النص المفهرس
صفحات 101-120
الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ . وَعَنْ أَبِي صَالِحِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهُمَا : على أنَّه اسم ((كان)) وخبرُها قولُهُ ( أَلَّذِيْ) ... الخ ، فهو في محلّ نصب على هذا، والثاني على أنَّه خبرُها مقدَّمٌ، واسمُها ((الَّذي)) ، فهو في محلِّ رفعٍ على هذا . وقوله ( يَدُوْمُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) ؛ أي : مداومة عرفية ؛ لا حقيقية ، لأن شمولَ جميع الأزمنة غيرُ ممكن لأحد من الخلق ، فإنَّ الشخص ينام وقتاً ، ويأكلُ وقتاً ، ويشرب وقتاً ... وهكذا . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَنْ أَبِي صَالِحِ ) السَّمانِ الزِيَّاتِ التابعي؛ واسمه: ذكوان، وقيل له ((السمان)) و((الزيَّات)) !! لأنَّه كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة . وهو مَدَني غَطَفاني ((مولى جويرية بنت الأحمس)) ؛ سمع سعد بن أبي وقّاصٍ وابنَ عمر ، وابن عبَّاس ، وجابراً ، وأبا سعيد ، وأبا هريرة ، وأبا الدرداء ، وأبا عياش الزُّرَقِيَّ، وعائشةَ . وسمع جماعة من التابعين . روى عنه بنوه : سهيلٌ؛ وعبد الله ؛ وصالح ، وعطاء بن أبي رباح ، وعبد الله بن دينار ، ومحمد بن سيرين ، والزُّهري ، وحبيب بن أبي ثابت ، ورجاء بن حيوة ، ويحيى الأنصاري ، وأبو إسحاق السبيعي ، وخلائق من التابعين وغيرهم ، وسمع منه الأعمش ألف حديث . واتفقوا على توثيقه وجلالته . قال الإمام أحمد ابن حنبل : هو ثقةٌ ثقة ؛ من أَجَلِّ الناس وأوثقهم ، وشهد الدارَ زمنَ عثمان رضي الله تعالى عنه ، وتوفي بالمدينة المنورة سنة : إِحدى ومائة رحمه الله تعالى . ( قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) - بصيغة المتكلِّم وحدَه ؛ مبنيّاً ١٠١ أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتَا : مَا دِيمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَلَّ . وَرَوَىْ أَلْبُخَارِيُّ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ . للمعلوم - ونصب الاسمين على المفعولية، وفي رواية : سُئِلَت - بصيغة الغائبة ؛ مبنياً للمجهول ، ورفع ما بعده على النيابة -: ( أَيُّ الْعَمَلِ ) أي : أيُّ أنواعه ( كَانَ أَحَبَّ ) - يجوز رفعُه ونصبه - ( إِلَى رَسُوْلِ اللهِ وَِّ؟! قَالَتَاَ: مَا دِيْمَ) - بكسر الدال؛ وفتح الميم كـ ((قِيْلَ)) - أي: ما وُوظب ( عَلَيْهِ؛ وَإِنْ قَلَّ ) العمل المداوَم عليه، فإنَّه خيرٌ من كثير منقطع ، إذ بدوام القليل تدومُ الطاعة والذكر والمراقبة والإخلاص ، وهذه ثمراتٌ تزيد على الكثير المنقطع أضعافاً مضاعفةً . وبهذا الحديث ينكر أهل التصوُّف تركَ الأوراد والنوافل ؛ كما ينكرون ترك الفرائض ... وأخَّر المصنف هذه الأحاديث إلى الصوم !! لأن كثيراً يداومون عليه أكثر من غيره ؛ فذكر فيه ذلك زجراً لهم عن موجَب الملال فيه وفي غيره ، وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص عن تركه قبولَ رخصة رسول الله وَ﴿ في تخفيف العبادة ومجانبةِ التَّشديد . والله أعلم . ( وَرَوَى) الإِمام الحافظُ الحُجَّةُ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (البُخَارِيُّ) في ((صحيحه))؛ في باب .... ، وكذا رواه مسلم في ((صحيحه))؛ في ((كتاب الصلاة ؛ باب فضيلة العمل الدائم)) أثناء حديث المرأة التي تذكر من صلاتها (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛ أَنَّهُ) - أي: الشَّأن - ( كَانَ أَحَبَّ الدِّيْنِ ) - بكسر الدال: يعني التعبُّد - ( إِلَى رَسُوْلِ اللهِنَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) ؛ وإِن قل ذلك العمل المداوَم عليه ، يعني : ما واظب عليه مواظبةً عرفية . ١٠٢ وإنَّما كان أَحبَّ إليه !! لأن المداوم يدوم له الإمداد والإسعاد من حضرة الوهَّاب الجواد ، وتاركُ العمل بعد الشروع ؛ كالمُعْرِض بعد الوصل ، وكالهاجر بعدما مُنِحَه من الفضل ، وبدوام العملِ القليل تستمرُّ الطاعةُ والإقبال على الله ؛ بخلاف الکثیر الشاق . انتھی « مناوي)» . ١٠٣ الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةٍ قِرَاءَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَوْفٍ بِنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ( الْفَصْلُ الثَّالِثُ ) من الباب السادس (فِي) بيانِ ما ورد في (صِفَّةٍ قِرَاءَتِهِ بَّهِ) للقرآن. والمرادُ بصفة القراءة : الترتيلُ، والمدُّ، والوَقْفُ ، والإسرار ، والإعلان ، والترجيع ... وغيرها . أخرج أبو داود، والنسائي، والترمذي في ((الشمائل)) - وهذا لفظها - : ( عَنْ ) أبي عبد الرحمن ( عَوْفِ بْنِ مَالِكِ ) بن أبي عوف الأشجعيِّ الغَطَفاني صحابيٌّ مشهور ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ) . قال الإمام النَّووي: أوَّل مشاهده مع النبي ◌َِّ خيبرُ، وشهد معه فتحَ مكة ، وكانت معه