النص المفهرس
صفحات 161-180
وَآَجَرَ نَفْسَهُ قَبْلَ النَُّرَّةِ فِي رِعَايَةِ أَلْغَنَمِ ، وَلِخَدِيجَةَ فِي سَفَرٍ التِّجَارَةِ . النبيِ وَله: ((بَيْعاً أَمْ عَطِيَّةً!)). أو قال ((هِبَةً!)). قال: لا ؛ بل بيع. فاشترى منه شاة . ( وَآَجَرَ نَفْسَهُ قَبْلَ اُلُُّوَّةِ فِي رِعَابَةِ الغَنَم ) . روى البخاري في « صحيحه » ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ◌َّه قال: ((مَا بَعَثَ اللهُ نَبًِّ إِلَّ رَعَى الغَنَمَ )). فقال أصحابه: وأنتَ !! فقال: (( نَعَمْ؛ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَگَّةَ )) . قال في ((فتح الباري )) : قال العلماء : الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما يكلّفونه من القيام بأمر أُمَّتهم ، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة ؛ لأنَّهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرُّقها في المرعى ، ونقلها من مسرح إلى مسرح ، ودفع عدوِّها من سَبُع وغيره ؛ كالسارق ، وعلموا اختلاف طبائعها وشدَّة تفرّقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ؛ ألِفُوا من ذلك الصبرَ على الأُمّة ، وعرفوا اختلاف طِباعها وتفاوت عقولِها ؛ فجبروا كسرَها ، ورفقوا بضعيفها ، وأحسنوا التعاهد لها ، فيكون تحمُّلُهم لمشقَّةِ ذلك أسهلَ ممَّا لو كُلِّفوا القيام بذلك من أوَّل وهلة، لما يحصُل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم . وخُصَّت الغنم بذلك !! لكونها أضعفَ من غيرها ، ولأنَّ تفرّقَها أكثرُ من تفرُّق الإبل والبقر ، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالرّبط ؛ دونها في العادة المألوفة ، ومع أكثرية تفرُّقها فهي أسرعُ انقياداً من غيرها . انتهى . ( وَ) آجر نفسَه قبل النبوة وعمرُه إذ ذاك خمسٌ وعشرون سنة ( لِخَدِيْجَةَ) بنتِ خويلد بن أسد ( فِي سَفَرِ التِجَارَةِ ) ، وکانت خديجة تاجرة ذات شرف ومال کثیر وتجارة ؛ تبعث بها إلى الشام ، فتكون عِيرُها كعامَّة عير قريش ، وكانت تستأجرُ ١٦١ الرجال ؛ وتدفعُ إليهم المال مضاربة ، وكانت قريش قوماً تُجَّاراً ، ومَن لم يكن منهم تاجراً ؛ فليس عندهم بشيء . وسبب ذلك ــ كما رواه الواقديُّ، وابن السَّكَنِ - : أنَّ أبا طالب قال : يا ابن أخي ؛ أنا رجل لا مال لي ، وقد اشتدَّ الزمان علينا وألحَّت علينا سِنون مُنكرة ، وليس لنا ماذَّة ، ولا تجارة ، وهذه عيرُ قومك قد حضر خروجُها إلى الشام ؛ وخديجةُ تبعث رجالاً من قومك يتَّجرون في مالها ويصيبون منافع ، فلو جئتها لفضَّلَتك على غيرك ، لما يبلغها عنك من طهارتك !! وإن كنتُ أكره أن تأتيَ الشام وأخافُ عليك من يهودَ ؛ ولكن لا نجدُ من ذلك بُدّاً. فقال ◌َِّ: ((لَعَلَّهَا تُرْسِلُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ)) . فقال أبو طالب : أخاف أن تولِّيَ غيرك . فبلغ خديجةَ ما كان مِن محاورة عمِّه له ، وقبلَ ذلك صدقُ حديثه ، وعُظْمُ أمانته ، وكرمُ أخلاقه . فقالت: ما علمتُ أَنَّه يريد هذا !! وأرسلتْ إليه ؛ وقالت : دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدقِ حديثك ، وعُظْمٍ أمانتك ، وكرم أخلاقك ، وأنا أُعطيك ضعف ما أُعطي رجلاً من قومك. فذكر ذلك ◌َ﴿ لعمِّه. فقال: إنَّ هذا لرزقٌ ساقه الله إليك. فخرج ومعه ميسرةُ (( غلام خديجة )) في تجارة لها ، حتى بلغ سوقَ بصرىُ لأربعَ عشرةَ ليلة بقيت من ذي الحجة ، فنزل تحت ظلِّ شجرة في سوق بصرى قريباً من صومعة نسطور الراهب . فقال نسطور الراهب : ((ما نزل تحت هذه الشجرة إِلَّ نبي)). ثمَّ حضر سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى .. وكان بينه وبين رجل اختلافٌ في سلعة، فقال الرجلُ: إِحلفْ باللات والعزى. فقال: ((مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ )). فقال الرجل: القول قولُك. ثم قال لميسرة - وخَلاَ به -: هذا نبيٌّ، والَّذي نفسي بيده ؛ إنه لهو الذي تجدُه أَحبارنا منعوتاً في كتبهم . فوعى ذلك ميسرةُ . ١٦٢ وَأَسْتَدَانَ بِرَهْنٍ ، وَبِغَيْرِ رَهْنٍ ، وَأَسْتَعَارَ ، وَضَمِنَ ، وَوَقَفَ أَرْضاً کَانَتْ لَهُ . ثم انصرف أهل العير جميعاً ، وكان ميسرة يرى في الهاجرة مَلَكين يُظلاّنِه في الشمس ، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة وخديجةُ في عُلِّيّةٍ لها ؛ رأت رسول الله ◌َ﴾ وهو على بعير ، ومَلَكان يُظلأَن عليه ، فأرته نساءَها فعجبن لذلك ، ودخل عليها ◌َ﴿ فأخبرَها بما ربحوا ؛ فسُرَّت ، فلما دخل عليها ميسرةُ أخبرتْه بما رأت ! فقال : قد رأيتُ هذا منذ خرجنا من الشام . وأخبرها بقول نسطوراء ، وقولِ الآخر الذي خالفه في البيع. وقدم وَّه بتجارتها فربحت ضعفَ ما كانت تربحُ ، وأضعفت له ما كانت سَمَّتْه له، وتزوَّج ◌َّ خديجةَ بعد ذلك بشهرين وخمسةٍ وعشرين يوماً . انتهى؛ من ((المواهب)) و((شرحها)). ( وَأَسْتَدَانَ ) وَ﴿رَ (بِرَهْنٍ) . روى البخاريُّ، ومسلم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنَّ النبي ◌َّ اشترى طعاماً مِن يهودي إلى أجل ؛ ورهنه درعاً من حديد . ( وَ) استدان ◌َِّ ( بِغَيْرِ رَهْنٍ). روى البخاريُّ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّ رجلاً أتى النبيِ وَّهِ يتقاضاه بعيراً، فقال رسول الله وَّةِ: «أَعْطُوهُ)). فقالوا : ما نجد إلاَّ سِناً أَفْضلَ من سِنَّهِ !! فقال الرجل : أوفيتني ؛ أوفاك الله . فقال رسول الله وَله: ((أَعْطُوهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَحْسَنَهُمُ قَضَاءً ». ( وَأَسْتَعَارَ) وَِّ. روى البخاريُّ، ومسلم؛ عن قتادة؛ قال: سمعتُ أنساً يقول: كان فَزَعٌ بالمدينة. فاستعار النبي ◌َّ فرساً من أبي طلحة ؛ يقال له ((المندوب))، فلما رجع قال: ((مَا رَأَيْنا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً)). واستعار * أدرعاً من صفوان بن أمية يومَ حُنَين، فقال: أَغَصْبٌ ؛ يا محمَّدُ !! فقال: ((لاَ ؛ بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ)). رواه أبو داود ، والنسائي. (وَضَمِنَ). روى الحاكم بإسناد صحيح أنَّهُ وَّ﴿ تحمَّل عن رجل عَشَرة دنانير؛ ذكره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في (( شرح الروض)» . (وَوَقَفَ ) ◌َِّ (أَرْضاً كَانَتْ لَهُ) من أموال مُخَيْرِيقِ النَّضَري الإسرائيلي ؛ من ١٦٣ وَحَلَفَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعاً ، وَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْحَلْفِ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِى وَرَبٌِّ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ بَلَ وَرَبٍِ﴾ ، بني النضير ، كان عالماً ؛ وكان أوصى بأمواله في السنة الثالثة للنبي وَلّر؛ وهي سبع حوائط، وذلك أوَّل وقف في الإسلام ؛ كما في (( الأوائل)) للشيخ علاء الدين علي دده. لكن هذا خلافُ المصرَّح به في كتب الفقه، والمشهور - كما في (( التحفة))؛ و (( شرح الروض)) - أنَّ أَوَّل وقف في الإسلام هو وقف سيِّدنا عمرَ بنِ الخطاب رضي الله تعالى عنه أرضه التي أصابها بخيبر ، وشرط فيها شروطاً ؛ منها أنَّه لا يباع أصلُها ، ولا يورث ، ولا يوهب ، وأنَّ مَن وَلِيَها يأكل منها بالمعروف ؛ أو يطعم صديقاً غيرَ متموِّل فيه . كما رواه الشيخان . ( وَحَلَفَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيْنَ مَوْضِعاً) بصيغ مختلفة ؛ فتارة يقول (( لاَ؛ وَمُقَلِّب القُلُوبِ))، وتارة يقول ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ))، وطوراً يقول (( وَأَلَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ))، وأكثر أيمانه ((لاَ وَمُصَرِّفِ القُلُوبِ )) كما سيأتي . (وَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى) في كتابه المبين ( بِالحَلِفِ فِي ثَلاَئَةٍ مَوَاضِعَ ) من القرآن : الأول (فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ) في سورة يونس ﴿﴿ وَيَسْتَنْتُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ﴾ أي : ما وعدتنا به من العذاب والبعث. (﴿قُلْ إِى) - نعم - (وَرَبِّ) ﴿ إِنَّهُ لَحَّ وَمَآَ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: قل لهم في الجواب هذه الأمور الثلاثة ﴿إِى وَرَبِّ إِنَّهُ لَحَّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ فقوله ﴿ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ عطفٌ على ((إِيْ))، فهو من مقول القول . ( وَ) الثاني في سورة سبأ في (قَوْلِهِ تَعَالىُ) ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ﴾ (﴿قُلْ﴾) - لهم - (﴿ بَ﴾) - ردٌّ لكلامهم وإثباتٌ لما نَفَوه على معنى ليس الأمر إلاَّ إتيانها - (﴿ وَرَبِّ) لَتَأْتِنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبِ لَا يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَآَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ فقولُه (( لتأتينكم)) تأكيدٌ لما ١٦٤ 1 وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِ لَُعَنُنَّ﴾ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَثْنِي فِي يَمِينِهِ تَارَةٌ، وَيُكَفِّرُهَا تَارَةً ، وَيَمْضِي فِيهَا تَارَةً أُخْرَى . نفوه على أتمِّ الوجوه وأكملها، وقوله ((عَالِم أُلغَيْب ... )) الخ تقويةٌ للتأكيد، لأن تعقيب القسم بجلائل نعوت المقسَم به يُؤذِنُ بفخامة شأنِ المقسَم عليه ؛ وقوَّة إثباته ، وصحَّته ، لما أنَّ ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر . ( وَ) الثالث، في سورة التغابن في ( قَوْلِهِ) تعالى ﴿زَعَمَ اُلَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُعَوّأَ (قُلّ ◌َلَى)﴾ - من المعلوم أنَّ ((بَلَى)) تنقضُ النفيَ وتثبت المنفيَّ. فالمعنى هنا: قل بلى تبعثون (﴿وَرَقِّ). فقولُه (لَُعَنُنَّ﴾) هو المفادُ بها، وإنما أُعيد !! توصُّلاً لتوكيده بالقسم، ولعطف قوله ﴿ ثُمّ ◌َنُقَوْنَّ بِمَا عَمِّلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني: (كَانَ) رسول الله (وَِّ يَسْتَثْنِيْ فِي يَمِيْنِهِ تَارَةً) ؛ أي: يعقُّبُ اليمين بقول (( إن شاء الله )) ونحوه ، كقوله في حديث أبي موسى الأشعري: ((إنِّي - وَاللهِ - إنْ شَاءَ اللهُ؛ لاَ أَحْلِفُ عَلَىْ يَمِيْنٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا)) متفق عليه. قال في (( شرح مسلم)): ويشترط لصحّة هذا الاستثناء شرطان ؛ أحدهما : أن يقولَه مَّصلاً باليمين . والثاني: أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول (( إن شاء الله )) قال القاضي عياض : أجمع المسلمون على أن قولَه ((إن شاء الله )) يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه مثَّصلاً . انتهى . ( وَيُكَفِّرُهَا تَارَةً ، وَيَمْضِيْ فِيْهَا تَارَةً أُخْرَى ) ؛ بأن لا يحنث . روى البخاريُّ؛ عن أنس