الخطاب - قال الحاكم : صحيح ، وأقرَّه الذّهبيّ . وفي العزيزي : قال الشيخ حديث صحيح، لكن قال النووي في ((الأذكار)) بعد عزوه للترمذي : إسناده ضعيف . وقال الحافظ العراقي: وسنده حسن ؛ ذكره المناوي على ((الجامع)) - قال : ( كَانَ) رسولُ الله (﴿ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ ) بإضافة العامّ إلى الخاصّ للبيان ، فَالرَّعْدُ: هو الصوت الّذي يُسمع من السّحاب ؛ كذا قاله ابن المَلِك . والصحيح : أن الرعد مَلَك موكّلٌ بالسّحاب . وقد نقل الشافعي ؛ عن الثّقة ؛ عن مجاهد : أنّ الرّعد ملك ، والبرق أجنحته يسوق السحاب بها ، ثمّ قال : وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن !!. قال بعضهم : وعليه فيكون المسموعُ صوتَه ، أو صوتَ سوقِه على اختلاف فيه . ونقل البغوي عن أكثر المفسرين : أنّ الرَّعد مَلَكٌ يسوق السحاب ، والمسموعُ ٢٢٨ وَالصَّوَاعِقِ .. تسبيحه . وعن ابن عباس : أنّ الرّعد ملك موكلٌ بالسّحاب ؛ وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه ، وأنّه يسبح الله تعالى ؛ فلا يبقى ملك إلاّ يُسبح ، فعند ذلك ينزل المطر . وروي أنّ النبي ◌َّه قال: ((بَعَثَ اللهُ السَّحابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقِ، وَضَحِكَتْ أَحَسَنَ الضَّحِكِ ، فَالرَّعدُ نُطْقُها ، والبَرْقُ ضِحْكُهَا ». وقيل : البرقُ لمعانُ صوتِ الرّعد يُزجَر به السَّحاب . وأما قول الفلاسفة : إن الرّعد صوتُ اصطكاك أجرام السّحاب ، والبرقَ ما يقدح من اصطكاكها !! فهو من حَزْرِهم وتخمينهم ؛ فلا يعوّل عليه . انتهى . ذكر جميع ذلك العلامة محمد بن علي بن عَلآن في ((شرح الأذكار)) . · (وَالصَّوَاعِقَ) بالنصب، فيكون التقدير: وأَحَسَّ الصَّواعِقَ، من باب: ((عَلَفْتُها تبناً وماءً بارداً)) . أو أطلق السّمع وأريد به الحسّ ؛ من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ . وفي نسخة : بالجر ؛ عطفاً على الرّعد ، وهو إنَّما يصحّ على بعض الأقوال في تفسير الصَّاعِقَةِ . قال بعضهم : قيل . هي نار تسقط من السماء في رعد شديد ، فعلى هذا لا يصحّ عطفه على شيء ممّا قبله . وقيل : الصَّاعِقة صيحة العذاب أيضاً ، وتطلق على صوتٍ شديد غايةِ الشِّدة يسمعُ من الرَّعد ، وعلى هذا يصحُّ عطفه على صوت الرعد ، أي : صوت السحاب ، فالمراد بالرّعد : السّحاب ؛ بقرينة إضافة الصوت ، أو الرعد : صوت السّحاب . وقال الطيبيُّ : هي قصفة رعد تنْقَضُّ معها قطعة من نار ، يقال : صَعَقَتْهُ الصّاعقة : إذا أهلكته فَصَعِقَ ؛ أي: مات . إمّا لشدة الصوت ، وإمّا بالإحراق ، ولعلّ اختيار الجمع في قوله : الصواعق ؛ موافقته للآية . انتهى . ذكر ذلك كلّه الشيخ محمد علي بن علان في ((شرح الأذكار » النووية. ٢٢٩ قَالَ: «اللَّهُمَّ؛ لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ )). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ .. قَالَ: (( سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ » . ( قَالَ «اللَّهُمَّ؛ لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ ) الغضب استعارة ، والمشبّهُ به الحالةُ التي تعرض للملك عند انفعاله ، وغليان دم القلب ، ثم الانتقام من المغضوب عليه ، وأكثر ما ينتقم به القتل ، فرشّح الاستعارة به عرفاً . ( وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ ) الإهلاك والعذاب جاريان على الحقيقة في حقّه تعالى ، وقيل : الغضب هنا من صفة الذّات ، أي : إرادة الهلاك ونحوه ، والعذاب من صفة الأفعال. ولمّا لم يكن تحصيل المطلوب إلاّ بمعافاة الله تعالى كما أخبر: ((أَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ)) ؛ قال: ( وَعَافِنَا) من البلايا والخطايا المقتضية للعذاب والغضب ( قَبْلَ ذَلِكَ))) أي: قبل وقوع ما ينتظر ، والمراد الدّعاء بأن لا يقع شيءٌ من ذلك . ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي ورمز له برمز البخاريِّ: (كَانَ) رسولُ اللهِ (وَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ؛ قَالَ: (( سُبْحَانَ الَّذِيْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ) هو: مَلَك موكَّلٌ بالسّحاب على ما ثبت في الأحاديث ، فنسبة التسبيح إليه حقيقة ، أي: ينزِّهُه متلبِّساً ( بِحَمْدِهِ))) . وفي ((الأذكار النووية)): رُوِّيْنَا بالإسناد الصحيح في ((الموطأ))؛ عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما : أنّه كانَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَك الحديثَ ؛ وقال : (( سُبْحانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيْفَتِهِ )) . انتهى . قال في (( شرحه))؛ نقلاً عن الحافظ ابن حجر : وهو حديث موقوف ؛ أخرجه البخاري في كتاب (( الأدب المفرد))، عن إسماعيل بن أبي أويس ؛ عن مالك . وقوله: (( ترك الحديث)) ؛ أي : الكلام مع الأنام . ٢٣٠ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ صَيِّباً نَافِعاً)). وزاد الحافظ في روايته بعد قوله ((جثا وترك الحديث)) قولَه: ((وما كان فيه)) ، فإن كان في صلاة أتمَّ الصلاةَ ؛ وقال: إنّ هذا لوعيد شديدٌ لأهل الأرض ، سبحانَ الّذي يُسَبح الرّعد بحمده ... الخ . وأخرج الطبراني بإسناده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كنا مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق ومطر ، فقال لنا كعب : مَن قال حين يسمع الرعد : سبحان من يُسَبِّح الرّعد بحمده والملائكة مِن خيفتِهِ ((ثلاثاً)) ؛ عوفي من ذلك الرعد ، فقلنا فعوفينا ، ثم لقيت عمر في بعض الطريق ، فإذا بَرَدة أصابت أنفه ، فقلت : ما هذا؟ فقال : بردةٌ أصابت أنفي ، فأثّرت فيَّ ، فقلت: إن كعباً قال ... فذكره . فقلنا فعوفينا، فقال عمر: فهلا أعلمتمونا حتى نقول !! قال الحافظ : هذا موقوف حسن الإسناد ، وهو ؛ وإن كان عن كعب ؛ فقد أقرَّه ابن عباس وعمر ، فدَلّ على أنّ له أصلاً . قال : وقد وجدت بعضه بمعناه من وجه آخر عن ابن عباس أخرجه الطبراني أيضاً؛ عن النبي ◌َّ: ((إِذا سَمِعْتُمُ الرَّعْدَ فَأَذْكُرُوا اللهَ فَإِنَّهُ لا يُصِيْبُ ذَاكِراً)) وفي سنده ضعف . انتهى . وقد جاء عن ابن عباس أيضاً قال : ومَن قال هذا الذكر فأصابته صاعقة ؛ فعليَّ ديته . انتهى كلام ((شرح الأذكار )) . ( وَ) أخرج البخاريُّ في ((صحيحه))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ) النبيُّ (وَ ﴿ إِذَا رَأَىْ الْمَطَرَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَيِّباً) أي: اسقنا (( صَيِّباً)) أي : مطراً ( نَافِعاً ) لا مغرقاً كطوفان نوحٍ ؛ قاله