النص المفهرس

صفحات 201-220

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ . . قَالَ :
((بِأَسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ ، اَللَّهُمَّ ؛ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ
نَضِلَّ ، أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا)). رَوَتْهُ أُمُ سَلَمَةً
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا .
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) فيما أخرجه ابن ماجه وابن السُّنِّي ، والحاكم - وفي
العزيزي : قال الشيخ : حديث حسن ، لكن قال المناوي ؛ عن العراقي : فيه
ضعف انتھی ۔ :
( وَكَانَ) رسول الله (عزَّهِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ؛ قَالَ: ((بِأَسْمِ اللهِ ، تَوَكَّلْتُ عَلَى
اللّهِ) ؛ أي : اعتمدت عليه في جميع أموري ، ( اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ)
- بفتح النون وكسر الزاي -، من الزَّلل ؛ أي : من أن نقع في معصية .
( أَوْ نَضِلَّ ) - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة - عن الحق ؛ من الضلالة .
( أَوْ نَظْلِمَ) - بفتح النون وكسر اللام - ( أَوْ نُظْلَمَ) - بضم النون وفتح اللام -
( أَوْ نَجْهَلَ ) - بفتح النون - على أحد. ( أَوْ يُجْهَلَ) - بضم الياء - ( عَلَيْنَا)) ) أي :
أن نفعل بغيرنا ما يضرُّه؛ أو يفعل بنا غيرُنا ما يضرُّنا . والقصد من ذلك تعلیمُ
الأمة، وإلاَّ! فهو ◌َ﴿ معصومٌ من الظلم والجهل وغيرهما .
(رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ) زوجُ النبيِّه، وتقدَّمت ترجمتها (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ) ؛
فيما أخرجه عنها الترمذي في ((الدعوات))، وابن السنّي، والنسائي في
((الاستعاذة)) لكن ليس في لفظه ((تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ)) !!. وقال الترمذي: حسنٌ
صحيح غريب .
وقال في (( رياض الصالحين)): حديث صحيحٌ ؛ رواه أبو داود والترمذي
وغيرهما بأسانيدَ صحيحةٍ . انتهى .
( وَ) أخرج أبو داود بإسناد جيّد - كما في ((الأذكار))، وفي العزيزي: إنه
حديث حسن - عن عبد الله بن عَمْرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال :
٢٠١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ .. قَالَ: (( أَعُوذُ بِاللهِ
الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ؛ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّجِيمِ )). وَقَالَ: ((إِذَا قَالَ ذَلِكَ .. حُفِظَ مِنْهُ سَائِرَ أَلْيَوْمِ)) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ .. يَقُولُ :
((بِأَسْمِ اللهِ، وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، اَللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ،
وَأُنْتَحْ لِي
( كَانَ) رسول الله (﴿ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ ؛ قَالَ ) حال شروعه في دخوله :
( (( أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيْم ) أي : ألوذ بملاذه ، وألجأ إليه مستجيراً به ،
(وَبِوَجْهِهِ الكَرِيْم ) أي: ذاته، إذ الوجه يعبّر به: ١ - عن الذات بشهادة ﴿كُلُّ
شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّ وَجْهَهُمْ﴾ [٨٨/ القصص] أي: ذاته، و٢ - عن الجهة ؛ كما في قوله
﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُوا فَتَمَّ وَجْهُ الَّهُ﴾ [١١٥/ البقرة] أي: جهته؛ قاله المناوي على ((الجامع)).
( وَسُلْطَانِ القَدِيْم ) على جميع الخلائق قهراً وغلبة ( مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ)))
أي : المرجوم .
(وَقَالَ) أي: النبي ◌َِّ: ( ((إِذَا قَالَ) ؛ أي : ابن آدم ( ذَلِكَ؛ حُفِظَ مِنْهُ) ؛
أي : من الشيطان ؛ أي : من وسوسته ( سَائِرَ أَلْيَوْم)) ) أي : جميع ذلك اليوم الذي
يقول فيه هذا الذكر .
( وَكَانَ) رسول الله (َِّهِ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ؛ يَقُولُ: ((بِأَسْمِ اللهِ، وَأَلسَّلامُ
عَلَىْ رَسُوْلِ اللهِ ) أبرزَ اسمه الميمونَ على سبيل التجريد عند ذكره ، التجاءَ إلى
منصب الرسالة ، ومنزل النبوة !! تعظيماً لشأنها كأنَّه غيرُه امتثالاً لأمر الله في قوله
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [٥٦/ الأحزاب]. قاله المناوي ؛ على
((الجامع)). (اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِي ذُنُوْبِي، وَأَفْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ))، وَإِذَا خَرَجَ ؛
قَالَ: ((بِأَسْمِ اللهِ، وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ، اللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِي ذُنُوْبِي، وَأَفْتَحْ لِي
٢٠٢

أَبْوَابَ فَضْلِكَ)) . رَوَتْهُ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا .
أَبْوَابَ فَضْلِكَ )) ) .
خصَّ الرحمة بالدخول ؛ والفضل بالخروج !! لأنَّ مَن دخل اشتغل بما يُزْلِفه
إِلى الله تعالى وثوابه ؛ فناسب ذكر الرحمة ، فإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاءَ فضل
الله من الرزق ؛ فَناسب ذكر الفضل .
وطلب المغفرة في هذا الخبر تشريع لأُمَّته ، لأن الإنسان محلُّ التقصير في سائر
الأحيان ؛ قاله المناوي ، على ((الجامع)).
(رَوَتْهُ) البَضعة الطاهرة ( فَاطِمَةُ) بنتُ رسول الله وَِّ، وأشبهُ الناس به، سيِّدةُ
نساء العالمين ، ولقبُها ( الزَّهْرَاءُ) !! قيل: لأنها لم تحضْ أصلاً ، ولقبُها
((البتول)) !! لتبثُّلها ؛ أي : انقطاعها إلى الله عز وجل.
وُلدت قبل النبوة بخمس سنين ، روى الدولابي : أن العبّاس دخل على عليٍّ
وفاطمة وهما يتراجعان في مواليدهما ؛ فقال العباس : وُلدتَ يا علي قبل بناءِ الكعبة
بسنوات ، وولدت فاطمة وهي تبنى .
وقيل : وُلدتْ سنة إحدى وأربعين من مولد النبي ◌َّر.
وتزوَّجها في السنة الثانية من الهجرة . قيل : ولها يومئذ خمس عشرة سنة
وخمسة أشهر ونصف ، ولعليٍّ يومئذ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر .
وكان تزوَّجها في صفر ، وبنى بها في ذي الحجة بعد وقعة أحد ، ولم يتزوَّج
عليٌّ غيرَها حتَّى ماتت ؛ كأمِّها خديجةَ مع النبي ◌َّرِ .
واشتهر أن عليّاً أصدَقها درعه التي منحه النبي ◌َّه؛ وتسمَّى ((الخُطَمِيَّة))
وقيل : أصدقها أربعمائة مثقال فضة، واشتهر في كتب الحديث أنَّ النبي ◌ٍَّ لم يزد
في صداق بناته وأزواجه على خمسمائة درهم .
وحضر عقدَها جماعةٌ من النبلاء، ودعا وَّهِ برُطَب وزبيب؛ وقال ((انْتَهِبُوا)).
٢٠٣

وروي أنَّه خطبها قبلَ علي جَمْعٌ من الصحابة ، وأنَّ تزويجَها من عليٍّ كان بوحي
من الله، ودعا لهما النبي ◌َله حين اجتمعا؛ وقال: ((جَمَعَ اللهُ شَمْلَكُمَا، وَسَعِدَ
جَدُّكُمَا وَبَارَكَ عَلَيْكُمَا، وَأَخْرَجَ مِنْكُمَا كَثِيْراً طَيِّباً)) . قال جابر : رضي الله عنهما؛
فوالله ؛ لقد أخرج الله منهما الكثير الطيِّبَ .. ولدت الحسن والحسين ، قيل :
ومحسن ، وأم كلثوم ، وزينب .
وتوفيت رضي الله تعالى عنها بعد النبي وَله بسنَّة أشهر ، وقيل: بثمانية أشهر.
وقيل غير ذلك ؛ ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة - ١١ - إحدى
عشرة . واختلف في سنّها يومَ وفاتها !! فقيل : ثمان وقيل : تسع وعشرون ،
وقيل : ثلاثون ، وقيل : خمس وثلاثون . وقطع الحافظ ابن حجر أنَّها ماتت ؛ وقد
جاوزت العشرين بقليل ، والخلاف في عمرها بحسب الخلاف في ميلادها .
وغَسَّلَها عليٌّ وأسماء بنتُ عميس ، وكانت أوصتها بذلك ؛ وقالت لها : يا أسماء !
إني أستقبح أن يطرح على المرأة ثوبٌ وتحمَلَ على النعش كالرجل ، فوصفت لها
أسماء فعل أهل الحبشة ، ودعت بجرائد رطبة فأرتها ذلك ، فأوصتها أن يعمل لها
مثله ، فهي أوَّل من غُطّي نعشه .
ودفنت ليلاً ، وتولَّى ذلك عليٌّ والعبَّاس وأُخفي قبرها .
وذكر ابن عبد البرِّ: أن الحسن دفن إلى جنب أمِّه . انتهى .
وقبر الحسن معروف في قُبَّة واحدة هو والعبَّاس بن عبد المطلب .
ويؤيِّدُ ذلك ما ذكره المحبُّ الطبري في ((تاريخ المدينة المنورة)): أنَّ الشيخ
أبا العباس المرسيَّ كان يسلِّم على فاطمة أمام قبّةِ العباس، ويذكر أنَّ كُشف له عن
قبرها ثَمَّ . ذكر هذه الترجمة الشيخ محمد بن علي بن علاَّن الصدِّيقي المكي في
((شرح الأذكار)) رحمه الله تعالى، و(رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) فيما أخرجه عنها الإمام
أحمد ، وابن ماجه ، والطبراني .
قال مُغلطاي : حديث فاطمةَ هذا حَسَن ، لكن إسناده ليس بمتَّصل . انتهى ؛
٢٠٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ .. قَالَ :
((باسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاج مُحَمَّدٍ)). رَوَاهُ أَنَسٌ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الشُّوقَ .. قَالَ :
(( بِأَسْمِ اللهِ ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ السُّوقِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا ،
نقله المناوي؛ على (( الجامع)) رحمه الله تعالى.
( وَكَانَ) رسول الله (ِّهِ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ؛ قَالَ: ((بِأَسْم الله، الَّلُهمَّ؛ صَلِّ
عَلَىْ مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِ مُحَمَّدٍ)) ) ، أورده المصنف عقب ما تقدَّم !! إشعاراً بندب
الصلاة على النبي وقال﴿ وأزواجه كما يُشرَع السلام عليه أيضا عند دخول المسجد،
لأنَّه محلُّ الذكر .
(رَوَاهُ أَنَسٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) فيما أخرجه ابن السُّنِّي في كتاب ((عمل اليوم
والليلة)) بدون ذكر الأزواج . قال السخاوي : وفي سنده من لا يعرف . قال النووي
في ((الأذكار)): وروينا الصلاة على النبي وَلّر عند دخول المسجد والخروج منه ،
من رواية ابن عمر أيضاً . انتهى كلامه .
( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير))، والحاكم في ((المستدرك)) في ((باب
الدعاء)» بإسناد ضعيف: كلاهما؛ عن بُرَيدة بن الحُصَيْب رضي الله تعالى عنهما قال:
( كَانَ) رسول الله (وَِّ إِذَا دَخَلَ اُلُّوْقَ) أي: أراد دخولها؛ (قَالَ ) عند
الأخذ فيه : (( ( بِأَسْم اللهِ) - أدخلُها - ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ أُلُّوْقِ )
- بضمِّ المهملة ، مؤنّث سماعيٌّ وقد يذكَّر ؛ كما أشار إليه الكرماني .
سُمِّيت بذلك !! لسوق البضائع إليها ، وقيل : لقيام الناس فيها على سُوقهم ؛
جمع ساق ، وقيل : لتصاكك السُّوق فيها من الازدحام -.
( وَخَيْرِ مَافِيْهَا) - مما ينتفع به من الأمور الدنيوية ، ويستعان به على القيام
بوظائف العبودية ، وللوسائل حکمُ المقاصد -.
٢٠٥

وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُصِيبَ
يَمِيناً فَاجِرَةً، أَوْ صَفْقَةً خَاسِرَةٌ )) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاَءَ.
(وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا) في ذاتها ؛ أو مكانها لكونها مكانَ إبليس .
