النص المفهرس

صفحات 81-100

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضاً قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَكْثَرَ مَا يَصُومُ الإِثْنَيْنِ وَأَلْخَمِيسَ، فَقِيلَ لَهُ .. فَقَالَ: ((الأَعَمْالُ
تُعْرَضُ كُلَّ إِثْتَيْنٍ وَخَمِيسٍ ؛ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ .. إِلَّ الْمُتَهَاجِرَيْنِ ،
فَيَقُولُ: أَخِّرُوهُمَا [حَتَّى يَصْطَلِحَا])).
تنبيه : ثبت في ((صحيح مسلم)) سببٌ آخرُ لصوم الاثنين ؛ وهو أنَّه سُئِل عن
صومه ، فقال: ((فِيْهِ وُلِدْتُ، وَفِيْهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ)) . ولا تعارض؛ فقد يكون للحكم
سبیان . انتهى ( مناوي ) .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه - بإسناد حسن؛ كما في (( العزيزي)) -
( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضاً) رضي الله تعالى عنه ( قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِ أَكْثَرُ
مَا يَصُوْمُ الاثْنَيْنُ وَأَلْخَمِيْسُ ) فصومُهما سنَّةٌ مؤكّدة. ( فَقِيْلَ لَهُ) : لِمَ تخصُّهما
بأكثريَّة الصوم ؟ !.
(فَقَالَ)؛ أي: المصطفىُ بَّهِ (: ((الأَعْمَالُ تُعْرَضُ) على الله تعالى (كُلَّ
أَثْنَيْنٍ وَخَمِيْسٍ ؛ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ) ذنوبُه المعروضة عليه بغير وسيلة طاعة ، لكن
الصغائر ، فإن لم يوجد صغائر ؛ أو كُفِّرت بخصال أخرى ؟! فنرجو من فضل الله
تعالى أن يكفّر من الكبائر بهذا .
وفي (( فتح الباري)) : أن كلَّ نوع من الطاعات مكفِّرٌ لنوع مخصوصٍ من
المعاصي ؛ كالأدوية بالنسبة للداءات . انتهى .
( إِلاَّ أَلْمُتَهَاجِرَيْنِ) ، أي : المسلمَيْن المتقاطِعَيْنِ؛ (فَيَقُوْلُ) اللهُ لملائكته
(: أخّرُوْهُمَا [حتَّى يَصْطَلِحَا]))). أي: ولو بالمراسلة عند البعد.
قال المنذري : قال أبو داود : إذا كان الهجر لله تعالى ؛ فليس من هذا . فإنَّ
النبي ◌َ﴿ هَجَر بعضَ نسائه أربعين يوماً(١) !! وابن عمر هجر ابناً له حتَّى مات .
(١) المشهور أنه شهر. وكان تسعة وعشرين يوماً !! فليحرر. ( عبد الجليل ).
٨١

قال ابن رسلان : ويظهر أنَّه لو صَالَحَ أَحدُهما الآخر ؛ فلم يقبل ؟ غفر
للمصالح . انتهى .
وفي معناه خبرٌ آخرُ رواه مسلمٌ، والبخاري في ((الأدب)) ، والنسائي ،
والترمذي ، وابن حبان ، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه :
(( تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاثنَيَّنِ وَيَوْمَ الْخَمِيْسِ ، فَيُغْفَرُ فِيْهِمَا لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ
بِاللهِ شَيْئاً؛ إِلَّ رَجُلٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيْهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى
يَصْطَلِحًا » .
وفي خبر آخر (آتْرُكُوا هُذَيْنِ حَتَّى يَفِيْئًا )) .
وأخرج الحكيم الترمذيُّ ؛ عن والد عبد العزيز - كما في ((الجامع الصغير)) - :
((تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيَّنِ وَالخَمِيْسِ عَلَى اللهِ تَعَالى، وَتُعْرَضُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ ؛
وَعَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ يَوْمَ الجُمُعةِ. فَيَفْرَحُونَ بِحَسَنَتِهِمْ ، وَتَزْدَادُ وُجُوهُهُمْ بَيَاضاً
وَإِشْرَاقاً، فَأَتَّقُوا اللهَ ، وَلاَ تُؤْذُوا مَوْتَاكُمْ)) . انتهى .
قال المناوي : وفائدة العرض عليهم : إظهار الله للأموات عذرَهُ فيما يعامَل به
أَحياؤهم من عاجل العقوبات وأنواع البليَّات في الدنيا ، فلو بلغهم ذلك من غير
عرض أعمالهم عليهم لكان وجدُهم أشدَّ .
قال القرطبي : يجوز أن يكون الميت يبلّغ من أفعال الأحياء وأقوالهم بما
يؤذيه ؛ أو يسُّه بلطيفة يُحدِثُها الله لهم في مَلَك يبلِّغ ، أو علامة ، أو دليل ، أو
ما شاء الله ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِهُ﴾ [٦١/ الأنعام] وعلى ما يشاء ، وفيه زجرٌ عن سوء
القول في الأموات ؛ وفعلٍ ما كان يسرُّهم في حياتهم ، وزجرٌ عن حقوق الأصول
والفروع وبعد مماتهم بما يسؤهم من فعل ؛ أو قول .
قال : وإذا كان الفعل صلةً وبرّاً ؛ كان ضدُّه قطيعةً وعقوقاً . انتهى كلام
المناوي .
٨٢