رضي الله عنه: آلى رسول الله وَّر من نسائه ؛ وكانت انفكّت رجله ، فأقام في مَشْرَبَةٍ (١) تسعاً وعشرين ليلة ، ثم نزل . فقالوا : يا رسول (١) العُلِّيّة. ١٦٥ وَمَدَحَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَأَثَابَ عَلَيْهِ ، وَمَنَعَ الثَّوَابَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَأَمَرَ أَنْ يُحْثَىُ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ اُلُّرَابُ. الله؛ آليت شهراً !! فقال: ((إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ)). (ومَدَحَهُ) بَّهِ ( بَعْضُ الشُّعَرَاءِ ) من الصَّحابة ، ومنهم كعب بن زهير بن أبي سلمى في قصيدته المشهورة ((بانت سعاد ))؛ (فَأَثَابَ ) وَِّ (عَلَيْهِ ) ؛ أي: المدح ، فقد ذكر العلماء أنَّ كعب بن زهير لما أَنشد قصيدة ( بانت سعاد » بين يدي رسول الله صلي وهو يسمع ، ولما وصل إلى قوله : إِنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ ألقى عليه رسولُ الله ◌َ في بردته التي كانت عليه، ولذا قال أهل العلم : هذه القصيدة هي التي حقُّها أن تسمّى بـ ((البردة))، لأن المصطفى وَلّ أعطى كعباً بردته الشريفة. وأمَّا قصيدة البوصيري !! فحقُّها أن تسمَّى بـ ((البرأة))، لأنه كان أصابَه داءُ الفالج ؛ فأبطل نصفَه، وأعيا الأطباء ، فلما نظمها رأى المصطفى وَلقر فمسح بیده علیه فبریء لوقته . وقد بذل معاوية رضي الله عنه لكعبٍ في هذه البردة عشرة آلاف من الدراهم ؛ فقال : ما كنتُ لأُوْثِرَ بثوب رسول الله له أحداً ، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفاً من الدراهم فأخذها منهم ؛ وهي البُردة التي عند السلاطين إلى اليوم . ويقال : إنها التي يلبسها الخلفاء في الأعياد . قال الشامي : ولا وجود لها الآن ، لأن الظاهر أنَّها فقدت في وقعة التتار . قال الزرقاني في (( شرح المواهب)»: وقد جمع اليعمريُّ شعراءَه الذين مدحوه بالشعر من رجال الصحابة ونسائهم ؛ فقارب بهم مائتين . انتهى . ( وَمَنَعَ الثَّوَابَ ) ؛ أي : المكافأة والمجازاة ( فِي حَقِّ غَيْرِهِ) ؛ أي : غير البعض المئاب ، لما رأى من المصلحة في المنع . (وَأَمَرَ ) وَِّ ( أَنْ يُحْثَىْ فِي وُجُوْهِ المَذَّاحِيْنَ اُلْتُّرَابُ)؛ بقوله: ((أَحْتُوا الثُّرَابَ ١٦٦ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَلَفَ .. قَالَ: ((وَأَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِیَدِهِ » . في وُجُوهِ المَدَّاحِيْنَ)) رواه الترمذي ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ؛ واستغربه، ورواه ابن عدي، وأبو نعيم في (( الحلية)) ؛ عن ابن عمر بن الخطاب . وبقوله ((أُحْثُوا فِي أَفْوَاهِ المَذَّاحِيْنَ الثُّرَابَ)) رواه الإمام أحمد، ومسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ؛ عن المقداد بن عَمْرٍو الكندي رضي الله عنه . انتهى ؛ ذكره المناوي في ((شرح الجامع)). وفيه : الحَفْيُ : كنايةٌ عن الحرمان والرَدِّ . يريد: لا تعطوهم على المدح شيئاً ، وقيل : هو على ظاهره ، فيرمى في وجوههم التراب ، وجرى عليهم ابن العربي قال : وصورته : أن يأخذ كفّاً من تراب وتُرمى به بين يديه ، ويقول : ما عسى أن يكون مقدار من خُلِقٍ مِن هذا !! ومَن أنا، وما قدري !! تُوَبِّخ بذلك نفسَك ونفسَه، وتُعرِّفُ المادحَ قدرَك وقدرَه ؛ هكذا فليُحثَ الترابُ في وجوههم . وعبَّر بصيغة المبالغة في قوله ((المَدَّاحين)) !! إشارةً إِلى أنَّ الكلام فيمن تكرَّر منه المدح حتَّى اتخذه صناعة وبضاعة يتأكَّل بها الناس ؛ وجازف في الأوصاف ، وأكثرَ من الكذب . قال الشافعية : ويَحرم مجاوزةُ الحدِّ في الإطراء في المدح ؛ إذا لم يمكن حملُه على المبالغة ، وتردُّ به الشهادة إن أكثر منه ؛ وإن قصد إظهار الصنعة . قال ابن عبد السلام في ((قواعده )): ولا تكاد تجد مدّاحاً إلاَّ رَذْلاً، ولا هَجَّاءً إلاَّ نذلاً . انتهى . ( وَ) أخرج ابن ماجه - بإسناد حسن ؛ كما في العزيزي - عن رفاعة بن عَرَابة الجُهَني رضي الله تعالى عنه؛ قال: ( كَانَ) رسول الله (ِّهِ إِذَا خَلَفَ ) على شيء وأرادَ تأكيد اليمين ؛ (قَالَ ((وَأَلَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ))) ؛ أي: بقدرته وتصريفه . وفيه جوازُ تأكيد اليمين بما ذكر . أي : إذا عَظَم المحلوف عليه ؛ وإن لم يطلب ذلك المخاطب . ١٦٧ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ أَيْمَانِهِ: ((لاَ وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ)). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ .. قَالَ: ((لاَ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ)). ( وَ) أخرج ابن ماجه - بسند حسن؛ كما في العزيزي - عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ ) رسول الله (ِ﴿ أَكْثَرُ أَيْمَانِهِ ) - بفتح الهمزة - جمع يمين، وهو بالرفع اسم ((كان))، وخبرُها قولُه ( ((لاَ ؛ وَمُصَرِّفٍ القُلُوبٍ)) ) ويصحُّ العكس ؛ وهو أحسن ، لأن المحدَّث عنه الثاني ؛ قاله الحفني . قال المناوي: وفي رواية البخاري: ((لاَ؛ وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ)) أي: لا أفعل، أو : لا أقولُ وَحقٌّ مقلِّب القلوب ، ومصرِّف القلوب . وفي نسبة تقلُّب القلوب ، أو تصرُّفها إليه !! إشعارٌ بأنه يتولَّى قلوبَ عباده ، ولا يكِلُها إلى أحد من خَلْقه . قال الطيبي: ((لا)) نفيٌ للكلام السابق، و((مُصَرِّفِ القُلُوبِ)) إنشاءُ قَسَمِ. وفيه : أنَّ أعمال القلب من الأَدَوات والدواعي وسائر الأعراض بخلق الله تعالى ، وجوازُ تسمية الله بما صحَّ من صفاته على الوجه اللائق ، وجوازُ الحلف بغير تحليف . قال النووي : بل يندب ، إذا كان لمصلحة كتأكيدِ أمر مهمٌّ ، ونفي المجاز عنه . وفي الحلف بهذه اليمين زيادةُ تأكيد، لأن الإنسان إذا استحضر أنَّ قلبه - وهو أعزُّ الأشياء عليه - بيد الله يقلِّبُه كيف يشاء ؛ غَلَب عليه الخوف ؛ فارتدع عن الحلف على ما لا يتحقق . انتهى . ( وَ) أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، وأبو داود في ((الأيمان))، وابن ماجه في ( الكفارة ) بألفاظ مختلفة ؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (وََّ إِذَا ) حلف و( أَجْتَهَدَ فِي أَلْيَمِيْنِ ) أي : أرادَ تأكيدَه ؛ ( قَالَ ((لاَ ؛ وَأَلَّذِيْ نَفْسُ أَبِي أَلْقَاسِم) - أي: ذاته وجملته - ( بِيَدِهِ))) . أي : بقدرته وتدبيره . ١٦٨ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِفُ: ((لاَ وَمْقَلِّبِ الْقُلُوبِ )) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ .. لاَ يَحْنَثُ ؛ حَتَّى نَزَلَتْ كَفَّارَةُ اَلْيَمِينِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُسْتَرَاثَ الْخَبَرَ ؛ قال الطيبي : وهذا في علم البيان من أسلوب التجريد ، لأنَّه جرَّد من نفسه شخصا يُسمَّى (( أبا القاسم)) وهو هو، وكان يعبِّر بذلك في بعض الأوقات . وأصل الكلام: (( والذي نفسي بيده ))، ثم ألتفت من التكلُّم إلى الغيبة . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والبخاريُّ في (( التوحيد )) وغيرِه، والترمذي؛ والنسائي في ((الأيمان)) وغيره، وابن ماجه في ((الكفارة)): كلهم ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال : (كَانَ) رسول الله (وَّهِ يَخْلِفُ) فيقول: ((لاَ؛ وَمُقَلِّبِ القُلُوْبِ))) قال العلقمي: ((لا )) نفيٌّ للكلام السابق، ((وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ)) هو المقسَم به، والمراد بـ (( تقليب القلوب)): تقليب أعراضها وأحوالها؛ لا تقليبُ ذاتها. انتهى ((عزيزي)). ( وَ) أخرج الحاكم في ((المستدرك))؛ في ((كتاب الأيمان)) - وقال: على شرطهما . وأقرَّه الذهبي - عن عائشة رضي الله تعالى عنها ؛ قالت : ( كَانَ) رسول الله (نَّهِ إِذَا خَلَفَ عَلَىْ يَمِيْنٍ ) أي: بيمين واحتاج إلى فعلِ المحلوف عليه ( لاَ يَحْتَثُ ) ، أي : لا يفعل ذلك المحلوف عليه ؛ وإن احتاجه ( حَتَّى نَزَلَتْ كَفَّارَةُ أَلَيَمِيْنِ ) أي : الآية المتضمِّنة مشروعية الكفارة ؛ وهي قوله تعالى ﴿فَكَفَّرَتُهُ, ... ﴾ [٨٩/ المائدة]. قال المناوي على ((الجامع)): وتمامه عند الحاكم: فقال: ((لاَ أَحْلِفُ عَلَىُ يَمِيْنٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا إِلَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِيْنِي، ثُمَّ أَتَيْتُ الذَّي هُوَ خَيْرٌ )) انتهى . ( وَ) أخرج الإمام أحمد - بسند قال فيه الحافظ الهيثمي: رجالُه رجال الصحيح . قال : ورواه الترمذي أيضاً ، لكن جعل مكانَ طرفة ابنَ رواحة . انتهى (مناوي) - قال: ( كَانَ) رسول الله (﴿ إِذَا أَسْتَرَاثَ الخَبرَ) الذي يتطلَّع له ، ١٦٩ أَيْ : أَسْتَبْطَأَهُ .. تَمَثَّلَ بِبَيْتِ طَرَفَةَ: . ويَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمثَّلُ بِهَاذَا الْبَيْتِ : كَفَى بِلإِسْلاَمِ وَالشَّيْبِ لِلْمَرْءِ نَاهِياً ٠ وَأَصْلُ هَذَا الشَّطْرِ : كَفَىْ الشَّيْبُ وَالإِسْلاَمُ لِلْمَرْءِ نَاهِياً وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَثَّلَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ اَلْمَذْكُورِ . ( أَنْ : أَسْتَبَّطَأَهُ ) - وهو استفعل من الريث؛ وهو الاستبطاء ، يقال : راث ريئاً : أبطأ، واسترثته: استبطأته ــ ( تَمَثَّلَ بِبَيْتِ طَرَفَةَ ) - بفتحات - ابن العبد؛ أي : بعجزه ، وهو قوله ( وَيَأْتِيْكَ بِالأَخْبَارِ ) - بفتح الهمزة جمع خبر - ( مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ ) أي : مَن لم تصنع له زاداً . وأوَّل البيت : سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وجاء في بعض الروايات أنَّه ينشد البيت بتمامه . والتمثيلُ: إنشاد بيت، ثمَّ آخر، ثمَّ آخر . وتمثَّل بشيء ضَرَبه مثلاً ، كذا في ((القاموس)) . والمثل : الكلام الموزون في مورد خاصّ ، ثم شاع في معنىّ يصحُّ أن توردَه باعتبار أمثال مورده؛ قاله شُرَّاح (( الجامع الصغير)). ( وَ) أخرج ابن سعد في ((طبقاته))؛ عن الحسن البصري مرسلاً: ( كَانَ وَّهِ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا أَلْبَيْتِ: كَفَى بِالإِسْلاَمِ وَالشَّيْبِ لِلْمَرْءِ نَاهِياً) أي : زاجراً ورادِعا . (وَأَصْلُ هَذَا الشَّطْرِ ) موزوناً هكذا: ( كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلاَمُ لِلْمَزْءِ نَاهِياً . وَلْكِنَّ النَِّيَّ ◌َلِ تَمَثَّلَ بِهِ عَلَىْ أَلوَجْهِ اُلمَذْكُوْرِ ) ؛ فقدَّم وأخرَّ فيه ؛ فصيَّه غيرَ موزون ، إذ مَلْحظه المعاني فقط . وقد كان سيِّدنا عمر رضي الله عنه يعترض على ١٧٠ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُمْ﴾ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُسَافِرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ . الشاعر، ويقول: الأَولى