النص المفهرس

صفحات 41-60

رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَيْلَةٌ .
سنة - بتقديم المهملة على الموحدة فيهما - أي : فعمره ثمانون سنة إلاَّ ثلاث
سنوات . رحمه الله تعالى .
( رَاوِيْ هَذَا الحَدِيْثِ ) يعني أنَّه شكَّ في السورة التي قَرَأْها النبي ◌َّ في
الرابعة ؛ هل هي المائدة ، أو الأنعام !!
وظاهرُ الخبر أنَّه قرأ السورَ الأربع في الركعات الأربع ، وبه صَرَّحت رواية أبي
داود ، ولكن رواية مسلم والنسائي ظاهرةٌ في أنَّه قرأ الكلَّ في ركعة واحدة ، فلعل
الواقعةَ تعذَّدت !! فتكونُ صلاة حذيفةَ مع النبي ◌َّهِ وقعت في ليلتين في إحداهما قرأ
السور في ركعة ، وفي الليلة الأخرى قرأ السور الأربع في أربع ركعات .
أو يقال : إن في رواية أبي داود والترمذي وَهماً ، والصوابُ رواية مسلم
والنسائي !! .
ويؤيِّده : اتحادُ المَخْرَج وهو صلةُ بن زفر . ولعل البخاريَّ لم يخرجه في
((صحيحه))؛ لما فيه من الاختلاف والاضطراب! والله أعلم . انتهى من كتاب
(( جمع الوسائل)» لملا علي قاري رحمه الله تعالى .
وهذه القراءة كانت في صلاة الليل كما يفيده أوَّل الحديث ، وأمَّا قراءته في
الفرائض !! فوردت على أنحاءٍ شتى. انتهى ((مناوي)).
( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
قَالَتْ: قَامَ) - أي صلَّى - (رَسُوْلُ اللهِنَّهِ بِآيَةٍ) أي: متلبّسا بقراءة آية ( مِنَ
القُرْآنِ ) ؛ وهي قولُه تعالى ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِزُ
الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة) يعني: أحيا بقراءة هذه الآية ( لَيْلَةً ) ؛ أي : استمرَّ يكرِّرُها ليلته
كلَّها في ركعات تهجُّده ، فلم يقرأ فيها بغيرها ، أو صار يكرِّرُها في قيام ركعةٍ واحدة
٤١

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : صَلَّيْتُ لَيْلَةٌ مَعَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَزَلْ قَائِماً حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ
سَوْءٍ .
إلى الفجر. ويرجِّحُ الأوَّلَ ما في ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد ؛ عن أبي ذرٍّ : قام
رسول الله وَل﴿ ليلة من الليالي، فقرأ آية واحدةً الليلَ كلَّه حتَّى أصبح ؛ بها يقوم ،
وبها يركع ، وبها يسجد . فقال القوم لأبي ذر : أيَّةُ آيَةٍ هي ؟ فقال: ﴿إِن تُعَذِّبُهُمْ
فَإَِهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
﴾ [المائدة] .
وإنما داوم على تكريرها والتفكّر في معانيها حتَّى أصبح !! لما اعتراهُ عند
قراءتها من هول ما ابتدئت به مما أوجب اشتعال نار الخوف ، ومن حلاوة ما ختمت
به مما أوجب اهتزازه طَرَبا وسروراً .
ويؤخذ منه جوازُ تكرار آية في الصلاة ، ولعل ذلك كان قبل النهي عن القراءة في
الركوع والسجود !! فلا ينافيه خبرُ مسلم: (« نُهِيْتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعاً وَسَاجِداً ».
أو فَعَله لبيان الجواز ؛ تنبيها على أنَّ النهيَ للتنزيه ؛ لا للتحريم .
وحديثُ ((المتن)) رواه النسائيُّ وابن ماجه ؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه .
كما قاله مُلاً علي قاري في (( جمع الوسائل » .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، وابنُ ماجه، والترمذيُّ في ((الشمائل))؛
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ) الهُذَلِي (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:
صَلَّيْتُ لَيْلَةً مَعَ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ) - أي - جماعةً، فدلَّ ذلك على صحَّةِ النفل
جماعة ؛ وإنْ لم تُشرَع فيه ما عدا العيدين والكسوفين ونحوَهما ..
( فَلَمْ يَزَلْ قَائِماً) أي : أطال القيام جدًّاً ( حَتَّىُّ هَمَمْتُ ) أي : قصدتُ . والهمُّ
بمعنى القصد، ويعدَّى بالباء ( بِأَمْرِ سَوْءٍ) بإضافة ((أمر)) إلى ((سَوء)) - كما هو
الرواية - كما أفهمه كلامُ الحافظ ابن حجر . وقيل : إنَّه رُوي بقطعها على الوَصْفِيَّة .
والسُّوء - بفتح السين وضمّها - : نقيضُ المسرَّة . وشاع الإضافة إلى المفتوح
٤٢

قِيلَ لَهُ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَفْعُدَ وَأَدَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ یُصَلَّ جَالِساً
كـ((رجل سَوْء))، ولا يقال سُوء - بالضمِّ -. وقد قُرىء متواتراً بالوجهين ؛ في قوله
تعالى ﴿عَلَيَّهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ [٩٨/ التوبة].
( قِيْلَ لَهُ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟! ) أي : أيُّ شيء الذي هممتَ به؟.
( قَالَ ) ؛ أي : ابن مسعود (: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ ) بلا صلاة ( وَأَدَعَ ) - أي :
أترك - ( النَّبِيَّ ◌ََّ) يصلّي وحدَه؛ كما قاله القسطلاني وغيره . ولا مانع منه! لأنَّ
قطع النفل جائزٌ عندنا .
وقال المناوي: بأن ينويَ قطعَ القدوة ويتمَّ صلاته منفرداً ، لا أنَّه يقطع الصلاة ؛
كما ظنَّه القُسطلاني وغيره !! لأن ذلك لا يليق بجلالة ابنِ مسعود .
قال الباجوري : لكنَّ المتبادرَ من قوله (( أن أقعد )) هو الأوَّلُ، واحتمالُ أنَّه يتمُّ
الصلاة قاعداً بعيدٌ، فتركُ الصلاة مع النبي ◌َّهِ على الأول أمرُ سَوْء، وكذا تركُ
الاقتداء به على الثاني ، لأنَّ في كلِّ حرمانَ الثواب العظيم الحاصل بالصلاة مع النبي
الكريم وَل . انتهى .
قال النووي في ((شرح مسلم)): فيه أنَّه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار ، وأن
لا يخالفوا بفعلٍ ولا قول ؛ ما لم يكن حراماً .
واتفق العلماء على أنَّه إذا شق على المقتدي في فريضة ؛ أو نافلة القيامُ ، وعجز
عنه جاز له القعود، وَإنَّما لم يقعد ابن مسعود !! للتأذُّب مع النبي ◌َّر.
وفيه جوازُ الاقتداء في غير المكتوبات. وفيه استحبابُ تطويل صلاة الليل . انتهى.
( وَ) أخرج مسلم، والترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىُ
عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ كَانَ يُصَلِّي جَالِساً) . قيل: كان ذلك في كِبَر سنّهُ . وقد
صرَّحت به عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه الشيخان .
٤٣

فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يُكُونُ ثَلاَئِينَ - أَوْ
أَرْبَعِينَ - آيَةً .. قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ ،
ومن خصائصه وَلِّ: أنَّ تطوُّعَه قاعداً كهو قائماً، لأنَّه مأمونُ الكسل ؛ فلا
ينقص أجرُه ، بخلاف غيره ، فإنَّه مَن صلَّى قاعداً فله نصفُ أجر القائم .
ويؤخذ منه صحَّةُ تنفُّل القادر قاعداً ، وهو مجمعٌ عليه .
( فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قَرَاءَتِهِ ) ؛ أي : من مقروئه ( قَدْرُ ) ؛ أي :
مقدار ( مَا يَكُوْنُ ثَلاَثِيْنَ أَوْ أَرْبَعِيْنَ آيَةً ؛ قَامَ ) . وفيه إشارة إلى أنَّ الذي كان يقرأه قبل
أن يقوم أكثر ، لأن البقية تطلق غالباً على الأقلِّ .
والظّاهر أن الترديد بين الثلاثين والأربعين من عائشة !! فيكون إشارة إلى أن
المقدار المذكور مبنيٌّ على التخمين ، فردَّدت بينهما ؛ تحرُّزاً من الكذب .
ويحتمل أنَّه تارة كان يقع منه كذا وتارة كذا .
ويحتمل أنَّه شكّ من بعض الرواة فيما قالته عائشة ، وهي إنَّما قالت أحدهما !!
وأيَّده الحافظ العراقي برواية في ((صحيح مسلم )) عنها: فَإِذَا أَرادَ أَنْ يركعَ ؛ قامَ قَدْرَ
ما يقرأُ الإِنسان أربعينَ آيةً .
ويؤخذ من ذلك صحَّةُ بعضِ النفل قاعداً وبعضِه قائماً ، وصحَّةُ بعض الركعة
قاعداً وبعضِها قائماً ، وجعلُ بعضٍ القراءة في القعود وبعضِها في القيام ، وسواء في
ذلك كلِّه قعد ثم قام ، أو قام ثمَّ قعد ، وسواء نوى القيام ؛ ثم أراد القعود ، أو نوى
القعود ؛ ثم أراد القيام . وهو قول الأئمة الأربعة ، ولكن يمنعُ بعضُ المالكية
الجلوس بعد أن ینوي القیام . انتھی « باجوري ومناوي » .
( فَقَرَأَ؛ وَهُوَ قَائِمٌ) أي : والحال أنَّه قائم ، أي : مستقرٍّ على القيام .
وظاهر التعبير بالفاء : أنه لا تراخيَ بين القيام والقراءة . وظاهره أيضاً أَنَّ مَن
افتتح الصلاة قاعداً ثم قام ؛ لا يقرأ حالَ نهوضه ، لانتقاله إلى أكمل منه ، بخلاف
عكسه ، فيقرأ في حال الهُوِيِّ. وبه صرَّح الشافعية في فرض المعذور .
٤٤

ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ، ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكَعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَطَوُّعِهِ؟
وأما مسألة الحديث ؛ وهو النفلُ قاعداً مع القدرة ؛ ثم ينتقل إلى القيام ، أو
بالعكس ؟! فهو مخيّر بين القراءة في النهوض والهوي ، لكن الأفضل القراءة
هاويا ؛ لا ناهضا . انتهى (( مناوي وباجوري)).
( ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ) ؛ أي : من قيام . قال الحافظ ابن حجر : في الحديث رةٌّ
على مَن شرط - على مَن افتتح النفل قاعداً - أن يركع قاعداً، و- على من افتتحه
قائماً - أن يركع قائماً، وهو محكيٍّ عن بعض الحنفية والمالكية ، لرواية في مسلم
- أي : ستأتي بعد هذا - لكن لا يلزم منه منعُ مادلّت عليه هذه الرواية ، فيجمع بأنه
کان یفعل كلاً من ذلك بحسب النشاط وعدمه .
( ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ) ؛ أي : قرأ وهو جالس ، حتَّى إذا بقي
من قراءته قدرُ ما يكون ثلاثين ، أو أربعين آية ؛ قام فقرأ وهو قائم ، ثم ركع
وسجد ، فبعد أن قام في أثناء الأولى قعد في أوَّل الثانية ، فقد انتقل من القيام
للقعود ؛ وإن كان في ركعة أخرى . وهو حُجَّة على مَن منع ذلك .
( وَ) أخرج مسلم، والترمذي؛ في ((الشمائل ))؛
( عَنْ ) أبي عبد الرحمن (عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيْقٍ) العُقَيلي - بالضمِّ مصغَّراً - البصري،
روى عن عمر وعثمان وأبي ذر ، وعنه ابن سيرين وقتادة وجعفر بن أبي وحشية ، وثَّقه
أحمد وابن معين ، وقال أحمد : ثقة نَاصِبيٌّ ؛ يحملُ على علي بن أبي طالب . خرَّج له
مسلم والأربعة ، قيل : مات سنة : ثمان ومائة رحمه الله تعالى . آمين .
( قَالَ )؛ أي : عبد الله بن شقيق: ( سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ
صَلَةٌ رَسُوْلِ اللهِّهِ )؛ أي: عن كيفيتها ( فِي تَطَؤُّعِهِ ) بدل مما قبله بإعادة الجار.
والتطوُّع : فعلُ شيءٍ مما يُتَقرَّب به إلى الله تعالى ؛ تبرُّعاً من النفس .
٤٥

فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي لَيْلاً طَوِيلاً قَائِماً، وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِداً، فإِذَا قَرَّأَ
وَهُوَ قَائِم .. رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ .. رَكَعَ
وَسَجَدَ وَهُو جَالِسٌ .
( فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيْ لَيْلاً طَوِيْلاً) بدل من ((الليل )) بدل بعضٍ من كلٍّ ، أي :
زمناً طويلاً من الليل ، لا أنَّه يجعل صلاته طويلة . انتهى (( مناوي ))
( قَائِماً) حالٌ من فاعل (( يصلي)) ؛ أي: يصلِّي زمناً طويلاً حال كونِه قائماً
فيه .
( وَلَيْلاً ) ؛ أي : زمنا (طَوِيْلاً) حال كونه ( قَاعِداً ) فيه في كلِّ صلاته ؛ أو
بعضها ، فالحالُ مبنيّة على أن المرادَ بطول زمن الصلاة طولُ قيامها ؛ أو قعودها .
انتهى (( مناوي )) .
ويؤخذ من ذلك ندبُ تطويل القراءة في صلاة الليل وتطويلِ القيام فيها ، وهو
أفضل من تكثير الركوع والسجود مع تقصير القراءة - على الأصحِّ عند الشافعية - ،
ولا يعارضه حديث ((عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ )) !! لأن المرادَ كثرةُ الصلاة ؛ لا كثرة
السجود حقيقة . انتهى (( باجوري ومناوي )).
﴿ فَإِذَا ) الفاء تفصيلية ( قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ؛ رَكَعَ وَسَجَدَ ؛ وَهُوَ قَائِمٌ) ، أي : انتقل
إلى الركوع والسجود ، والحال أنَّه قائم تحرُّزاً عن الجلوس قبل الركوع والسجود .
( وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ! رَكَعَ وَسَجَدَ؛ وَهُوَ جَالِسٌ) أي : انتقل إلى الركوع
والسجود ، والحال أنَّه جالس تحرُّزاً عن القيام قبل الركوع والسجود .
قال المناوي - بعد ذكر مثل هذا التقرير - ما نصُّه: ذكر ذلك كله الشُّرَّاح !!.
وأنت خبير بأنها كلَّها توجيهاتٌ لا تخلو عن ركاكة وتكلُّف . انتهى .
ثم نقل عن الزين العراقي أنَّ ذلك محمولٌ على أنَّه وَالتي كان له أحوال مختلفة في
تهجّده وغيره ، فكان يفعل مرَّةً كذا ، ومرَّة كذا ، ومرة يفتتح قاعداً ؛ ويتمُّ قراءته
قاعداً ؛ ويركع قاعداً . ومرَّة يفتتح قاعداً ، ويقرأ بعضَ قراءته قاعداً وبعضَها قائماً ؛
٤٦

وَعَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ - أَيْ : نَافِلَتِهِ -
قَاعِداً، وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ ويُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا ...
ويركع قائماً . فإن لفظة (( كان)) لا تقتضي الدوام عند جمع من العلماء الأعلام.
انتهى .
( وَ) أخرج مسلم في ((صحيحه))، ومالكٌ في ((الموطأ))، والترمذيُّ في
((الجامع)) و ((الشمائل)) - واللفظ لها - والنسائيُّ؛
(عَنْ ) أُمّ المؤمنين ( حَفْصَةَ) بنْتِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ (زَوْجِ النَّبِيِّ وَ ◌ّرْ قَالَتْ:
كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ يُصَلِّيْ فِي سُبْحَتِهِ ) - بضم السين المهملة وسكون الموحدة -
( أَيْ نَافِلَتِهِ ). سُمِّيت ((سُبْحَةً)) !! لاشتمالها على التسبيح، وخُصَّت النافلة
بذلك !! لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلةٌ فأشبهت صلاة النفل ، وهذا
التخصيصُ أمر غالبيٍّ ، فقد يطلق التسبيح على الصلاة مطلقاً؛ تقول (فلان يسبِّح)
أي: يصلي فرضاً أو نفلاً. ومنه قوله ﴿فَسَيِّحْ بَحَمْدٍ رَبِّكَ﴾ [٩٨/ الحِجْر] أي: صلِّ.
[الصافات] أي: المصلين، (قَاعِداً ) حالٌ من
١٤٢
وقوله ﴿ فَلَوْلَا أَنَُّ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ
فاعل ((يصلي)).
وزاد مسلم في أوَّل الحديث زيادةً هي قولُ حفصةً: ما رأيت رسول الله وَ هل
صلَّى في سُبْحته قاعداً حتَّى إذا كان قبل موته بعام ؛ فكان يصلي في سبحته قاعداً ،
( وَ) كان (يَقْرَأُ بِالسُّوْرَةِ) مِن القرآن - الباء زائدة - (وَيُرَتِّلُهَا)؛ أي: يتأنَّى في
قراءتها ، ويبيِّن الحروفَ والحركاتِ والوقوفَ، ( حَتَّى تَكُوْنَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ
مِنْهَا ) ؛
أي : حتى تصيرَ السورةُ القصيرة - كالأنفال مثلاً - لاشتمالها على الترتيل أطولَ
من طویلةٍ خلت عنه - کالأعراف - .
وهذا معنى قول بعضهم « إنَّه يمكثُ في قراءة هذه مرتِّلاً متدبِّراً بحيث تصير
٤٧

وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : وَأَلَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ ، مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلاَتِهِ
قَاعِداً ، إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لاَ يَدَعُ قِيَامَ اللَّيْلِ ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ .. صَلَّى قَاعِداً .
أطولَ من السورة التي أطولُ من هذه السورة ؛ بحسب عدد الآيات عند عدم الترتيل
في السورة الطويلة )).
( وَ) أخرج النسائي، وابن ماجه؛ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّهَا
قَالَتْ: وَ) الله ( الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)؛ أي : روحي في قبضة قدرته ( مَا مَاتَ
رَسُوْلُ اللهِنَّهِ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلاَتِهِ قَاعِدَاً ؛ إِلَّ المَكْتُوْبَةَ ) .
حديث أمّ سلمة هذا رواه ابن حِبَّان في ((صحيحه)) بلفظ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ وَلَيه
حَتَّى كان أكثرُ صلاته ؛ وهو جالس ، وكان أحبُّ العمل إليه ما داوم عليه صاحبُه ؛
وإن كان يسيراً .
وأخرج مسلم في (صحيحه))، والترمذيُّ في (( الشمائل))؛ عن عائشة رضي الله
تعالى عنها ؛ أنَّها قالت: إنَّ النبيَّ وَّهِلَمْ يَمُتْ حتَّى كان أكثرُ صلاته وهو جالس .
قال الحافظ العراقي : ولا منافاة بين حديث حفصة وحديث عائشة - كما قد
يتوهّم - !! فقول عائشة (( كان يصلِّي جالساً)) لا يلزم منه كونُهُ صلَّى جالساً قبل وفاته
بأكثر من عام ، فإنَّ ((كان)) لا يقتضي الدوام ؛ بل ولا التكرار على أحد قولي أهلِ
الأصول، وبتقدير كونه (( صلَّى في تطوُّعِه قاعداً قبل وفاته بأكثر من عام)) لا ينافي
حديث حفصة ، لأنها إنَّما نفت رؤيتها ؛ لا الوقوعَ بالكليّة . انتهى .
( وَ) أخرج أبو داود، والحاكم؛ ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ
رَسُوْلُ اللهِ وَلِّ لاَ يَدَعُ قِيَامَ اللَّيْلِ ) - يعني التهُّد ؛ وهو الصلاة في الليل بعد النوم -
( وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ) - كـ((فَرِح)) - (صَلَّى قَاعِداً) ، ومع ذلك فصلاته قاعداً
٤٨

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ ، وَرَكْعَتَيْنِ
بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ .
كصلاته قائماً في مقدار الأجر ، وهذا من خصائصه ﴿ بخلاف غيره ، فإن صلاته
قاعداً على النصف من صلاة القائم .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، و((الموطأ))، وأبو داود ، والترمذي في
((الجامع)) و((الشمائل))، والنسائيُّ؛ باختلاف في الألفاظ، وهذا لفظ
(( الشمائل ))؛
(عَنْ) عبد الله (بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب (رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ؛ قَالَ:
صَلَّيْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ وَّ)؛ أي: شاركته في الصلاة، بمعنى: أَنَّ كلّ منهما
فعل تلك الصلاة ، وليس المراد أنَّه صلى معه جماعة ، لأنه يبعد ذلك هنا ؛ وإن
كانت الجماعة جائزة في الرواتب ، لكنها غيرُ مشروعة فيها .
( رَكْعَتَيَّنِ قَبْلَ الُّهْرِ، وَرَكْعَتَيَّنِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَيَّنِ بَعْدَ المَغْرِبِ ؛ فِي بَيَّتِهِ ) .
راجعٌ لسنَّةً المغرب فقط . وقال الباجوري كالمناوي : إنَّه راجعٌ للأقسام الثلاثة
قبله ، لأن القید یرجعُ لجمیع ما تقدَّمہ ـ کما صرَّح به بعضهم - .
لكن قد يقال: هلا اكتفى بقوله ((في بيته)) الثانية المذكورة في قوله ( وَرَكْعَتَیَّنِ
بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ ) !! لأنَّه يرجع لجميع ما تقدَّمه ؛ كما علمتَ. إلاَّ أن يقال صرَّح
به هنا !! اهتماماً به. انتهى كلام الباجوري. وفي (( جمع الوسائل)»: إنَّه يحتمل
رجوعه للثلاثة قبله ، ولسنَّةً المغرب فقط . ذكره ابن حجر . انتهى .
وعجيبٌ منهم هذه الاحتمالات ؛ مع أن الحديث مفصّل في (( صحيح مسلم ))
بوضوح ، فلا يحتاج لهذه الاحتمالات !! ولفظه في ((صحيح مسلم)) : عن ابن
عمر ؛ قال: صلَّيتُ مع رسول الله وَّ قبل الظهر سجدتين - يعني: ركعتين -
وبعدها سجدتين ، وبعد المغرب سجدتين ، وبعد العشاء سجدتين ، وبعد الجمعة
٤٩

.
سجدتين، فأمَّا المغرب والعشاء والجمعة! فصلَّيتُ مع النبي وَّ في بيته. انتهى.
فهذا مما يوضّحُ رجوعَ قوله (( في بيته)) الأول للمغرب ، والثاني للعشاء فقط ؛
كما هو أحد الاحتمالين اللذين أبداهما المحقّقُ ابن حجر ، ولعلَّهم لم يستحضروا
رواية ((صحيح مسلم)) المذكورة !! ثم هي تشتمل على عشر ركعات من الرَّواتب .
وزاد في (( صحيح البخاري)) : قبل الصبح ركعتين ، فالمجموع اثنتا عشرة
ركعة. قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)): وليس للعصر ذكرٌ في
((الصحيحين)) !! وجاء في ((سنن أبي داود)) بإسناد صحيح؛ عن عليٍّ رضيَ الله
عنه أنَّ النبي ◌َلو كان يصلِّي قبل العصر ركعتين .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ عن النبي ◌َّهِ قال: ((رَحِمَ اللهُ امْرَأَ صَلَّى
قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعاً )). رواه أبو داود، والتُّرمذيُّ ؛ وقال : حديث حسن .
وجاء في أربعٍ بعد الظهر حديثٌ صحيح ؛ عن أمِّ حبيبة قالت : قال
رسول الله وَّمَ: ((مَنْ حَاَفَظَ عَلَى أَرْبِعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْر وَأَرْبَعِ بَعْدَها حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى
النَّارِ )) رواه أبو داود ، والترمذي ؛ وقال : حديث حسن صحيح.
وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن مُغَفَّل أنَّ النبي ◌َّه قال: ((صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ
رَكْعَتَيْنِ .. )) قال في الثالثة ((لِمَنْ شَاءَ)).
ولمسلم ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أربعاً قَبلَ الظُّهْرِ ، ورَكْعتين
بَعَدها ، وَبَعْدَ المغربِ، وبعد العِشَاءِ ؛ كُلُّهَا فِي الْبَيْتِ، وَإِذا طلع الفجر صَلَّى
رَكْعَتينِ .
وفي ((الصحيحين))؛ عن ابن مغفَّل؛ عن النبيِ نَّر: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيَّنِ صَلاَةٌ))
المرادُ بين الأذان والإقامة .
فهذه جملة من الأحاديث الصحيحة في السنن الراتبة مع الفرائض .
قال أصحابنا وجمهورُ العلماء بهذه الأحاديث كلُّها ، واستحبُّوا جميع هذه
النوافل المذكورة في الأحاديث السابقة .
٥٠

وَعَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ
ولا خلاف في شيء منها عند أصحابنا ؛ إلاَّ في الركعتين قبل المغرب ؛ ففيهما
وجهان لأصحابنا : أشهرهما لا يستحبُّ ، والصحيحُ عند المحققين استحبابهما
بحديثي ابن مغفَّل ، وبحديث ابتدارهم السَّوَاري بها ؛ وهو في (( الصحيحين)).
قال أصحابنا وغيرهم : واختلاف الأحاديث في أعدادها محمولٌ على توسعة
الأمر فيها ، وأنَّ لها أقلَّ وأكمل ، فَيحصل أصل السنة بالأقلِّ ، ولكن الاختيار فعلُ
الأكثر الأكمل ، وهذا كما في اختلاف أحاديث صلاة الضحى ، وكما في أحاديث
الوتر ، فجاءت فيها كلها أعدادها بالأقلِّ والأكثر وما بينهما ؛ ليدلَّ على أقلِّ
المجزىء في تحصيل أصل السنة ، وعلى الأكمل والأوسط . والله أعلم . انتهى
كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى .
يقول العبد الضعيف جامع هذا الشرح : لكن المقرَّر في الفروع أنَّ المؤكَّد من
الرواتب التابعة للفرائض عشر نظمها صاحب ((الزُّبَد )) فقال :
ثِنْتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ كَذَا وَبَعْدَهُ وَمَغْرِبٍ ثُمَّ الِعِشَا
ويؤخَذ من الحديث أنَّ البيت للنفل أفضلُ ، إلاَّ ما استثني ؛ حتَّى من جوف
الكعبة .
وحكمتُهُ : أنَّه أخفى فيكون أقرب إلى الإخلاص وأَبعدَ عن الرياء ، وبالغ ابن
أبي ليلى فقال: لا تجزىء سنَّةً المغرب في المسجد . انتهى (( باجوري )).
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، و((الموطأ))، والترمذي؛ في ((الجامع))
و((الشمائل))، والنسائي، وابن ماجه بألفاظ مختلفة - وهذا لفظ ((الشمائل)) - ؛
(عَنْ) أُمّ المؤمنين ( حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ كَانَ يُصَلِّيْ
رَكْعَتَيْنٍ ) هما سُنَّة الصبحِ ( خَفِيْفَتَيْنِ ) ، قد صحَّ تخفيفهما من طرق في
((الصحيحين)) وغيرهما، فيسنُّ تخفيفهما؛ اقتداءً بالمصطفى بَّهِ ، وخبر
٥١

حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لاَ يَدَعُ رَكْعَتَيٍ أَلْفَجْرِ فِي السَّفَرِ وَلاَ فِي الْحَضَرِ ، وَلاَ فِي الصِّخَّةِ
وَلاَ فِي السَّقَمِ .
تطويلهما أُعِلَّ بالإِرسال . على أنَّه محمولٌ على بيان الجواز .
وأَخَذَ مالك رحمه الله تعالى من تخفيفهما أنَّه لا يقرأ فيهما غيرَ الفاتحة ، وحكاه
ابن عبد البرِّ عن الأكثر . وبالغ بعض السلف ؛ فقال : لا يقرأُ فيهما شيئاً أصلاً .
وذهب الشافعيُّ رضيَ الله عنه - كالجمهور - إلى أن المرادَ بتخفيفهما عدمُ تطويلهما
على الوارد فيهما ، فلا ينافي ذلك ما في مسلم: كان كثيراً ما يقرأ في الأولى ﴿ قُولُوا
ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾ [١٣٦] آية البقرة، وفي الثانية ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ [٦٤] آية آل عمران.
وروى مسلمٌ وغيرهُ: أنَّه قرأ فيهما سورتي الإخلاص ؛ يعني (( الكافرون ))، و( قل
هو الله أحد)). وصحَّ: ((نِعْمَ السُّوْرَتَانِ تَقْرَأُ بِهِما في رَكْعَتَي الفَجْرِ (( قُلْ يَا أَيُّها
الكَافِرونَ »، و((قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ !! )) فيسُّ تخفيفُهما مع قراءةِ ما ذُكر حتَّى لو قرأ جميع
ذلك لم تَقُتْهُ سنَّة التخفيف . انتهى (( باجوري ، ومناوي ، وملا علي قاري)).
( حِيْنَ يَطْلُعُ) - بضم اللام؛ من باب: قعد ، أي: يظهر - ( الفَجْرُ ) هو :
ضوءُ الصبح ؛ وهو حمرةُ الشَّمس في سواد اللَّيل .
سُمَّي بذلك !! لانفجاره ، أي : انبعاثه ، كانفجار الماء ؛ من الفُجُور ، وهو
الانبعاث في المعاصي ، والمراد الفجر الصادق ؛ وهو الذَّي يبدو مستطيلاً .
( وَ) أخرج الخطيب - بسند فيه عبد الله بن رجاء ؛ قال فيه الذهبي : صدوقٌ
كثيرُ الغلط والتصحيف ، وأورده في (( الضعفاء )) أيضاً -؛
(عَنْ عَائِشَةَ ) أُمِّ المؤمنين ( رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) قالت :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ لا يَدَعُ رَكْعَتَيْ الفَجْرِ) ؛ أي صلاة سنة الصبح ( فِي
السَّفَرِ ؛ وَلاَ فِي الحَضَرِ ، وَلاَ فِي الصِّحَّةِ ؛ وَلاَ فِي السَّقَم ) - بفتحتين : المرض ،
٥٢

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَلُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ
بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَلْعِشَاءِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَحَدَّثَتَنِي
أو المرض الطويل - وفيه إِشعار بأنهما أفضل الرَّواتب ، بل قال الحسن البصري
بوجوبهما ، لكن مُنِعِ بخبر: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها؟ قال: ((لا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)). فهما
أفضلُ الرواتب عند الشافعية ما عدا الوتر .
وقد روى الشيخان وغيرُهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يكن وَلـ
على شيء من النوافل أشدَّ منه تعاهداً على ركعتي الفجر .
وفي رواية لمسلم ؛ عنها : ما رأيتُه إلى شيءٍ من الخير أسرعَ منه إلى الركعتين
قبلَ الفجر . زاد ابن خزيمة : ولا إِلَى غَنِيْمَةٍ .
ولمسلم أيضا ؛ عن عائشة : لَهما أحبُّ إلَيَّ من الدُّنيا جميعها .
وفي ((مسلم) أيضاً؛ عن عائشة مرفوعاً: ((رَكْعَتا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا)).
قال في ((جمع الوسائل )) : ولهذا رُوي عن أبي حنيفة أنَّهما واجبتان ، فلا شكَّ
أنَّهما أفضل من سائر الرواتب . انتهى .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، والترمذيُّ؛ في ((الشمائل)) - وهذا لفظها -:
(عَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ◌ّ ثَمَانِ
رَكَعَاتٍ ) - أي : من السنن المؤَّدة -
(: رَكْعَتَّنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيّن بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَّنِ بَعْدَ المَغْرِبِ ) .
ويسنُّ أن لا يتكلَّم قبلهما، لخبر رَزِيْن: (( مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ
أَنْ يَتَكَلَّمَ رُفِعَتْ صَلاَتُهُ فِي عِلِّيَيْنَ )) . وفيه ردٌّ على مَن لم يجوِّزهما في المسجد .
( وَرَكْعَتَيَّنِ بَعْدَ العِشَاءِ. قَالَ) عبدُ اللهِ ( بْنُ عُمَرَ ) بن الخطّاب: (وَحَدَّثَتْنِي
٥٣

خَفْصَةُ بِرَكْعَتَي ◌ْغَدَاةِ، وَلَمْ أَكُنْ أَرَاهُمَا مِنَ النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
حفْصَةُ ) بنتُ عمر ( برَكْعَتَيْ الغَدَاةِ ) ؛ أي : الفجر .
وأصلُ الغداة : ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس .
(وَلَمْ أَكُنْ أَرَاهُمَا ) - بفتح الهمزة -؛ أي : أبصرهما . يعني: لم أكن عالماً
بركعتي الغداة ( مِنَ النَّبِيِّ ◌َِّ !! )؛ أي: لأنَّه كان يفعلُهما عند نسائه قبل خروجه
إلى المسجد دائماً ؛ أو غالباً، بخلاف بقية الرواتب ، فإنَّهَ ربَّما فعلها في المسجد .
ونفيهُ لرؤيتهما !! ينافيه ما رواه الترمذي في ((جامعه))، والنسائي ؛ عن ابن
عمر أيضاً : رمقتُ النبي ◌َّ شهراً - وفي رواية : أربعين صباحاً - فكان يقرأُ بهما
- أي : بسورتي الكافرون والإخلاص - في ركعتي الفجر.
فهذا صريحٌ في أنَّه رآه يصلِيهما، وأجاب الشُّبْرَامُلَّسي بأن الأوّل محمولٌ على
الحضر ، فإنَّه كان فيه يصلِّيهما عند نسائه . والثاني محمولٌ على السفر ، فإنَّه كان
فیه یصلِّیهما عند صحبه .
وأجاب العلاَّمة مُلاَّ علي قاري بأن نفي رؤيته قبل أن تُحدِّثه حفصةُ ، وإثباتُها
بعده ؛ كما يشير إلى ذلك قولُه ((رمقت)). انتهى (( باجوري)).
وفي ((الشمائل)) للترمذي ؛ عن عبد الله بن شقيق قال : سألتُ عائشة رضي الله
تعالى عنها عن صلاة رسول الله وَلٍ؟! قالت : كان يصلِّي قبل الظُّهر ركعتين،
وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين ، وبعد العشاء ركعتين ، وقبل الفجر
ثنتين . انتهى .
وهذا السؤال عن السنن المؤكَّدة ، فلذلك أجابته عائشة بالعشر المؤكَّدة .
ولا ينافيه ما ورد في أخبار أَنَّه كان يصلِّي أربعاً قبل الظهر ، وأربعاً بعدَها ،
وأربعاً قبل العصر ، وركعتين قبل المغرب ، وركعتين قبل العشاء !! لاحتمال أَنَّه
كان يصلِّي هذه العشر في المسجد ؛ وتلك في بيته ، فأخبر كلُّ راو بما اطلع عليه ،
أو أنّهُ كان يواظب على هذه؛ دون تلك ، فهذه العشر هي الرواتب المؤكَّدة ،
٥٤

وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَكَانَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: نَعَمْ .. أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ .
المواظبة المصطفى وَ ﴿ عليهنَّ، وبقيت رواتِبُ أخرى لكنها لا تتأكَّد كتلك .
وأفضل الرواتب ركعتا الفجر ؛ للخلاف في وجوبهما ، كما تقرَّر .
قال المحقّق العراقيُّ : ولم أر لأصحابنا تعرُّضاً لآكدها بعدهما ، وقالت
المالكية والحنابلة : آكدُها بعدَها الركعتان بعد المغرب ، ويشهد له أنَّ الحسن قال
بوجوبهما أيضاً . انتهى (( مناوي)).
( وَ) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي؛ في (( الشمائل))
- وهذا لفظها - ( عَنْ مُعَاذَةَ) - بضم الميم - بنت عبد الله العدوية ؛ أم الصَّهْباء
البصرية ، ثقة من الثالثة ، خرَّج لها الستة ؛ قاله المناوي .
( قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا: أَكَانَ النَِّيُّ ◌َهِ يُصَلِّيْ الضُّحَى؟!)؛
أي : الصلاة التي تفعل في الضحى - بضم الضاد والقصر - : اسمٌ للوقت الذي يكون
من تمام ضوء الشمس إلى تمام رُبُع النهار ، وقبله من طلوع الشمس إلى تمام ضوئها
- يقال له ((ضخوة)) كـ((طلْحة))، و((ضَحْو)) كـ((فَلْس))، و((ضحيَّة))
كـ( هدیّة )) ، وبعده من تمام الربع إلى الزوال ؛ يقال له ( ضحاء )) - بالفتح والمد -؛
كـ(( سماء)).
فتلخص : أنَّ الوقت من طلوع الشمس إلى الزوال ينقسم ثلاثة أقسام ؛ كما
يؤخذ من ((القاموس)) و((المختار)) و((المصباح)).
ووقتُها الشرعيُّ : من ارتفاع الشمس قدرَ رمح إلى الزوال ، لكن الأفضل
تأخيرُها إلى أن يمضيَ ربع النهار ، ليكون في كلِّ ربع صلاة . انتهى ( باجوري)» .
( قَالَتْ : نَعَمْ ) ؛ أي : كان يصلِّيها ، وهذا كافٍ في الجواب .
وقولها ( أَزْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيْدُ مَا شَاءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ) ؛ زيادة على المطلوب ،
٥٥

.
لكنَّها تتعلَّق بالمطلوب ، وهي محمودةٌ حينئذ .
و(( أربَعَ رَكَعات)) معمول لمحذوف ؛ أي : كان يصلِّي أربع رَكَعات .
والمرادُ أنَّه كان يصلِيها أربعَ ركعات في أغلب أحواله ، كما أشارت إليه بقولها
((ويزيد ما شاء الله عزَّ وجلَّ))؛ أي: وينقص، ففي كلامِها ((اكتفاءٌ))، والمراد أنَّه
يزيد زيادة محصورة ؛ وإن كان ظاهرُ العبارة الزيادةَ بلا حصر ، لكنه محمولٌ على
المبالغة .
فالحاصل : أنَّه صلَها تارة رَكعتين ؛ وهو أقلُّها ، وتارةً أربعاً؛ وهو أغلبُ
أحواله ، وتارة ستّاً ، وتارة ثمانية ؛ وهو أكثرُها فضلاً وعدداً - على الراجح -.
وقيل : أفضلُها ثمان، وأكثرها اثنتا عشرة . ولا ينافي ذلك قولُ الفقهاء (( كُلُّ ما كَثُر
وشَقَّ كان أفضلَ)) !! لأنه غالبي، فقد صرَّحوا بأن العمل القليلَ قد يفضُل الكثير في
صورٍ كثيرة ، لأنَّه قد يرى المجتهد من المصالح المحتفَّة بالعمل القليل ما يفضله
على الكثير .
هذا ؛ وقد ثبت عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّها قالت : ما رأيتُه سبَّحها ؛
أي : صلاها ۔ تعني صلاة الضحى -.
وجمع البيهقيُّ بين هذا وبين ما تقدَّم عنها بحمل قولها « ما رأيته سبَّحها)) على
نفي رؤية مداومته عليها ؛ وقولِها (( نعم )) على الغالب من أحواله ، فقد شهد تسعة
عشر من أكابر الصحب أنَّهم رأوا المصطفى وَلِّ يصلِّيها.
وقال في (( فتح الباري )) - بعد أن ذكر في الضحى أقوالاً ستّة - ما نصّه :
قد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد ، وذكر
لغالب هذه الأقوال مستنداً ، وبلَّغ عددَ رواةٍ الحديث في إثباتها نحوَ العشرين نفساً
من الصَّحابة . انتهى .
قال الحاكم : وفي الباب عن ١ - أبي سعيد ، و ٢ - أبي ذر، و ٣ - زيد بن
أرقم ، و٤ - أبي هريرة، و ٥ - بُرَيْدة الأسلمي، و٦ - أبي الدرداء ،
٥٦

·
و ٧ - عبد الله بن أبي أوفى، و٨ - عتبان بن مالك، و ٩ - عتبة بن عبدِ السُّلَمي ،
و ١٠ - نعيم بن همار، و١١ - أبي أمامة الباهلي، و ١٢ - عائشة بنت أبي بكر،
و ١٣ - أُمّ هانىءٍ، و١٤ - أم سَلَمة: كلهم شهدوا أن النبي ◌َّ كان يصلِّي
الضحى . انتهى .
بل قال ابن جرير : أحاديثُها بلغت حدَّ التواتر .
وفي ((مصنف ابن أبي شيبة))؛ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : إنّها لفي كتاب
الله تعالى ، ولا يغوص عليها إِلَّ الغَوَّاص .
قال ابن العربي: وهي كانت صلاةُ الأنبياء قبل المصطفى وَلَّ، ويسنّ فعلها في
المسجد لخبر فيه ، وأما ما صحَّ عن ابن عمر من قوله ((إنها بدعة ونعمت البدعة)).
ومن قوله ((لقد قُتل عثمان ؛ وما أحد يسبِّحُها ، وما أحدث الناس شيئاً أحبّ إلي
منها)) !! فمحمولٌ على أنَّه لم يبلغه هذه الأخبار، أو أنَّه أراد أنَّهُوَّر لم يداوم
عليها ، أو أنَّ التجمُّع لها في نحو مسجد هو البدعة .
وَبِالجمْلةِ : فقد قامَ الإِجْماعُ على أستِخْبَابِها ، وإِنَّما اختلفوا فِي أَنَّها مأخوذة من
سنة مخصوصة ؛ أو من عمومات !! وقد ورد في شأنها أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على مزيدٍ
فضلِها كخبرِ أحمدَ : (( مَنْ حَافَظَ عَلَى صَلاَةِ الضُّحَى غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ؛ وَإِنْ كَانَتْ
مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ » .
ومن فوائدها أنَّها تجزىءُ عن الصدقة التي تُطلَب عن مفاصل الإنسان الثلاث مئة
وستين مَفْصِلاً كلَّ يوم تطلع فيه الشمس ، كما رواه مسلم وغيره .
وقد اشتهر بین العوام أَنَّ قطعها یورث العمی ! ولا أصل له . انتهى « باجوري ))
مع زيادة من المناوي وغيره .
٥٧

وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى ◌ِتَّ رَكَعَاتٍ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لاَ يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا
( وَ) أُخرج التِّرمذيُّ؛ في ((الشمائل))، والحاكمُ في (( صلاة الضحى )) ؛
( عَنْ أَنَسِ رَضِيَّ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّّهِ كَانَ يُصَلِّيْ الضُّحَى ◌ِنَّ
رَكَعَاتٍ ) .
أي : في بعض الأوقات ، فلا تنافي بَين الروايات ، قال المناوي : وهذا رُوي
أيضا من حديث علي ، وجابر ، وعائشة . قال القسطلاني : لكن لا يخلو إسناد كلِّ
منها من مقال . انتهى .
( وَ) أخرج الترمذي؛ في ((الجامع)) وحسَّنه، وفي ((الشمائل))، والحاكم
وصحَّحه ؛ من طريق عطية بن سعد العوفي - وهو ضعيف ؛ كما قال النووي - .
( عَنْ أَبِي سَعِيْدِ الْخُذْرِيِّ )؛ نسبةً إلى (( خُذْرَة)) جدٍّ له ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
قَالَ: كَانَ الشَِّيُّ ◌َهِ يُصَلِّيْ الضُّحَى) ؛ أي: يواظبُ عليها أيَّاماً متوالية لمحبَّته
لها ؛ ( حَتَّى تَقُوْلَ) - أي: في أنفسنا، أو يقول بعضنا لبعض -: (لاَ يَدَعُهَا )؛
أي : لا يتركها بعد هذه المواظبة ، ( وَيَدَعُهَا ) ؛ أي : يتركها أحيانا ؛ خوفاً من أن
يعتقد الناس وجوبها لو واظب عليها دائماً، وقد أُمِنَ هذا بعده ؛ لاستقرار
الشريعة ؛ فتطلبُ المواظبة عليها الآن .
ويقرأ فيها بسورتي ((الشمس) و(( الضحى))، كما رواه الحاكم ؛ عن عقبة بن
عامر رضي الله عنه: أَمَرنا رسول الله وَالهِ أن نصلِّي الضحى بسورتيها: ((والشمس
وضحاها))؛ ((والضحى)). ومناسبتها ظاهرة كالشمس، والأنسبُ إِذا صلأَها أربعاً
أن يقرأ فيها بـ ((الشمس)) و((الليل)) و((الضحى)) و((ألم نشرح)).
٥٨

حَتَّى نَقُولَ لاَ يُصَلِِّهَا.
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ اٌلْأَنْصَارِيِّ
ومن فوائد صلاة الضحى : أنَّها تجزئُّ عن الصدقات التي تصبح على مفاصل
الإنسان الثلاث مائة وستين مَفْصِلاً؛ كما أخرجه مسلمٌ، وقال: (( وَتُجْزِىءُ عَنْ
ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَىْ )).
قال الحافظ زين الدين العراقي : إنَّه اشتُهِر بين العوامِّ أَنَّ من صلَّى الضحى ثمّ
قطعها یعمى ، فصار کثیرٌ منھم یترکُها أصلاً لذلك !! ولیس لما قالوہ أصلٌ ، بل
الظاهرُ أَنَّه ممَّا ألقاه الشيطان على ألسنتهم ليحرمَهم الخيرَ الكثير ، لاسيما إجزاؤها
عن تلك الصَّدقات . وكذا اشتهر هذا القول بين النساء فتوهَّمْنَ أنَّ تركها حالةً
الحيض والنفاس مما يقطعُها فتركْنَها من أصلها ؛ وقلن إنَّما تصلي الضحى المرأةُ
المنقطعة(١). انتهى ((جمع الوسائل)).
( حَتَّى نَقُوْلَ) - أي: في أنفسنا، أو يقول بعضُنا لبعض - (: لاَ يُصَلِّيْهَا )،
أي : لا يعود لصلاتها أبداً لنسخها ، أو اختلافِ اجتهاده فيها .
والحاصل : أنه كان يحبُّها ، فكان يواظب عليها أيَّاماً ؛ ويتركُها أحياناً للخوف
من اعتقاد فرضيتها ، وهذا الحديث قد عُورض بحديث مسلم أنَّه كان إذا صلَّى صلاة
أثبتها ، وقد صلَّى مرة الضحى بعد صلاة العصر ؛ فلم يتركه . قال البيهقي : وهذا
من خصائصه . انتهى (( مناوي)) .
( وَ) أخرج أبو داود، وابن ماجه، والترمذي؛ في (( الشمائل)) - باختلاف
في الألفاظ، وهذا لفظ ((الشمائل)) ـ : ( عَنْ أَبِي أَيُّوْبَ ) خالدٍ بن زید بن کلیب بن
ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار ( الأَنْصَارِيِّ ) الخزرجي النجَّاري
المدني الصحابي الجليل . شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندقَ وبيعة الرضوان وجميعَ
المشاهد مع رسول الله وَّه، ونزل عليه رسول الله وَ ل حين قَدِم المدينة مهاجراً،
(١) أي : الآيسة.
٥٩

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْمِنُ أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنَّكَ تُدْمِنُ هَذِهِ
الأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ
عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ،
وأقام عنده شهراً حتى بُنيت مساكنُه ومسجده .
رُوي له عن رسول الله وَله مائة وخمسون حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم على
سبعة منها ، وانفرد البخاري بحديث ، ومسلم بخمسة .
روى عنه البراء بن عازب ، وجابرُ بن سَمُرة ، والمقدام بن معدي كرب ،
وأبو أمامة الباهلي ، وزيد بن خالد الجهني ، وابنُ عبَّاس ، وعبد الله بن يزيد
الخطمي ؛ وكلُّهم صحابة . وسعيد بن المسيِّب ، وسالم بن عبدِ الله ، وعروةُ بن
الزُّبَير ، وعطاء بن يزيد الليثي ، وعبد الله بن حنين ، وخلائق سواهم .
توفي بأرض الروم غازياً سنة : خمسين - وقيل : سنة إحدى وخمسين ،
وقيل : سنة ثنتين وخمسين - وقبره بالقسطنطينية ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ كَانَ يُدْمِنُ) - من الإدمان بمعنى المداومة ؛ أي: يلازم - ( أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ؟! ) ، أي: عقبه لعدم التراخي كأنَّها عنده ، وهذه
الصلاة هي سنَّةُ الزوال ، وقيل : سنَّة الظهر القبلية . ويُبعد الأوَّلَ التعبيرُ بالإدمان
المراد به المواظبة ، إذ لم يثبت أنَّه ◌ِيَّه واظب على شيء من السنن بعد الزوال، إِلاَّ
على راتبة الظهر .
( فَقُلْتُ ) - أي: قال أبو أَيُّوب الأنصاري - : ( يَا رَسُوْلَ اَللهِ ؛ إِنَّكَ تُدْمِنُ هَذِهِ
الأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ؟! ) ؛ أي: تديمُها، والقصدُ الاستفهام عن
حكمة ذلك .
( فَقَالَ)؛ أي رسول الله وَّةِ (: ((إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ) ؛
أي: لصعود الطاعةِ ونزول الرحمة، كما جاء في حديث البزار عن ثوبان أنَّه وَال# كان
٦٠