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ صَوْمِهِ السَّبْتُ وَالأَحَدُ، وَيَقُولُ: ((هُمَا يَوْمَا عِيدِ
الْمُشْرِكِينَ فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ)) .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في ((الكبير))، والحاكم في ((باب
الصوم))، والبيهقيُّ في (( سُنَتِهِ » : كلُّهم ؛
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا )، وسببه أنَّ كُرَيْباً أَخبرِ أَنَّ ابن عبّاس وناساً
من الصحابة بعثوه إلى أُمّ سلمة يسألُها ؛ عن أيِّ الأيام كانَ أكثر لها صياماً ؟!
فقالت : يومُ السبت والأحد ، فأخبرهم ؛ فقاموا إليها بأجمعهم ؟! فقالت :
صدق، ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ أَكْثَرُ صَوْمِهِ) من الشهر (اُلسَبْتُ وَالأَحَدُ )؛
أي : معاً ، لأن إفرادهما كيوم الجمعة مكروهٌ .
وسُمِّيَ ((السبت)) بذلك !! لانقطاع خلق العالم فيه ، لأن السبت هو القطع .
وسُمِّيَ ((الأحد)) بذلك !! لأنه أوَّل أيَّام الأسبوع عند جمع ؛ ابتدأ فيه خلق
العالم .
(وَيَقُوْلُ: ((هُمَا يَوْمَا عِيْدِ الْمُشْرِكِيْنَ ) ؛ أي : اليهود والنصارى ، لأن أصل
كفر اليهود والنصارى بالشرك ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ
أَبْدُ اللَّهِ﴾ [٣٠/ التوبة].
( فَأُحِبُّ ) - بصيغة المضارع - ( أَنْ أُخَالِفَهُمْ))) لأنهم يجعلونهما يومَيْ لهو
ولعب ، فأنا أَجعلهُما يومي عبادة ، وفيه أنَّه لا يكره إفراد السبت مع الأحد
بالصوم ، والمكروهُ إِنما هو إفراد السبتِ ؛ لأن اليهود تعظُّمُه ، والأحدِ ؛ لأنَّ
النصارى تعظِّمُه ، ففيه تشتّةٌ بهم .
بخلاف ما لو جَمَعهما ، إذ لم يقل أَحدٌ منهم بتعظيم المجموع . قال بعضهم :
ولا نظير لهذا في أنَّه إِذا ضُمَّ مكروهٌ لمكروه آخرَ تزول الكراهة. انتهى (( مناوي)).
٨٣

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالأَحَدَ وَالإِثْنَيَّنِ ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ
الثُّلاَثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ .
( وَ) أَخرج الترمذي في ((جامعه))؛ من حديث خَيْثَمَة ؛ وقال حسن - قال
عبد الحق : والعلَّة المانعةُ له من تصحيحه أنَّه روي مرفوعاً وموقوفاً ؛ وذا عند
الترمذي علَّةٌ !! - قال ابن القطَّان: وينبغي البحثُ (عَنْ) سماع خيثمة من ( عَائِشَةَ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ) فإني لا أعرفه . انتهى .
( قَالَتْ )؛ أي : عائشة رضي الله تعالى عنها: ( كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَصُوْمُ مِنَ الشَّهْرِ
السَبْتَ ) ، سُمِّي بذلك !! لأن السبت القطعُ، وذلك اليوم انقطع فيه الخلق ، فإنَّ
الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرضَ في ستّة أيام ؛ ابتدأ الخلق يوم الأحد
وختمه يوم الجمعة بخلق آدم عليه السلام . وأمَّا قولُ اليهود لعنهم الله ((إنَّ الله تعالى
استراح فيه )) !! فتولَّى اللهُ تعالى ردَّه عليهم بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ
﴾﴾ [ق]. ومن ثَمَّ أجمعوا على أنه
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن ◌ُّغُوبٍ
لا أبلدَ من اليهود ، وكذا مَن تبعهم من المجسِّمةِ !! كذا قال مُلاَّ علي قاري .
( وَأَلْأَحَدَ ) سُمِّي بذلك !! لأنه أوَّل ما بدأ الله الخلق فيه، وأول الأسبوع - على
خلاف فيه - .
( وَأَلَاثْنَيْنٍ )، سُمِّي بذلك !! لأنَّه ثاني أيام الأسبوع - على الخلاف في
ذلك ۔ ۔
(وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثَّلاثَاءَ) - بفتح المثلثة مع المد -، (وَالأَرْبِعَاءَ) - بتثليث
الباء - ( وَأَلْخَمِيْسَ ) بالنصب فيه وفيما قبله ؛ على أَنَّه مفعولٌ فيه لـ((يصوم)).
قال المُظْهِري: أراد ◌َّ﴿ أن يبيِّن سُنِيّة صوم جميع أيام الأسبوع ، فصام من شهرٍ
السبت والأحد والاثنين ، ومن شهرِ الثلاثاءَ والأربعاء والخميس .
وإنَّما لم يَضُمَّ جميع هذه الستة متوالية !! لئلا يَشُقَّ على الأمة الاقتداءُ به .
٨٤

وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ ، قُلْتُ: مِنْ أَيُّهِ كَانَ
يَصُومُ ؛ أَيْ : مِنْ أَيُّ أَيَّامِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ لاَ يُبَالِي مِنَ أَتَّهِ صَامَ ؛ أَيْ :
مِنْ أَوَّلِهِ ، وَمِنْ وَسَطِهِ ، وَمِنْ آخِرِهِ .
ولم يذكر في هذا الحديث يومَ الجمعة !! وقد ذكر في حديثٍ آخرَ قبلَ هذا ؛
وهو حديث ابن مسعود أنَّه كان قَلَّما يُفطر يومَ الجمعة منفرداً ؛ أو منضمّاً إلى
ما قبله ؛ أو ما بعده - على ما سبق تقريره هناك - .
وسُمِّيت (( الجمعة)) بذلك !! لأنَّه تمَّ فيه خلق العالم ؛ فاجتمعت أجزاؤه في
الوجود . انتهى (( مناوي وجمع الوسائل)).
( وَ) أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ في ((الجامع)) و((الشمائل))،
وابن ماجه : كلُّهم ؛ (عَنْ مُعَاذَةَ ) العَدَوية ( قَالَتْ :
قُلْتُ لِعَائِشَةَ) أُمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها (: أَكَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَصُوْمُ
ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؟! قَالَتْ) - أي - عائشة الصديقة (: نَعَمْ . قُلْتُ: مِنْ
أَيُّهِ ) ؛ أي : من أي الشهر ( كَانَ يَصُوْمُ ؛ أي : مِنْ أَيِّ أَيَّامِهِ ؟! ) .
لأنَّ ((أي )) إذا أُضيفت إلى جمع معرَّفٍ يكون السؤال لتعيين بعضٍ أفراده ،
كـ ((أيُّ الرجال جاءَ؟ )) أي : أزيدٌ أم خالد؟.
( قَالَتْ ) - أي - عائشةُ (: كَانَ لاَ يُبَالِيْ مِنْ أَيِّهِ صَامَ . أَيْ ) كان يستوي عنده
الصومُ (مِنْ أَوَّلِهِ ، وَمِنْ وَسَطِهِ ، وَمِنْ آخِرِهِ) .
قال مُلاَّ علي قاري في (( جمع الوسائل)): قال العلماءُ: ولعلَّه ◌َّر لم يواظب
على ثلاثةٍ معيَّنةٍ ؛ لئلا يُظنَّ تعيينُها وجوباً ، فإنَّ أصلَ السنَّة يحصل بصوم أيِّ ثلاثة
من الشهر ، والأفضل صومُ أيَّام البيض الثالث عشر وتاليَيْهِ .
ويستحبُّ صومُ ثلاثة أيام من أوَّل الشهر ، لما سبق : من أنَّه كان يصوم ثلاثة من
٨٥

وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَايَدَعُ صَّوْمَ أَّامٍ أَلْبِضٍ فِي سَفَرٍ وَلاَ حَضَرٍ .
وَ( أَيَّامُ اَلْبِيضِ ): الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ ،
غرّة كلّ شهر، وكذا ثلاثةً من آخره : السابع والعشرين ؛ وتالييه ، وممَّن اختار
صوم أيَّام البيض كثيرٌ من الصحابة والتابعين .
قال القاضي : اختلفوا في تعيينٍ هذه الثلاثة المستحبّة في كلِّ شهر !!!
ففسَّره جماعةٌ من الصحابة والتابعين بأيّام البيض ؛ وهي : الثالث عشر وتالياه ؛
منهم عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وأبو ذر رضي الله عنهم .
واختار إبراهيم النَّخَعي وآخرونُ ثلاثةً في أوَّله ؛ منهم الحسن البصري .
واختارت عائشة رضي الله عنها وآخرون صيامَ السبت والأحد والاثنين من
شهرٍ ، ثمَّ الثلاثاء والأربعاء والخميس من آخر .
وفي حديث رفعه ابن عمر : أوَّل اثنين في الشهر وخميسان بعده . وأم سلمة
أَوَّل خميس والاثنين بعده ، ثم الاثنين .
وقيل : أوَّل يوم من الشهر والعاشر والعشرون ، وقيل : إنَّه صام به مالك بن أنس .
ورُوي عنه كراهةُ صوم أيام البيض ، ولعله مخافةً الوجوب على مقتضى أصله !!
وقال ابن شعبان المالكي : أوَّل يوم من الشهر والحادي عشر والحادي
والعشرون .
وعندي أنَّه يعمل في كلِّ شهر بقولٍ ، والباقي بقول الأكثر الأشهر ، وهو أيام
البيض ، وإن قدر على الجمع بين الكلِّ في كلِّ شهر ؛ فهو أكمل وأفضل . انتهى .
(وَ) أخرج الطبراني في «الكبير)) بسند حَسَن؛ (عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا)
قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهَ لاَ بَدَعُ صَوْمَ أَيَّامٍ ) الليالي ( أَلْبِيْضٍ فِي سَفَرٍ وَلاَ حَضَرٍ ) ؛
أي : كان يلازم صومَها فيهما ( وَأَيَّامُ أَلِيْضِ) هي: (أَلْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ ،
٨٦

وَالرَّابعَ عَشَرَ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ . وَسُمِّيَتْ بِيضاً؛ لأَنَّ الْقَمَرَ يَطْلُعُ
فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَىْ آخِرِهَا .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْماً
تَصُومُهُ قَرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ،
و) اليوم (الرَّابعَ عَشَرَ) منه، ( و) اليوم (الخَامِسَ عَشَرَ ) منه.
( وَسُمِّيَتْ بِيْضاً !! لأَنَّ القَمَرَ يَطْلُعُ فِيْهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا ) ؛ قاله العزيزي
وغيره .
( وَ) أخرج البخاري، ومسلم، و((الموطأ))، وأبو داود، والترمذيُّ في
((الجامع))؛ و(( الشمائل))، وابن ماجه - وهذا لفظُ الترمذي - :
( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ عَاشُوْرَاءُ) - بالمدِّ ؛ وقد يقصَر ،
وهو اليومُ العاشر من المحرم - ( يَوْماً تَصُوْمُهُ قُرَيْشٌ) ؛ هم أولاد النضر بن كِنَانة ،
وقيل : أولاد فهرِ بن مالك ( فِي الجَاهِلِيَّةِ ) ؛ أي: من قبل بعثته وَيرِ المشرّفة بنعت
الإسلام . والجاهليةُ : هي الحالةُ التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل
باللهِ ورسولِه وبشرائع الإسلام ، ولعل قريشاً تلقَّوْا صيامه من أهل الكتاب !
وقال القرطبي : ولعلَّهم استندوا في صومه إلى شرع إبراهيم ؛ أو نوح ! فقد
ورد في أخبارِ أنَّه اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً ،
ولهذا كانوا يعظّمونَه بكسوة الكعبة فيه .
وفي ((المطامح))؛ عن جمع من أهل الآثار : أنَّه اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى،
وفيه استوت السفينة على الجودي، وفيه تيب على آدم، وفيه وُلد عيسى، وفيه نُجِّيَ
يونسُ من بطن الحوت ، وفيه تيب على قومه ، وفيه أُخرج يوسف من بطن الجُبِّ .
وبالجملة : هو يوم عظيمٌ شريف حتَّى إنَّ الوحوش كانت تصومُه ؛ أي :
تمسك عن الأکل فيه .
٨٧

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ ، فَلَمَّا قَدِمَ اَلْمَدِينَةَ ..
صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ،
وفي ((صحيح مسلم)) أنَّ صومَ عاشوراء يكفِّرُ سنةً، وصوم عرفة يكفِّرُ سنتين .
وحكمتهُ : أنَّ عاشوراء موسَوِيٌّ ويوم عرفة محمَّديٌّ. وورد: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ
يَوْمَ عَاشُورَاء وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ السَّنَّةَ كُلَّهَا )) . وطرقُه؛ وإن كانت ضعيفةً؛ لكن قَوَّى
بعضُها بعضاً .
وأمَّا ما شاع فيه من الخضاب ؛ والادِّهان ، والاكتحال ، وطبخ الحبوب وغير
ذلك !! فموضوعٌ مفترىّ، حتى قال بعضهم : الاكتحالُ فيه بدعةٌ ابتدعها قَتَلة
الحسين .
لكن ذكر السيوطي في ((الجامع الصغير)): ((مَنِ أَكْتَحَلَ بِالإِثْمِدِ يَوْمَ عَاشُورَا لَمْ
يَرْمَدْ أَبَداً)). رواه البيهقي بسند ضعيف. انتهى ((باجوري)).
( وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ يَصُوْمُهُ) بمكّة كما تصومه قريش ، ولا يأمُرُ به .
﴿ فَلَمَّا قَدِمَ المَدِيْنَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ ) النَّاس ( بِصِيَامِهِ ) . وفي الحديث اختصار
يوضّحهُ ما رواه الشيخان ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ؛ عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النبي ◌َّرَ لَمَّا قدم المدينة وَجَد اليهود يصومون عاشورا ،
فسألهم عن ذلك !؟ فقالوا هذا يومٌ أَنجى الله فيه موسى ، وأغرق فيه فرعون وقومه ،
فصامه موسى شكراً؛ فنحن نصومه. فقال: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَىْ مِنْكُمْ))! فصامَهُ
وأمر بصيامه .
واستشكل رجوعُه إليهم في ذلك !! وأُجيب باحتمال أن يكون أُوحي إليه
بصدقهم ، أو تواتر عنده الخبرُ بذلك ، أو أخبره به من أسلم منهم ؛ کابن سلام ،
على أنَّه ليس في الخبر أنَّه ابتدأ الأمر بصيامه ، بل في حديث عائشة تصريحٌ بأنَّه كان
یصومُه قبل . فغايةٌ ما في القصّة أُنَّه صفةُ حالٍ وجواب سؤال ؛ فلا تعارض بینه وبین
خبر عائشة ((إِنَّ أهل الجاهلية كانوا يصومونَه))، إذ لا مانع من توارد الفريقين مع
اختلاف السبب في ذلك !!.
٨٨