ابن مالِك . وقال الطيبيُّ: هو تتميم في غاية الحسن ؛ لأنّ ((صيّاً)) مظِنّة الضّرر ، وتبعه عليه ابنُ حجر الهيتمي المكيّ . ويجوز أن يكون احترازاً عن مطر لا يترتَّب عليه نفع ، أعمّ من أن يترتّب عليه ضرر ؛ أم لا ، وقد روى هذا الحديثَ النسائيُّ وابن ماجه، لكن قال: (( سيِّاً)) بإبدال الصّاد في ((صيباً)) سيناً . ٢٣١ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَالَ السَّيْلُ .. قَالَ: ((أَخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الْوَادِي الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ طَهُوراً، فَتَتَطَهَّرَ مِنْهُ، وَنَحْمَدَ اللهَ عَلَيْهِ )) . وكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَشْتَدّ الرِّيحُ الشَّمْأَلُ .. قَالَ : ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَرْسَلْتَ فِيهَا)) . قال الحافظ العراقي: وسندُ الكلّ صحيحٌ، فينبغي - كما نقل في ((المرقاة)) عن النووي - الجمعُ بين ذلك كلّه ، أو يأتي بما في كلّ رواية . والله أعلم . ( وَ) أخرج الإمام الشافعي في ((مسنده))، والبيهقي في (( سننه)): كلاهما عن يزيد بن الهاد مرسلاً ، ونقل المناوي عن الذّهبيّ أنه مع إرساله منقطعٌ أيضاً : ( كَانَ) النبيُّ (وََّ إِذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ: ((أُخْرُجُوْا بِنَا إِلَى هَذَا الوَادِيْ الَّذِيْ جَعَلَهُ اللهُ طَهُوْراً ) أي : جَعَل مَا سَالَ فِيه مطهراً ( فَنَتَطَهَّرَ مِنْهُ) الطهارة : تشمل الغُسل والوضوء ، والأفضل عند الشافعية الجمعُ بين الغسل والوضوء ، ثم الغسل ، ثم الوضوء ، فيسنُّ فعلُ ذلك لكلّ أحد . قالت الشافعية : ويسنُّ لكلِّ أحد أن يبرز للمطر ، ولأول مطر آكدُ ، ويكشف له من بدنه غيرَ عورته ، ويغتسل ويتوضَّأ في سيل الوادي ، فإن لم يجمعهما توضأ . ( وَنَحْمَدَ اللّهَ عَلَيْهِ )) ) ؛ أي : على حصوله . ( وَ) أخرج ابنُ السنيّ والبزار والطبراني في ((الكبير)) كلّهم؛ عن عثمان بن أبي العاصي رضي الله تعالى عنه - وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق وأبو شيبة؛ وكلاهما ضعيف كما قال الحافظ الهيثمي ، قال الحافظ ابن حجر : لكن تقوى بشواهده -. ( كَانَ) النبي (نَّهِ إِذَا اشْتَدَّ الرِّبْعُ الشَّمْأَلُ) - قال العزيزي : بسكون الميم ؛ مقابل الجنوب -. (قَالَ: ((آللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَرْسَلْتَ) - بفتح التاء المثناة - ( فِيهَا))) ٢٣٢ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَشْتَدَتِ الرِّيحُ .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ اجْعَلْهَا لَقَحاً لاَ عَقِيماً )) ؛ وفي رواية بدله: (( من شَرِّ ما أُرْسِلَتْ به))؛ على صيغة المجهول ، والمراد : أنها قد تبعث عذاباً على قوم ، فتعوّذَ من ذلك ، فتندب المحافظة على قول ذلك عند اشتدادِها وعدم الغفلة عنه . قال النووي في ((الأذكار)): رُوِّيْنَا في (( سنن أبي داود)) وابن ماجه بإسناد حسن؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله وَ لفهل يقول: (الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ تعالى، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بالعَذَابِ، فَإِذَا رَأيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّها، وسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وأَسْتَعِيْذُوا باللهِ منْ شَرِّها)). قلت: قوله وَّو ((من رَوْحِ الله )) هو - بفتح الراء - قال العلماء ، أي : من رحمة الله بعباده . انتهى. فائدة : ذكر شيخ الإسلام زكريا الأنصاريُّ وغيره : أنّ الرياح أربع : التي تجيء من تجاه الكعبة : الصَّبا، ومن ورائِها : الذَّبور ، ومن جهة يمينها : الجَنُوب ، ومن جهة شمالها : الشمال . ولكلٍّ منها طبعٌ ، فالصّبا : حارّة رطبة ، والدَّبُور : باردة رطبة ، والجَنوب : حارّة رطبة ، والشمأل : باردة يابسة ، وهي منْ ريح الجنة التي تهبُّ عليهم؛ كما في ((مسلم)) انتهى. ذكره ابن علان في ((شرح الأذكار)). ( وَ) أخرج البخاريُّ في ((الأدب المفرد))، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((المستدرك))، وابن السنّي كلُّهم ؛ عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه - وهو حديث صحيح ؛ كما قال الحافظ ابن حجر - قال : ( كَانَ) النبيّ (وَّهِ إِذَا اشْتَدَّتِ الرِّبْحُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ [أَجْعَلْهَا] لَقَحاً) - بفتح اللام والقاف -؛ من باب تعب ، قال في (( السلاح)) - بفتح اللام مع فتح القاف وسكونها ، وبالحاء المهملة -: الحاملة للسحاب ، والعقيم بعكسه انتهى . أي : اجعلها حاملة للماء كاللَّقْحة من الإِبل؛ (لاَ عَقِيْماً))) هو تأكيدٌ لما قبله ؛ أي : لا تجعلها خالية عن الماء كالعقيم من الحيوان ؛ لا ولد له ، شبّه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل ، كما شبّه ما لا يكون كذلك ٢٣٣ أَيْ : حَامِلاً لِلْمَاءِ كَاللَّفْحَةِ مِنَ الإِبِلِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ .. قَالَ: (( آللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا؛ وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا ، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ )» بالعقيم. قال تعالى ﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [٢٢/ الحجر]. ثم بيّن المصنف معنى قوله في الحديث ((لَقَحاً)) ؛ فقال: ( أَيْ: حَامِلاً لِلْمَاءِ كَالْلِّقْحَةِ ) - بكسر اللام وفتحها - أي : الناقة ( مِنَ الإِبِلِ ) القريبة العهد بالنتاج ، والجمع : لقح ، وقد لقحت الناقةُ لِقحاً وَلِقاحاً، وناقةٌ لاقِحٌ إذا كانت حاملاً ، ونوق لواقح، واللِّقاح: ذوات الألبان، الواحدة: لقوح. كذا في ((النهاية)). ( وَكَانَ) النبيُّ (ِّهِ إِذَا عَصَفَتِ) - بفتح أوَّليه المهملتين وبالفاء - ( الرِّيْخُ) أي: اشتدّ هبوبها (قَالَ) داعياً إلى الله ( («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيْهَا ) أي : الخير العارض منها من المنافع كلّها . ( وَ) أَسألك (خَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ) ؛ أي: بخصوصِهَا في وقتها ، وهي بصيغة المجهول . ( وأَعُؤْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا؛ وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ))) - على صيغة المجهول - قال المناوي كالعلقمي : - وتمامه عند مخرِّجه مسلم - قالت : أي : عائشة ، وإذا تخيَّلت السماء تغيَّر لونه ، وخرج ؛ ودخل ، وأقبل ؛ وأدبر ، فإذا أمطرت سُرِّيَ عنه فعرفت ذلكَ فسألْتُه!