تقديم ((الإسلام)). قال المناوي: وإنما كان ◌َ﴿ يتمثَّل به !! لأن الشيب نذيرُ الموت، والموتُ يسُّ إكثار ذكره ؛ لتنبّه النفس من سِنَةَ الغفلة ، فيسنُّ لمن بلغ سِنَّ الشيب أن يعاتِب نفسه ويوبّخَها بإِكثار التمثّل بذلك، وفيه جوازُ إنشاد الشعر له وَّهِ؛ لا إنشاؤه. ( قَالَ تَعَالَىْ ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ) - أي: النبيِ نَّــ (الشِعْرَ) - ردٌّ لقولهم ((إنَّ ما أتى به من القرآن شعرٌ))، فالمعنى ليس القرآن بشعر، لأن الشعر كلامٌ متكلّف موضوعٌ ، ومقال مزخرف مصنوع ؛ منسوج على منوال الوزن والقافية ، مبنيٌّ على خيالات وأوهام واهية ، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزَّه عن مماثلة كلام البشر ، المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة ، الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة !! ـ (وَمَا يَكْبَغِى لَهُ﴾﴾ أي: لا يصحُّ منه، ولا يتأتَّى له ، أي: جعلناه بحيث لو أراد إنشاءَه لم يقدر عليه ، أو أراد إنشاده لم يقدر عليه أيضاً بالطبع والسجية ، لأنَّه لو كان ممن يقول الشعر لتطرَّقت إليه التّهمة عقلاً في أنَّ ما جاء به من عند نفسه. قال العلماء : ما كان يَّزَنُ له (ِ) بيت شعر، وَإِن تمثّل ببيت شعرٍ جرى على لسانه مُكَسَّراً . قال القرطبي: وإصابة الوزن منه وَ ال* في بعض الأحيان !! لا توجب أنَّه يعلم الشعر، كقوله ((أَنَا النَِّيُّ لا كَذِبْ ... أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلبْ)) . على أن التمثل بالبيت لا يوجب أن يكون قائِلُهُ عالماً بالشعر، ولا أن يسمَّى ((شاعراً)» باتفاق العلماء ، كما أنَّ مَن خاط ثوباً على سبيل الاتفاق لا يكون خَيَّاطاً . انتهى . ( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير)) - بسند فيه خالد بن إياس وهو متروك؛ كما قال الحافظ الهيثمي وغيرُه - عن أمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ) رسول الله (بَّهِ يُحِبُّ أَنْ يُسَافِرَ يَوْمَ الخَمِيْسِ ) ، لأنَّه بورك له ولأمّته ١٧١ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَراً .. أَفْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ . فيه ، أو لأنه أتمُّ أيام الأسبوع عدداً ، لأنه تعالى بثَّ الدواب في أصل الخلق ؛ فلاحَظَ الحكمة الربانية ، والخروج فيه نوعٌ مِن بثِّ الدوابُ الواقع في يوم المبدأ . ومحبَّتُه لا تستلزم المواظبة عليه ، فقد خرج مرَّة يوم السبت !! ولعله كان يحبُّه أيضاً ، كما ورد في خبر آخر : «اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيْسِهَا)). وفي البخاري أيضا : أنَّه كان قَلَّما يخرج إذا خرج في السَّفر إلاَّ يوم الخميس . وفي رواية للشيخين معاً : ما كان يخرجُ إِلَّ يوم الخميس. قاله المناوي في ((شرح الجامع)). ( وَ) في ((الصحيحين)) وغيرِهما في ((حديث الإفك))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها - وروي عن غيرها أيضاً - أنَّه ( كَانَ) رسولُ الله (نَّةِ إِذَا أَرَادَ سَفَراً ) لنحو غزو ( أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ) ؛ تطبيباً لنفوسِهِنَّ، وحذراً من الترجيح بلا مرجِّح ؛ عملاً بالعدل ، لأن المقيمة ؛ وإن كانت في راحة لكن يفوتُها الاستمتاع بالزوج ، والمسافرة ؛ وإن حظيت عنده بذلك تتأذَّى بمشقّة السفر ، فإيثار بعضِهنَّ بهذا وبعضِهنَّ بهذا اختياراً عدولٌ عن الإنصاف . ومِن ثَمَّ كان الإقراع واجباً ، لكن محلٌّ الوجوب في حقِّ الأُمّة ؛ لا في حقُّه عليه الصلاة والسلام ، لعدم وجوبِ القَسْمِ عليه ؛ كما نبّه عليه ابن أبي جمرة ؛ قاله المناوي . وفيه أن المقرَّر في كتب الفقه الشافعي : أنَّ القَسْمَ واجبٌ عليه . ( فَأَيَّتُهُنَّ) - بتاء التأنيث - أي : أَيَّةُ امرأة منهن ( خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) في صحبته ، وهذا أوَّل حديث الإِفك ، وبقيّته - كما في البخاري - : وَكَانَ يَقْسِمُ لكلِّ أمرأة منهنَّ يومَها وليلتها ، غير أنَّ سودة بنتَ زمعة وهبت يومهَا وليلتها لعائشةَ زوج النبي ◌ِّر؛ تبتغي بذلك رضاء الله ورسوله . هكذا ذكره في (( كتاب الهبة )) . وفيه حِلُّ السفر بالزوجة ، وخروجُ النساء في الغزوات ، وذلك مباحٌ إذا كان العسكرُ تؤمَن عليه الغلبة، وكان خروجُ النساء مع المصطفى ◌َّ في الجهاد فيه مصلحةٌ بَيّةٌ لإعانتِهِنَّ على ما لابدَّ منه . ١٧٢ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ ، فَيُرْجِي الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُ، وَيَدْعُو لَهُمْ. وَمَعْنَى (يُرْجِي الضَّعِيفَ): يَسُوقُهُ سَوْقاً رَفِيقاً. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ .. بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ ، فَصَلَّى فِیهِ رَكعَتَیْنِ . وفيه مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء ... ونحو ذلك . والمشهورُ عن الحنفية والمالكية عدمُ اعتبارها ؛ قاله المناوي . ( وَ) أخرج أبو داود، والحاكم - وقال: على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي. وسكت عليه أبو داود -: كلاهما في (( الجهاد)) ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال : ( كَانَ) رسولُ الله (ِِّ يَتَخَلَّفُ) أي: يتأَخَّر (فِي الْمَسِيْرِ ) ؛ أي في السَّفر ( فَيُزْجِيْ) - بضمٌ أوَّله ـ ( الضَّعِيْفَ، وَيُزْدِفُ ) نحوَ العاجز على ظهر الدابَّة ، أي : دابته ، أو دابة غيره (وَيَدْعُوْ لَهُمْ) بالإعانة ونحوها . ونبّه به علی أدب أمير الجیش ؛ وهو الرفق بالسير ؛ بحیث یقدر علیه أضعفهم، ويحفظُ به قوَّة أقواهم ، وأن يتفقَّد خيلَهم وحمولَهم ، ويراعي أحوالهم ، ويعين عاجزهم ، ويحمل ضعيفهم ومنقطعَهم ، ويُسعفهم بماله وحاله ، وقالِه ودعائه ، ومدده وأمداده . ( وَمَعْنَى (( يُزْجِيْ) - بمثناة تحتية مضمومة وزاي معجمة فجيم - ( الضَّعِيْفَ)): يَسُوْقُهُ سَوْقاً رَفِيْقاً ) ليلحَقَ بالرِّفاق. ( وَ) أخرج الطبراني في (( الكبير)) والحاكمُ - بسند فيه يزيدُ بن سفيان أبو فروة وهو مقارب الحديث مع ضعف ؛ كما قال الحافظ الهيثمي - عن أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (وََّ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ) - زاد البخاري في رواية: ضُحىّ؛ بالضمِّ والقصر - ( بَدَأَ بِالمَسْجِدِ ). وفي روايةٍ لمسلم: كَانَ لا يقدَم من سفر إِلاَّ نهاراً في الضحى ، فإذَا قَدِم بدأ بالمسجد ( فَصَلَّىُ فِيْهِ رَكْعَتَيْنِ ) . زاد البخاري : قبل أن يجلس . انتهى . وذلك للقدوم من السفر تبرُّكاً به ، وليستَا تحيَّةَ المسجد ! ١٧٣ ثُمَّ يُثَنِي بِفَاطِمَةَ، ثُمَّ يَأْتِي أَزْوَاجَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلاً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ إِذَا غَزَا يَوْمَ الْخَمِيسِ . واستنبط منه ندبُ الابتداء بالمسجد عند القدوم قبل بيته ، وجلوسُه للناس عند قدومه ليسلِّموا عليه، ثمّ التوجّه إلى أهله. وهذه الجملة الأولى ((وهي الصلاة في المسجد عند القدوم)) رواه البخاريُّ في ((الصحيح)) في نحو عشرين موضعاً . ( ثُمَّ يُتَنِّيْ بِفَاطِمَةَ ) الزهراءِ البَضعة الطاهرة رضي الله تعالى عنها . ( ثُمَّ يَأْتِيْ أَزْوَاجَهُ) فقدم من سفر فصلَّى في المسجد ركعتين ، ثم أتى فاطمة فتلقَّته على باب القبّة ؛ فجعلت تلثمُ فاه وعينَّه وتبكي، فقال: (( مَا يُبْكِيْكِ))؟ قالت : أراكَ شَعْئاً نَصِباً، قد اخلولقتْ ثيابك !! فقال لها: (( لاَ تَبْكِيْ، فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ أَبَاكِ بِأَمْرٍ : لاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ ؛ وَلاَ حَجَرٍ ؛ وَلاَ وَبَرٍ ؛ وَلاَ شَعْرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ بِهِ : عِزّاً؛ أَوْ ذُلاًّ، حَتَّى يَبْلُغَ حَيْثُ بَلَغَ اللَّيْلُ)). انتهى. هذا تمام الحديث ؛ كما قاله المناوي رحمه الله تعالى . ( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والشيخان ، والنسائي ؛ عن أنس رضي الله عنه قال : ( كَانَ ) رسول الله ( ◌ََّ لاَ يَطْرُقُ) - بضم الراء؛ من باب: دخل - ( أَهْلَهُ لَيَّلاً ) أي : لا يقدم عليهم من سفر ؛ ولا غيره في الليل على غفلة ؛ فيكره ذلك لأنَّ القادم إمّا أن يجد أهله على غير أُهبة من نحو تنظُّف ، أو يجدُهم بحالة غير مَرضيّة . قال المناوي : وتمام الحديث عند الشيخين : وَكَانَ يَأْتِيْهم غُدوةً ؛ أو عشية . انتهى. ( وَ) أخرج الإمام أحمدُ، والبخاريُّ في ((الجهاد))؛ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله ( وَّرِ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ إِذَا غَزَا يَوْمَ الخَمِيْسِ ) . قال العلقمي: وسبب الخروجِ يوم الخميس ما رُوي من قوله وَّهِ: (( بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا يَوْمَ الخَمِيْسِ )) وهو حديث ضعيفٌ أخرجه الطبراني، أو أنَّه إِنَّما أحبَّه ؛ لكونه وافق الفتح له والنصر فيه ، أو لتفاؤله بالخميس على أنه ظَفَر على ١٧٤ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَدِّعَ أَلْجَيْشَ .. قَالَ : (( أَسْتَوْدِعُ اللهَدِينَكُمْ، وَأَمَانَتَكُمْ، وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ )) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً ((الخميس ))؛ وهو الجيش ، ومحبَّته لا تستلزمُ المواظبةَ عليه ، فقد خرج في بعض أسفارہ یوم السبت - كما تقدَّم - . ( وَ) أخرج أبو داود، والحاكم في ((الجهاد))، وكذا النسائي في ((اليوم والليلة))؛ عن عبد الله بن يزيد الخَطْمي - بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة - قال في ((الأذكار)): حديثٌ صحيح. وقال في (( رياض الصالحين)): رواه أبو داود بإسناد صحيح ؛ قال : ( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّعَ الجَيْشَ ) الذي يجهِّزُه للغزو؛ (قَالَ: ((أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِيْنَكُمْ، وَأَمَانَتَكُمْ، وَخَوَاتِيْمَ أَعْمَالِكُمْ)) ) ؛ أي : أطلب من الله تعالى أن يكون دينكم وما بعده وديعةً عنده تعالى ؛ وهو تعالى خيرُ مَن يحفظُ الودائع ، وفيه نوعُ مشاكلةٍ للتوديع ، إِذ جعل دينهم وأمانتهم من الودائع ، لأن السفر يصيب الإنسان فيه المشقَّةُ والخوف ؛ فيكون ذلك سببا لإهمال بعض أمور الدين ، فدعا المصطفى ﴿ لهم بالمعونة في الدين والتوفيق فيه، ولا يخلو المسافرُ من الاشتغال بما يحتاج فيه إلى نحوٍ أخذٍ وعطاء وعِشرةٍ ، فدعا لهم بحفظ الأمانة ؛ وتجنُّب الخيانة ، ثم بحسن الاختتام ، ليكون مأمونَ العاقبة عما سواه في الدنيا والدين ، فيسنُّ قولُ هذا الذكر عند المسافر ؛ وإن كان الحديثُ في سَفَر الغُزاة ؛ فمثله غيرُه من بقية الأسفار . ( وَ) أخرج أبو داود في ((الجهاد))، والترمذي في ((البيوع))، وابن