( وَشَرِّ مَا فِيْهَا) أي: من شر ما خلق ووقع فيها ، وسيق إليها مما يشغل عن
ذكر الربِّ سبحانه ، أو مخالفةٍ مِن غشِّ، أو خيانة ، أو ارتكاب عقد فاسد ...
وأمثال ذلك .
وقد ورد أن الشيطان يدخل السوق مع أول داخل ؛ ويخرج مع آخرِ خارج .
( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ أَنْ أُصِيْبَ فِيْهَا يَمِيْناً فَاجِرَةً ) ؛ أي : حلفاً كاذباً ، ( أَوْ
صَفْقَةً خَاسِرَةً)) ) ، أي : عقداً فيه خسارة دنيوية ؛ أو دينية ، وذكرهما تخصيصٌ
بعد تعميم ، لكونهما أهمّ ، ووقوعهما أغلب .
قال المناوي على ((الجامع)): وإنما سأل خيرَها واستعاذ من شرِّها !! لاستيلاء
الغفلة على قلوب أهلِها حتَّى اتخذوا الأيمان الكاذبة شعاراً ، والخديعةً بين
المتبايعين دِثاراً ، فأتى بهذه الكلمات ليخرج من حال الغفلة . فیندبُ لمن دخل
السوق أن يحافظ على قول هذا الذكر ، فإذا نطق الرجل بهذه الكلمات ؛ كان فيه
تحرُّزاً عمّا يكون من أهل الغفلة فيها ، وهذا مؤذِنٌ بمشروعية دخول السوق ، أي :
إذا لم يكن فيه حالَ الدخول معصية كالصّاغة ، وإلاَّ! حَرُم . انتهى .
( وَ) أخرج ابن السنّي في ((عمل اليوم والليلة))؛ من طريق إسماعيل بن
رافع ؛ عن دريد بن نافع ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما - وقال
المنذري : هذا حديث ضعيف . وقال العراقي : إسماعيل مختلف فيه ، ورواية
دريد بن نافع عن ابن عمر منقطعة ، وفي العزيزي : إنَّ هذا الحديث حسن لغيره
- قال :
( كَانَ) رسول الله (﴿ إِذَا دَخَلَ ) أي : أراد أن يدخل ( الخَلاَءَ ) أصلُه المحلُّ
٢٠٦

قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النِّجْسِ ، الْخَبِيثِ
الْمُخْبِثِ، الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ )). وَإِذَا خَرَجَ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي
أَذَاقَتِي لَذَّتَهُ ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَّهُ ، وَأَذْهَبَ عَنِّيَ أَذَاهُ » .
الذي لا أحد به ، ويطلق على المُعَدِّ لقضاء الحاجة ، ويكنَّى به عن إخراج الفضلة
المعهودة ، قال الوليُّ العراقيُّ: والأوَّلان حقيقيان ، والثالث مجازي . قال :
فيحتمل أن المرادَ في الحديث الأولُ ؛ ويوافقه أن الإتيانَ بهذا الذكر لا يختصُّ
بالبنيان عند الفقهاء . وأن المراد الثاني؛ ويوافقه لفظ ((الدخول)). انتهى . نقله
المناوي على ((الجامع )) .
( قَالَ) عند شروعه في الدخول : ( ((الَّلُهمَّ؛ إِنِّي أَعُؤْذُ) أي : ألوذ وألتجىُ
( بِكَ مِن الرَّجْسِ النِّجْسِ ) - قال العلقمي : بكسر الراء والنون وسكون الجيم
فيهما ، لأنه من باب الإتباع ؛ وهو أنواع . فمنه : إتباع حركة فاءٍ كلمةٍ حركةَ فاءِ
أُخرى ، لكونها قرنت معها . وسكون عين كلمة لسكون عين كلمة أخرى ، أو
حركتها كذلك . انتهى ؛ نقله العزيزي -.
( الخَبِيْثِ ) في نفسه ( أُلمُخْبِثِ ) لغيره - بضمِّ الميم فسكون الخاء المعجمة ؛
فكسر الموحدة - أي : الذي يوقع الناس في الخبائث والنجاسات الحسيّة
والمعنوية ؛ أي : يفرح بوقوعهم فيها ( الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ)) ) ؛ أي : المرجوم .
(وَإِذَا خَرَجَ؛ قَالَ: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذَاقَنِيْ لَذَّتَهُ) - أي : المأكول
والمشروب - ( وَأَبْقَىْ فِيَّ) - بتشديد الياء - ( قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّيَ أَذَاهُ)) ) بإذهاب
فَضْلته .
وخصَّ هذا الدعاء بالخارج من الخلاء !! للتوبة من تقصيره في شكر النعمتين
المنعَم على العبد بهما ، وهما : ١ - ما أطعمه ثم هضمه ثم سهَّل خروج الأذى
منه . و٢ - أبقى فيه قوّة ذلك .
٢٠٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْجَبَّانَةَ .. يَقُولُ: ((السَّلَامُ
عَلَيْكُمْ أَتُهَا الأَزْوَاحُ الْفَانِيَّةُ، وَالأَبْدَانُ الْبَالِيَةُ، وَأَلْعِظَامُ النَّخِرَةُ الَّتِي
خَرَجَتْ مِنَ الدُّنْيَا وَهِيَ بِاللهِ مُؤْمِنَةٌ ، اَللَّهُمَّ؛ أَدْخِلْ عَلَيْهِمْ رَوْحاً مِنْكَ
وَسَلَاَمَاً مِنَّا)).
( وَ) أخرج ابن السُّنِّي في ((عمل اليوم والليلة))؛ عن ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (بَّهِ إِذَا دَخَلَ الجَبَّانَةَ) - بالجيم والموحدة
المشدَّدة المفتوحتين -: محلُّ الدفن. سُمِّ به !! لأنه يجبن ويفزع عند رؤيته ،
ويذكر الحلول فيه .
وقال ابن الأثير : الجبَّانة الصحراءُ، وتسمَّى بها المقابر !! لأنها تكون في
الصحراء؛ تسميةً للشيء باسم موضعه . ذكره المناوي؛ على ((الجامع)).
