النص المفهرس
صفحات 121-140
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَلاَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ .. قالَ: ((آمِينَ))؛ حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ . ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ) قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا ثَلاَ) قوله [الفاتحة] قال: ) فى صلاته عقب الفاتحة: تعالى (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضََّآلِينَ ((آمِيْنَ))) بقصر، أومدٍّ، وهو أفصحُ ؛ مع خِفّة الميم فيهما، أي : استجب. ويقولها رافعاً بها صوته قليلاً ( حَتَّى يُسْمِعَ ) - بضمٍّ أوَّله - في الجهرية ( مَنْ يَلِيْهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ ) . فيسنُّ للإمام قولُ (( آمين)) بعد الفاتحة ، ويسنُّ الجهرُ بها في الصلاة الجهرية ، ويقارن المأموم تأمينَ إمامه ؛ ليوافق تأمين الملائكة . انتهى . شروح ((الجامع الصغير)) . ( وَ) أخرج ابن سعد في ((طبقاته)) بإسناد حسن؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهَا ) قالت: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ ) . أي : لا يقرؤُه کاملاً في أقلّ من ثلاثةِ أيَّام ، لأنَّها أقلُّ مدَّه یمکن فيها تدبُّره وترتیله ، لما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي - وهو حديث حسن غريب - عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ؛ قال : قال رسول الله وَله: ((لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ))؛ أي: لأنَّه ينقص فهمه وتدبره ، لأنه يحتاج إلى مراعاة الألفاظ مع ما عنده من الاستعجال الشاغل عن التدبُّر والتفهُّم . وجعلت الثلاث غايةً في ذلك !! لأنها محتملة . أمَّا مَن أراد فهمَ معناه على حقيقته !! فقد مضى عمرُه في فهم آيةٍ ولا يحيطُ بها ؛ ولا ببعضها . هذا كلُّه في تفهُّم معانيه . ١٢١ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَتَمَ .. جَمَعَ أَهْلَهُ وَدَعَا. أمَّا الثواب على قراءته !! فحاصلٌ لمن قرأه سواءٌ فهمه ؛ أم لا ، للتعَبُّدِ بلفظه ، بخلاف غيره من الأذكار ، فلا ثواب فيه إلاَّ إن فهمه ؛ ولو بوجهٍ . انتهى (( شرح الأذكار )) . ( وَ) في ((الأذكار)) للإمام النووي: روى ابن أبي داود بإسنادَيْن صحيحين؛ عن قتادة التابعي الجليل الإمام ((صاحب أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه)) قال : كان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه إذا ختم القرآنَ جَمَع أهله ودعا . انتهى . قال الحافظ ابن حجر : هذا موقوفٌ صحيح ، وقد وجدت له طريقاً أخرى مرفوعةً عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا خَتَمَ ) القرآن ( جَمَعَ أَهْلَهُ وَدَعَا ) . قال أبو نعيم الحافظ : غريبٌ من حديث مسعر . قال الحافظ ابن حجر : قلتُ: رواته موثَّقون. انتهى ملخصاً؛ من (( شرح الأذكار)). وذكره في (( كنوز الحقائق )) للمناوي ، وعزاه لابن النجار . وقوله ((ودعا)): أي: لأن الدعاء مستجاب عند ختم القرآن ، بل الدعاءُ مستجابٌ عقب تلاوة القرآن من أيٍّ منه . والرحمة والسكينة تنزل على المجتمعين لدراسة القرآن الشريف، كما جاء في حديث: ((مَا أَجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ؛ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَ سُونَهُ إِلا غَشِيَتْهُمُ السَّكِيْنَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ » . وأخرج ابن الضُّرَيْس وغيرُه بسند فيه انقطاع؛ عن ابن مسعود قال: (( مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ ؛ فَلَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ » . وكان عبد الله إِذا ختم جمع أهله ؛ ثم دعا وأمَّنوا على دعائه . وجاء في حديثٍ مرفوع أخرجه الطبراني في (( معجمه )) بسند ضعيف ؛ عن العِزْباض بن سارية قال: قال رسول الله مَّه: (( مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ فَلَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ )). ١٢٢ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَتَمَ . . يَقْرَأُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ خَمْسَ آيَاتٍ . وينبغي أن يكون الختم في أوَّل النهار ، أو في أوَّل الليل ، فقد روي مرفوعاً ؛ عن مصعب بن سعد ؛ عن أبيه سعد بن أبي وقاص ؛ قال : قال رسول الله وَ﴿: ((مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ أَوَّلَ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ خَتَمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ حَتَّى يُصْبِح )). انتهى . ويستحبُّ حضور مجلس الختم لمن يقرأُ ، ولمن لا يحسنُ القراءة . قال النووي : يستحبُّ الدعاء عند الختم ؛ استحباباً متأكِّداً شديداً ، لما قدَّمناه . وَرُوِّيْنَا في ((مسند الدارمي))؛ عن حميد الأعرج رحمه الله