النص المفهرس
صفحات 1-20
، ١ مُنْتَهَى السُّواق على وَسَائِل الوُصُول إلَى شَمَائِ الرَّسُولُ تأليف العلامة الفقيه الشّيخ المؤرّخ عَبْدِ اللَّه بْسَعَيْدٍ محمّد عَبَّادِي اللَّحْجِيّ (١٣٤٤ - ١٤١٠ هـ) رَحِمَهَ اللَّه تَعَالى المُلّكُ الثَّالِثُ دَارُالمُتَفَاةِ مُنْتَهَى الُوافِى على وَسَائِل الوصُول إلَى شَمَائِ الرَّسُولُ الْبَابُ السَّادِسُ فِي صِفَةٍ عِبَادَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلاَتِه ، وَصَوْمِهِ ، وَقِرَاءَتِهِ وَفِيهِ ثَلاَثَةُ فُصُولٍ : ʻ ( الْبَابُ السَّادِسُ ) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب ومقدمة وخاتمة . ( في ) بيان ما ورد في (صِفَةِ عِبَادَةِ رَسُولِ اللهِ وَلِلّهِ) قال الباجوري : العبادة أقصى غايةِ الخضوع والتذلُل . وتُعُورفت في الشَّرع فيما جعل علامة على ذلك ؛ من صلاة وصوم وجهاد وقراءة وغير ذلك . والتحقيق: أنه ربَّ﴿ لم يتعبَّد قبل النبوة بشرع أحدٍ، وتعبُّده بحراء !! إنَّما كان تفكُّراً في مصنوعات الله وغيره من العبادات الباطنة ، وإكرام مَن يمرُّ عليه من الضِّيفان ، فإنَّه كان يخرج إلى حراء في كلِّ عام شهراً ويتعبَّد فيه بذلك . انتهى . والمراد بالعبادة هنا ما هو أعمُّ من العبادات الظاهرة أو الباطنة ؛ كالتفكر والخوف والخشية ، فلذا عطف عليها قولَ ( وَ) في صفة ( صَلاَتِهِ ) ؛ من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام ، لأنَّها عمود الإسلام، وكذا قوله ( وَصَوْمِهِ وَقِراءَتِهِ ) مَُّ . ( وَفِيْهِ ) ؛ أي : هذا الباب ( ثَلاَثَةُ فُصُولٍ ) . يأتي بيانها . ٥ الْفَضْلُ الأوَّلُ فِي صِفَةٍ عِبَادَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلاَتِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَا أَنْقَاكُمْ اللّهِ تَعَالَى ، وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً ». ( الْفَصْلُ الأَوَّلُ ) من الباب السادس ( فِي ) بيانِ ما ورد في ( صِفَةٍ عِبَادَتِهِ ) - بكسر العين المهملة وتخفيف الموحّدة - (وَّر، وَ) في صفة (صَلاَتِهِ) النافلة كَمّاً وكيفاً وَِّ . (قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّر) - فيما رواه البخاري ومسلم، وأورده المصنف هنا بالمعنى - (: ((أَنَا أَتْقَاكُمْ) - أي: أكثركم تقوى - ( للهِ تَعَالَى) التقوى - في اللغة - بمعنى الاتقاء ، وهو : أِتِّخاذ الوقاية ، و- عند أهل الحقيقة - : هو الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته ، وهو : صيانة النفس عما تستحقُّ به العقوبةَ من فعلٍ أو تركٍ . والتقوى في الطاعة يراد به الإخلاص ، وفي المعصية يرادُ به الترك والحذر ( وَأَشَدُكُمْ لَهُ خَشْيَةً))) ، لأن الخوف على قدر المعرفة ، وهو أعرفُ خلق الله بالله تعالى . ولله دَرُّ مَنْ قال : فَلا عَالِمٌ إلاَّ مِنَ اللهِ خَائِفُ على قدرِ عِلْمِ المَزْءِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ وَخَائِفُ مَكْرِ اللهِ : بِالله عَارِفُ فآمِنُ مَكْرِ الله: بِاللهِ جَاهِلٌ قال بعضهم : الخشية تألُم القلب بسبب توقُّع مكروه في المستقبل ؛ يكون تارة بكثرة الجناية من العبد ، وتارةً بمعرفة جلال اللهَ وهيبته ، وخشيةُ الإنسان من هذا