( يَقُولُ: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَرْوَاحُ الفَانِيَةُ ) ؛ أي : الفاني أجسادُها ، إذ
الأرواح لا تفنى ، ولذا أتى بالجملة بعدها مفسِّرة لذلك ، أعني قوله :
(وَاْلْأَبْدَانُ الْبَالِيَةُ ) ؛ أي : في غير نحو الشهداء ممن لا تبلى أجسادهم ؛
المنظومةِ في قول بعضهم :
لِعَالِمٍ وَشَهِيْدٍ قَتْلَ مُعْتَرَكِ
لاَ تَأْكُلُ الأَرْضُ جِسْماً لِلنَّبِيِّ وَلاَ
أَذَانَهُ لإِلهِ مُجْرِيَ الْفَلَكِ
وَلَاَ لِقَارِىءٍ قُرْآنٍ وَمُحْتَسِبٍ
غَدَا مُحِبّاً لأَجْلِ الْوَاحِدِ المَلِكِ
وَزِيْدَ مَنْ صَارَ صِدِّيْقاً كَذَلِكَ مَنْ
كَثِيْرُ ذِكْرٍ وَهذَا أَعْظَمُ النُّسُكِ
وَمَنْ يَمُوتُ بِطَعْنٍ وَالرَّبَاطِ وَمَنْ
( وَأَلِظَامُ النَّخِرَةُ): المتفتَّة، تقول: نَخِر العظم نخراً من باب ((تعب)):
بَلِيَ وتفتَّت ؛ فهو نَخِرٌ وناخِرٌ ( الَّتِيْ خَرَجَتْ) - صفة للأرواح - ( مِنَ الذُّنْيَا ؛ وَهِيَ
بِللهِ ) ؛ لا بغيره كما يُؤذِن به تقديم الجارِّ والمجرور على قوله ( مُؤْمِنَةٌ) أي :
مصدِّقة موقنة . ( اللَّهُمَّ؛ أَدْخِلْ عَلَيْهِمْ رَؤحاً ) - بفتح الراء -؛ أي سعة واستراحة
ورحمة ( مِنْكَ وَسَلَاَماً مِنَّا ) .
٢٠٨

قَوْلُهُ: ( الأَرْوَاحُ اَلْفَانِيَةُ) أَي: الْفَانِيَةُ أَجْسَادُهَا.
قال المناوي على ((الجامع)): أي دعاءً مقبولاً ، وأخذ ابن تيمية من مخاطبته
للموتى أنَّهم يسمعون ، إذ لا يخاطب مَن لا يسمع ، ولا يلزم منه أن يكون السمع
دائماً للميت ، بل قد يسمع في حالٍ ؛ دون حال ، كما يعرض للحيِّ ، فإنَّه قد
لا يسمع الخطاب لعارض ، وهذا السمع سمعُ إدراك لا يترتَّب عليه جزاء ؛ ولا هو
السمع المنفيُّ في قوله ﴿ إِنَّكَ لَا تُتَمِعُ اَلْمَوْقَى﴾ [٨٠/ النمل]، إذ المرادُ به سمعُ قبول
وامتثالٍ أمر ، ولذلك قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى :
جَاءَتْ بِهِ عِنْدَنَا أُلآثَارُ فِي الكُتُبِ
سَمَاعُ مَوْتَى كَلاَمِ الخَلْقِ قَاطِبَةً
لاَ يَهْتَدُونَ وَلاَ يُصْغُونَ لِلأَدَبِ
وَآَيَّةُ النَّفٍْ مَعْنَهَا سَمَاعُ هُدَىّ
قال الحِفْني: وفي رواية: ((إِنَّ مَنْ دَخَلَ الجَبَّانَةَ؛ فَقَالَ (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ اللهِ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ ، الَّلَهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الأَزْوَاحِ
الفَانِيَةِ، وَالأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، وَأَلْعِظَامِ النَّخِرَةِ، وَالجُلُودِ المُمَزَّقَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ
الدُّنْيًا وَهِيَ بِكَ مُؤْمِنَّةٌ؛ أَنْزِلْ عَلَيْهَا رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ وَسَلاَماً مِنِّي ) غُفِرَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ
مَاتَ مِنْ لَدُنْ خُلِقَ آدَمُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ » .
قال شيخنا : وهذا الغفران حاصلٌ أيضا برواية المتن . انتهى كلام الحفني .
وقال المناوي على ((الجامع)): جاء في كثير من الروايات أنَّه كان إذا وقف
على القبور؛ قال: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمِ مُؤْمِنِيْنَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ
لاَحِقُونَ )). قال البَطَلْيُوسي: وهنا مما استعملت فيه ((إن)) مكان ((إذا))، فإنَّ كلّ
منهما يستعمل مكانَ الآخر . انتهى .
( قَوْلُهُ) في الحديث ( ((الأَزْوَاحُ الفَانِيَةُ)) ؛ أَيْ: الفَانِيَةُ أَجْسَادُهَا) ، إذ
الأرواح لا تفنى كما تقدَّم ، بل هي من الثمانية المستثناة في قول بعضهم :
مِنَ الهُلْكِ وَالْبَاقُونَ فِي حَيِِّ العَدَمْ
ثَمَانِيَةٌ حُكْمُ البَقَاءِ يَهُمُّهَا
وَعَجْبٌ وَأَزْوَاحٌ كَذَا الَّلَوْحُ وَالقَلَمْ
هِيَ العَرْشُ وَاُلْكُرْسِيُّ نَارٌ وَجَنٌَ
٢٠٩

وَ( الرَّوْحُ) : السَّعَةُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِالْمَقَابِرِ .. قَالَ: ((السَّلَامُ
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ،
وَالصَّالِحِينَ وَالصَّالِحَاتِ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ )).
( وَالرَّوْعُ) - بفتح الراء _؛ في قوله ((رَوحاً مِنْكَ)) المرادُ به: (الشَّعَةُ)
والاستراحة .
( وَ) أخرج ابن السنِّي - بإسناد ضعيف؛ كما قال الحافظ ابن حجر في ((أمالي
الأذكار)) - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (ِ﴿ إِذَا مَرَّ بِالمَقَابِرِ ) أي: مقابر المسلمين ؛ (قَالَ:
((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ) - بحذف حرف النداء، وسُمِّيت القبورُ
((دِياراً)) !! تشبيهاً لها بديار الأحياء في الدنيا ، لاجتماع الموتى فيها وإقامتهم بها -
( مِنَ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَالمُسْلِمِيْنَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالصَّالِحِيْنَ وَالصَّالِحَاتِ ،
وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُوْنَ )) ) أي: لاحقون بكم في الوفاة ، وقيَّد المشيئة !!
للتبرُّك والتفويض إلى الله تعالى .
قال الخطّابي : وفيه أنَّ السلام على الموتى كهو على الأحياء ، خلاف ما كانت
الجاهلية عليه .