ماجه في ((التجارة)»: كلُّهم ؛ من حديث عمارة بن حديد ؛ عن صخرة بن وَدَاعة العامري الأزدي - وهو حديث حسن ؛ كما في العزيزي - قال : ( كَانَ) رسول الله (بِّهِ إِذَا بَعَثَ )؛ أي: إذا أراد أن يرسل (سَرِيَّةً) - بفتح ١٧٥ أَوْ جَيْشاً . . بَعَثَّهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيراً قَالَ: ((أَقْصِر اُلْخُطْبَةَ ، وَأَقِلَّ الْكَلاَمَ ، فَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً » السين وكسر الرَّاء المهملتين - وهي : قطعة من الجيش من مائة إلى خمس مائة ، ( أَوْ جَيْشاً ) هو العدد من الجند مما زاد على ثمان مائة إلى أربعة آلاف ، فإن زاد على أربعة آلاف فهو ((جَحْفَل))، وما زاد على ذلك يقال له ((جيش جرَّار)). وقد نظم ذلك بعضُهم ؛ فقال : مِنْ مائَةٍ إِلى أَنْتِهَا خَمْسٍ مائَةْ سَرِيَّةَ سَمِّ إِذَا كَانَتْ فِئَهْ عَلَىُ ثَمَانِ مائَةٍ ((جَيْشٌ)) يُعَدّ فَإِنْ تَزِدْ فَـ ((مَنْسَرٌ))، فَإِنْ تَزِدْ زَادَتْ فَـ ((جَحْفَلٌ)) بِلاَ خِلاَفٍ فَإِنْ عَلَىْ أَرْبَعَةِ آلاَفِ دُوْنَكَهَا عَنْ شَارِحِ ((الأَذْكَارِ)) مَا زَادَ جَيْشٌ صِفْهُ بِـ (« الجَزَّارِ » ( بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ) ، لأنه بُورك له ولأُمَّته في البكور . ( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير))، والخطيب في ((تاريخه)) - بسند فيه جُمَيْع بن ثور وهو متروك ؛ كما قال الحافظ الهيثمي - عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (بِ ◌ّهِ إِذَا بَعَثَ أَمِيْرَاً) على جيش ؛ أو نحوَ بلدة (قَالَ ) فيما يوصيه : ((أَقْصِرِ الخُطْبَةَ ) - بضم الخاء - أي : التي يقدِّمُها المتكلم أمام كلامه على عادتهم في تقديم خطبة على مقصودِهم ، فليس المُراد خطبةَ نحوِ الجمعة ؛ كما هو جليٌّ، ( وَأَقِلَّ اُلكَلاَمَ ، فَإِنَّ مِنَ الكَلَام ◌َسِحْراً)) ؛ أي : نوعاً تُستمال به القلوب كما تُستمال بالسِّحر ، وذلك هو السِّحر الحلال . ( وَ) أخرج البخاريُّ في ((غزوة تبوك)) وغيرِها، ومسلمٌ في (( التوبة))، وكذا أخرجه أبو داود في (( سننه)) ؛ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : ١٧٦ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً . . وَرَّى بِغَيْرِهَا . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَلْقَى الْعَدُوَّ عِنْدَ زَوَالٍ الشَّمْسِ . ( كَانَ) رسول الله (وَّةِ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى) - بتشديد الراء - أي: سترها وكَنَّى عنها ( بِغَيْرِهَا ) ؛ أي : بغير تلك الغزوة التي أرادها . يعني يَذْكُر لفظاً يوهم السامعين التوجُّه إلى ناحية ؛ مع أن مرادَه غيرُها ، كما إذا أراد غزوةَ خيبر مثلاً ؛ وقال (( ما أحلى ماءَ مَّة، وما أطيب مالَها)) !! موهِماً أنَّه يريدُ غزوَ مَّة، فهذا ليس بكذب ، بل إيهامُ غيرِ المراد ؛ لئلا يتفطَّن العدوُّ فيستعدّ للدفع وللحرب ، والمقصودُ أخذ العدوِّ بغتةً . والتورية : أن يذكر لفظاً يحتمل معنيين : أحدُهما أقربُ من الآخر ، فيسأل عنه وعن طريقه ؛ فيُفهم السامعَ بسبب ذلك أنَّه يقصد المحلَّ القريبَ ، والمتكلِّم صادقٌ، لكن الخلل وقع في فهم السامع خاصَّة. انتهى (( شروح ((الجامع الصغير)) . ولفظُ ((الصحيحين)): لم يكن رسول الله وَله يريد غزوة إِلاَّ ورَّى بغيرها حتّى كانت تلك الغزوة - يعني تبوك - غزاها في حرِّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً، وغزواً كثيراً ، فَجَلَّى للمسلمين أمرَهم ليتأَهَّبوا أُهبة غزوهم ، فأخبرهم بجهته التي يريد . انتهى . وهو حديثٌ طويل ؛ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير)) - بإسناد حسن؛ كما في العزيزي - عن ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه ؛ قال : ( كَانَ) رسول الله (وَهِ يُعْجِبُهُ أَنْ يَلْقَىْ العَدُوَّ) للقتال ( عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ) ، لأنَّ وقتٌ تفتح فيه أبواب السماء ؛ كما ثبت في الحديث ؛ أنَّه كان يَسْتَحِبُّ أن يصلِّيَ بَعد نصف النهار . فقالت عائشة : أراك تستحبُّ الصلاة في هذه الساعة ؟! قال : (( تُفْتَحُ فِيْهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَنْظُرُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ بِالرَّحْمَةِ إِلى خَلْقِهِ، وَهِيَ صَلاَةٌ ١٧٧ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْقِتَالِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ .. رَجَعَ فِي غَيْرِهِ . كان يُحَافِظُ عَلَيْهَا آدَمُ ، وَإِبْرَاهِيْمُ، وَنُوحٌ ، وَمُوسىُ ، وَعِيْسَى)) . رواه البزار؛ عن ثوبان . وهذا بخلاف الإغارة على العدو ، فإنَّه يندب أن يكون أوَّل النهار ، لأنَّه وقت غفلتهم ؛ كما فعل في خيبر . ( وَ) أخرج أبو داود، والطبراني في ((الكبير))، والحاكم في ((الجهاد)) - وقال : على شرطهما. وأقرَّه الذهبيُّ - كلُّهم؛ عن أبي موسى الأشعري - وقال ابن حجر : إنَّه حديث حسن ؛ كما في المناوي - قال : ( كَانَ ) رسول الله (﴿ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ أُلقِتَالِ ) ، كأَنْ ينادي بعضُهم بعضاً؛ أو يَفْعَلُ أحدُهم فعلاً له أثر فيصيحُ ويعرِّفُ نفسه ؛ فَخْراً وإعجاباً ، وذلك لأنَّ الساكت أهيبُ ، والصمتَ أرعبُ ، ولهذا كان عليّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه يحرِّضُ أصحابَه يوم صفين ويقول : استشعروا الخشية وعَنُّوا بالأصوات ؛ أي : احبسوها وأَخفوها ؛ من التعثُّنِ: الحبس عن اللَّغط ورفع الأصوات . أمَّا إذا كان رفع الأصوات لغير الإعجاب !! فلا بأس به، ولذا أخَبر ◌ِّ أنَّ صوت بعض أصحابه في الحرب خيرٌ من ألف مقاتل الإرهاب الكفار، إذ قال رَّه: ((صَوْتُ أبِي طَلْحَةَ فِي الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ)). انتهى؛ من شروح ((الجامع الصغير)). ( وَ) أخرج الترمذي، والحاكم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - وهو حديث صحيح ؛ كما قال العزيزي - قال : ( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيْدِ ) أي : عيد الفطر ؛ أو الأضحى ( فِي طَرِيْقٍ ) لصلاته ( رَجَعَ فِي غَيْرِهِ ) ؛ أي : غير طريق الذهاب إلى المصلَّى فيذهب في أطولِهما تكثيراً للأجر ، ويرجع في أقصرِهِما ، لأن الذهاب أفضلُ من الرجوع ؛ لتشهدَ له الطريقان . وفي رواية البخاري ؛ عن جابر قال : كان إذا كان يومُ عيدٍ خالف الطريق . ١٧٨ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ .. نَكَّسَ رَأْسَهُ، وَنَكَّسَ أَصْحَابُهُ رُؤُوسَهُمْ، فَإِذَا أَفْلَعَ عَنْهُ .. رَفَعَ رَأْسَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ .. أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ ، وَأَعْطَىْ كُلَّ سَائِلٍ . وفي ((الصحيحين))؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ؛ أنَّه كان يخرج في العيدين من طريق الشَّجرة ، ويدخل من طريق المعرِّس ، وإذا دخل مكة دَخَلَ من الثنيّة العليا ، ويخرج من الثنيَّة السُّفلى . ( وَ) أخرج مسلم في ((المناقب))؛ عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ ) رسول الله (بِّهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ) ؛ أي : حامل الوحي . أسند النزول إلى الوحي !! للملابسة بين الحامل والمحمول، ويسمَّى («مجازاً عقلياً)) تارة، و((استعارة بالكناية)) تارة أخرى، بمعنى أنَّه شبّه الوحيَ برجل مثلاً ، ثم أُضيف إلى المشبّه الإتيانُ الذي هو من خواصِّ المشبّهِبه، لينتقل الذهنُ منه إليه . والوحيُّ - لغة -: الكلامُ الخفيُّ، و- عرفاً -: إعلام الله نبيَّهُ الشرائع بوجه ما . ( نَكَّسَ ) - بشدِّ الكاف ـ (رَأْسَهُ) أي : أطرق كالمتفكِّر ؛ لثقل الوحي إذا نزل عليه الملك في غير صورة رجل ، حتى إنَّه يحصل له مزيد العرق؛ وإن كان في شدَّةالبرد. ( وَنَكَّسَ أَصْحَابُهُ رُؤُوْسَهُمْ ) لإدراكهم نزول الوحي عليه بسبب إطراقه رأسه . (فَإِذَا أَقْلَعَ ) - أي : الوحي بمعنى حامله - أي: سُرِّيَ وكُشف (عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ وَِّ . ( وَ) أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان))، والخطيب، والبزار - بسند فيه أبو بكر الهذلي ، قال فيه ابن حبان : يروي عن الأثبات أشياءَ موضوعةً . وقال غندر: كان يكذبُ - وأخرجه ابن سعد في (( طبقاته))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها - قال في العزيزي : وهو حديث ضعيف - قالت : ( كَانَ) رسول الله (ِّهِ إِذَا دَخَلَ) - في رواية: حَضَرَ - (رَمَضَانُ أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيْرٍ ) كان مأسوراً عنده قبله ، ( وَأَعْطَى كُلَّ سَائِلٍ ) ، فإنه كان أجود ما يكون في ١٧٩ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ [شَهْرُ] رَمَضَانَ شَدَّ مِثْزَرَهُ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فِرَاشَهُ حَتَّى يَنْسَلِغَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ .. تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَكَثُرَتْ صَلاَتُهُ ، وَأَبْتَهَلَ فِي الدُّعَاءِ ، وَأَشْفَقَ لَوْنُهُ؛ أَيْ : تَغَيَّرَ وَصَارَ كَلَوْنِ الثَّفَقِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ رمضان . وفيه ندبُ العتق في رمضان ، والتوسعة على الفقراء والمساكين . ( وَ) أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) بإسناد حسن؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كَانَ) رسول الله (بِّهِ إِذَا دَخَلَ [ شَهْرُ] رَمَضَانَ شَدَّ مِثْزَرَهُ) - بكسر الميم -: إزاره ، وهو كناية عن الاجتهاد في العبادة واعتزال النساء ( ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فِرَاشَهُ) أي : غالب الليل ( حَتَّى يَنْسَلِخَ ) ؛ أي: يمضي. ( وَ) أخرج البيهقي في ((شعب الإِيمان)) - بسند فيه عبد الباقي بن قانع، قال الذهبي فيه : قال الدارقطني : يخطىء كثيراً . انتهى - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ) رسول الله (وَلِ إِذَا دَخَلَ) شهر (رَمَضَانُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ) إلى الصفرة ، أو الحمرة ؛ خوفاً من عدم الوفاء بحقِّ العبودية فيه ، وهو تعليمٌ لأمّته ، ولأنه على قدر علم المرء یعظُم خوفه . ( وَكَثُرَتْ صَلاَتُهُ، وَأَبْتَهَلَ ) أي: اجتهد ( فِي الدُّعَاءِ، وَأَشْفَقَ لَوْنُهُ) أخصُّ مما قبله ؛ لخصوص هذا بالحمرة ؛ كما قال : ( أَيْ : تَغَيَّرَ ) لونه ( وَصَارَ ) في الحمرة ( كَلَوْنِ الشَّفَقِ ) الأحمر . ( وَ) أخرج الشيخان في ((الصوم))، وأبو داود؛ والنسائي في ( الصلاة)، وابن ماجه في ( الصوم ) : كلُّهم ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ) - زاد في رواية ابن أبي شيبة - ١٨٠