فَلَمَّا أَفْتُرِضَ رَمَضَانُ .. كَانَ رَمَضَانُ هُوَ اَلْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ ،
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون صيامُّه ◌َ استئلافاً لليهود ؛ كما
استألفهم باستقبال قبلتهم ، وبالسدل ، وغير ذلك !! وعلى كلِّ حال ؛ فلم يصحّ
اقتداؤه بهم ، فإنه كان يصومُه قبل ذلك في الوقت الذي كان فيه يحبُّ موافقةً أهل
الكتاب ؛ فيما لم يُنْهَ عنه، فلما فُتحت مكَّةُ واشتهر أمر الإسلام أَحبَّ مخالفةً أهل
الكتاب؛ كما ثبت في (( الصحيح ))، فهذا من ذلك . فوافَقَهم أوَّلاً؛ وقال :
((نَحْنُ أَحَقُّ مِنْكُمْ بِمُوسَى )) عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلامُ ، فلما أحبَّ مخالفتهم ؛ قال في
آخر حياته : «لَئِنْ بَقِيْتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ النَّاسِعَ )» .
قال بعض العلماء : وهذا يحتمل أمرين : أحدهما : أنَّه أراد نقلَ العاشر إلى
التاسع . والثاني : أنْ يضيفَه إليه في الصوم ؛ مخالفة لليهود في إفرادهم اليوم
العاشر . وهذا هو الراجحُ . ويُشعرُ به بعضُ روايات مسلم .
ولأحمد؛ من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا
اليَهُودَ، وَصُومُوا يَوْماً بَعْدَهُ)). ولذا قال بعض المحققين: صيامُ يوم عاشوراء على
ثلاثٍ مراتب : ١ - أدناها: أن يُصامَ وحدَه، ٢ - وفوقه: أن يُصام التاسع معه ،
٣ - وفوقه: أن يصام التاسع والحادي عشر معه. انتهى. من ((جمع الوسائل)).
( فَلَّمَّا أَفْتُرِضَ) - بالبناء للمجهول - (رَمَضَانُ ) ؛ أي : افترضَ الله صومَ
رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة ( كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الفَرِيْضَةَ ) ؛
لا غيره ، أي : انحصرت الفريضة فيه ، فتعريفُ المسند مع ضمير الفصل يفيد قصر
المسند على المسند إليه .
( وَتُرِكَ) - بالبناء للمفعول - ( عَاشُوْرَاءُ ) ؛ أي : نُسخ وجوب صومه ، أو
تأكُّدُه الشديد ؛ على الخلاف : في أنَّه كان قبلَ فرضٍ رمضان صومٌ واجبٌ ؛ أولا !!
والمشهورُ عند الشافعية هو الثاني ، والحنفيةُ على الأوَّل ، فعندهم : أنَّ صومَ
عاشوراء كان فرضاً ، فلما فُرِض رمضانُ نُسِخ وجوب عاشوراء ، وهو ظاهر سياقٍ
الحديث ، وعند الشافعية : أَنَّ صوم عاشوراء كان سُنَّهُ مؤكّدة ملتزمة تَقْرُب من
٨٩

فَمَنْ شَاءَ .. صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ .. تَرَكَهُ .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَصُومُ
الفرض ، فلما وُجدت الفريضة الراجحة الأحقُّ بالالتزام تُرِك عاشوراء ؛ فلم يبق
مؤَّداً ، بل تُرك إلى مطلق الندب .
( فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ) ، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى
ما ذهب إليه أبو حنيفة أنَّه كان واجباً ثم نسخ الأَمر به ، ثم تأكَّد بالنداء العامّ من
حضرته عليه الصلاة والسلام يومَ عاشوراء : (( مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ؛ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ
أَكَلَ؛ فَلْيُبِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ)) . ثم زيادتُه بأمر الأمَّهات أن لا يُرضعن فيه
الأطفال ، ورُدَّ بما فيه من ركاكة وتعشُّف بَيِّنِ .
قال الحافظ ابن حجر: وقولُ بعضِهم ((المتروكُ تأكُّد استحبابِه ، والباقي مطلقٌ
استحبابه )) !! لا يخفى ضعفُه، بل تأكُّدُ ندبهِ باقٍ ، لاسيما مع الاهتمام به ، حتَّى
في عام وفاته، فقد عزم في آخر عمره ◌َّم أن يضمَّ إليه التاسع. انتهى ((مناوي)).
قال النووي في (( شرح مسلم)): ويتمسَّكُ أبو حنيفة بقوله (( أَمَرَ بِصِيَامِهِ))
والأمر للوجوب، ويقوله: فَلَمَّا فُرض رمضان؛ قال: ((مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ
تَرَكَهُ))، ويحتجُّ الشافعية بقوله (( هُذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ
صِيَامَهُ)). وقولِه (( مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ)) معناه: أنَّه ليس متحتِّماً،
فأبو حنيفة يقدِّرُه : ليس بواجب ، والشافعية يقدِّرونه : ليس متأكِّداً أكملَ التأكيد .
وعلى المذهبين ؛ فهو سنّةٌ مستحبَّةٌ الآن ؛ من حين قال النبي ◌َّ هذا الكلام.
وقال في ((جمع الوسائل)): قال العلماء: لا شكَّ أنَّ قدومه ◌َّر المدينة كان في
ربيع الأول ، وفَرْضُ رمضان في شعبان من السنة الثانية ، فعلى هذا لم يقع الأمرُ بصوم
عاشوراء إِلاَّ في سنة واحدة، ثم فُوِّض الأَمر في صومه إلى رأي المتطوع . انتهى .
( وَ) أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) - بإسناد حسن؛ كما في ((العزيزي)) ـ
( عَنْ ) أمير المؤمنين (عَلَيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ يَصُوْمُ
٩٠

يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، وَيَأْمُرُ بِهِ .
وَعَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِمَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ:
أَوَّلَ إِثْنَيْنٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَالْخَمِيسَ، وَالإِثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى.
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ :
يوْمَ عَاشُوْرَاءَ ) بمكَّة كما تصومه قريش ؛ ولا يأمر به ، فلما قَدِمِ المدينةَ صار يصومه
( وَيَأْمُرُ بِهِ ) ؛ أي : بصومه أمرَ نَدَبٍ ، لأنَّه يومٌ شريف أظهر الله فيه كلیمَه موسى
على فرعون وجنودِه ، وفيه استوت السفينة على الجودي ، وفيه تاب الله على قوم
يونس ، وفيه أخرج يوسف من السجن(١) ، وفيه أخرج يونسَ من بطن الحوت ،
وفيه صامت الوحوش. ولا بُعْدَ أن يكون لها صوم خاصٌّ !! كذا في (( المطامح)).
انتهى مناوي على ((الجامع)).
( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود ، والنسائي ـ ورمز السيوطي في
((الجامع)) لحُسْنه ، لكن قال الزيلعي: هو حديث ضعيف . وقال المنذري :
اختلف فيه على هنيدة راويه فمرّة قال -
(عَنْ حَفْصَةَ ) أُمِّ المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) ، وأخرى عن أُمِّه ؛ عن أُمِّ
سلمة رضي الله تعالى عنها !! وتارةً عن بعض أزواج النبي وَّ قالت:
( كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يَصُوْمُ تِسْعَ ذِيْ الحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُوْرَاءَ ، وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ
شَهْرٍ : أَوَّلَ أَثْنَيِّن مِنَ الشَّهْرِ ، وَالخَمِيْسَ ، والاثْنَيْنِ مِنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى ) . فينبغي
لنا المحافظةُ على التأسِّي به في ذلك .
( وَ) أخرج ابن عساكر في ((تاريخه))، وأبو بكر في ((الغَيْلانيات))؛ (عَنْ
جَابِرٍ ) أي: ابن عبد الله - لأنه المرادُ عند الإِطلاق - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وعن
(١) الذي مرَّ خروجه من الجب !!
٩١

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى الرُّطَبِ مَا دَامَ
الرُّطَبُ، وَعَلَى الثَّمْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ رُطَبٌ ، وَيَخْتِمُ بِهِنَّ، وَيَجْعَلُهُنَّ
وِتْراً؛ ثَلاَثاً ، أَوْ خَمْساً ، أَوْ سَبْعاً .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى ثَلاَثِ تَمَرَاتٍ ، أَوْ شَيْءٍ لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ .
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيْضاً :
والده قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يُعْجِبُ أَنْ يُفْطِرَ عَلَىَ الرُّطَبِ؛ مَادَامَ الرُّطَبُّ)
موجوداً ، ( وَعَلَىُ التَّمْرِ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ رُطَبٌ) ؛ أي : إذا لم يتيسر ذلك الوقت .
( وَيَخْتِمُ بِهِنَّ) ؛ أي: يأكلُهُنَّ عقب الطعام ، لأنَّ يصلحه ، لا سيما الصَّيْحَاني ؛
فإنَّه أجود تمر المدينة. كذا قاله الحفني على ((الجامع الصغير)).
( وَيَجْعَلُهُنَّ وِتْراً ثَلاَثًاً؛ أَوْ خَمْساً؛ أَوْ سَبْعاً) . أُخذ منه أَنَّه يُسنُّ الفطر من
الصوم على الرطب ، فإن لم يتيسر! فالتمر . والرُّطَب مع تيشُّره أفضل ... وقد
كان المصطفى وَل﴿ يعجُبه الرُّطَب جدّاً. انتهى ((مناوي)).
( وَ) أخرج أبو يعلى في ((مسنده))؛ (عَنْ) إبراهيم بن حجَّاج ؛ عن عبد
الواحد بن زياد ؛ عن ثابت ؛ عن ( أَنَسٍ ) ، أي : ابن مالك - لأنه المراد عند
الإطلاق - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ، ورمز السيوطي في (( الجامع )) لحسْنه ، وليس
كما قال ، فقد قال ابن حجر : إن عبد الواحد ؛ قال فيه البخاري : إنَّه منكر
الحديث . وقال الحافظ الهيثمي : فيه عبد الواحد وهو ضعيفٌ . ذَكَره المناوي.
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَلِ يُحِبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَىْ ثَلاَثِ تَمَرَاتٍ ) ؛ إن لم يجد رطباً ، لأن
التمر يردُّ قوة البصر التي أضعفها الصوم ، (أَوْ) على (شَيْءٍ) حلوٍ (لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ) ؛
أي : ليس مصنوعاً بنار ؛ كالدبس وعسل النحل ، فيندب لنا التأسِّي به في ذلك .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود ، والترمذيُّ بإسناد صحيح - كما في
العزيزي - ( عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً ) رضي الله تعالى عنه قال :
٩٢