قال المناوي على ((الجامع)): وقد ورد بمعنى هذا الحديث في ((مسلم))؛
فقال: كان يعلِّمُهم إذا خرجوا إلى المقابر (( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ
وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةِ ».
وفي خبر الترمذي: كان إذا مرَّ بقبور المدينة؛ قال: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ
القُبُورِ ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفْنَا، وَنَحْنُ بِالأَثَرِ )) . انتهى .
( وَ) أخرج أبو داود وسكت عليه، - وأَقرَّه المنذري، وفي العزيزي: إن
٢١٠

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيْتِ . . وَقَفَ عَلَيْهِ
فَقَالَ: ((إِسْتَغْفِرُوا لِأَخِيَكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)).
إسناده حسن . انتهى - وكذا رواه الحاكم والبزَّار : كلُّهم ؛ عن عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيْتِ ) أي : المسلم .
قال الطيبيُّ : والتعريفُ للجنس ، وهو قريبٌ من النّكِرات .
(وَقَفَ عَلَيْهِ) أي: على قبره هو وأصحابه صفوفاً؛ (فَقَالَ: ((اِسْتَغْفِرُوا
لأَخِيْكُمْ) - في الإسلام - ( وَسَلُوْا لَهُ اُلْتَّبِيْتَ) - أي: اطلبوا له من الله تعالى أن
يثبّتَ لسانَه وجنانه لجواب الملكين - (فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ))) - بضمٌ أوَّله -؛ أي : يسأله
الملكان : منكر ونكير ، فهو أحوج ما كان إلى الدعاء والاستغفار ، وذلك لكمال
رحمته وَ له بأُمّته ، ونظره إلى الإحسان إلى ميتهم ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم
معاده .
قال الحكيم الترمذي : الوقوف على القبر وسؤالُ التثبيت للميت المؤمن في
وقت دفنه مددٌ للميت بعد الصلاة ، لأنَّ الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له
اجتمعوا بباب الملك يشفعون له ، والوقوف على القبر بسؤال التثبيت مددُ العسكر ،
وتلك ساعةُ شُغْل المؤمن ، لأنَّه يستقبله هولُ المطلع والسؤال وفتنته ، فيأتيه منكر
ونكير ؛ وخَلْقُهما لا يشبه خلق الآدميين ، ولا الملائكة ، ولا الطير ، ولا البهائم ،
ولا الهوام ، بل خلق بديعٌ ، وليس في خلقهما أُنْسٌ للناظرين !! جَعَلهما الله مكرمةً
للمؤمن لتثبيته ونصرته ، وهتكاً لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يَحُلَّ
عليه العذاب .
وإنما كان مكرمة للمؤمن !! لأن العدوَّ لم ينقطع طَمَعُه بعدُ، فهو يتخلَّل السبيل
إلى أن يجيء إليه في البرزخ ، ولو لم يكن للشيطان عليه سبيلٌ هناك ؛ ما أمر رسول
الله ◌َالله بالدعاء بالتثبيت !!.
٢١١

·
وقال الإمام النووي : قال الشافعي والأصحابُ : يسنُّ عقبَ دفنه أن يقرأ عنده
من القرآن ، فإن ختموا القرآن كلَّه فهو أحسنُ . قال :
ويندب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوَّل البقرة وخاتِمَتَها . وقال المظهري : فيه
دليلٌ على أنَّ الدعاء نافع للميت ، وليس فيه دلالةٌ على التلقين عند الدفن ؛ كما هو
العادة .
لكن قال النووي : اتفق كثيرٌ من أصحابنا على ندبه !!.
قال الآجرِّيُّ في (( النصيحة )): يسنُّ الوقوف بعد الدفن قليلاً ، والدعاء للميت
- مستقبل وجهه - بالثبات، فيقال (( اللهمَّ ؛ هذا عبدُك وأنت أعلم به منا ، ولا نعلم
منه إلاَّ خيراً، وقد أجلستَه تسألُه ، اللهمَّ؛ فثبَتْه بالقول الثابت في الآخرة كما ثَبَّهُ
في الدنيا ، اللهمَّ؛ أرحمه وألحقه بنبيّه، ولا تضلَّنا بعده، ولا تحرمنا أجره ))) .
انتهى. ذكر ذلك كلَّه المناويُّ رحمه الله تعالى على (( الجامع)).
واستدلَّ الشافعيَّةُ على ندب التلقين بعد الدفن : بما رواه الطبراني في
((الكبير))؛ عن أبي أمامة رضي الله عنه أنَّه قال: إذا أنا مِثُ فاصنعوا بي كما أَمر
رسول الله وسلم أنْ نصنع بموتانا: أمرنا رسول الله وَّه؛ فقال:
((إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ فَسَوَّيْتُمُ الثُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ ؛ فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ
قَبْرِهِ ، ثُمَّ لِيَقُلْ يَا فُلاَنُ بنَ فُلاَنَةَ ؛ فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلاَ يُجِيْبُ، ثُمَّ يَقُولُ يَا فُلاَنُ بنَ فُلاَنَةً
فَإِنَّهُ يَقُولُ : أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ !. وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ؛ فَلْيَقُلْ أُذْكُرْ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ فِي
الدُّنْيَا مِنْ شَهَادَةٍ أن لاَّ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيْتَ بِاللهِ
رَبّاً ، وَبِالإِسْلاَمِ دِيْناً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيّاً، وَبَالقُرْآنِ إِمَاماً فَإِنَّ مُنْكَراً وَنَكِيْراً يَأْخُذُ كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِ صَاحِبهِ؛ فَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا، مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ مَنْ لُقْنَ حُجَّتَهُ !! )).
فقال رجل : يا رسول الله ؛ فإن لم يعرف أُمّه !؟ قال: ينسبُه إلى أُمّه حواءَ :
يا فلانُ بنَ حوَّاء .
٢١٢

.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَيَّعَ جَنَازَةً .. عَلَاَ كَرْبُهُ،
قال في (( سبل السلام )) للسيد محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى:
قال الحافظ ابن حجر : إسناده صالحٌ ، لكن قال الهيثميُّ بعد سياقه : أخرجه
الطبراني في (( الكبير)) ، وفي إسناده جماعةٌ لم أعرفهم ! وجزم ابن القيم في
((الهدي )» بوضع حديث التلقين .