تعالى قال: (( مَنْ قَرَّأَ القُرْآن ثُمَّ دَعَا أَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ أَرْبَعَةُ آلافٍ مَلَكِ »: وينبغي أن يُلحَّ في الدعاء ، وأن يدعوَ بالأمور المهمَّة والكلمات الجامِعَة ، وأن يكون معظمُ ذلك أوْ كلُّه في أمور الآخرة وأُمور المسلمين وصلاحِ سلطانهم ؛ وسائر ولاة أمورهم ، وفي توفيقهم للطاعات وعصمتهم من المخالفات ، وتعاونهم على البرِّ والتقوى ، وقيامهم بالحقِّ ، واجتماعهم عليه ، وظهورهم على أعداء الدين وسائر المخالفين . انتهى . وقد جمع ذلك ((دعاءُ أبي حربه)) المشهورُ بالبركة بين أهل اليمن ، فينبغي قراءتُه عند كلٌّ ختم ، وهو دعاء متداول عندهم ؛ خصوصاً في رمضان . قال في ((حواشي الجمل على الجلالين))؛ نقلاً عن القرطبي في مقدمة تفسيره : ومِن حرمة القرآن أن يفتتحه كلَّما ختمه حتَّى لا يكون كهيئة المهجور ، ( وَ) كذلك (كَانَ) رسولُ اللهِ (وَّهِ إِذَا خَتَمَ ) القرآن ( يَقْرَأُ مِنْ أَوَّلِ القُرْآنِ خَمْسَ آيَاتٍ ) ؛ لئلا يكون في هيئة الهجرة . انتهى كلام الجمل . ولم يبيِّن مُخْرِجَ هذا الحديث ؛ ولا صحابِيَّه !! وفي (( كنوز الحقائق )) للمناوي عزوُ ذلك للحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)). ثم راجعتُ ((نوادر الأصول)) ١٢٣ فرأيت الكلام الذي نقله الجملُ عن القرطبي مذكوراً في ((نوادر الأصول)) برُمَّته ، ولم يذكر صحابيَّ الحديث !! وفي ((الأذكار النووية)): وإذا فرغ من الختمة !! فالمستحبُّ أن يشرع في أخرى مثَّصلاً بالختم ، فقد استحبَّه السّلَف، واحتجُّوا فيه بحديث أنس رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول اللّه ◌ِوَ ◌ّهِ قال: ((خَيْرُ الأَعْمَالِ الحِلُّ وَالرّحْلةُ)) قيل: وما هما؟ قال: ((افْتِتَاحُ القُرْآنِ وَخَتْمُهُ)) . انتهى. قال الحافظ ابن حجر : حديثُ أنس المذكورُ أخرجه ابن أبي داود بسند فيه مَن كُذِّب . وعجيبٌ للشيخ كيف اقتصر على هذا ، ونسب للسَّلف الاحتجاجَ به ؛ ولم يذكر حديث ابن عباس وهو المعروف في الباب !! وقد أخرجه بعضُ السَّة وصحَّحه بعض الحفاظ . ثمَّ أخرج الحافظ ابن حَجَر ؛ من طريقٍ عن ابن عبّاس ؛ قال : قال رجل : يا رسول الله؛ أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: «عَلَيْكَ بِالحَالِّ المُرْتَحِلِ ». قال: وما الحالُّ المرتحل؟! قال: ((صَاحِبُ القُرْآنِ يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، ويَضْرِبُ مِنْ آخِرِهِ إِلَى أَوَّلِهِ ؛ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ )). ثم أخرجه الحافظُ ابن حجر ، عن ابن عبّاس من طريق آخر ، لكن قال فيه : ((أَيُّ ◌َلكَلَامِ أَحَبُّ إِلَى الله ))، ولم يقل في آخره ((كلَّما حلَّ)) !! قال الحافظ ابن حجر : حديثٌ غريب أخرجه الترمذيُّ عن الهيثم بن الربيع ؛ عن صالح ، وقال : غريب لا نعرفُه من حديث ابن عبّاس إِلاَّ من هذا الوجه . وفي (( النهاية)) أنَّه سئل: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟! فقال: ((الحَالُّ المُرْتَحِلُ)) قيل: وما الحالُّ المرتحل؟! قال: ((الخَاتِمُ المُفْتَتِحُ)) هو الذي يختم القرآنَ بتلاوته ، ثم يفتتح التلاوةَ من أوَّله ، شَبَّهه بالمسافر يبلغ المنزل فيَخُلُّ فيه ، ثم يفتتح سَيْره ؛ أي : يبتدئه . وكذلك قُرَّاءُ أهلِ مَّة إذا ختموا القرآن ابتدأوا وقرأوا الفاتحة [البقرة] ثم يقطعون وخمسَ آيات من أوَّلِ سورة البقرة إلى ﴿ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١٢٤ القراءة، ويسمُّون فاعل ذلك ((الحال المرتحل))؛ أي أنَّه ختم القرآن وابتدأ بأوَّله ؛ ولم يفصل بينهما بزمان . وقيل: أراد (( بالحال المرتحل )) الغازي الذي لا يفعل إِلاَّ عَقَّبه بأخرى ! انتهى ((شرح الأذكار )) للشيخ محمد بن علي بن علان الصديقي المكي رحمه الله . ١٢٥ الْبَابُ السَّابِعُ فِي أَخْبَارِ شَتَّى مِنْ أَحْوَالِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْضٍ أَذْكَارٍ وَأَذْعِيَةٍ ( الباب السابع ) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب ٠ ( فِي ) ذكر ( أَخْبَارٍ ) بالتنوين ؛ جمع خبر ، وهو مرادف للحديث . وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي وَلجر، والخبر : ما جاء عن غيره ، ومن ثمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها ((الإخباري))، ولمن يشتغل بالسنّة النبوية ((المُحَدِّث)). وقيل : بينهما عموم وخصوص مطلقٌ ، فكل حديث خبرٌ من غير عكس . ( شَتَّى) - جمع شَتِيْت؛ كمريض وَمَرْضىُ - متفرقة (مِنْ أَحْوَالِ رَسُوْلِ اللهِ إِ ليه ) كالكلام على ريقه وفَضَلاته وَِّ (وَ) في (بَعْضِ أَذْكَارٍ ) جمع ذكر؛ وهو - لغةً - : كلُّ مذكور ، و- شرعاً - : قولٌ سيق لثناءٍ ؛ أو دعاء . وقد يستعمل شرعاً أيضا لكلِّ قول یثاب قائله . ( وَ) في ذكر بعض ( أَدْعِيَةٍ ) جمع دعاء ، وهو الطلب على سبيل التضرُّع . وقيل : رفعُ الحاجات إلى رافع الدرجات . واختلف ؛ هل الدعاء أفضل ، أم تركُه ؛ والاستسلام للقضاء أفضلُ ؟! فقال الجمهور : الدعاءُ أفضلُ ، وهو من أعظم العبادات . ويؤيِّدُه ما أخرجه الترمذيُّ ؛ وقال : غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث ابن لهيعة من طريق أنس بن مالك رفعه: ((الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ)) . انتهى أي: خالصها ، لأن ١٢٦ كَانَ يَقُولُهَا فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَثَلاَثٍ مِئَّةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ حَدِيثاً مِنْ جَوَامِعٍ كَلِمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ ثَلاثَةُ فُصُولٍ الداعيَ يدعو الله عند انقطاع أَمَله عما سواه ، وذلك حقيقةُ التوحيد والإخلاص ؛ ولا عبادة فوقَها ، فكان مخَّها بهذا الاعتبار . وأيضا لما فيه من إظهار الافتقار والتبرِّي من الحول والقوّة ، وهو سمةُ العبودية واستشعار ذِلَّة البشرية ومتضمِّنٌ للثناء على الله تعالى ، وإضافة الكرم والجود إليه . انتهى . ( كَانَ يَقُوْلُهَا ) ؛ أي : هذه الأذكار والأدعية ( فِي أَوْقَاتٍ ) وحالاتٍ ( مَخْصُوْصَةٍ) ؛ كـ: عند رؤية الهلال، وسماع الرعد، وإذا عصفت الرياح ... ونحو ذلك . ( وَ) في ذكر ( ثَلاَثِمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ حَدِيْئاً ). خُصَّ هذا العدد !! لأنه عِدَّة أصحاب طالوت ، وعدَّة أهل بدر رضوان الله عليهم . ( مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ مََّ)؛ أي: كلمه الجوامع، وهي: ما قلَّ لفظهُ وكَثُر معناه ، أو التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة . ( وَفِيْهِ ) ؛ أي هذا الباب ( ثَلاَثَةُ فُصُوْلٍ ) يأتي بيانها . ١٢٧ الْفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أَخْبَارٍ شَتَّى مِنْ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ((الشِّفَا)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ( وُلِّدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْتُوناً ، مَقْطُوعَ السُّرَّةِ . (الفَصْلُ الأَوَّلُ) من الباب السابع ( فِي ) ذكر ( أَخْبَارٍ ) - بالتنوين - ( شَتَّى ) - بتشديد المثناة الفوقية ؛ أي : متفرقة ۔ (مِنْ أَحْوَاِلِهِ وَّهِ): القولية والفعلية والخُلُقية. (فِي) كتاب ( ((الشِّفَا) بتعريف حقوق المصطفى وَلِ)) (لِلْقَاضِيْ عِيَاضٍ) بن موسى اليَخْصُبِي السَّبْتي أبي الفضل (رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىْ ): :. ( وُلِدَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ مَخْتُوْناً) - أي لا قُلفة له، (مَقْطُوْعَ الُّرَّةِ) - بضم السين - رواه أبو نعيم، والطبراني في ((الأوسط))، وفي ((دلائل البيهقي)) بسند ضعيف؛ عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما أنَّه وُلد معذوراً مسروراً ؛ أي : مقطوع السرة مختوناً ، يقال : عَذَره ، وأعذره : خَتَنه . وروى الخطيب ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً ؛ وصحَّحه أيضاً في ((المختارة)): ((مِنْ كَرَامَتِي عَلَى رَبِّي أَنِّي وُلِدْتُ مَخْتُوناً، وَلَمْ يَرَ أَحَدٌ سَوْأَتِي))؛ قاله مُلاًّ علي قاري في (( شرح الشفاء )). وقال الشهاب الخفاجي : والّذي صححه المحدِّثون - كما في (( التمهيد )) لابن عبد البر - أَنَّ جدَّه عبد المطّلب خَتَنه يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه ((محمداً))، وكانت العرب تختن ؛ لأنَّه سنة توارثوها من إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، وليس ذلك لمجاورة اليهود ، وقد ورد هذا في قصة هرقل التي قيل له فيها : إِن ملك الختان قد ظهر . ١٢٨ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمَّهِ آمِنَةً أَنَّهَا قَالَتْ: وَلَدْتُهُ نَظِيفاً مَا بِهِ قَذَرٌ . ورُوي أنَّه ◌َ لِّ خُتن يوم شُقَّ قلبهُ الشريف ؛ وهو عند مرضعته حليمة ، وقد ذكره ابن القيِّم في كتاب ((الهدي))(١)، وهو أرجح الأقوال ، وطعن في القول الأول من الأقوال الثلاثة - يعني القول بأنه ولد مختوناً -؛ وقال : إنَّ رُوي في حديث لم يصحّ ، وذكره ابنُ الجوزيِّ في (( الموضوعات )) . ومن الغريب قولُ الحاكم في (( المستدرك )) . إن الأخبار تواترت بأن رسول الله ﴿ ولد مسروراً مختوناً !! وتعقَّبه الذهبيُّ؛ وقال: لا نعلمُ صحَة مَا ذكره ؛ فكيف يكون متواتراً !! والقولُ ((بأنه أراد بـ ((تواتره)»: شهرتَه بين الناس لا ما اصطلح عليه المحدِّثون » بعيدٌ. وقد وقع في هذه المسألة نزاع بين ابن طلحة والكمال ابن العديم ؛ فألَّف ابنُ العديم في تأييد أنَّه وَ لَّ خُتن بعد ولادته تأليفاً أوضح فيه الدلائل والنقول ، إلا أنَّهم لم يرضوا قولَ ابن الجوزي «إنَّه موضوع)» وردُّوه . انتهى كلام الخفاجي في ( شرح الشفا)) . ( وَقَدْ رُوِيَ) في بعض الروايات ( عَنْ أُمِّهِ آمِنَةً) - بالمدُّ على وزن : فاعلة - وهي بنتُ وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة بن كعب ، ولم تلد غيرَهُ وَّه، ولم يتزوَّج غيرَها عبدُ الله على الأصحِّ فيها. وفي اسم آمنةَ أمانُ أُمَّته . وفي حليمة حِلمٌ . وفي بركةَ بركةٌ ، فتلك أمَنَةٌ من سائر النقم . ( أَنَّهَا ) أي: أُمَّه آمنة؛ ( قَالَتْ: وَلَذْتُهُ ) وَِّ ( نَظِيْفاً) أي : نقيّاً ( مَا بِهِ قَذَرٌ ) - بفتحتين - أي: شيء مما يكون على المولود من الوسخ والدَّرَن ؛ كذا رواه ابن سعد في (( طبقاته )). وروي أنَّه ولدته أُمُّه بغير دَمٍ ؛ ولا وَجَع . (١) هو المشهور بـ ((زاد المعاد في هدي خير العباد)). ١٢٩ وَفِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ، فَقَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . وولد عليه الصلاة والسلام بمكَّة على الصحيح الذي عليه الجمهورُ في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج بن يوسف ، وهذه الدار بنتها بعد ذلك الخيزران جاريةُ المهدي ((أمُّ الهادي والرشيد)) مسجداً يُصلَّى فيه، والمشهور أَنَّه وُلد في ربيع الأول ، وهو قولُ الجمهور من العلماء ، يومَ الاثنين : ثاني عشر ربيع الأول . والله أعلم . ( وَفِي ) البخاريّ ومسلم وغيرهما ؛ من ( حَدِيْثٍ ) أبي عبد الله ( عِكْرِمَةَ ) مولَى ابن عبّاس الهاشمي المدني . أحد فقهاء المدينة المنورة وتابعيها من الأئمة المقتدى بهم في التفسير والحديث . أصله بربري من أهل المغرب ، سمع الحسنَ بنَ عليٍّ ، وأبا قتادة ، وابن عبّاس، وابن عُمَر ، وابن عَمْرو ، وأبا هريرة ، وأبا سعيد ، ومعاوية وغيرهم . روى عنه جماعات من التابعين ؛ منهم أبو الشعثاء ، والشعبي ، والنَّخَعي ، والسبيعي ، وابن سيرين ، وعَمْرو بن دينار ، وخلائق غيرهم من التابعين وخلائق من غيرهم . قال ابن معين : عكرمة ثقة . قال : وإذا رأيت مَن يتكلّم في عكرمة ؛ فاتَّهِمْه على الإسلام ، وقال أبو أحمد بن عدي : لم يمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة ، وأدخله أصحاب الصحّاح صحاحَهم . وتوفي سنة : أربع ومائة . وقيل : سنة سبع ومائة . وقيل غير ذلك . (عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا: أَنَّهُ نَّهِ نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيْطٌ ) ؛ أي : صوت يخرج مع نفس النائم، ( فَقَامَ فَصَلَّىْ؛ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ)، لأنه ◌َِ كان لا ينتقض وضوءُه بالنوم مضطجعاً، بخلاف غيره، وهو من خصائصه وَله . ١٣٠ قَالَ عِكْرِمَةُ: لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَحْفُوظًاً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطَ .. أَنْشَقَّتِ الأَرْضُ فَابْتَلَعَتْ غَائِطَهُ وَبَوْلَهُ ، وَفَاحَتْ لِذَلِكَ رَائِحَةٌ طَيَِّةٌ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ تَأْتِي الْخَلَاَءَ ( قَالَ عِكْرِمَةُ) في بيان وجه ما ذكر (: لأَنَّهُ وَِّ كَانَ مَحْفُوْظاً ) من أن يخامِرِ قلبَه نومٌ ؛ وإن خامر عينيه، لحديث: ((إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ تَنَمُ أَعْيُنَا، وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُنَا)) أو كما قال الحديث . قال في (( نظم البهجة الوردية )) : وَبَعْضُ مَا أكْرَمَهُ اللهُ بِهِ مَنَامُهُ بِالعَيْنِ؛ دُوْنَ قَلْبِهِ ( وَكَانَنَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطَ أَنْشَقَّتِ الأَرْضُ فَأَبْتَلَعَتْ غَائِطَهُ) ؛ وهو الخارج من المحلِّ المعتاد ، وأصلُ الغائط : المكان المنخفض من الأرض تقضى فيه الحاجة ؛ لأنه أَسترُ، سُمِّيَ به الخارج من الإنسان مجازاً مرسلاً ؛ علاقته المجاورة . ( وَ) ابتلعت (بَوْلَهُ وَفَاحَتْ) - بالفاء - أي: ظهرت ( لِذَلِكَ ) المذكورِ من البول والغائط (رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ) . وهذا الحديث رواه البيهقي ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ وقال: إنه موضوع، كما في ((شروح الشفاء)). ( وَ) أسند محمد بن سعد ((كاتبُ الواقدي)) في هذا خبراً . ١٠٠ ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِلشَِّيِّ وَّهِ: إِنَّكَ تَأْتِي الخَلاَءَ ) بالمدِّ ؛ أي : المكان الخالي البعيد عن البيوت ، لأنهم كانوا قبل وضع المراحيض فيها يأتونه لقضاء الحاجة ، ثم عبَّر به بعد ذلك عن محلِّ التغوُّط مطلقاً ، ثم صار عرفاً : اسماً للبناء المعدِّ لذلك . ١٣١ فَلَاَ نَرَى مِنْكَ شَيْئاً مِنَ الأَذَى؟! فَقَالَ لَهَا: (( يَا عَائِشَةُ؛ أَوَ مَا عَلِمْتِ أَنَّ الأَرْضَ تَبْتَلِعُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، فَلاَ يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ )) . وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِطَهَارَةِ هَاذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( فَلاَ نَرَى مِنْكَ شَيْئاً مِنَ الأَذَى؟!) بالذال المعجمة والقصر ، المراد به هنا : الغائط! (فَقَالَ لَهَا: ((يَا عَائِشَةُ؛ أَوَمَا)؛ - أي: أجهلت وما (عَلِمْتِ أَنَّ الأَرْضَ تَبْتَلِعُ ) - أصل البلع : إدخال الطعام والشراب في الحنجرة والمري ، فاستعير لمطلق الإخفاء ، كما في قوله تعالى ﴿ يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ﴾ [٤٤/ مود] أي: تخفي - ( مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) - بحيث يغيب فيها - ( فَلاَ يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ؟!))) !؟ : تفسيرٌ للمراد من البلع وتأكيدٌ ، وإخفاؤه مع طيبه وعدم استقذاره !! لأنه ينبغي سترُه لكون ذلك من المروءة ، أو لأنه يخشى من أخذ الناس له . وروى الدار قطني في ((أفراده )) عنها قالت : قُلتُ : يا رسول الله ؛ أراك تدخل الخلاء، ثم يجيء الرجل يدخلُ بعدكَ؛ فما يرى لما خرج منك أثراً؟! فقال: ((أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اللهَ أَمَرَ الأَرْضَ أَنْ تَبْتَلِعَ مَا خَرَجَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ)) !! انتهى ((شرح الشفاء)). وقد سئل الحافظ عبد الغني المقدسي : هل رُوي أنَّه ◌َّر كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض ؟! فقال : قد رُوي ذلك من وجه غريب . والظاهر المنقول يؤيِّدُه ، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنَّه رآه ؛ ولا ذَكَره ، فلو لم تبتلعه الأرض لَرُئِيَ في بعض الأوقات . ( وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِطَهَارَةِ هُذَيْنِ الحَدَثَيْنِ ) ؛ أي : البول والغائط ( مِنْهُ بَّرِ). وعبَّر عن الخارج بـ ((الحَدثين)) !! استهجاناً للتصريح باسمهما، بل اختارَ جمعٌ متقدِّمون ومتأَخِّرون من الشافعية طهارة جميع فضلاتهِ رَّ؛ منهم القاضي حسين ، والبغوي ، والسبكي ، والبارزي ، والزركشي ، وابن الرِّفعة ، والبلقيني ، والقاياتي ... وأطالوا فيه . وقال السبكي : إنه الذي أدين الله به. واعتمده الجمالُ الرملي في (( النهاية))، والخطيب الشربيني في (( المغني))؛ وفاقاً للشهاب الرملي . بل قال الزركشي : ١٣٢ وَشَاهِدُ هَذَا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ يُكْرَهُ ، وَلاَ غَيْرُ طَيِّبٍ . وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَىُ] عَنْهُ: غَسَّلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيْتِ ، وينبغي طرد الطهارة في فضلات سائر الأنبياء . انتهى لكن الشيخان : الرافعي والنووي على خلافِه، وإنَّ حكمها منه كغيره . أي: أنَّ حکم فضلاته ◌َّۇ كفضلات غيره في النجاسة ، وجرى عليه ابن حجر الهيتمي في (( التحفة)). ويؤيِّدُ الأوَّل أنَّهَ وَّله لم ينكر على ابن الزُّبير حين شرب دمه، ولا على أم أيمن حين شربت بوله ، ولا على مَن فَعَل مثلَ فعلهما ، ولا أمرهم بغسل الفم ، ولا نهاهم عن العود إلى مثله ، بل أخبرهم بما لعلَّهُ يحملهم على الحرص على التبرك بفضلاته . ومَن حَمَل ذلك على التداوي قيل له: قد أخبر النبي ◌َّ أنَّ الله تعالى لم يجعل شفاء الأمَّة فيما حرم عليها . رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ، فلا يصحُّ حمل الأحاديث التي بعضُها حسنٌ على ذلك ، بل هي ظاهرة في الطهارة . قال الحافظ ابن حجر: قد تكاثرت الأدِلَّة على طهارة فضلاته وَ لِّ، وعدَّ الأئمة ذلك من خصوصيَّاته(١) . انتهى . ( وَشَاهِدُ هَذَا)؛ أي: دليل القول بالطهارة ( أَنَّهُ بَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ يُكْرَهُ ) عند ذوي الطباع السليمة ، ( وَلاَ غَيْرُ طَيِّبٍ ) وهذا دليلٌ عقليٌّ مؤيِّدٌ لنظر الشرع . ( وَمِنْ هَذَا) ؛ أي : ومن الشاهد بأنه لم يكن منه شيء يُكره ؛ ولا غير طيِّب ( حَدِيْثُ عَلِيٍّ ) أمير المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) الذي رواه ابن ماجه ، وأبو داود في ((مراسيله )) أنَّه قال : (غَسَلْتُ النَّبِيَّ وَله) - بتشديد السين المهملة - لأنه المستعمل في الميت، ويخفَّف في غيره كالثياب ، ( فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُوْنُ مِنَ المَيْتِ ) ؛ من تغيُّر رائحة (١) كما نص عليه الحافظ الكبير زين الدين العراقي - رحمه الله تعالى - في باب الخصائص من ((ألفيته)) فقال: مِنْ شَارِبٍ تَبَرُّكأُ مَانُهِيَ وَيَوْلُهُ وَدَمُهُ إِذْ أُنِيَ ١٣٣ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئاً ، فَقُلْتُ: طِبْتَ حَيّاً وَمَيْئاً. وَسَطَعَتْ مِنْهُ رِيحٌ طَيَِّةٌ لَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا قَطُ . وَمِثْلُهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حِينَ قَبَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ . وَمِنْهُ شُرْبُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ دَمَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَمَصُّهُ إِيَّاهُ ، وخروجٍ فضلاتٍ (فَلَمْ أَجِدْ شَيْئاً!)