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ .. فَتَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ .. حَسَا
حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ .
وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً قَالَ :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِهِ يُفْطِرُ) من صومه (عَلَىْ رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَّ ) المغرب ،
( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ) ؛ أي: لم يتيسَّر !! ( فَتَمَرَاتٍ ) ؛ أي : فيفطر على
تمرات ، والأفضل أن يكون وتراً في الكلِّ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ ) ؛ ولا نحوُها من
كلِّ حلوٍ ؛ أي: لم يتيسَّر ذلك !! ( حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ ) . قال العلقمي :
الحَسَوات - بحاء وسين مهملتين - جمع حَسْوة - بالفتح - ؛ وهي : المرّة من الشرب ،
والحُسْوة - بالضم -: الجرعة من الشَّرَاب بقدر ما يُحسَى مرَّة واحدة . انتهى.
قال ابن القَيِّم : في فطره عليها تدبيرٌ لطيف ، فإن الصوم يُخلي المعدة من الغذاء
فلا يجد الكبد منها ما يجذبه ويرسله إلى القوى والأعضاء ؛ فيضعف ، والحلوُ أسرعُ
شيء وصولاً إلى الكبد وأحبُّه إليه ، لاسيما الرطب ، فيشتدُّ قبولُها ؛ فتنتفع به هي
والقوى . فإن لم يكن !! فالتمرُ لحلاوته وتغذيته ، فإن لم يكن فحَسَوات تطفىءُ
لهيب المعدة وحرارةَ الصوم ؛ فتنتبه بعدَه للطعام وتتلقاه بشهوة . انتهى .
وقال غيرُه في كلامه على هذا الحديث: هذا من كمال شفقته على أُمَّته وتعليمهم
ما ينفعهم، فإن إعطاءَ الطبيعة الشيء الحلو مع خلوِّ المعدة أدعى لقبوله وانتفاع القوى؛
لاسيما القوَّة الباصرة ، فإنها تقوى به . وحلاوةُ المدينة المنوّرة التمرُ ، ومَرْبَاهم
عليه ، وهو عندهم قوت وأُدْم وفاكهة . وأما الماء ! فإنَّ الكبد يحصل لها بالصوم نوعُ
يبس، فإذا رَطِبت بالماء انتفعت بالغذاء بعدَه، ولهذا كان الأَوْلى بالظامىءٍ الجائع
البُداءة بشرب ماء قليل ؛ ثم يأكل . وفيه نَذْب الفِطر على التمر ونحوه ، فلو أفطر
على خمرٍ ؛ أو لحم خنزير؟ صحَّ صومه. انتهى مناوي على (( الجامع)) .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والبيهقي في (( سننه )) بإسناد صحيح؛
( عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً ) رضي الله تعالى عنه ( قَالَ :
٩٣

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمِ .. قَالَ: ((أَفْطَرَ
عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ
اٌلْمَلاَئِكَةُ )» .
وَعَنِ أَبْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمِ .. قَالَ: ((أَفْطَرَ عَنْدَكُمُ
الصَّائِمُونَ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ » .
كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَلَّهِ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْم ) ؛ أي : نزل ضيفاً عند قوم وهو صائم
فأفطر ، ( قَالَ ) في دعائه لهم (: ((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُوْنَ ) - خبرٌ بمعنى الدعاء
بالخير والبركة ، لأن إفطار الصائمين يدلُّ على اتساع الحال وكثرةِ الخير ، إذ مَنْ
عجز عن نفسه ؛ فهو عن غيره أعجزُ. انتهى ((مناوي)) . - ( وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ
الأَبْرَارُ ) - قال المظهري : دعاءٌ أو إخبار ، وهذا الوصفُ موجودٌ في حقٌّ
المصطفى وَلّ؛ لأنَّه أبرُ الأبرار - (وَتَنَزَّلَتْ) - وفي رواية الطبراني: وَصَلَّت -
(عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ )» بالرحمة والبركة .
( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير)) بإسناد حسن - كما في ((العزيزي)) -
( عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) - هكذا هو في ((الجامع الصغير)) بدون تسمية لابن الزبير ،
وسكت عليه شارحه، والمعروف أنَّ المراد عند الإطلاق بـ ((ابن الزبير)) هو عبد الله
ابن الزبير (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ)؛ وعن والده، وقد صرَّح بتسميته في ((شرح الأذكار))
في (( باب ما يقول إذا أفطر عند قوم)) ؛ فقال: أخرجه الحافظ ابن حجر من طريق
الطبراني ؛ عن مصعب بن ثابت ؛ عن عبد الله بن الزبير أنَّ النبي ◌َّ كان إذا أكل عند
قوم؛ قال: ((أَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ)) مختصراً . انتهى .
( قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْم؛ قَالَ (( أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُوْنَ ،
وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ)) ) ؛ أي : استغفرتْ لكم ودَعَت لكم بالرحمة والبركة .
وأخرج ابن ماجه ؛ من طريق مصْعب بن ثابت ؛ عن عبد الله بن الزبير ؛ قال :
٩٤

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ . . قَالَ: ((ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَأَبْتَلَّتِ الْعُرُوقُ ،
وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى )).
وَعَنْ مُعَاذِ بِنِ زُهْرَةَ :
أفطر رسول الله وَ لّ عند سعد بن معاذ؛ فقال: ((أَفَطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ
طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ)) . انتهى.
( وَ) أخرج أبو داود، والحاكمُ بإسناد حسن - كما في ((العزيزي )) -
(عَنِ أَبْنِ عُمَرَ ) أي : عبد الله - لأنّه المرادُ عند الإطلاق -(رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُمَا ) قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَفْطَرَ) من صومه؛ (قَالَ: ((ذَهَبَ الظَّمَأْ )
- مهموزُ الآخر ؛ بلا مدَّ، أي: العَطَش - قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ
ظَمَا﴾ [١٢٠/ التوبة]. ذكره في ((الأذكار)) قال: وإنما ذكرته ؛ وإن كان ظاهراً !!
لأني رأيتُ من اشتبه عليه فتوهَّمَه ممدوداً .
( وَابْتَلَّتِ العُرُوْقُ) ، لم يقل ذهب الجوعُ أيضاً ، لأن أرض الحجاز حارَّةٌ ،
فكانوا يصبرون على قلّة الطعام ؛ لا العطش، وكانوا يتمدَّحون بقلَّة الأكل ؛ لا بقِلَّة
الشرب .
(وثَبَتَ الأَجْرُ) ، يعني: زال التعب وبقي الأجر (إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى)) ) ثبوته ؛
بأن يقبل الصوم ويتولَّى جزاءَه بنفسه، كما وعد ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
﴾ [الرعد] .
٣١
( وَ) أَخرج أبو داود في ((سنته)) و((مراسيله))؛ (عَنْ مُعَاذِ بنِ زُهْرَةَ) ويقال :
أبو زهرة الضبي التابعي؛ قال في ((التقريب)) كأصله : مقبولٌ أرسل حديثاً فوَهِم مَنْ
ذكره في الصحابة مرسلاً، قال: بلغنا أنَّ رسول الله وَ ار كان ... الخ؛ قال ابن
حجر: أخرجه في ((السنن)) و ((المراسيل)) بلفظ واحد ، ومعاذٌ هذا ذكره البخاري
في التابعين ، ولكنه قال : معاذٌ أبو زهرة . وتبعه ابن أبي حاتم ، وابن حبَّان في
((الثقات))، وعدَّه الشيرازي في الصحابة، وغلَّطه المستغفرِيُّ، ويمكن كونُ
٩٥