وأما في ((كتاب الروح)) !! فإنه جعل حديث التلقين من أدِلَّة سماع الميت
لكلام الأحياء ، وجعل اتصال العمل بحديث التلقين من غير نكيرٍ كافياً في العمل
به، ولم يحكم له بالصحّة ، بل قال في (( كتاب الروح)): إنَّ حديث ضعيف .
قال السيد الصنعاني في ((سبل السلام)): ويتحصَّل من كلام أئمة التحقيق: أَنَّه
حديث ضعيف ، وبه جزم النووي - كما ذكره في (( شرح الروض)) - وقال : لكن
أحاديث الفضائل يُتَسامح فيها عند أهل العلم ، وقد اعتضد هذا الحدیث بشواهد من
الأحاديث الصحيحة؛ كحديث ((اسْأَلُوا اللهَ لَهُ التَّثْبِيْتَ))، ووصية عَمْرو بن العاصي
إذ قال حين حضرته الوفاةُ : فإذا دفنتموني فشئُّوا علي التراب شنّاً ، ثمَّ أقيموا حول
قبري قدرَ ما تُنْحَر جزور ويقسَمُ لحمها ؛ حتى أستأنِسَ بكم وأعلم ماذا أُراجع به
رسل ربي. رواه مسلم. لكن في ((سبل السلام)): إن قصة عمرو بن العاصي
وحديث ((إِسْأَلُوا لَهُ الَّفْبِيْتَ)) لا شهادة فيهما على التلقين .
قال في (( شرح الأذكار)) للشيخ محمد بن علاَّن الصدِّيقي المكي رحمه الله
تعالى : وقد ألَّفَ الحافظ السخاوي جزءاً في التلقين نقل فيه عن أئمةٍ من أئمة
المذاهب الأربعة استحبابه ؛ وأطال في ذلك ، وتكلّم فيه على حديث التلقين
وشواهدِه ؛ وبلغ فيه بضعة عشر شاهداً . والله أعلم .
( وَ) أخرج الحاكم في كتاب ((الكنى والألقاب))؛ عن عمران بن حصين
رضي الله عنهما قال: ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا شَيَّعَ جَنَازَةٌ عَلَا كَرْبُهُ) - بفتح
الكاف وسكون الراء بعدهما موحدة ؛ هو ما يدهمُ المرءَ مما يأخذ بنفسه فيُغِمّه
٢١٣

وَأَقَلَّ الْكَلاَمَ ، وَأَكْثَرَ حَدِيثَ نَفْسِهِ .
ويحزنه ــ ( وَأَقَلَّ الكَلَامَ، وَأَكْثَرَ حَدِيْثَ نَفْسِهِ ) . تفكُّراً في أهوال الموت
وما بعده ؛ من القبر والظلمة وأحوال القيامة ، وما إليه المصير . ولعل مستند
الراوي في ذلك إخبارُهُ وَّرِ، وإلاَّ! فهو أمر خفيٌّ لا يُطَّلَع عليه .
وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في (( الكبير )) بسند فيه ابن لهيعة - عن ابن
عبَّاس رضي الله تعالى عنهما - بلفظ: كان إذا شهد جنازةً رُئِيَتْ عليه كآبة ، وأكثرَ
حديث النفس .
وأخرجه أيضاً ابن المبارك وابن سعد في (( الطبقات))؛ عن عبد العزيز بن
أبي رواد مرسلاً بلفظ : كان إذا شهد جنازة أكثر الصُّمات وأكثر حَدیث نفسه .
قال المناوي في ((شرح الجامع)): قال في ((فتح القدير)): ويكره لمشيِّع
الجنازة رفع الصوت بالذكر والقراءة ، ويذكر في نفسه . انتهى .
وقال النووي في ((الأذكار)) : يستحبُّ للماشي مع الجنازة أن يكون مشتغلاً
بذكر الله تعالى والفكرِ فيما يلقاه الميت ، وما يكون مصيرُه ، وحاصلُ ما كان فيه ،
وأنَّ هذا آخر الدنيا ، ومصير أهلها ، وليحذر كلَّ الحذر من الحديث بما لا فائدة
فيه ، فإنَّ هذا وقتُ فكرٍ وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو ، والاشتغال بالحديث الفارغ ،
فإنَّ الكلام بما لا فائدة فيه منهيٌّ عنه في جميع الأحوال ؛ فكيف في هذا الحال !!
واعلم أنَّ الصواب والمختارَ ما كان عليه السَّلَف رضي الله عنهم من السكوت في
حال السَّيْر مع الجنازة ، فلا يُرْفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك .
قال ابن علان في (( شرح الأذكار)): لأن الصحابة كرهوا ذلك حينئذ . رواه
البيهقي ، وكره الحسن وغيره ((اسْتَغْفِرُوا لأَخِيْكُمْ)) ، وَمن ثمّ قال ابن عمر لقائله :
لا غفَر الله لك .
لكن رأَيت السيد طاهر الأهدل نقل عن جدِّه السيد حسين بن عبد الرحمن
الأهدل ما لفظه :
٢١٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى النِّسَاءَ عَنِ أَتَّبَاعِ الْجَنَائِ .
اعلم أنَّه ؛ وإن كانت السُّنَّةُ السكوتَ ؛ فقد اعتاد الناس كثرة الصلاة على
النبي ◌َّ﴿ ورفع أصواتهم بذلك، فلا ينبغي أن يُنْهَوا عن ذلك ؛ ويقال إنها بدعة
مكروهة ، فإنَّ المكروه ما ورد فيه نهيٌ مقصود ، ولأن دواعيهم لا تتوفّر على
السكوت ، والفكر في أمر الموت ، بل يفيضون في حديث الدنيا بأهلها فيقعونَ في
محذورٍ أَعظمَ من الذي يحاوله الناهي ، وقد قالوا : إنَّ الناهي يتركُ النهي عن المنكر
إذا لزم عليه الوقوعُ في منكر أقوى منه . انتهى .
ونقله ابن زياد في ( فتاويه )) ؛ وقال بعد نقله :
وقد جرت العادة في بلدنا ((زبيد)) بالجهر بالذكر أمام الجنازة بمحضر من
العلماء والفقهاء والصلحاء ، وقد عمَّت البلوى بما شاهدناه من اشتغال غالب
المشيِّعين بالحديث الدنيوي ، وربَّما أَذَّاهم ذلك إلى الغيبة أو غيرها من الكلام
المحرَّم .