راية أشجع ، نزل الشام وسكن دمشق ، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق ، رُوي له عن رسول الله وَّه سبعة وسِتُّون حديثاً؛ روى البخاري منها واحداً ، ومسلم خمسة . روى عنه : أبو أيوب الأنصاري ، والمقدام بن معدي كرب ، وأبو هريرة ، وروى عنه من التابعين جماعاتٌ ؛ منهم أبو مسلم ؛ وأبو إدريس الخولانيان ، وجبیر بن نفیر، ومسلم بن قرضة ، وشدَّاد أبو عمار ، وراشد بن سعد ، ویزید بن الأصم، وسليم بن عامر ، وسالم أبو النضر ، وأبو بردة بن أبي موسى ، وشريح بن عبيدة ، وضمرة بن حبيب ، وكثير بن مرَّة وخلقٌ سواهم . واتفقوا على أنَّه توفي بدمشق سنة : ثلاث وسبعين ؛ في خلافة عبد الملك بن ١٠٤ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ، فَاسْتَاكَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَبَدَأَ فَاسْتَفْتَحَ ( الْبَقَرَةَ) ، فَلاَ يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ .. إِلَّ وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلاَ يَمُرُّ بِآيَةٍ عَذَابٍ .. إِلَّ وَقَفَ فَتَعَوَّذَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَمَكَثَ رَاكِعاً بِقَدْرِ قِيَامِهِ ، وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ : (( سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ ، مروان رضي الله تعالى عنه . انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى . وقال المناوي في ((شرح الشمائل)): إنَّه من مُسْلِمَةِ الفتح، وعزاه لابن حجر والذهبي . والله أعلم . ( قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ لَيْلَةً) من الليالي ( فَأَسْتَاكَ ) ؛ أي : استعمل السِّواكَ، ( ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّيْ) ؛ أي: يريد الصلاة (فَقُمْتُ مَعَهُ) - أي : للصلاة معه والاقتداءِ به - ( فَبَدَأَ) ؛ أي : شرع فيها بالنية وتكبيرة الإحرام ( فَاسْتَفْتَحَ ) سورة ( البَقَرَةِ) أي: شرع فيها بعد قراءة الفاتحة ، (فَلاَ يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّ وَقَفَ ) - أي: أمسك عن القراءة - ( فَسَأَلَ) اللهَ الرحمةَ، ( وَلاَ يَمُرُ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّ وَقَفَ فَتَعَوَّذَ ) - أي - من العذاب، فيسنُ للقارىءِ مراعاةُ ذلك ؛ ولو في الصلاة ، فإذا مَرَّ بآية رحمة سأل اللهَ الرحمة ، أو بآية عذاب تعوَّذ بالله منه ، وكذا إذا مرَّ بآية [التين] قال «بلى؛ وأنا على ذلك تسبيح سبَّح أو بنحو ﴿أَسَ اَللَّهُ بِأَعْكَمِ اَلْحَكِمِينَ من الشاهدين))، أو بنحو ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [٣٢/ النساء] قال ((اللهم؛ إنّي أسألُك من فضلك)). ( ثُمَّ رَكَعَ) عطفٌ على (( استفتح))، ولطول قراءته المؤدِّي التراخي الركوع من ابتدائها عبَّر بـ ((ثم))، (فَمَكُثَ ) - بفتح الكاف ، وضمِّها ، وبالوجهين قُرئ قوله تعالى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [٢٢/ النمل] - أي: فلبث (رَاكِعَاً ) مُكثاً طويلاً ( بِقَدْرِ قِيَامِهِ ) الَّذي قرأ فيه سورة البقرة بكمالها . ( وَيَقُوْلُ فِي رُكُوْعِهِ ) - عبَّر بالمضارع !! استحضاراً لحكاية الحال الماضية ، وإلاَّ فالمقام للماضي -: ( ((سُبْحَانَ ذِيْ الْجَبَرُوْتِ ) ؛ أي : صاحب الجبر والقهر ، فـ ((جبروت)) بوزن ((فَعَلوت))؛ من الجبر. قال مُلاَّ علي قاري: أي المُلْك الظاهر فيه القهر ( وَأَلمَلَكُوْتُ ) أي : الملك الظاهر فيه اللطفُ. والمعنى بهما ١٠٥ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ )) ، ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ رُكُوعِهِ، ويَقُولُ فِي سُجُودِهِ : (( سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ، وَالْكِبْرِياءِ وَالْعَظَمَةِ))، ثُمَّ قَرَأَ ( آلَ عِمْرَانَ ) ، ثُمَّ سُورَةً سُورَةً. يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ . مصرف أحوال الظاهر والباطن. انتهى فـ ((ملكوت)) بوزن ((فَعَلوت))؛ من الملك . والتاء فيهما !! للمبالغة . ( وَأَلْكِبْرِيَاءِ ) أي : الترفُّع عن جميع الخلق مع انقیادهم له والتنُّه عن كلِّ نقص (وَأَلعَظَمَةِ)))؛ أي: تجاوز القدر عن الإحاطة. وقيل: الكِبرياءُ : عبارةٌ عن كمال الذات ، والعظمة : عبارةٌ عن كمال الصفات ، أي : صاحب الكبرياء والعظمة على وجه الاختصاص بهما ، فلا يوصف بهما غيرُه تعالى ، كما يدلُّ عليه الحديث القدسي : «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَأَلْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَصَمْتُهُ ؛ وَلاَ أُبَالِي )) ، أي : أهلكته . ( ثُمَّسَجَدَ ) أي: سجوداً طويلاً ( بِقَدْرِ رُكُوْعِهِ، وَيَقُوْلُ فِي سُجُوْدِهِ: (( سُبْحَانَ ذِيْ الجَبَرُوْتِ، وَأُلمَلَكُوتِ وَأَلْكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ))، ثُمَّ ) بعد تمام الركعة الأولىُ والقيام للثانية ( قَرَأَ) سورة ( آل عِمْرَانَ) بعد قراءة الفاتحة، ( ثُمَّ سُوْرَةً سُوْرَةً ) ؛ أي: ثم قرأ سورةَ ((النساء)) في الثالثة، ثم سورة ((المائدة )) في الرابعة ، ففيه حذف حرفِ العطف بقرينة ما سبق في حديث حذيفة؛ من أنَّه قرأ ((النساء)) و((المائدة )). فزعمُ أنَّه تأكيدٌ لفظيٌّ خلافُ الظاهر (يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ) ؛ أي : حال كونه يفعل مثل ما تقدَّم من السؤال والتعوُّذ وتطويل الركوع والسجود ؛ ([ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ]) بِقَدْر قيامِها . قال المناوي : وصلاتُه ◌َ له كانت مختلفة باختلاف الأزمنة والأحوال ؛ فتارة يُؤْثِر التخفيف ، وأخرى التطويل ، وأخرى الاقتصاد ؛ بحسب اقتضاءِ المقام مع ما فيه من بیان جواز كلِّ وجه . ١٠٦ وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِآَيَّةٍ خَوْفٍ . . تَعَوَّذَ ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَّةِ رَحْمَةٍ . . سَأَلَ ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَنْزِيهُ اللهِ . . سَبَّحَ . وَعَن أَبِي لَيْلَى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِآيَّةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ .. قَالَ: (( وَيْلٌ لِأَهْلِ النَّارِ ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ » . ١٠٠ قال الباجوري : وهذه الصلاةُ هي التراويح ، وظاهر السياق أنَّه صلاها بسلام واحد . انتهى . ولا أدري ما هو مأخذُه في تعيين كونها صلاة التراويح !! فليراجع . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب ((السنن الأربعة))؛ ( عَنْ حُذَيْقَةَ) بنِ اليَمان (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وعن والده ؛ ( قَالَ : كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ خَوْفٍ، تَعَوَّذَ) بالله من النار ، ( وَإِذَا مَرَّ بِآيَّةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ ) الله الرحمة والجنة ، ( وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيْهَا تَنْزِيْهُ اُللهِ؛ سَبَّحَ ) . قال المناوي : أي قال (( سبحان ربي الأعلى)) ، فينبغي للمؤمنين سواهُ أن يكونوا كذلك ، بل هم أولى به منه ، إذا كان غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر ، وهم من أمرهم على خطرٍ ! قال النووي : فيه استحباب هذه الأمور لكلِّ قارىءٍ في الصلاة ؛ أو غيرها . ( وَ) أخرج ابن قانع في ((معجمه))؛ ( عَنْ أَبِيْ لَيْلَى ) - بلامين - الأنصاري والدِ عبد الرحمن بن أبي ليلى ، واسمه : بلال ، أو : داود بن بلال بن أُحيحة بن الجلاّح، صحابي شهد أُحُداً وما بعدَها ، نزل الكوفة ، له ثلاثة عشر حديثاً ، روى عنه ابنُه عبد الرحمن ؛ وله رواية عند أبي داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والنسائي في (( عمل اليوم والليلة ))، يقال: إنَّ قُتِل بصفّين والله أعلم. ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا مَرَّ بَآيَةٍ فِيْهَا ذِكْرُ النَّارِ ؛ قَالَ: ((وَيْلٌ لِأَهْلِ النَّارِ ، أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ النَّارِ )) ) وهذا تعليمٌ للأمّة ، وإلاَّ فهو ١٠٧ وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكِ : معصوم من العذاب ! فيسنُّ لكل قارئٍ اقتداءً به . قال المظهري وغيره : هذه الأشياء وشِبْهُها تجوز في الصلاة وغيرِها عند الشافعي رحمه الله تعالى . وعند الحنفية والمالكية : لا يجوز إلاَّ في غير الصلاة ، قالوا : لو كان في الصلاة لَبَّنْه الراوي ، ولنقله عدَّةٌ من الصحابة مع شِدَّة حرصِهم على الأخذ منه والتبليغِ ، فإذا زعم أحدٌ أنَّه في الصلاة حَمَلْنَاه على التطوُّع . وأجاب الشافعية بأنَّ الأصلَ العمومُ ، وعلى المخالِف دليلُ الخصوص ، وبأن من يتعانى هذا يكون حاضر القلب ؛ متخشِّعاً خائفاً راجياً ؛ يظهر افتقاره بين يدي مولاه ، والصلاة مظنّةُ ذَلِكَ ، والقصر على النقل تحكُم . وقال ابن حجر : أقصى ما تمسَّك به المانع حديثُ ((إِنَّ صَلاَتَنَا هذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيْهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَم النَّاسِ)) !! وهو محمولٌ على ما عدا الدعاء؛ جمعاً بين الأخبار. انتهى (( مناوي )) . ( وَ) أخرج أبو داود، والنسائي، والترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل)) - وهذا لفظ ((الشمائل)) -: حدَّثنا قتيبة بن سعيد؛ قال: حدَّثنا الليث ؛ عن ابن أبي مُلَيْكة ؛ (عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ ) - بفتح الميم الأولى وسكون الثانية ؛ وفتح اللام بعدها کاف ، بوزن جَعْفَر ۔ حجازيٌّ ، روى عن أمِّ الدَّرداء ؛ وأمِّ سلمة ، وعنه ابن أبي مُلَيْكة ، وقد وُثِّق . ذَكرَه جمعٌ ؛ منهم الذهبي . روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، والبخاري؛ في (( الأدب المفرد))، قال الترمذي في (( جامعه )) - بعد ذكر حديثه الآتي - : هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلاَّ من حديث ليث بن سعد ؛ عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مَمْلك ؛ عن أمِّ سلمة ، وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي ١٠٨ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفاً حَرْفاً . وَعَنْ قَتَادَةَ مليكة؛ عن أم سلمة: أنَّ النبيِ نَّهِ كان يُقَطَّعُ قراءته ، وحديث الليث أصحُ . انتهى كلام الترمذي في «جامعه ». ( أَنَّهُ) أي : يعلى بن مملك ( سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ) أُمَّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، عَنْ قِرَاءَةِ رَسُوْلِ اللهِ نَّهَ) أي: عن صفتها (فَإِذَا) - الفاء للعطف، و((إذا)) للمفاجأة ، والتعبير بذلك يشعر بأنها أجابت فوراً لكمال ضبطها وشدَّة إتقانها - (هِيَ) أي: أم سلمة ( تَنْعَتُ) - بفتح العين - أي: تصفُ؛ من قولهم (( نعت الرجل صاحبه : وصفه )) (قِرَاءَةً مُفَشَرةً) - بفتح السين المهملة المشدَّدة - ؛ من الفَسْر ؛ وهو البيان والإيضاح ، ومنه التفسير . أي : مبيّنةً مشروحة واضحة ؛ حال كونها مفصولة الحروف ( حَرْفاً حَرْفاً ) ؛ أي : كلمة كلمة يعني مرتَّلةً محقَّقة . ونعتُها لقراءته مَط !! يحتمل وجهين : أحدهما : أنَّها قالت كانت قراءتُه كذا وكذا ، وثانيهما: أنها قرأت قراءة مرتَّلة مبيّنة؛ وقالت: كان النبي وَلَّه يقرأُ مثلَ هذه القراءة . ( وَ) أخرج البخاري، ومسلم ، والنسائي، وابن ماجه ، والترمذي في (( الشمائل » - وهذا لفظها - : ( عَنْ ) أبي الخطّاب ( قَتَادَةَ ) بنِ دِعامة - بكسر الدال المهملة - ابن قتادة السدوسي البصري التابعي ، ولد أعمى . وسمع أنسَ بن مالك ، وعبد الله بن سرجس ، وأبا الطفيل ، وابن المسيب ، وأبا عثمان النهدي ، والحسنَ البصري ، وابن سيرين ، وعكرمة ، وزُرَارة بن ١٠٩ قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ: مَدّاً . أوفى ، والشَّعبيَّ وخلائق غيرهم من التابعين . روى عنه جماعةٌ من التابعين ؛ منهم : سليمان التيمي ، وحميد الطويل ، والأعمش ، وأيوب . وخلائق من تابعي التابعين ؛ منهم : مطر الورَّاق ، وجرير بن حازم ، وشعبة ، والأوزاعي ؛ وغيرهم . وأجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه ، وإتقانه وفضله ، وقَدِم قتادةُ على ابن المسيب ؛ فسأله أيّاماً فأكثر، فقال : تحفظ كُلَّ ما سألتني عنه ؟! قال : نعم ؛ سألتك عن كذا ؛ فقلت فيه كذا ، وسألتك عن كذا ؛ فقلت فيه كذا . وقالَ فيه الحسنُ كذا ؛ فذكر حديثاً كثيراً ؛ فقال ابن المسيب : ما كنتُ أظنُّ اللهَ خَلَقَ مثلك !! وذكره أحمد ابن حنبل فأطنب في الثناء عليه ، وكان أحفظَ أهلِ البصرة ، ولا يسمع شيئا إلاَّ حفظه . توفي قتادة سنة : سبع عشرة ومائة ، وقيل : ثمان عشرة ومائة ؛ وهو ابن سِتّ وخمسين . رحمه الله تعالى . ( قَالَ : قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَيْفَ كَانَتْ ) ؛ أي : على أيِّ صفة كانت (قِرَاءَةُ رَسُوْلِ اللهِ وَّرِ؟! ): هل كانت ممدودة ؛ أو مقصورة ؟ !. ( قَالَ ) : كانت قراءته ( مَدّاً) بصيغة المصدر ؛ أي : ذات مدٍّ . وفي رواية للبخاري : كان يمدُّ مَدّاً. وفي رواية : يمدُّ صوته مدّاً . يعني كان يمدُّ ما كان من حروف المدِّ واللِّين مما يستحقُّ المدَّ مطوَّلاً؛ أو مقصوراً؛ أو متوسّطاً، من غير إفراط ؛ لأنه مذموم . وليس المرادُ المبالغةَ في المدِّ بغير موجب . وفي رواية البخاري ؛ عن أنس : كانت مدّاً يمدُّ ((بسم الله))، ويمدُّ ((الرحمن)) ويمدُّ ((الرحيم)). ١١٠ وَعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ؛ يَقُولُ: (((الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ اَلْعَلَمِينَ﴾))، ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ : قال الحافظ ابن حجر : أي يمدُّ اللام التي قبل الهاء في الجلالة ، والميم التي قبل النون من ((الرحمن))، والحاء من ((الرحيم)). قال مُلاَّ علي قاري : ولا يخفى أنَّ المدَّ في كلٍّ من الأسماء الشريفة وصلاً لا يزاد على قدر ألف ؛ وهو المسمى بالمدِّ : الأصلي ، والذاتي ، والطبيعي ، ووقف توسُّط أيضاً فيمذُّ قدر ألِفَين، أو يطوَّل قدرَ ثلاثٍ لاغير ، وهو المسمَّى بالمدِّ العارض ، وعلى هذا القياسِ . وتفصيلُ أنواع المدِّ محلُّه كتب القراءة . وأما ما ابتدعه قُرَّاء زماننا ، حتى أئمة صلاتنا : أنَّهم يزيدون على المدِّ الطبيعي إلى أن يصلَ قدر ألِفِين وأكثر؛ وربَّما يقصرون المدَّ الواجب !! فلا مدَّ الله في عمرهم ، ولا أَمدَّ في أمرهم . انتهى . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل)) و((الجامع))؛ وقال: حسن غريب، والحاكم ؛ وقال على شرطهما . وأقرَّه الذهبي ، وقال العزيزي : حديث صحيح ، وهذا لفظُ ((الشمائل)): حدَّثنا عليُّ بن حُجْرٍ؛ قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد الأموي ؛ عن ابن جُريج ؛ عن ابن أبي مليكة ؛ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا؛ قَالَتْ: كَانَ النَِّيُّ وَّهَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ ) - بتشديد الطاء ؛ من التقطيع : وهو جعل الشيء قطعة قطعة - أي : يقفُ على فواصل الآيْ ... آيةً آية ؛ وإن تعلَّقت بما بعدها ، فيسنُ الوقف على رؤوس الآي ؛ وإن تعلَّقت بما بعدها . كما صرَّح به البيهقي وغيرُه . وقول بعضِ القُرَّاء ((الأَولى الوقفُ على موضع يتمُّ فيه الكلام)) !! إنما هو فيما لا يُعَلم فيه وقفٌ للمصطفى وَلِّ، وإلاَّ! فالفضلُ والكمال في متابعته في كلِّ حال . ( يَقُوْلُ ((الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ)) ثُمَّ يَقِفُ)، بيانٌّ لقوله ((يُقَطِّع))، (ثُمَّ يَقُوْلُ ١١١ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾))، ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَأُ: ((﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾)). ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم)) ثُمَّ يَقِفُ) ؛ أي: يُمسك عن القِرَاءة قليلاً، ثم يقرأُ الآيَةَ التي بعدَها ... وهكذا إلى آخر السورة . قال العلامة مُلاَّ علي قاري : وهذ الحديث يؤيِّد أنَّ البسملةَ ليست من الفاتحة ؛ على ما هو مذهبنا ومذهبُ الإمام مالك . انتهى . لكن قال العلامة المناوي في (( شرح الجامع)): رواه الإمام أحمد ، وابن خزيمة ؛ عن أم سلمة بلفظ: كانَ يُقَطِّعُ قراءَتَه: ﴿يِسْمِ الَّهِ الرََّرِ الرَّحِيمَ ◌َ مْلِكِ يَوْمِ ٣ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ T الدِّينِ ﴾﴾ [الفاتحة] انتهى. واحتجَّ به القاضي البيضاوي وغيرهُ على عدِّ البسملة آيةٌ من الفاتحة . قال الدارقطني : وإسناده صحيح . (وَكَانَ يَقْرَأُ ((﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ)))) أي: بالألف أحياناً، وإلاَّ ! فالجمهورُ على حذف الألف ؛ قاله ملا علي قاري . قال شُرَّح ((الشمائل)): كذا هو بالألف في جميع نسخ (( الشمائل)). قال القسطلاَّني. وأظنُّهُ سهواً من النساخ !! والصواب ((مَلِكِ)) بلا ألف كما أورده المؤلف - يعني الترمذي في (( جامعه )) - وبه كان يقرأ أبو عبيد ويختاره ، قال الترمذي في ((جامعه)): هذا حديث غريب ، وليس إسناده بمثَّصل ، لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة ؛ عن يعلى بن مَمْلك ؛ عن أمّ سلمة ، وحديث الليثِ أصُ . قال العسقلاني ؛ نقلاً عن ابن أبي مليكة : أدركتُ ثلاثينَ من أصحاب النبيِ نَّه. وأجلُّ مَن سمع منهم عائشة الصديقة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة ، لكن أدركَ من هو أعلى منهم ؛ ولم يسمع منهم ، كعليٍّ ، وسعد بن أبي وقاص . ١١٢ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالِى عَنْهَا : عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكَانَ يُسِنُ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قَالَتْ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ ؛ وإذا ثبت سماع ابن أبي مليكة من أُمِّ سلمة ؛ فلِمَ لا يجوز أن يسمع الحديث بهذا اللفظ من أم سلمة ؛ وسمع الحديث من يعلى بن مملك عنها باللفظ المتقدّم !! بل نقول : رواية الليث من ((المزيد في مثَّصل الأسانيد )). انتهى . ذكره ملا علي قاري رحمه الله تعالى . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) . - واللفظ لها -. ( عَنْ ) أبي الأسود ( عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ) - ويقال : ابنُ أبي قيس ، ويقال : ابن أبي موسى - النَّصري - بالنون - الحمصي ، روى عن أبي ذرٍّ وغيره ، وعنه محمد بن زياد ، ومعاويةُ بن صالح ، وهو ثقةٌ مخضرم ، وثَّقه النَّسائي ، روى له أصحاب ((السنن الأربعة))، والبخاري في ((الأدب المفرد)). ( قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ◌َِّ)؛ أي: بالليل - كما صرَّح به الترمذي في ((جامعه))؛ ولفظهُ: سألتُ عائشة رضي الله تعالى عنها کیف کانت قراءة النبي څڑ بالليل -؛ ( أَكَانَ ) - بإثبات أداة الاستفهام ، وفي رواية بحذفها لكنها مقدَّرة - أي: أكان ( يُسِرُّ بِالقِرَاءَةِ ) أي : يُخْفِيْها بحيث لا يسمعه غَيْرُه ( أَمْ يَجْهَرُ !؟ ) ، أي : يُظهرها بحيث يسمعه غيره ، والباء زائدةٌ للتأكيد نحو : أخذتُ الخِطام ؛ وأخذت به ، فهو من قبيل ﴿ تُلْقُونَ إِلَتِهِم ◌ِلْمَوَدَّةِ﴾ [١/ الممتحنة] وذلك لتصريحهم بأن ((أَسَرَّ)) يتعدَّى بنفسه ؛ يقال : أسرَّ الحديث : أخفاه . ( قَالَتْ ) أي : عائشة (: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ) برفع «كُلُّ )) على أنَّه مبتدأ ؛ خبرُه الجملة مع تقدير الرابط ؛ أي : قد كان يفعلُه ، ونصبِه على أنَّه مفعول مقدَّمٌ ، وهو أولى، لأنَّه لا يحوج إلى تقديرِ الضمير، ثم فَسَّرت ذلك ووضَّحَتْهُ بقولها : ١١٣ قَدْ كَانَ (١) رُبَّمَا أَسَرَّ، وَرُبَّمَا جَهَرَ . فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةٌ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ مِنَ اللَّيْلِ .. رَفَعَ طَوْراً، وَخَفَضَ طَوْراً . ([ قَدْ كَانَ ] رُبَّمَا أَسَرَّ) أحياناً، (وَرُبَّمَا جَهَرَ ) أحياناً، فيجوز كلٌّ منهما، والأفضل منهما ما كَثُر خشوعه وبَعُد عن الرياء ، ( فَقُلْتُ ) - القائل هو : عبد الله بن أبي قيس - (: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ) - أي: أمر القراءة من حيث الجهرُ والإسرار - ( سَعَةً ) ، ولم يضيّق علينا بتعيين أحدِ الأمرين ، لأنه لو عيَّن أَحدَهما ؛ فقد لا تنشط له النفس ؛ فتُحرم الثواب !! والسّعة من الله في التكاليف نعمةٌ يجب تلقِّيها بالشكر . والسَّعَة بفتح السين ، وكسرِها لغة ؛ وبه قرأ بعض التابعين في قوله تعالى ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِ﴾ [٢٤٧/ البقرة]. ( وَ) أخرج أبو داود، والحاكم في ((المستدرك))، ومحمد بن نصر في ((كتاب الصلاة )) وسكت عليه أبو داود ، والمنذريُّ، فهو صالح : كلُّهم ؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرحمن بن صخر اليماني الدوسي ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ) باختلاف في الألفاظ ، وهذا لفظ محمد بن نصر : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا قَرَأَ مِنَ اللَّيْلِ رَفَعَ) قراءته (طَوْراً؛ وَخَفَضَ طَوْراً) ، ولفظ أبي داود ؛ عن أبي هريرة: كانت قراءة رسول الله وَّه بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً . ولفظ الحاكم ؛ عن أبي هريرة : كان إذا قام من الليل رفع صوته طوراً وخفض طوراً . انتهى . قال ابن الأثير : الطّور الحالة ، أي : تارة يجهر في بعض الركعات ، وتارة (١) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من ((وسائل الوصول)). ١١٤ وَعَنْ أُمُّ هَانِىءٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ قِرَاءَةً النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيِلِ ، وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي . وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةً يسِرُّ، وفيه أنّه لا بأس بإظهار العمل للناس لمن أمن على نفسه الرياء والإعجاب . ( وَ) أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في (( الشمائل)) - وهذا لفظها - : (عَنْ أُمِّ هَانِىءٍ) - بهمز في آخره - وهي أخت علي بن أبي طالب؛ واسمها فاختة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛ قَالَتْ : كُنْتُ أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِّ ◌ََّ)؛ أَي: وهو في صلاته ( بِاللَّيْلِ ) عند الكعبة ؛ كما في رواية ، فهذه القصة كانت قبل الهجرة ( وَأَنَا عَلَى عَرِيْشيْ ) بإثبات الياء ، وفي نسخ من (( الشمائل )) بحذفها . والعرش والعريش: السرير ، وجمعه عُرُش - بضمتين - كبريد وبُرُد ، أي : والحال أنِّي نائمة على سريري . وفي رواية النسائي وابن ماجه بلفظ: كنتُ أسمع صوت النبي وَّ؛ وهو يقرأ ؛ وأنا نائمة على فراشي يُرَجِّعُ بالقراءة . وفي رواية للَّسائي : وأنا على عريشي . ويؤخذ من الحديث الجهُر بالقراءة ، حتى النفل ليلاً ، لكن الأفضل عند الشافعية للمصلي ليلاً التوسُط ؛ بأن يُسرَّ تارة ويجهر أخرى ، وهذا في النفل المطلق ، وأما غيرُ النفل المطلق !! فيسنُّ الإسرار ، إلاَّ في نحو الوتر في رمضان فیسُّ فیه الجهر . ( وَ) أخرج البخاري، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي في (( الشمائل)) - وهذا لفظها -: ( عَنْ) أبي إياس ( مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) - بضم القاف وتشديد الراء - ابن إِياس المزني البصري ، يروي عن ابن مغفَّل وعلي مرسلاً ، وابن عباس وابن عمر . ١١٥ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ يَقْرَأُ : ويروي عنه قتادةُ وشعبة وأبو عوانة وخلق ، وثَّقْهُ ابن معين وأبو حاتم ، وحديثه في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي ، ومات سنة : - ١١٣ - ثلاث عشرة ومائة ، ومولده يوم الجمعة رحمه الله تعالى . ( قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ ) - بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الفاء المشددة - المزني المدني البصري ، الصحابي الجليل ، من أهل بيعة الرضوان . وکنیته (( أبو سعيد))، وقيل ((أبو عبد الرحمن))، و(( أبو زياد )). سكن المدينة ثم تحوَّل إلى البصرة وابتنى بها داراً قرب الجامع . وكان أحد البَّائين الذين نزل فيهم قوله تعالى ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوََّ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ نَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُ واْ مَا يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة] . ٩٢ وكان أحدَ العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى البصرة يفقُّهون الناس، وهو أوَّل مَن دخل مدينة (( تُسْتَر)) حين فتحها المسلمون . روي له عن النبي عليه ثلاثة وأربعون حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة ، وانفرد البخاري بحديث ، ومسلم بآخر . روى عنه جماعاتٌ من التابعين ؛ منهم الحسن البصري ، وأبو العالية ، ومطرّف ، ويزيد بن عبد الله ، وآخرون . وتوفي بالبصرة سنة : ستين ، وقيل : سنة تسع وخمسين ، وصلَّى عليه أبو بَرْزَة الأسلمي لوصيته بذلك ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ) راكباً (عَلَى نَاقَتِهِ ) العضباء ؛ أو غيرها ( يَوْمَ الفَتْحِ ) ؛ أي : يوم فتح مكة ( وَهُوَ يَقْرَأُ) فيه دلالة إلى أنَّه وَلِّ كان ملازماً للعبادة حتَّى في حال ١١٦ ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنَِّكَ وَمَا تَأْخَرَ﴾ [الفتح: ١-٢]. قَالَ : فَقَرَأَ وَرَجَّعَ . ركوبه وسيره . وفي جهره إشارةٌ إلى أنَّ الجهر أفضلُ من الإِسرار في بعض المواطن، وهو عند التعظيم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك (﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِّنًا [الفتح] أي : بيّاً واضحاً لا لَبْس فيه على أحد . وهذا الفتح هو فتحُ مگّة ؛ کما رُوي عن أنس ، أو فتح خيبر ؛ کما روي عن مجاهد . والأكثرون على أنَّه صلح الحديبية، لأنه أصلُ الفتوحات كلِّها (﴿لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾﴾ [٢/ الفتح] أي: لتجتمع لك هذه الأمور الأربعة؛ وهي ١ - المغفرة، ٢ - وإتمام النعمة، ٣ - وهداية الصراط المستقيم، ٤ - والنصر العزيز ، فكأنَّه قيل : يَسَّرنا لك الفتح ليجتمع لك عزُّ الدارين ، وأغراضُ العاجل والآجل . والمرادُ بالمغفرة : العصمةُ - على قولٍ تقدَّم - ؛ أي : عصمناك من الذنوب فيما تقدَّم من عمرك قبل نزول الآية ، وما تأخّر منه . والتحقيق - كما تقدَّم في أول (( الباب السادس)) - أن المراد بالذنب ما هو من باب ((حسنات الأبرار سيئات المقربين))، لأنه ◌َله يترقّى في الكمال، فَيَرى أنَّ ما انتقل عنه ذنبٌ بالنسبة إلى الذي انتقل إليه . وقيل : المراد بالذنب تركُ الأفضل. انتهى ((باجوري)) . ( قَالَ ) أي ابن مغفَّل: ( فَقَرَأَ) - أي - سورة الفتح إلى آخرها كما اقتضته روایةُ البخاري ، ( وَرَجَّعَ) - بتشديد الجيم - أي: ردَّد صوته بالقراءة . بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة « ثلاث وقد فسَّره عبد الله بن مغفل بقوله عاءاء! مرات))، وذلك ينشأ غالباً عن نشاط وانبساط كما حصل له وص ﴿ يومَ الفتح . وزَعَم بعضهم أنَّ ذلك كان من هَزّ الناقة بغير اختياره !! ١١٧ قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَّةُ بْنُ قُرَّةَ: لَوْلاَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ .. لِأَخَذْتُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ أَلصَّوْتِ ، أَوْ قَالَ : اللَّحْن . وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ قِرَاءَةُ الشَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورُدَّ بأنه لو كان كذلك لما فعله عبد الله اقتداءً به ، وجاء في حديث آخر أنَّه ((كان لا يرجِّع)». وهو محمول على أنَّه كان يتركُه أحياناً لفقد مُقْتَضِيه، أو لبيان أنَّ الأمر واسعٌ في فعله وتركه ، أو أنَّ المرادَ لا يرجِّعُ ترجيعاً يتضمَّن زيادة أو نقصاً ؛ كهمز غير المهموز ومدٍّ غير الممدود ، وجعل الحرف حروفاً ، فيجرُّ ذلك إلى زيادةٍ في القرآن ؛ وهو غير جائز ، والتلحين والتغنّي المأمور به ما سَلِم من ذلك . وقال ابن أبي جمرة : معنى الترجيع المطلوب : هو تحسينُ التلاوة ، ومعنى الترجيع المنفي : ترجيعُ الغناء ، لأن القراءة بترجيع الغناء تُنافي الخشوع الذي هو مقصودُ التلاوة . وقال الحافظ ابن حجر : المرادُ بالترجيع : الترتيلُ ، وقد كثر الخلاف في التطريب والتغنّي بالقرآن . والحقُّ أنَّ ما كان سجيّة وطبعاً محمودٌ، وما كان تكلُّفاً وتصُّعاً مذمومٌ ، وعلى ذلك تُنَزَّل الأخبار ؛ قاله المناوي والباجوري . ( قَالَ) - أي - ((شعبةُ؛ الراوي)) عن معاويةَ المذكور، ( وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ : لَوْلاَ ) مخافةُ ( أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ ) لاستماع ترجيعي بالقرآن لما يحصل لهم منها من الطرب (لأَخَذْتُ) - أي : لشرعت - ( لَكُمْ فِي ذَلِكَ الصَّوْتِ ) ، وقرأتُ مثل قراءته، (أَوْ) - للشك - ( قَالَ) معاوية (اللَّحْنِ ) ؛ بدلاً عن ((الصوت))، وهو - بفتح اللام وسكونِ الحاء - واحدُ ((اللحون))؛ وهو: التطريب والترجيعُ وتحسينُ القراءة ، أو الشِّعر ، ويؤخذ من هذا : أنَّ ارتكاب