، فقال: ((لَعَلَّه يا عائِشة كما قال الله تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُخْطِرُنَا﴾)) [٢٤/ الأحقاف) الآية . انتهى. قال الحفني : ففيه الاستعداد بالمراقبة لله تعالى والالتجاءُ إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه ، وكان خوفه ◌َّ ر أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسرورُه بزوال الخوف. وهذا لا ينافي قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [٣٣/ الأنفال] !! لأنه يخاف أن يكون عذاباً مخصوصاً أو معلقاً على شيءٍ، كما قال بعض المبشرين بالجنة : لو كانت إحدى رجليّ داخل الجنَّة والأخرى خارجها ٢٣٤ رَوَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا . ما أمنت مكر الله . انتهى . قال العزيزي: قال أبو عبيد وغيره: ((تخيلت السماء)) من المَخيلة - بفتح الميم -: وهي سحابة فيها رعد وبرق تخيّل إليه أنها ماطرة ، ويقال : أخالت إذا تغيّرت . انتهى . (رَوَتْهُ عَائِشَةُ) أم المؤمنين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) فيما أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي عنها . تنبيه: قال في ((شرح الأذكار)): وقع في (( المشكاة)) أن الحديث متفق عليه !! فنظر فيه في ((المرقاة )) بأنه من أفراد مسلم ، كما يفهم من كلام ابن الجزري في ((التصحيح)) حيث قال : رواه مسلم، وأبو داود ... الخ. وقد عزاه السيوطي في (( الجامع الصغير)) إلى تخريج الترمذي أيضاً ؛ ولم يذكر أبا داود فيمن خرّجه !! وراجعت ((باب ما يقول: إذا هاجَت الريح))؛ من (( سنن أبي داود )) فلم أره فيه ، فلعلّ ما نقله ابن الجزري عنه في بعض النسخ ، ثم رأيت ما يؤيد ما ذكره صاحب ((المشكاة))؛ وهو (( تيسير الوصول إلى جامع الأصول)) لابن الدَّييع بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور ، وقال : أخرجه الشيخان هكذا ، والترمذي . انتهى . وأخرجه الترمذي ؛ وقال : حديث حسن صحيح ، والإمام أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد))، والنسائي في (( اليوم والليلة))؛ عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَلِهِ: ((لاَ تَسُبُّوا الرِّيْحَ، فَإِذَا رَأَنْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ؛ إنّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيْحِ وخَيْرَ مَا فِيها؛ وخَيْرَ مَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرّيْحِ؛ وَشَرِّ مَا فِيْهَا؛ وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ)) . وأخرج ابن السنّي ؛ عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم؛ عن رسول الله وَّ﴿ قال: ((إذا وقعت كبيرةٌ؛ أوْ هَاجَتْ رِنِحٌ عَظِيمة فَعَلَيْكُمْ بالتّكْبِيرِ؛ فإنه يَجْلُو العَجَاجَ الأسْوَدَ)). ذكره النووي في ((الأذكار)). وقوله : ٢٣٥ وَرَوَىْ أَبْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا هَاجَتْ رِيحٌ .. ((كبيرة)) الله أعلم أنَّ التقدير: مصيبة كبيرة ؛ أي: من موت ، أو حريق ، فالتكبير يدفع حَرَّ النار ، وإذا استحضر العبد مضمون التكبير هَانَ عليه ما لاقاهُ من مصيبة . وقوله: ((العَجَاج الأسود)) !! قال النووي في ((التهذيب))؛ نقلاً عن أبي عُبيد : العجاجُ غُبارٌ تثور به الريح ، الواحدة : عجاجة؛ أي : أنَّ التكبير يَجلو ؛ أي : يُذهب عن مِرآةِ الجوِّ العجاجَ الأسودَ مِن الظلمة والقتامِ . والله أعلم. ثم يحتمل أن يكون ذلك على حقيقته بما خصّ الله بهِ التكبيرَ مِن رفع ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد يجلو عن القلب التعب الحاصل من القتام الأسود ؛ أي : لردِّه الأمر حينئذ إلى فاعله ، وعلمه بالفاعل المختار الّذي لا يخلو فعل من أفعاله عن حكمة والله أعلم. انتهى. ذكره في ((شرح الأذكار)). ( وَرَوَىْ أَبْنُ عَبَّاسٍ) حَبْرُ الأمّة وتَرْجُمان القُرآنِ - وقد تقدمت ترجمته - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عُنْهُمَا) فيما أخرجه الطّبراني في (( الكبير))، والبيهقي في (( سننه )) عنه - بسند فيه حسين بن قيس الملقب بـ ((حنش))، وهو متروك ؛ وبقية رجاله رجال الصحيح ؛ كما قال الحافظ الهيثمي -. ورواه ابن عدي في ((الكامل)) من هذا الوجه وأعله بحسين المذكور ، ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي ، وذكره المناوي ؛ فقال : ثم رأيت الحافظ في ((الفتح)) عزاه لأبي يعلى وحده ؛ عن أنس رفعه ، وقال : إسناده صحيح . انتهى. قال : ( كَانَ) رسولُ الله (وَّةِ إِذَا هَاجَتْ رِبْحٌ) ؛ أي : اشتدّ هبوبها ، والريحُ المفردة في القرآن للشرِّ ، والمجموعة للخير ، ولم ترد في القرآن مفردة في الخير إلّ في موضع واحد ، وهو قوله تعالى ﴿ وَجَرَیْنَ بِهِم بِرِيج طَئِبَةٍ﴾ [٢٢/يونس] ذكره العزيزي والحفني وغيرهما. قال المناوي: وفي رواية: ((الريح)) معرَّفاً . ٢٣٦ اسْتَقْبَلَهَا بِوَجْهِهِ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمَذَّ يَدَيْهِ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا أُرسِلَتْ بِهِ ، اَللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلاَتَجْعَلْهَا عَذَاباً ، اللَّهُمَّ ؛ أَجْعَلْهَا رِيَاحاً، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً)). ( أُسْتَقْبَلَهَا بِوَجْهِهِ وَجَثَا عَلَىْ رُكْبَتَّهِ ) أي: قَعَد عليهما وعطف ساقيه إلى تحته ، وهو قعود المُسْتَوْفِرِ الخائف الّذي إذا احتاج إلى النهوض نَهَضَ سريعاً ، وهو قعود الصغير بين يدي الكبير ، وفيه نوع أدب مع الله تعالى ، فكان هذا منه ◌ّ# تواضعاً لله وخوفاً على أُمّته ، وتعليماً لهم في تبعيّه كأَنَّه لمَّا هبتِ الريح وأراد أن يخاطب رَبَّهُ بالدعاء قعد قعودَ المتواضع لربّه الخائف من عذابه . ( وَمَذَّ يَدَيْهِ) للدعاء (وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّبْحِ وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ، [ وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ]، اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهَا رَحْمَةٌ ) لنا (وَلاَ تَجْعَلْهَا عَذَاباً) علينا، ( اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهَا رِيَاحاً، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيْحاً)) ). لأنّ الريح مِن الهواءِ ، والهواءُ أحد العناصر الأربع التي بها قِوام الحيوان والنبات ، حتّى لو فُرِض عدم الهواء دقيقةً لم يعش حيوان ، ولم ينبت نبات . والريح : اضطراب الهواء وتموُّجه في الجوِّ ؛ فيصادف الأجسام فيحللها ، . فيوصل