فالذي أَختاره أنَّ شغل أسماعهم بالذكر المؤدِّي إلى ترك الكلام وتقليله أولى من
استرسالهم في الكلام الدنيوي ؛ ارتكاباً لأخفِّ المفسدتين ، كما هو القاعدة
الشرعية ، وسواء الذكر والتهليل وغيرهما من أنواع الذكر . والله اعلم . انتهى كلام
(( شرح الأذكار » .
( وَ) في ((كنوز الحقائق)) ورمز له برمز ابن سعد في ((الطبقات)):
( كَانَ ) رسول الله (وَهِ يَنْهَىْ النِّسَاءَ عَنِ أَتَّبَاعِ الجَنَائِ ) .
وقد أخرج الطبراني والبيهقي في (( سننه)) ؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما :
(( لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي أَتِّبَاعِ الْجَنَائِزْ أَجْرٌ )).
وأخرج الطبراني في «الكبير))، والبزَّارُ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما : ((لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي الجَنَازَةِ نَصِيْبٌ )).
٢١٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَزَّى .. قَالَ: ((يَرْحَمُهُ اللهُ وَيُؤْجِرُكُمْ)).
وفي ((الصحيحين))؛ عن أمّ عطيّة رضي الله تعالى عنها : نُهينا عن اتباع
الجنائز ؛ ولم يعزَمْ علينا . أي : نهياً غيرَ محثَّم ، فهو نهيُ تنزيه يفيد الكراهة في
حقِّهنَّ فقط .
وأما ما رواه ابن ماجه وغيره مما يدلُّ على التحريم !! فضعيفٌ، ولو صحَّ ،
حُمل على ما يتضمَّن حراماً . أمَّا اتباعُ الجنازة للرجال إلى أن تدفن !! فسنَّةٌ
متأكِّدةٌ، لخبر: أَمَرنا رسول الله وَّر باتباع الجنائز .
( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي؛ ورمز له برمز أبي نعيم في ((الحلية)):
( كَانَ) رسول الله (وَ ﴿ إِذَا عَزَّى ) التعزية معناها - لغةً -: التصبير لمن أُصيب بما
يَعِزُّ عليه . وقد يُطلَقُ على الصبر على المكروه . و- شرعاً -: الحملُ على الصبر
بوعد الأجر والتذكير بأن الأمور جميعَها مرجعُها لله تعالى ، وأنَّ له ما أخذ
وما أَعطى ، والتحذيرُ من الوزر بالجزع، والدعاء للميت المسلم بالمغفرة ...
ونحو ذلك .
وهي مستحبَّةٌ على سبيل التأكيد ، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وهي داخلةٌ في قوله تعالى ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى﴾ [٢/ المائدة].
وثبت في ((الصحيحين))؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من حديث
طويل: أنَّ رسول الله بِ ◌ّه قال: ((وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيْهِ » .
وروى الترمذي والبيهقي في (( سننه الكبرى))؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله
تعالى عنه؛ عن النبي وَلهم أنَّه قال: ((مَنْ عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ)). وإسناده
ضعيف، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا عزَّى ( قَالَ: ((يَرْحَمُهُ اللهُ) - أي :
يرحم الله الميت - ( وَيُؤْجِرُكُمْ)) ) معاشرَ الأقارب ، ويدخل وقت التعزية من حين
يموت ، والتعزية بعد الدفن أفضلُ منها قبلَه ، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه .
وتحصل التعزية بأيِّ لفظ . واستحبَّ الشافعية أن يقول :
٢١٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا هَنََّ .. قَالَ: ((بَارَكَ اللهُ لَكُمْ،
وَبَارَكَ عَلَيْكُمْ )) .
١ - في تعزية المسلم بالمسلم ((أعظمَ اللهُ أجرك، وأحسن عزاك ، وغفر
لمیِّتِك )) .
و٢ - في المسلم بالكافر ((أعظم الله أجرك وأحسن عزاك)).
و٣ - في الكافر بالمسلم (أحسنَ الله عزاءك وغفر لميِّتك)).
و٤ - في الكافر بالكافر ((أخلفَ الله عليك)).
وأحسنُ ما يُعَزَّى به ما ثبت في ((الصحيحين))؛ عن أسامة بن زيد رضي الله
تعالى عنهما في حديث بنت النبي و ﴿ التي أرسلت تدعوه وتخبرُه أنَّ ابناً لها في
الموت فقال للرسولِ: ((ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ وَللهِ مَا أَعْطَىْ، وَكُلُّ شَيْءٍ
عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ... )) وذكر تمام الحديث ؛ قاله
النووي رحمه الله تعالى .
( وَ) في (( كنوز الحقائق )» ورمز له برمز ابن منيع ؛
( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَاَ هَنَّأَ) - بالتشديد والهمزة آخره - والتهنئة : الدعاء
بالهنا لمن فاز بخيرٍ ديني؛ أو دنيوي لا يضرّه في دينه؛ قاله في ((شرح الأذكار ».
( قَالَ ) في تهنئته ( ((بَارَكَ اللهُ لَكُمْ) - أي: كثَّر لكم النموَّ والإنعام والأمن من
كلِّ مؤذٍ في هذا الأمر المهم الذي يحتاج إلى الإمداد - ( وَبَارَكَ عَلَيْكُمْ)) ) أعاد
العامل !! لزيادة الابتهال .
قال الكرماني في أواخر ((كتاب الدعوات))؛ من ((شرح البخاري)): أراد
بقوله ((بَارَكَ اللهُلَكَ)) اختصاصَ البركة، وبقوله ((عليك)) استعلاءً عليه. انتهى.
وهذا الذكر ورد الدعاءُ به للمتزوِّج، فقد قال ◌َله لجابر بن عبد الله رضي الله
عنهما حين أخبره أنَّه تزوَّج: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ)) أخرجه الشيخان ،
والترمذي ، والنسائي عنه .
٢١٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ .. قَالَ :
((لاَ بَأْسَ ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَىْ )).
قال النووي : وَرُوِّيْنَا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه
وغيرها ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّ النبي ◌َّ كان إذا رَفَّأَ الإِنسان إذا
تزوَّج، قال: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكِ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ)). قال
الترمذي : حديث حسنٌ صحيح .
قال المناوي : وأخرج النسائي ، وابن ماجه ؛ عن عقيل بن أبي طالب أنَّه تزوَّج
بامرأة من بني جشم، وقالوا (( بالرفاء والبنين))؛ فقال : لا تقولوا هكذا ، ولكن
قولوا كما قال رسول الله وَّهِ («بَارَكَ اللهُ لَهُمْ وَبَارَكَ عَلَيْهِمْ)).