، وقد مكث و له بعد موته يومين ؛ فلم يتغيَّر منه شيء . ( فَقُلْتُ: طِبْتَ) - بفتح تاء الخطاب - ( حَيّاً وَمَيْتاً) ونصبهما على الحال . قال علي: ( وَسَطَعَتْ) أي: ارتفعت وانتشرت وفاحت (مِنْهُ رِيْعٌ طَيِّبَةٌ لَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا قَطُّ ) ، لأن طيبَه يدلُّ على طيب ما يحصل منه ، وكلُّ إناء بالذي فيه ينضح . (وَمِثْلُهُ)؛ أي: ومثل قول علي ((طبت حياً وميتاً)). ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ ) الصدِّيق رضي الله تعالى عنه ( حِيْنَ قَبَّلَ النَّبِيَّنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ) رواه البزار ؛ عن ابن عمر بسند صحيح ، وهو بعضُ خبرٍ في البخاري . ( وَمِنْهُ) ؛ أي: ومن الشواهد على ما ذكر ( شُرْبُ مَالِكِ بْنِ سِنَانِ ) بن سنان - بكسر السين المهملة - والد أبي سعيد الخدري ، وهو من كبار الصحابة ؛ قتل شهيداً يوم أحد رضي الله تعالى عنهما ( دَمَهُ) أي: دم النبي ◌َِّ (يَوْمَ أُحُدٍ ) - بضمتين -: اسم جبل وقعت عنده الوقعة العظيمة المشهورة بغزوة أحد . (وَمَصُّهُ إِيَّاهُ). رواه البيهقي، والطبراني في ((معجمه الأوسط))؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ، والمَصُّ - بالميم والصاد المهملة - : أخذ المائع القليل بجذب النفس. وأشار بقوله ((شربه ومصّه)) إلى أنَّه كان يفيض أوَّلاً ، فلذا جعل أخذه بفيه وابتلاعه إيَّاه شرباً ، ولما قلَّ وجعل يجذبه منه بالمشقة جعله مصّاً . ١٣٤ وَتَسْوِيغُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ، وَقَوْلُهُ: ((لَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ)). وَمِثْلُهُ شُرْبُ عَبْدِ اللهِبْنِ الزُّبَيْرِ وروي ذلك مرفوعاً: ((مَنْ مَسَّ دَمُهُ دَمِي لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ )). (وَتَسْوِيْغُهُ وََّ)؛ أي: تجويزه ( ذَلِكَ)؛ أي: شرب دمه ومصّه (لَهُ) ، أي : لمالك بن سنان رضي الله تعالى عنه ؛ من غير إنكار ، فلو كان دمُه الشريفُ غيرَ طاهر لنهاه عن ازدراده . (وَقَوْلُهُ) أي: النبيِنَّهِ لمالكِ ((لَنْ تُصِيْبَهُ النَّارُ))) كنايةٌ عن فوزه بنعيم الجنان. وفي رواية سعيد بن منصور : « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ خَالَطَ دَمُهُ دَمِي ؛ فَلْيَنْظُرْ إِلَىْ مَالِكِ بنِ سِنَانٍ » . وفي رواية: (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ؛ فَلْيَنْظُرْ إِلَىْ هُذَا))، فاستشهد . رواها سعيد بن منصور ؛ من طريق عَمْرو بن السائب بلاغاً . (وَمِثْلُهُ) - وفي نسخة من ((الشفاء)): و((منه)) - أي: ومن الشاهد ؛ كما رواه الحاكم ، والبزَّار ، والبيهقي ، والبغوي ، والطبراني ، والدار قطني ، وغيرهم ؛ من طرق يقوِّي بعضُها بعضاً . والعَجَب من قول ابن الصلاح ((إنَّ هذا الحديث لم أجد له أصلاً!)) وهو مذكورٌ في هذه الأصول !!. ( شُرْبُ) - بضم الشين المعجمة - (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ) - بضمِّ الزاي والتصغير - أحد العبادلة ، الإمام الزاهد العابد ، الشجاع بن الشجاع ، أوَّل مولود ولد للمهاجرين، وحنَّكه النبيُّ وَّه بتمرة لاكها بفمه ؛ فخالط ريقُه ريقَه . وله رضي الله عنه من شرف النسب ما لا يوصل إليه ؛ لأن أمَّه أسماء بنت أبي بكر ((ذات النطاقين))، وأبوه الزبير بن العوَّام رضي الله تعالى عنهما ((أحدُ العشرة؛ سيف الله))، وجدَّته صفيّة رضي الله تعالى عنها بنت عبد المطلب ، وخالته عائشة رضي الله تعالى عنها ، وجدُّه لأمِّه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . وكان ١٣٥ دَمَ حِجَامَتِهِ ، وَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ: (( وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكَ )) ، صوَّاما قَوَّاما لا ينام ليله ، وكان أَطْلَس : لا لحية له رضي الله تعالى عنه . ( دَمَ حِجَامَتِهِ ) أَچر . ولفظ الحديث ؛ عن عامر بن عبد الله بن الزبير ؛ عن أبيه ؛ قال : احتجم رسولُ اللهِ وَ﴿ فأعطاني الدمَ بعد فراغه من الحجامة؛ وقال: ((إِذْهَبْ؛ يَا عَبْدَ اللهِ فَغَيِّبْهُ )) . وفي رواية: ((إِذْهَبْ بهذَا الدَم فَوَارِهِ حَيْثُ لاَ يَرَاهُ أَحَدٌ ». فذهبتُ فشربته ، ثم أتيته وَّه؛ فقال ((مَا صَنَعْتَ؟)) قلتُ: غيَّتُه. قال: ((لَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ !! )). قلتُ: شربتُه . وفي رواية : قلتُ : جعلتُه في أَخفى مكانٍ ظننتُ أَنَّه خافٍ عن الناس . قال: ((لَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ !! )). قلتُ : شربتُه . (وَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ [الصَّلاَةُ] وَأَلسَّلامُ: ((وَيْلٌ) - للتَّحشُّر والتألُّم - (لَكَ مِنَ النَّاسِ ) ؛ إشارةً إلى محاصرته وتعذيبه ، وقتله وصلبه على يد الحجاج ، وقصَّته مشهورة - ( وَوَيْلٌ لَهُمْ) - أي: للناس - ( مِنْكَ)) ) لما أصابهم من حروبه ؛ ومحاصرة مكَّة بسببه ، وقتلِ مَنْ قُتْل، وما أصاب أمَّه وأهلَه من المصائب ، وما لَحِق قاتليه من الإثم العظيم وتخريب الكعبة ، فهو بيانٌ لما تسبَّب عن شرب دمه ، فإنَّه بَضعة من النبوة نورانية قَوَّت قلبَه حتى زادت شجاعَتُه ، وعلت هِمَّتُه عن الانقياد لغيره ممن لا يستحقُّ إمارةً ؛ فضلاً عن الخلافة . وَزَعْمُ أنَّه ((إشارةٌ إلى ما يلحقه من قَدْحِ الجَهَلة فيه بسبب شرب الدم)) !! مما لا ينبغي ذکرُه ، وسقوطُهُ مغنٍ عن ردِّه . وقد ورد عند الدارقطني في (( سننه))؛ من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما نحوه؛ ولفظه: قالت: احتجمَ وَّ﴿ فَدَفع دمه لابني فشربه ، فأتاه ١٣٦ وَلَمْ يُنكِرْهُ . جبريل فأخبره؛ فقال: ((مَا صَنَعْتَ؟)). قال: كرهتُ أن أَصُبَّ دمكَ. فقال ◌َّـ ((لاَ تَمَشُّكَ النَّارُ))، ومسح على رأسه. وقال: ((وَيْلُ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوَئِلٌ لَكَ مِنَ أُلنَّاسِ » . ( وَلَمْ يُتْكِرْهُ) عليه! وهذا هو محطُّ الدليل. فإنَّ عدم إنكاره ◌َِّ دليلٌ على جوازه وطهارته . وقد سئل الحافظ ابن حجر عن الحكمة في تنوُّع القولِ لابن الزبير ومالكِ بن سنان ؛ مع اتحاد السبب !؟. فأجاب بأن ابنَ الزبير شرب دم الحجامة ، وهو قدرٌ كثير يحصل به الاغتذاء ، وقوَّة جذب المَحْجَمة تجلُّبُه من سائر العروق؛ أو كثير منها، فعَلم ◌َّ أنَّه يسري في جميع جسده؛ فتكتسب جميع أعضائه منه قوىّ من قوىّ النبي ◌َّر فتورثه غايةَ قوَّةٍ البدن والقلبٍ ، وتكسبه نهايةَ الشهامة والشجاعة ؛ فلا ينقاد لمن هو دونه بعد ضعف العدل وقلَّة ناصِره ، وتمُّن الظَّلَمة وكثرة أعوانهم ، فحصل له ما أشار إليه ێ من تلك الحروب الهائلة التي تنتهك بها حرمته الناشئة من حرمته والفر ؛ وحرمة البيت العتيق، فقيل له (( وَيْلٌ لَهُ)) لقتله وانتهاك حرمته، و(( وَيْلٌ لَهُمْ)) لظلمهم وتعدِّيهم عليه وتسفيههم . وأما مالك بن سنان !! فازدرد ما مصَّه من الجرح الذي في وجهه وَّ؛ وهو أقلُّ من دم الحجامة ، وكأنه عَلِم أنه يسْتشهد في ذلك اليوم ، فلم يبقَ له من أحوال الدنيا ما يخبره به ، فأعلمه بالأهمِّ له ممَّا يتلقاه من أنواع مَسرَّات الجنان . انتهى . ولا عطرَ بعد عروس !. وحاصله : أنَّه أقتصر لمالك على التبشير بالجنة ، وأنه لا تصيبه النار ؛ لعدم بقاءٍ شيء له من الدنيا ، بخلاف ابن الزبير فأخبره بما يقع له في الدنيا على سبيل الإشارة ، كما أشار له أيضاً بأنَّه من أهل الجنة ؛ بقوله ((لاَ تَمَسُّكَ أَلنَّارُ)). فزعمُ (( أن مقتضاه أنه لم يُخاطب بهذا ابنَ الزبير؛ بل مالكاً )) ساقطٌ، إذ محطّ ١٣٧ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرَأَةٍ شَرِبَتْ بَوْلَهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَنْ تَشْتَكِي وَجَعَ بَطْنِكِ أَبَداً » . وَلَمْ يَأْمُرْ وَاحِداً مِنْهُمْ بِغَسْلٍ فَمٍ ، وَلاَنَهَاهُ عَنْ عَوْدِهِ ) أَنْتُهَى مُلَخَّصاً. الفرق إنما هو قولُهُ ((وَيْلٌ لَكَ)) .. الخ. انتهى زرقاني على ((المواهب)). ( وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا) المذكور في شرب دمه ◌َّهِ (عَنْهُ وَّهِ فِي أَمْرَأَةٍ شَرِبَتْ بَوْلَهُ)، واسم هذه المرأة ((بَرَكة)) فقيل: هي بنت يسار (( مولاة أبي سفيان بن حرب بن أمية))، كانت تخدم أُمَّ حبيبة؛ وتخدم النبي ◌ٍَّ ، وقيل: هي بركة المعروفة بـ ((أمِّ أيمن )) الحبشية مولاته وحاضنته ومرضعته ، ورثها من أبيه ؛ ثم أعتقها لمَّا تزوَّج خديجة ؛ فتزوَّجها عبيد بن زيد بن الحارث ، فولدت له أيمن ، وبه كُنِيت، ثم تزوَّجها بعد النبوة زيد بن حارثة؛ فولدت له أسامةَ حِبَّه ◌ِوَّه، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البرِّ وغيره؛ قاله في ((شرح الشفاء)). ( فَقَالَ لَهَا: ((لَنْ تَشْتَكِيْ وَجَعَ بَطْنِكِ أَبَداً)) ) وفي رواية: ((لَنْ تَلِجَ النَّارُ بَطْنَكِ )) والحديث صحيحٌ رواه الحاكم ؛ وأقرَّه الذهبي، ورواه الدار قطني، وألْزَمَ البخاريَّ ومسلماً إِخراجَه في ((الصحيح))؛ قاله في (( الشفاء)). وفي رواية بعدها زيادة : ( وَلَمْ يأُمُّزْ وَاحِداً مِنْهُمْ ) أي : أحداً ممن شرب دمه وبوله ( بِغَسْلِ فَمٍ ) !! ولو كان نجساً لأَمَر به، ( وَلاَ نَهَاهُ) ؛ أي : الأحد ( عَنْ عَوْدِهِ ) ؛ أيْ : عن عودٍ شرب بوله ، ولو كان نجساً لنهاه عن عوده ، ولَحَرُم تناوله ووجب تطهيرُ محلُّه، ولم يُقِرَّ النبيُّ ◌َّر على مثله، وكَونه للتداوي والعلاج !! خلافُ الظاهر. والضميرُ في ((نهاه)) وكذا الضمير في (( عوده)) كلاهما للواحد . وفي نسخة صحيحة من ((الشفاء)): ((عودةٌ)) بالتاء المربوطة كـ ((دولة))، فكأنه رواية. والله أعلم . (انْتَهَىْ) كلام ((الشفاء)) للقاضي عياض ( مُلَخَّصاً) - بتشديد الخاء المعجمة