ما يوجب اجتماع الناس مكروهٌ ؛ إن أدّى إلى فتنة ، أو إخلال بمروءة . ( وَ) أَخرج أبو داود، والترمذي في ((الشمائل)) ؛ (عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ قَالَ: كَانَ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ يَّرِ) - أي -: ١١٨ رُبَّمَا سَمِعَهَا مَنْ فِي الْحُجْرَةِ، وَهُوَ فِي أَلْبَيْتِ ؛ أَيْ: كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي بَيْتِهِ .. رُبَّمَا يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ فِي حُجْرَةِ الْبَيْتِ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلاَ يَتَجَاوَزُ صَوْتُهُ إِلَى مَا وَرَاءَ الْحُجُرَاتِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَتْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِىَ المؤَّنَّى﴾ .. قَالَ: ((بَلَى))، وَإِذَا قَرَأَ: بالليل في الصلاة ؛ أو في غيرها ( رُبَّمَا سَمِعَهَا ) - بحذف الياء ، وفي رواية [ يسمعها ] بإثبات الياء فعلاً مضارعاً - ( مَنْ فِي الحُجْرَةِ ) أي : صحن البيت ، وهي الأرض المحجورة ؛ أي : الممنوعة بحائط محوط عليها ؛ ( وَهُوَ فِي البَيْتِ ؛ أَيْ ): والحال أنَّه ◌ِّر في البيت يعني: ( كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي بَيْتِهِ رُبَّمَا يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ فِي حُجْرَةِ البَيْتِ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلاَ يَتَجَاوَزُ صَوْتُهُ إِلَى مَا وَرَاءَ الحُجُرَاتِ ) ، لكونها قراءةً متوسّطة بين الجهر والإسرار ، فلا هي في غاية الجهر ؛ ولا في غاية الخفاء . وأشار بتعبيره بـ ((ربما)) إلى أنَّه كان لا يسمعها مَن في الحجرة إلاَّ إِذا أَصغی إليها وأنصت ، لكونها إلى السِّر أقرب . ( وَ) أخرج البيهقيُّ في ((شعب الإِيمان))، والحاكم في ((المستدرك))؛ في ( التفسير ) وقال : صحيح وأقرَّه الذهبي . قال المناوي : وهو عجيب ؛ ففيه يزيد بن عياض ! وقد أورده الذهبيُّ في ((المتروكين)) وقال النسائي وغيرُه : متروك ؛ عن إسماعيل بن أمية ، قال الذهبي : كوفيٌّ ضعيف؛ عن أبي اليَسَع لا يُعرَف، وقال الذهبي في (( ذيل الضعفاء والمتروكين)): إسناده مضطرب، ورواه في ((الميزان)) (١) في ترجمة أبي اليسع، وقال : لا يُدرىُ مَن هو ، والسند مضطرب . انتهى كلام المناوي . كلاهما؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِّهِ إِذَا جم﴾﴾ [القيامة] (قَالَ: بَلَىْ، وَإِذَا قَرَأَ قَرَأَ) قولَه تعالى (﴿أَتِسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَ أَنْ يُخْىَ المؤَّنَى (١) ميزان الاعتدال في نقد الرجال . ١١٩ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَكَمِ اَلْحَكِمِينَ﴾ .. قَالَ: (( بَلَى)). وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَّأَ: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ .. قَالَ: (( سُبْحَانَ رَبِّيَ اُلأَعْلَى)). ٨ ﴾) [التين] (قَالَ: ((بَلَى))) أي: في الصلاة ، أو أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعَكَمِ الَْكِمِينَ خارجَها ، فيسنُّ قول (( بَلَى)) عند تلاوة هاتين الآيتين ونحوهما مما فيه استفهام تقريريٌّ ، لأنه قولٌ بمنزلة السؤال ؛ فيحتاج إلى الجواب ، ومن حَقِّ الخطاب أن لا يَتْرُكِ المخاطَب جوابَه، فيكون السامعُ كهيئة الغافل، أو كمن لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً من الناعق به ، ومِنْ ثَمَّ ندبوا لمن مرَّ بآية رحمةٍ أن يسألَ اللهَ الرحمةَ ؛ أو آيةٍ عذاب أن يتعوَّذ من النار ، أو بذكر الجنة بأن يرغب إلى الله فيها ، أو بذكر النار أن يستعيذ بالله منها . انتهى (( مناوي وحفني)) . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في ((المستدرك))؛ في ((كتاب الصلاة))؛ وقال: على شرطهما. وأقرَّه الذهبي . وقال العزيزي: إنَّه حديث صحيح . ( عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا) قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا قَرَّأَ ﴿َسَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) أي: سورَتها ونحوَها من كلِّ آية فيها تنزيه ؛ (قَالَ: (( سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَىْ)) ) أي : يقول ذلك عقبَ قراءتها ، ويحتمل عقبَ قوله ((الأعلى))، فيسنُّ لنا التسبيح عند تلاوة آية فيها تنزيهٌ . وأُخذ من ذلك أنَّ القارىءَ أو السَّامع كلَّما مرَّ بآيةٍ تحميدٍ أن يحمده ، أو تكبير أن يكبِّره وقس عليه. انتهى مناوي وحفني على ((الجامع)). ( وَ) أخرج أبو داود في (( سننه)) - بسند فيه بشر بن رافع الحارثي؛ وهو ضعيف ، وقال ابن القطان: بشرٌ يرويه عن أبي عبد الله (( عمّ أبي هريرة )) وهو لا يُعرَف حاله. والحديث لا يصحُّ من أجله. انتهى مناوي على ((الجامع ) ومِن ثُمَّ قال العزيزي : إنَّه حديث حسنٌ لغيره .. ١٢٠