وأخرج الحارث بن أبي أسامة ، والطبراني في (( الكبير))؛ عن عقيل بن أبي
طالب رضي الله تعالى عنه: إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيقُلْ لَهُ «بَارَكَ اللهُ لَكَ وَبَارَكَ
عَلَيْكَ )) .
قال المناوي على ((الجامع)): وكانت عادة العرب إذا تزوَّج أحدهم ، قالوا له
(( بالرفاء والبنين )) فنهى عن ذلك وأبدلَه بالدعاء المذكور .
قال النووي: ويكره أن يقال ((بالرفاء والبنين)) لهذا الحديث . انتهى .
وقد ألَّف الحافظ السيوطي في هذا المعنى جزءاً سمَّاه (( حصول الأماني بأصول
التهاني))، وأورد فيه أحاديث وأثاراً في التهنئة بأحوال عالية وأزمنة فاضلة وأعمال
كاملة وحوادث مسفرة .
(وَكَانَ) رسول الله (ِِّ إِذَا دَخَلَ عَلَىْ مَرِيْضٍ بَعُوْدُهُ، قَالَ: ((لاَ بَأُسَ ) - أي :
لا ضرر ولا مشقَّة عليك هو - ( طَهُوْرٌ) - بفتح الطاء ؛ أي مرضك مطهِّر لك من
ذنوبك - ( إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَىْ)) ). وذلك يدلُّ على أن ((طَهُورِ)) دعاءٌ لا خبر فيه .
وفيه أنَّه لا نقص على الإمام في عيادة بعض رعيَّه ؛ ولو أعرابياً جاهلاً جافياً ،
ولا نقص على العالِم في عيادة الجاهل ليعلِّمه ويذكِّره ما ينفعه ، ويأمره بالصبر
٢١٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ .. قَالَ :
((اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَراً .. قَالَ :
ويسلِّيه .... إلى غير ذلك مما يجبر خاطره وخاطرَ أهله .
وهذا الحديث أخرجه البخاري في (( الطب )) وغيره ؛ عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما قال: دخل النبي ◌َّهِ على أعرابي يعوده؛ فقال: ((لاَبَأْسَ، طَهُورٌ)).
فقال الأعرابي : كلاَّ؛ بل هي حُمَّى تفور على شيخ كبير تزيره القبور . فقال
النبي ◌َ ﴿ه: ((فَنَعَمْ؛ إِذْن ».
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والشيخان ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ؛
كلهم في (( الزكاة )) ؛ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) النبي (وَ﴿ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ) أي : بزكاة أموالهم ؛ ( قَالَ ) امتثالاً
لقول ربه له ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [١٠٣/ التوبة]: ( ((اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى آلِ قُلاَنٍ)) ) كناية
عمن ينسبون إليه ، أي : زَكِّ أموالهم التي بذلوا زكاتها ، واجعلها لهم طهوراً ،
واخلف عليهم ما أخرجوه منها ، واعطف عليهم بالرحمة ، واغفر لهم ؛ إنَّك أنت
الغفور الرحيم .
وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام ؛ إذ يكره تنزيهاً إفراد الصلاة على غير
نبي ؛ أو ملك ، لأنَّه صار شعاراً لهم إذا ذكروا ، فلا يقال لغيرهم ؛ وإن كان معناه
صحيحاً . وتمام الحديث عن ابن أبي أوفى ؛ قال : فأتاه أبي بصدقته ؛ فقال :
((اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى آلٍ أَبِي أَوْفَى )).
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والبزَّار بسند رجاله ثقات؛ عن علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) النبي (وَ﴿ إِذَا أَرَادَ سَفَرَاً) لغزو .. أو نحوه
( قَالَ ) عند خروجه له :
٢١٩

((اَللَّهُمَّ؛ بِكَ أَصُولُ ، وَبِكَ أَحُولُ ، وَبِكَ أَسِيرُ)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ أَنْتَ
عَضُدِي ، وَأَنْتَ نَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ ، وَبِكَ أَصُولُ ، وَبِكَ أُقَاتِلُ )).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ ، أَوْ حَجِّ ، أَوْ
عُمْرَةٍ ..
( ((اللَّهُمَّ؛ بِكَ أَصُوْلُ) - أي: أسطو على العدو وأحمل عليه - ( وَبِكَ أَحُوْلُ )
- أي : أتحوَّل عن المعصية ، أو أتحوَّل وأنتقل عن مكاني ؛ أي ذهابي إلى العدو
إنما هو بقدرتك ـ ( وَبِكَ أَسِيْرُ )) ) إلى العدو فانصرني عليه .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود في ((الجهاد))، والترمذي ، وابن ماجه
في ((الدعوات))، وابن حبان، والضياءُ المقدسي في (( المختارة)) بأسانيد
صحيحة ؛ كلُّهم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) النبي (وَّهِ إِذَا غَزَا)؛ أي: خرج للغزو (قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ أَنْتَ
عَضُدِيْ ) - أي : معتمدي في جميع أموري ، لا سيما في الحرب ، فأنا أتقوَّى بك
كما يتقوَّى الشخص بعضده ــ ( وَأَنْتَ نَصِيْرِيْ ) ؛ - أي: كثير النصر على أعدائي .
( بِكَ أَحُوْلُ ) - بحاء مهملة ، من حال يحول ، بمعنى : احتال ، والمراد : كيد
العدو - ( وَبِكَ أَصُوْلُ) - بصادٍ مهملة ؛ أي: أقهر . قال القاضي : الصَّوْل :
الحمل على العدو ، ومنه الصائل ـ (وَبِكَ أُقَاتِلُ)) ) العدو .
( وَ) أخرج الإمام مالك في ((الموطأ))، والإمام أحمد، والشيخان في
((الحج))، وأبو داود، والترمذي في ((الجهاد))؛ كلَّهم عن ابن عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ) النبي (نَّهِ إِذَا قَفَلَ ) - بقاف ثم فاء - أي: رجع وَزْناً ومعنىً، ومنه
القافلة ؛ أي : الراجعة ( مِنْ غَزْوٍ ؛ أَوْ حَجٌّ ؛ أَوْ عُمْرَةٍ ) .
قال الحافظ في ((الفتح)): ظاهره اختصاص الذكر الآتي بهذه الأمور الثلاثة ،
٢٢٠