القبيل . انتهى . وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) بقوله ◌َّر: ((أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ » ، وأورد فيه ٦ وَفِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)): ((إِنِّي لأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ، وَأَشَدُكُمْ لَهُ خَشْيَةً)). عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا أمرهم؛ أَمَرهم من الأعمال بما يطيقون ؛ قالوا : إنَّا لسنا كهيئتك ؛ يا رسول الله، إنَّ الله قد غفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر !! فيغضبُ حتى يُعرَف الغضب في وجهه . ثم يقول : ((إنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكم بِاللهِ أَنَا » . ولفظ ترجمة البخاري لأبي ذرٍّ: ((أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاللهِ )) وكأنه مذكور بالمعنى؛ بناءً على ترادفهما . ( وَفِي ((صَحِيْحٍ) الإمام ( أَلْبُخَارِيٌّ))) في ((كتاب الأدب))، وفي (( كتاب الاعتصام))؛ عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: صنع النبي وَل شيئاً ترخَّص فيه، فتنزَّهَ عنهُ قومٌ !! فبلغ ذلك النبيَّ ◌َّهِ، فحمد الله ، ثم قال: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءٍ أَصْنَعُهُ !! فَوَ اللهِ ؛ (إِنِّي لأَعْلَمُكُمْ ) - أي : أكثركم علماً - ( بِاللهِ) هذا ظاهرٌ في أنَّ العلمَ بالله درجاتٌ ، وأنَّ بعض الناس فيه أفضلُ من بعض، وأنَّ النبي ◌َِّ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاتِه ؛ وما بأحكامه ، وما يتعلَّق بذلك، فهذا هو الإيمان حقاً. (وَأَشَدُّكُمْ) - لفظ البخاري: ((إنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ - (لَهُ خَشْيَةً ) ، لأن الله سبحانه جمع له بين علم اليقين وعين اليقين ؛ مع الخشية القلبيّة واستحضارِ العظمة الإلهية ؛ على وجه لم يجتمع لغيره . وكلما ازداد علمُ العبد بربِّه أزدادَ تقواه وخوفه منه ، ومَن عرف الله صَفَا له العيش ، وهابَه كلُّ شيءٍ . فمعناه : ما أنا عليه من العلم والخشية أوفرُ وأكثر من علمكم وخشيتكم ؛ ذكره القاضي عياض . وقال القرطبي : إنَّما كان كذلك !! لما خُصَّ به في أصل خلقته ؛ من كمال الفطنة ، وجَوْدة القريحة ، وسَداد النظر ، وسرعة الإدراك ، ولما رُفع عنه من موانع الإدراك ، وقواطع النظر قبل تمامه . ومَن اجتمعت هذه الأمور [فيه] سهّل الله عليه الوصول إلى العلوم النظرية ، وصارت في حقُّه كالضروريَّة . ٧ وَفِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهُ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ .. لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَّكَيْتُمْ كَثِيراً » . وَفِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)): عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ [ْتَعَالَى] عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((وَأَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ .. لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ ثمّ إنَّه تعالى قد أطلعه مِن علم صفاته وأحكامه وأحوال العالم ما لم يُطلِع عليه غيره ، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلمَ الناس ؛ لزم أن يكون أخشاهم ، لأن الخشية منبعثةٌ عن العلم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [٢٨/ فاطر] انتهى من (( شرح المناوي )) رحمه الله . (وَفِيْهِ)؛ أي ((صحيح البخاري))؛ في ((كتاب الرِّقاق)) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تَعَالىُ (عَنْهُ: ((لَوْ تَعْلَمُوْنَ مَا أَعْلَمُ) - من عُظْم أنتقام الله من أهل الجرائم وأهوال القيامة وأحوالها ، أي : لو تعلمون ما علمتُه لما ضحكتم أصلاً ؛ المعبّر عنه بقوله : - ( لَضَحِكْتُمْ قَلِيْلاً) إذ القليلُ بمعنى العديم على ما يقتضيه السياق، لأن ((لو)) حرفُ امتناع لامتناع . والمعنى: لو دامَ علمُكم كما دام علمي. لأنَّ علمَه متواصلٌ بخلاف غيره! لتركتم الضَّحِك ( وَلَكَيْتُمْ كَثِيْراً)) ) لغَلَبة الحزن ، واستيلاءِ الخوف ، واستحكام الوجل. ورواه البخاري أيضاً في ((كتاب الرقاق))؛ عن أنس، وفي ((كتاب الكسوف)) ؛ عن عائشة رضي الله عنها . ( وَفِي ((صَحِيْحٍ) الإمام ( مُسْلِمٍ)))؛ في الصلاة (( باب تحريم سَبْق الإمام بركوع أو سجود ))؛ (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ أَللهُعَنْهُ ) قال : صلَّى بنا رسولُ اللهِوَلِ﴿ ذاتَ يوم ، فلما قضى الصلاةَ أَقبل علينا بوجهه ؛ فقال : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلاَ تَسْبِقُوْنِي بِأَلُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ، وَلا بِالْقِيَامِ وَلاَ بِالانْصِرَافٍ، فَإِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي )) . ثمَّ قال: ( إِنَّ رَسُوْلَ اللهِنَِّ قَالَ: ((وَأَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِّدِهِ؛ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ ) - وَعَلِمْتُمْ ما علمتُ ممَّا رأيتُه اليوم وقبلَ اليوم - ( لَضَحِكْتُمْ قَلِيْلاً وَلَبَّكَيْتُمْ ٨ كَثِيراً)). قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَأَلنَّارَ )). وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالاً: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَنْتُفَخَتْ قَدَمَاهُ ، كَثِيْراً )) ) أي: لاشتَدَّ خوفكم وقلَّ ضحكُكم وكَثُر بكاؤكم ؛ وقدَّم الضحك !! لكونه من المسرَّة ، وفيه من أنواع البديع مقابلةُ الضحك بالبكاء ؛ والقلَّة بالكثرة ، ومطابقةُ كلٍّ منهما بالآخر . ( قَالُوا ) ؛ أي : الصحابة (: وَمَا رَأَيْتَ) - بفتح التاء - ( يَا رَسُوْلَ اللهِ!؟ قَالَ: ((رَأَيْتُ الجَنَّةَ وَالثَّارَ )) ) . فيه دليلٌ على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، وفيه نصحُ المصطفىْ وَلِ لأُمَّتِهِ ، وتعليمُهم ما ينفعهم ، وتَحذيرُهم مما يضرُّهم ، وتعذيب أهل الوعيد . وفيه دليلٌ على أنه لا كراهة في استعمال لفظة (( لو)) في مثل هذا . والله أعلم . قال بعضهم: من الحِكَم والفوائد التي اشتمل عليها رؤيةُ المصطفىْ وَلِّ الجنةَ والنَّار الأُنْسُ بأهوال القيامة ليتفرَّغ فيه لشفاعة أمته ويقول ((أُمَّتِي أُمَّتِي)) حيث يقول غيرُه من عظيم الهول ((نفسي نفسي)). انتهى مُناوي على ((الجامع)). ( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، والترمذيُّ؛ في ((الجامع)) و((الشمائل))، والنَّسائيُّ ، وابن ماجه باختلافٍ في الألفاظ : كلُّهم ؛ ( عَنِ المُغِيْرَةِ بْنِ شُعْبَةً وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) ، وهذه روايةٌ المغيرةِ اقتصر عليها المؤلِّفُ ، ولم يذكر روايةَ أبي هريرة !! لموافقتها لها في المعنى كرواية (( الصحيحين))، وسنذكر روايةً أبي هريرة فيما بعد !! ( قَالاً) ؛ أي : المغيرة وأبو هريرة ، لكن الموجودَ في المتن هو روايةُ المغيرة ؛ قال : (صَلَّى رَسُوْلُ اللهِ وَلِّ)؛ أي : اجتهد في الصلاة واستمرَّ على الاجتهاد ( حَتَّى أَنْتَفَخَتْ ) - أي : تورَّمت ــ ( قَدَمَاهُ) الشريفتان من طول قيامه فيها واعتمادِه ٩ فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: ((أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟! )). عليهما ، فهو ◌ََّ أعظمُ المخلوقاتِ طاعةً لربِّه، فيندبُ تشميرُ ساقِ الجدِّ في العبادة ؛ وإن أدَّى لمشقَّةٍ؛ ما لم يلزم عليه مللٌ وسآمة، وإلاَّ !! فالأَوْلى تركُ ما لزم منه المللُ، لخبر : ((عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيْقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)) أي: عليكم من الأعمال ما تطيقون الدوامَ عليه، فإنَّ الله لا يقطع ثوابَه عنكم حتى تملُّوا من العبادة . فالمرادُ من الملل في حقِّه تعالى قطعُ ثوابه . انتهى « باجوري )» . ( فَقِيْلَ لَهُ) ؛ أي : قال بعض أكابر الصَّحب له، وفي روايةٍ أَنَّه عمر (: أَتَكَلَّفُ ) - وفي رواية: أَتَكَلَّفُ ـ ( هَذَا) ، بحذف إحدى التاءين ، والأصل ((أتتكلّف)) كما في الرواية الأولى، أي: أتتحمَّل هذه الكلفة العظيمة ؟! والتكلُّف نوعان: ١ - أن يفعل الإنسان فعلاً بمشقّة، وهو ممدوح . وهو المراد هنا . و٢ - أن يفعل فعلاً تصنُّعاً، وهو مذموم . وهذا ليس مراداً هنا . ( وَ) الحالُ أنَّه (قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ)، وفي رواية: وَقَدْ غُفِرَ لَكَ - بالبناء للمجهول - وهي ترجع للرواية الأولى، أي : غفر الله لك ( مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ!؟ )، كما قال تعالى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَّقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [٢/ الفتح]. ( قَالَ)؛ أي: رسول الله وَّهِ جواباً للسؤال المذكور، وكأنَّ السائل ظنَّ أنَّهُ وَ ◌َّ بالَغَ في الاجتهاد في العبادة وتحمُّلِ المشاقُّ التي لا تُطاق؛ خوفاً من الذنوب ، أو رجاءَ العفو ، لأننا شأننا ذلك ، فتعجب من ذلك مع كونه مغفوراً له ، فسأل هذا السؤال !. فبَيِّن لهم النبيُّ ونَ ﴿ بقوله: ( (أَفَلاَ أَكُوْنُ عَبْداً شَكُوْراً!؟ ))) أنَّه سبب آخر أتمُّ وأكملُ ، وهو الشكر على التأمُّل لها مع المغفرة ، وإجزال النعمة ، فهو إنما يبالغ في الاجتهاد لأداء شكر خالق العباد ، أي : أأتركُ المبالغةَ في العبادة ؛ فلا أكون عبداً شكوراً !! ؟ فالهمزةُ داخلةٌ على محذوف ، والفاء عاطفة ١٠ قَالَ الْبَاجُورِيُّ: (وَأَسْتُشْكِلَ هَذَا قَدِيماً وَحَدِيثاً. على ذلك المحذوف ، أي : فإذا أكرمني مولاي بغفرانه ؛ أأترك المبالغة في العبادة فلا أكون عبداً شكوراً لإحسانه !! والشكر : الاعترافُ بالنعمة والقيام بالخدمة . فمن أدام بذل الجهد في ذلك كان شكوراً ﴿ وَقَلِلٌ مَّاهُمْ﴾ [٢٤/ص] . ولا يخفى أنَّ ذكر ((العبد )) في هذا المقام أدعى على الشكر على الدوام ، ولم يظفر أحد بعليٍّ هذا المنصب إلاَّ الأنبياءُ ، وأعلاهم فيه رئيسُهم الأعظم والملاذ الأفخم ؛ سيِّدُنا محمَّد الأكرم ◌َّ . فائدة: نقل في ((ربيع الأبرار)) عن عليٍّ كرَّم الله وجهه أنَّه قال: إنَّ قوماً عبدوا رغبةً ؛ فتلك عبادةٌ التجَّار، وإِنَّ قوماً عبدوا رهبةً ؛ فتلك عبادة العبيد . وإِنَّ قوماً عبدوا شكراً ؛ فتلك عبادة الأحرار . انتهى . هذا؛ ولفظ رواية أبي هريرة رضي الله عنه في (( الشمائل )) من طريقين : الأوَّل : عن أبي سلمة ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله وَّهِ يصلي حتّى تَرِمَ قدماه !! فقيل له: أتفعلُ هذا؛ وقد جاءَ أنَّ اللهَقد غفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر !! ؟ قال: ((أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً! )). والثاني : عن أبي صالح ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله وسلم يقوم يصلِّي حتّى تنتفخ قدماه ، فيقال له : أتفعل هذا؛ وقد غَفَر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: ((أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً)). انتهى . ( قَالَ ) شيخُ الإسلام العلاَّمةُ برهان الدين: إبراهيمُ بن محمَّد ( ألبَاجُورِيُّ ) في (( حاشية الشمائل)» : ( وَأَسْتُشْكِلَ)؛ أي: عُدَّ مشكلاً (هَذَا) الغُفران لذنبهَِِّ المذكور في الحديث كالآية ( قَدِيْماً وَحَدِيْئاً) ؛ أي : في الزمن القديم والحديث ، أي : ١١ بِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ ذَنْبَ عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ مَعْصُوماً . وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ : أَنَّهُ مِنْ بَابِ ( حَسَنَتُ الأَبْرَارِ .. سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ ) ، استشكله العلماء المتقدِّمون والمتأخِّرون ( بِأَنَّهُ وَّهِ لاَ ذَنْبَ عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ مَعْصُوْماً ) من الذُّنوب ، أي : يستحيلُ في حقُّه ارتكابُ الذُّنوب صغيرِها وكبيرِها ، قبلَ النبوة وبعدَها ، فكيف يقال له : غفر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر ؟! وَأُجيبَ بأجوبة ؛ منها أنَّ معنى الغُفرانِ : الإحالة بينَ وبين الذنوب ، فلا يَصْدُرُ منه ذنب ، لأنَّ الغَفْر : هو الستر ، والستر ؛ إمَّا : بين العبد والذنب ، أو : بين الذنب وعقوبتِهِ ، فاللائقُ به وبسائر الأنبياء الأوَّلُ . واللائق بالأمم الثاني . أو هو مبالغة؛ كـ ((زيدٌ يضربُ مَن يلقاه ومن لا يلقاه))؛ مع أن مَن لا يلقاه لا یمکن ضربه . ( وَأَحْسَنُ مَا قِيْلَ فِيْهِ) من الأجوبة (: أَنَّهُ مِنْ بَابٍ ) قولِهِم ( حَسَنَاتُ الأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِيْنَ ) . هو من كلام أبي سعيد الخرّاز . كما رواه ابن عساكر في ترجمته ، وهو من كبار الصوفية ، مات سنة : - ٢٨٠ - ثمانين ومائتين . وعدَّه بعضُهم حديثاً! وليس كذلك ، وقال النجم الغزِّيُّ : رواه ابن عساكر أيضاً ؛ عن أبي سعيد الخرّاز من قوله . وحُكي عن ذي النون . انتهى . وعزاه الزركشي في ((لَقْطة العجلان)) للجنيد ، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في (( شرحها)): الفرقُ بين الأبرار والمقرَّبين: أنَّ المقرّبين هم الذين أُخذوا عن حظوظِهم وإرادتِهم، واستُعمِلوا في القيام بحقوق مولاهم ؛ عبوديةً وطلباً لرضاه . وإن الأبرار همُ الَّذين بقوا مع حظوظهم وإرادتهم ، وأُقيموا في الأعمال الصالحة ومقاماتِ اليقين ؛ ليُجْزَوا على مجاهدتهم برفع الدرجات . انتهى . ومعناه : أنَّ هؤلاء المقرَّبين كلَّما ترقَّوا في المقامات رأوا ما كانوا فيه نقصاً في مراتبهم ؛ فيستغفرون الله من ذلك ، لأنهم يعدُّونه ذنباً بالنسبة لِعَليِّ مراتبهم ، وإن ١٢ إِذِ الإِنْسَانُ لاَ يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ، مِنْ حَيْثُ ضَعْفُ الْعُبُودِيَّةِ مَعَ عَظَمَةِ الرُّبُونِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَرْفَعِ الدَّرَ جَاتٍ فِي عِبَادَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سَبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ » . كان هو ليس ذنباً في الواقع !! وهو ◌َ ﴿ لا يزال يترَّقَى في الكمالات ، ويُمنح جزيل الفيوضات من ربِّ البريَّات، إذ ما من كمال إلاَّ وعند الله أكملُ منه، وكلَّما ترقّى شَعَر بالتقصير في حقِّ مولاه ؛ فيرى أنَّ ما انتقل عنه ذنبٌ بالنسبة إلى الذي انتقلَ إليه . أو المراد بالذنب في حقُّه ◌َ لّ ما عسى أن يكون وقع منه من سهو وتقصير ، (إِذ الإِنْسَانُ لاَ يَخْلُوْ عَنْ تَقْصِيْرِ ) وَتَوَانٍ ونسيان ؛ ( مِنْ حَيْثُ ضَعْفُ العُبُوْدِيَّةِ مَعَّ عَظَمَةِ الرُّبُوْنِيَّةِ )، كما قال تعالى ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَّ أَمَعُ (ـ ﴾ [عبس] فما كان من هذا القبيل؛ فهو مغفور له ؛ فأَعلَمَهُ الله عزَّ وجلَّ بذلك وأنَّه مغفور له . قال مُلا علي قاري : والظاهر أنَّ المرادَ بـ (( ما تقدَّم)): ما فعله مع نوع تقصيرٍ، وبـ (( ما تأخر)) : ما تركه سهواً ؛ أو نسياناً في التأخير . ( وَ) الحاصل أنَّه و(إِنْ كَانَ بَّهِ فِي أَعْلَى المَقَامَاتِ وَأَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ فِي عِبَادَاتِهِ وَطاعَاتِهِ ) لكن لا يستغني أحد عن فضله سبحانه ، لأنَّ مِن شأن العبد الكامل أن يرى جميعَ ما يأتي إليه على سبيل العبوديةِ والذُّلِّ والخضوع من الطاعات كلُّه نقص وقِلَّة أدب، قال الله تعالى ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ [٧٤/ الحج] ٧٤ فيرى جميعَ طاعاتِه ناقصةً يستحقُّ عليها العقوبة لولا عفوُ الله تعالى ؛ ولو بلغ أعلى درجات الكمال ، وذلك بالنظر لجلال الله تعالى . (وَقَدْ ) أشار إلى ذلك معلِّمُ الشريعة حيث (قالَ وَّهِ: ((سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ؛ لاَ أُحْصِيْ ثَنَاءً عَلَيْكَ ؛ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) ) ، مع أنه قام ١٣ وَلِذَلِكَ قِيلَ : الْمَغْفِرَةُ قِسْمَانِ : مَغْفِرَةٌ لِلْعَوَامِّ ، وَهِيَ : مُسَامَحَتُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ . وَمَغْفِرَةٌ لِلْخَوَاصِّ، وَهِيَ: مُسَامَحَتُهُمْ مِنَ التَّقْصِيرِ ) اهـ وَعَنِ الأسْوَدِ بْنِ يَزْيدَ حتَّى