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ .. قَالَ: (( اللَّهُمَّ ؛ لَكَ
صُمْتُ ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ )) .
وَعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعَانَنِي فَصُمْتُ ،
وَرَزَقَنِي فَأَفْطَرْتُ )) .
وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ .. قَالَ:
الحديث موصولاً ؛ ولو كان معاذ تابعيّاً !! لاحتمال كونِ الذي بَلَّغه له صحابياً ،
وبهذا الاعتبار أورده أبو داود في ((السنن))، وبالاعتبار الآخر أورده في
((المراسيل)). انتهى ذكره المناوي على ((الجامع)).
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ إِذَا أَفْطَرَ) من صومه ( قَالَ) عند فطره: ((اللَّهُمَّ لَكَ
صُمْتُ، وَعَلىْ رِزْقِكَ أَقْطَرْتُ)) وفي رواية زيادة: ((وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ
تَوَكَّلْتُ))، وفي رواية ((فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيْعُ العَلِيْمُ)) كما سيأتي. قال
الطَّيبي : قدَّم الجارّ والمجرور في القرينتين على العامل !! دلالةً على الاختصاص
وإظهاراً للاختصاص في الافتتاح ، وإبداءً لشكر صنيع المختصِّ به في الاختتام .
انتهى ((مناوي)).
( وَ) أخرج ابن السُّنِّي، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان))؛ (عَنْ مُعَاذٍ ) - أي:
ابن زهرة الضبيّ التابعي (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) مرسلاً؛ وهو حديث ضعيفٌ - كما
في ((العزيزي)) ( قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ لهَ إِذَا أَفْطَرَ؛ قَالَ: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعَانَتِيْ
فَصُمْتُ ، وَرَزَقَنِيْ فَأَقْطَرْتُ)) ) أي: يسَّر لي ما أُفطر عليه ، فيندَب قول ذلك عند
الفطر من الصوم ؛ فرضا أو نفلا .
( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير))، وابن السنِّي؛ ( عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَىْ عَنْهُمَا ) وهو حديث حسن لغيره - كما في العزيزي - ؛ ( قَالَ :
كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَفْطَرَ ) - أي: من صومه ؛ ولو نفلاً (قَالَ ) في دعائه :
٩٦

((اَللَّهُمَّ؛ لَكَ صُمْتُ ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )» .
وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَكَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصُّ مِنَ الأَيَّامِ
( (اللَّهُمَّ؛ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) - قدَّم المعمول على العامل !! دلالةً
على الاختصاص - ( فَتَقَبَّلْ مِنِّيْ) - وفي روايةٍ للدارقطني: ((أَفْطَرْنَا وَتَقَبَّلْ مِنَّا)) -
( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيْعُ ) لدعائي ( العَلِيْمُ)) ) بحالي وإخلاصي ، ولعلَّه كان يأتي بالإفراد
إذا أفطر وحدَه ، وبالجمع إذا أفطر مع غيره !! .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم في ((صحيحيهما))، وأبو داود ، والترمذي في
((الشمائل))؛ (عَنْ ) أبي شِبْل (عَلْقَمَةَ ) بنٍ قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن
سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النَّخَع النَّخَعي ؛ الكوفي التابعي الكبير ،
الجليل الفقيه البارع ، أحد الأعلام .
مخضرمٌ ؛ سمع عمر بن الخطاب ، وعثمان ، وعلياً ، وابنَ مسعود ، وسلمان
الفارسي ، وحذيفة ، وخبَّاباً ، وأبا موسى الأشعري ، وعائشة وغيرهم من الصحابة .
روى عنه أبو وائل ، وإبراهيم النَّخَعي ، والشعبي ، وابن سيرين ، وعبد
الرحمن بن يزيد ، وأبو الضحى ، وَسَلمة بن كهيل ، وخلقٌ من التابعين . وأجمعوا
على جلالته وعِظَم محلِّه ، ووفور علمه ، وجميل طريقته .
قال إبراهيم النَّخَعي : كان علقمةُ يشبّهُ بابن مسعود . وقال أبو سعد ابن
السمعاني : كان علقمة أكبر أصحاب ابن مسعود وأشبَهَهم هدياً ودَلاً .
توفي سنة : اثنتين وستين ، وقيل : سنة اثنتين وسبعين . والله أعلم . رحمه الله
تعالى .
( قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ) أُمَّ المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَكَانَ ) - وفي
رواية: هل كان - (رَسُوْلُ اللهِنَّهَ يَخُصُّ) - وفي رواية: يَخْتَصُّ - (مِنَ الأَيَّامِ
٩٧

شَيْئاً؟ قَالَتْ: كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ ؟
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي أَمْرَأَةٌ ،
شيئاً ) ؛ أي : يتطوَّع في يومٍ معيَّنٍ بعمل مخصوص ؛ فلا يفعل في غيره مثله ،
كصلاة وصوم ؟ !.
( قَالَتْ : كَانَ) وفي رواية البخاري : قالت : لا، كان ( عَمَلُهُ دِيْمَةً ) - بكسر
الدال؛ مصدر - أي: دائماً. وأصل (( ديمة)): دِوْمةً ، لأنَّه من الدوام ، فقلبت
الواو ياءً لسكونها وانكسارٍ ما قبلها، والمراد بالدوام : الغالب ، أو الدوام
الحقيقي ، لكن ما لم يمنع مانعٌ كخشية المشقّة على الأُمَّة ؛ أو نحو ذلك .
فلا ينافي ذلكَ قولَ عائشة ((كان ◌َ ◌ّ يصومُ حتَّى نقول : قد صام . ويفطرُ حتى
نقول : قد أفطر)) . ولا ينافي أيضاً عدمَ مواظبته على صلاة الضحى ؛ كما في بعض
الروايات عند الترمذي - وقد تقدَّم - ومنها حديثُ مسلمٍ وغيره ؛ عن عبد الله بن
شقيق قال: قلتُ لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النبي وَلّ يصلِّي الضحى؟
قالت : لا ، إلاَّ أَن يجيء من مغيبه .
وبالجملة فكانت المواظبةُ غالبَ أحواله ، وقد يتركها لحكمة . والله أعلم .
( وَأَيُّكُمْ يُطِيْقُ مَا ) ؛ أي : وأَيُّ واحدٍ منكم يطيقُ العمل الذي ( كَانَ رَسُوْلُ
اللهِ وَّهِ يُطِيْقُ) الدوام عليه من غير ضررٍ ؛ صلاة كان، أو صوماً ، أو نحوهما ؛
خصوصاً مع كمال عمله خشوعاً وخضوعاً وإخلاصاً . ومناسبةُ هذا الحديث
للباب !! شمولُه للصوم ، وكذا يقال في الأحاديث بعدَه .
( وَ) أخرج الشيخان وغيرُهما؛ كالترمذي في ((الشمائل)) - وهذا لفظها -
( عَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ ) - بتشديد الياء -
( رَسُوْلُ اللهِ وَِّهِ وَعِنْدِي أَمْرَأَةٌ) زاد في رواية عبد الرزاق؛ عن معمر ؛ عن هشام :
٩٨

فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟))، قُلْتُ: فُلاَنَةُ؛ لاَ تَنَامُ اللَّيْلَ . فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَيْكُمْ
حسنةً الهيئة . ووقع في رواية مالك ؛ عن هشام أنَّها من بني أَسَد . أخرجه
البخاري ، ولمسلم من رواية الزُّهري ؛ عن عروة في هذا الحديث : أنَّها الحولاءُ
- بالمهملة والمد - وهو اسمُها بنت تُوَيت - بمُثَنَّتين ؛ مصغر - ابن حبيب - بفتح
المهملة - ابن أسد بن عبد العزى ؛ من رَهْط خديجَة أُم المؤمنين ( فَقَالَ ) ؛ أي :
رسول الله بَله: ( ((مَنْ هَذِهِ؟)) قُلْتُ: فُلاَنَةُ) كنايةً عن كُلِّ عَلَم مؤنَّث ، فهي غيرُ
منصرفة للعَلَمية والتأنيث، فقد صرَّح النحاة بأنَّه يكنَّى بـ (( فلان)) و(( فلانة )) عن
أعلام الأَنَاسي خاصَّة ، فيجريان مجرى المكنَّى عنه ؛ أي : يكونان كالعَلَم فلا
تدخُلُها اللامُ، ويمتنع صرفُ ((فلانة))، ولا يجوز تنكيرُ ((فلان)) ، فلا يقال جاءني
فلانٌ وفلانٌ آخرُ . ذكره الرَّضيُّ وغيره .
( لاَ تَنَامُ اللَّيْلَ ! ) ؛ أي : تحييه بصلاة ، وذِكر ، وتلاوة قرآن ، ونحوها .
وظاهرُ هذه الرواية: أنَّ المرأةَ عند عائشة حين دخل عليها رسولُ اللهِ وَله.
ووقع في رواية الزهري عند مسلم ((أنَّ الحولاء مرَّت به )). فيجمع بينهما بأنَّها كانت
أوَّلاً عند عائشة، فلما دخل وَير عليها قامت ؛ كما في رواية أحمد بن سلمة ؛ عن
هشام ولفظه: كانت عندي امرأةٌ، فلما قامت؛ قال رسول الله وَّرُ: ((مَنْ هُذِهِ
يَا عَائِشَةُ؟)). فقلتُ: هذه فلانة ؛ وهي أَعبدُ أهل المدينة .
والحديث أخرجه الحسنُ بن سفيان في ((مسنده))؛ من طريق ، فيحتمل أنَّها لما
قامت لتخرجَ فمرَّت به في حال ذهابها ؛ فسأل عنها . وبهذا يُجمعُ بين الروايات .
ثم ظاهر السياق أنَّها مدحَتْها في وجهها . وفي « مسند الحسن )» ما يدلُّ على
أنَّها قالت ذلك بعدما خرجت المرأة، فتحملُ رواية الكتاب عليه. انتهى (( جمع
الوسائل )) .
( فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((عَلَيْكُمْ) - عبَّر بقوله ((عليكم)) مع أن المخاطَب
٩٩

مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَوَ اللهِ لاَ يَمَلُّ [الله] حَتَّى تَمَلُّوا))، وَكَانَ
أَحَبَّ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
النساءُ !! إيماءً لتعميم الحكم بتغليب الذكور على الإناث ، أي : خذوا والزموا -
( مِنَ الأَعْمَالِ مَا) - أي: العمل الذي - ( تُطِيْقُوْنَ ) الدوام عليه بلا ضرر ، فمنطوقه
يقتضي الأمرَ بالاقتصاد والاقتصارِ على ما يُطاق من العبادة ، ومفهومُه يقتضي النهيَ
عن تكليفٍ ما لا يطاق .
قال الحافظ ابنُ حَجَر : سببُ وروده خاصٌّ بالصلاة ؛ لكن اللفظ عامّ ، وهو
المعتبر . ويؤخذ منه - كما قال القسطلاني - : وجهُ مناسبة هذا الحديث بما قبله
وبما بعده بعنوان الباب .
( فَوَاَللهِ) فيه دلالة على جواز الحَلِفِ من غير استحلاف ، إذا أُريد به مجرّدُ
التأكيد، وفي رواية: ((فَإِنَّ اللهَ ( لاَ يَمَلُّ) - وفي أخرى: ((لاَيَمَلُّ اللهُ ۔ ( حَتَّى
تَمَلُّوا))) - بفتح أوَّلهما وثانيهما؛ مع تشديد اللام فيهما - وفي رواية: ((لاَ يَسْأَمُ
حَتَّى تَسْأَمُوا )) وهي مفسِّرةٌ للأُولى، وإسناد الملل والسآمة إلى الله تعالى من قبيل
المشاكلة والازدواج؛ نحو ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَسِيَهُمْ﴾ [٦٧ / التوبة] ﴿أَمَّ نَحْنُ الزَّرِعُونَ
٦٤
[الواقعة] لأن الملل مستحيلٌ في حقِّه تعالى ، فإِنَّه فتور يَعرِضُ للنفس من كثرة مزاولة
شيءٍ ، فيوجب الكلال في الفعل والإعراض عنه .
وهذا إنَّما يتصوَّرُ في حقِّ مَن يتغيَّر ، والمراد لا يُعرض الله عليكم ، ولا يقطع
ثوابه ورحمته عنكم حتَّى تسأموا العبادة وتتركوها .
فهذا الحديث يقتضي أمرهم بالاقتصاد في العمل ؛ دون الزيادة ، لئلا يَمَلُّوا
فيُعرضوا فيُعرضَ الله عنهم . وفيه الحثُّ على الاقتصادِ في العمل وكمالٍ شفقة
المصطفىْ وَلَهُ ورأفتِهِ ؛ حيث أَرشدَهُم لما يصلحهم مما يمكنُهم المداومةُ عليه مع
انبساط النفس وانشراح الصدر ، لئلا يُطيعوا باعث الشغف فيُحمِّلوا أنفسهم فوق
ما يطيقون؛ فيؤدِّي ذلك إلى عجزهم عن الطاعة. انتهى ((مناوي)).
( وَكَانَ أَحَبَّ ذَلِكَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ وَ) أَحبُّ - بالرفع؛ أو النصب - فالأوَّل
١٠٠