إلى دَوَاخلها من لطائفها ما يقوم لحاجته إليه ، فإذا كانتِ الريح واحدة جاءت من جهة واحدة ، وصدمتْ جسم الإنسان والنبات من جانب واحد ، فتؤثِّرُ فيه أثراً أكثر من حاجته ؛ فتضرُّه ، ويتضرَّرُ الجانب المقابل لعكس مهبِّها بفوت حظّه من الهواء ؛ فيكون داعياً إلى فساده ، بخلاف ما لو كانت رياحاً تعمُّ جوانب الجسم ، فيأخذ كلّ جانب حظّه ؛ فيحدث الاعتدال . ذكره المناوي . وفي (( شرح الأذكار)) لابن علان رحمه الله تعالى : قال ابن الجوزي في (( المنتخب )) : قال ابن عباس : الرِّياحُ ثمان ؛ أربعٌ للرحمة : المبشرات ، والمثيرات ، والمرسلات ، والرُّخاء . قلت : ٢٣٧ وفي ((المرقاة)) بدل ((المبشرات والرخاء)) بدلهما ((الذاريات، والناشرات)). وأربع للعذاب : العاصف ، والقاصف - وهما في البحر -. والصّرصَرُ ، والعقيمُ - وهما في البَرِّ -. قال عبيد بن عمر : يبعث الله تعالى ريحاً فَتَقُمُّ الأرض ، ثمَّ يبعث المثيرة فتثير السحاب ، ثمَّ يبعث المؤلِّفة فتؤلِّفه، ثمَّ يبعث اللَّواقح ؛ فتلقُّح الشجر . انتهى كلام ((المنتخب)). قال المناوي : استشكل ابن العربي خوفه أن يعذَّبوا ؛ وهو فيهم ، مع قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [٣٣/ الأنفال] !! ؟. ثمَّ أجاب بأن الآية نزلت بعد القصة . واعترضه ابن حجر بأن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر ، ولفظ ((كان)) في الخبر يشعر بالمواظبة على ذلك. ثمَّ أجاب بأنَّ في الآية احتمالَ التخصيص بالمذكورين ، أو بوقت دون وقت ، أو بأنّ مقام الخوف يقتضي عدم أمن المكر ، أو خشي على مَن ليس فيهم أنْ يقع بهم العذاب ، فالمؤمن شفقةً عليه ، والكافر يودُّ إسلامه ، وهو مبعوث رحمة للعالمين . انتهى . ثمّ قال : قال ابن المنيِّر : هذا الحديث مخصوص بغير الصَّبا من جميع أنواع الريح؛ لقوله في الحديث: (( نُصِرْتُ بِالصَّبَا ». ويحتمل إبقاء هذا الحديث على عمومه ويكون نصرها له متأخّراً عن ذلك ، أو أنَّ نصرها له بسبب إهلاك أعدائه ، فيخشى من هبوبها أن تُهلِك أحداً من عصاة المؤمنين ؛ وهو كان بِهم رؤوفاً رحيماً . وأيضاً فالصَّبا يؤلّف السحاب ويجمعه ، ثمَّ يقع المطر غالباً ، وقد جاء في خَبرٍ : أنه كان إذا أمطرت سُرِّيَ عنه ، وذلك يقتضي أن يكون الصَّبا مما يقع التخوف عند هبوبها ، فيعكِّرُ ذلك على التخصيص المذكور !. انتهى ما ذكره المناوي رحمهُ الله تعالى . ٢٣٨ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى الْهِلاَلَ .. قَالَ: ((هِلاَلَ خَيْرِ وَرُشْدٍ ، آمَنْتُ بِأَلَّذِي خَلَقَكَ )» ( ثَلاَثاً ) . ( وَ) أخرج أبو داود في (سننه))؛ في ((كتاب الأدب)) عن قتادة بلاغاً، قال الحافظ : ورجاله ثقات ، فإن كان المبلِّغُ صحابياً فهو صحيح . انتهى . وأخرجه ابن السنّ أيضاً ؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ، قال الحافظ العراقي: وأسنده أيضاً الدارقطني في ((الأفراد))، والطبراني في ((الأوسط))؛ عن أنس، قال أبو داود: ليس في هذا عن رسول الله وَل هو حديث مسند صحيح . قال : ( كَانَ) النبيُّ (نَّهِ إِذَا رَأَىُ الهِلَاَلَ) الهلال: اسم للقمر لليلتين من أول الشهر، ثمَّ هو قمر، لكن في ((الصحاح)): أنه اسم لثلاث ليال من أول الشهر. ( قَالَ: ((هِلاَلَ) الظاهر أنه منصوب بمقدر ؛ أي: اللَّهُمَّ اجْعَلْه هِلالَ ( خَيْرٍ ) أي : بركةٍ ( وَرُشْدٍ ) أي: صلاح ، كما يدلُّ على ذلك رواية ابن السنّي عن أنس رضي الله تعالى عنه: كَانَ إذا نَظَرَ إلى الهِلالِ قال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هِلالَ يُمْنٍ وَرُشْدٍ ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ فَعَدَلَكَ، تَبَارَكَ الله أحسَنُ الخَالِقِينَ)) . ففي هذه الرواية التصريح بالفعل المقدر . ( آمَنْتُ بِ ) اللهِ (الَّذِيْ خَلَقَكَ)) ثَلاَثاً) أي: يكرِّرُ ذلك ثلاثاً، فيقول: ((هِلاَلَ خَيرٍ ورُشدٍ ، هِلالَ خير ورُشْدٍ ، هِلالَ خَيْرٍ ورُشْدٍ، آمَنْتُ بِالّذِي خَلَفَكَ ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ))، والتكرار! للاعتناءِ بالمقام، والثلاث ! لأنها آخر القِلَّةِ ومبدأ الكثرة . وقد ورد في الحديث: أنه والتي كان إذا دَعَا دَعَا ثلاثاً . وإضافة الخير والرشد ! رجاءَ أن يقعا فيه ، وتعليماً لأمته . وظاهر مخاطبته وَّامٍ له !! أنَّهُ ليس بجمادٍ ، بل حيّ دارك يعقِل ويفهم . قال حُجَّة الإسلام : وليس في أحكام الشريعة ما يدفعه ؛ ولا ما يثبته !! فلا ٢٣٩ ثُمَّ يَقُولُ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرٍ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ». ضرر علينا في إثباته . ذكره المناوي على ((الجامع)) والعزيزي أيضاً . ( ثُمَّ يَقُوْلُ) بعده ( ((الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِيْ ذَهَب بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرٍ كَذَا)) ) . ولأبي داود عن قتادة مرسلاً: أنّ النّبيّ وَ ◌ّ كانَ إذَا رَأَى الْهِلالَ صَرَفَ وجهه عنه . قال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه : ووجدت لمرسل قتادة شاهداً مرسلاً أيضاً ؛ أخرجه مسدد في (( مسنده الكبير )) ورجاله ثقات ، قال : ووجدت له شاهداً موصولاً ؛ من حديث أنس بن مالكٍ قال : كان لرسول الله وَل﴿ أقاويلُ يقولها في الهِلالِ إذا رَآهُ ؛ منها أنّه كان إذا رأى الهلالَ صَرَفَ وجهَهُ عَنْه؛ وقال: (( هِلالَ خَيرٍ ورُشْدٍ ، آمَنْتُ بالّذِي خَلَقَكَ » . يُرَدِّدُها ثلاثاً . ومنها: كان يقول: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وجاء بِشَهْرِ كَذَا » . وكان يقول: ((اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلاَم)). وكان يقول : ((الحَمْدُ للهِ الّذِي بَدأَكُمْ ثُمَّ يُعِيْدُكُمْ)). وكان يقول: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَفَكَ وَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ، رَبِّي وَرِبُّكَ اللهُ)). قال الحافظ بعد تخريجه : هذا غريب أخرجه أبو نعيم في (( عمل اليوم والليلة))، ورجاله ثقات إلاّ عمر بن أيوب - يعني: الغفاري - فإنَّه ضعيف جدّاً، ونسبه الدّار قطني مرّة إلى الوضع. انتهى ذكره في ((شرح الأذكار)). ( وَ) أخرج الإمام أحمد والترمذي في (( الدعوات ))؛ وقال : حديث حسن غريب، وأخرجه الدارمي في ((مسنده))، والحاكم في ((مستدركه)) في ((الأدب)) : كلُّهم من حديث سليمان بن سفيان ، عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ، عن أبيه يحيى ، عن جدّه طلحة بن عبيد الله القرشيّ التيميّ المكيّ ثم المدنيّ ، أحد العشرة رضي الله تعالى عنه . ٢٤٠