المفتوحة ؛ على صيغة اسم المفعول - أي : مُؤْتىً من ألفاظه بما هو المقصود . ١٣٨ وَأَمَّا رِيقُهُ الشَّرِيفُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ بَصَقَ فِي بِثْرِ دَارِ أَنْسٍ ، قال ملا علي قاري في (( شرح الشفاء)): وقد شرب أيضاً دمَه عليه الصلاة والسلام أبو طَيْبة، وعاش مائة وأربعين سنة. وسَفِيْنة ((مولى النبي تَّرُ)). رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه. ذكره الرافعي في ((الشرح الكبير)) ؛ قال ابن الملقِّن : ولم أجده في كتب الحديث !! انتهى . قال الخفاجي : وكونُ عليٍّ كرم الله وجهه شرب دمه لم يثبت ؛ كما أشار إليه الدَّميري في (( منظومته في الفقه))؛ يعني المسمّاة (( رموز الكنوز)) حيث قال : طَاهِرَةٌ عَلَىُ خِلافٍ أَنْتُشَرْ غَرِئِيَةٌ فَضْلَةُ سَيِّدِ البَشَرْ وَأَبْنُ الزُّبَيْرِ بِدَمِ الهَادِي الْبَشِيْرْ وَهُوَ أَلَّذِي خُصَّ بِوَيْلِ النَّاسِ فِي (( مُسْنَدِ البَزَّارِ)) ثُمَّ الْبَيْهَقِي وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَوْلُ أَبْنِ الصَّلاَحْ وَأُّ أَيْمَنَ أُسْتَزَادَتْ شَرَفَا وَسُقِيَتْ إِذْ هَاجَرَتْ لِلِسُّنَّةِ فَبَعْدَهُ مَا مَسَّ جَوْفَهَا ظَمَا صَخَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَالمَرْوِيُّ فِي وَأَبْنُ الصَّلاَحِ قَالَ فِي شُرْبِ أَبِي قَالَ أَبْنُ سَبْعٍ : وَيَقِيْناً كَانَتِ وَلَمْ تَبُلْ مِنْ تَحْتِهِ بَهِيْمَهْ نَالَ الَّذِي رَامَ كَمَا لَهُ أُشِيْز وَهُوَ بِوَيْلِهِ مِنَ اْلإِيْلاَسِ وَالطَّبَرَانِيُّ رَوَاهُ فَئِقِ ( لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ) يَفِي فِي الاصْطِلاَحْ إِذْ شَرِبَتْ بَوْلَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مَاءَ رَوِيّاً مِنْ شَرَابِ الجَنَّةِ وَلَمْ تَذُقْ إلىْ أَلْمَمَاتِ أَلَمَا شُرْبِ عَلِيٍّ دَمَهَ لَمْ يُعْرَفِ طَيْبَةَ: إِنَّهُ ضَعِيْفُ السَّبَبِ تَبْلَعُهَا الأَرْضُ وَمِنْهَا أَزْدَانَتِ وَلَمْ تُرَ الذَّهْرَ بِهِ سَقِيْمَه وهذه فائدة تفرَّد بها ؛ وهي: أنَّ الدوابَّ لم تَبُّل وهو ◌ََّ راكبٌ عليها ، ولم تسقم دابةٌ ر کبها في حياته . ( وَأَمَّا رِيْقُهُ) - أي: وصف ريقه ــ ( الشَّرِيْفُ وَِّ)، فكان يشفي الداءَ الحسِّيَّ والمعنويَّ كإزالة ملوحةِ الماء ؟! فالجوابُ محذوفٌ اكتفاءً بما دلَّ عليه قوله ( فَقَدْ بَصَقَ ) بالصاد والزاي وفي لغة بالسين ؛ خلافاً لمن أنكرها ( فِي بِثْرِ دَارٍ أَنَسِ ) بن ١٣٩ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ بِثْرٌ أَعْذَبَ مِنْهَا . وَأَتِيَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ مِنَ الدَّلْوِ ، ثُمَّ صَبَّ فِي الْبِثْرِ ، فَفَاحَ مِنْهَا مِثْلُ رَائِحَةِ الْمِسْكِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبْنُ مَاجَهْ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَدْعُو بِرُضَعَائِهِ وَرُضَعَاءٍ أَبْنَتِهِ فَاطِمَةَ فَتْفُلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ؛ وَيَقُولُ لِلْأُمَّهَاتِ: ((لاَ تُرْضِعْنَهُنَّ إِلَى اللَّيْلِ)» ، فَكَانَ رِيقُهُ يَجْزِيهِمْ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. مالكِ ( فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِيْنَةِ ) المنورة ( بِثْرٌ أَعْذَبَ ) : أحلى ( مِنْهَا ) ببركة بُصَاقهِ . رواه أبو نعيم ، وغيره ؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه . (وَأَتِيَ) - بصيغة المجهول - أي: جيءَ (بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ مِنَ الذَّلْوِ) . لم يقل ((منه)) !! لئلا يوهم أنَّه شرب من الماء في غير الدلو ؛ بأن صَبَّه في إناء غيره من الدلو (ثُمَّ صَبَّ) باقي شربه ( فِي الِثْرِ ) ، قصداً لإظهار المعجزة المصدِّقة له . ( فَفَاحَ مِنْهَا [ مِثْلُ ] رَائِحَةِ المِسْكِ. رَوَاهُ) الإمام (أَحْمَدُ ) بن حنبل . ( وَ) رواه ( أَبْنُ مَاجَهْ)؛ من حديث وائل بن حُجْر الحضرمي رضي الله تعالى عنه . (وَكَانَ بِ يَوْمَ عَاشُوْرَاءَ يَذْهُوْ بِرُضَعَائِهِ ) ؛ أي : صبيانه الذين ينسبون إليه ، ( وَرُضَعَاءِ أَبْنَتِهِ فَاطِمَةَ) ؛ أي : أولادها . ورضيعُ الشخص : أخوه رضاعةً، وليس مراداً هنا ؛ كما هو ظاهر . ( فَتْفُلُ) - بكسر الفاء وضمُّها -: يبصق، (فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَيَقُوْلُ لِلأُمَّهَاتِ: ((لاَ تُرْضِعْتَهُنَّ إِلَى اللَّيْلِ ) لعله أرادَ مشاركتهم للصائمين في عدم تناول شيءٍ لتعود عليهم بركةُ تصؤُّرِهم بهم، ولا مانع أنَّه يكتب لهم ثوابُ مَن صامه إِكراماً له، ( فَكَانَ رِيْقُهُ يَجْزِيْهِمْ) - بفتح الياء - أي: يكفيهم إلى الليل، ويجوزُ [ يُجْزئهم ] ضمُّ الياء مع سكون الجيم؛ آخره همزة - أي: يغنيهم عن اللبان (رَوَاهُ أَلْبَيْهَقِيُّ) في ((الدلائل)). ١٤٠