تورَّمت قدماه ، وكان لا يَضيع له وقتٌ في غير عبادة . ( وَلِذَلِكَ قِيْلَ: المَغْفِرَةُ قِسْمَانِ ) ؛ أي ذات قسمين: ( مَغْفِرَةٌ لِلْعَوَامِّ ؛ وَهِيَ : مُسَامَحَتُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ ) ؛ أي : عدم مؤاخذتهم بها ، ( وَمَغْفِرَةٌ لِلْخَوَاصِّ) ؛ وهم مَن اختَصَّهم اللهُ بموالاته ومحبَّته ؛ ( وَهِيَ: مُسَامَحَتُهُمْ مِنَ التَّقْصِيْرِ ) ، فما ورد من المغفرة في حقِّ الأنبياء !! فهو من القبيل الثاني . قال الجرجاني في ((التعريفات)): المغفرةُ هي : أن يستر القادرُ القبيحَ الصادر ممَّن تحت قدرته ، حتَّى إنَّ العبد إن سَتَر عيبَ سيِّده مخافةً عتابه ؛ لا يقال (( غفر له )». ( انْتَھَى ) ؛ أي : كلام الباجوري رحمه الله تعالى ممزوجاً بكلام غيره من العلماء رحمهم الله تعالى . ( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، والترمذي؛ في ((الشمائل)) - وهذا لفظُها - (عَنْ ) أبي عَمْرو - أو أبي عبد الرحمن - ( الأَسْوَدِ بْنِ يَزْيْدَ ) بنِ قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كهيل النَّخَعي ، الكوفي التابعي الجليل ، الفقيه الإمام الصالح ، أخي عبد الرحمن بن يزيد ، وابن أخي علقمة بن قيس ، وكان أسنَّ من علقمة ، وهو خالُ إبراهيمَ بن يزيد النَّخَعي الفقيه المشهور . رأى أبا بكر الصدِّيقَ وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ، وروى عن عليٍّ وابنِ مسعود ومعاذٍ وأبي موسى وعائشة . روى عنه ابنُه عبد الرحمن بن الأسود ، وأخوه عبد الرحمن بن يزيد ، وإبراهيم النَّخَعي وآخرون . قال أحمد ابن حنبل : هو ثقة من أهل الخير ، واتفقوا على توثيقه وجلالته . ١٤ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ يَقُومُ ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ .. أَوْتَرَ ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ ، قال النَّووي : رُوِّينا عن ميمون بن أبي حمزة ؛ قال : سافر الأسود بن يزيد ثمانين حجة وعمرة ؛ لم يجمع بينهما ، وسافر ابنه عبد الرحمن ثمانين حجة وعمرة ؛ لم يجمع بينهما . ورُوِينا أنَّ ابنَه عبد الرحمن كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة ، وكانوا يقولون : إنَّه أقلُّ أهل بيته اجتهاداً ، وإنَّه صار عظماً وجلداً . رضي الله عنهم ونفعنا بهم ، وأعاد علينا من بركاتهم . آمين . ( قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةً) أُمَّ المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ صَلاَةٍ رَسُوْلِ اللهِ وََّ) المرادُ بها ما يشمل الوتر والتهجُّدَ (بِاللَّيْلِ)؛ أي: في أيٍّ وقت كان منه ؟! ( فَقَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ) بعد صلاة العشاء إلى تمام نصفه الأول ، لأنه كُره النوم قبلَ العشاء (ثُمَّ يَقُوْمُ) يصلِّي، فيستمر يصلِّ السُّدُس الرابع والخامس . ( فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّخَرِ ) - بفتحتين -؛ وهو آخر الليل - أي: إذا كان في السَّحَر ( أَوْتَرَ ) ؛ أي : صلَّى الوتر ، وكان يُوتر بثلاثٍ يقرأ فيهن تسعَ سُور من المفصّل ؛ يقرأ في كلِّ ركعة بثلاث سُورٍ آخرُ هنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾﴾﴾. رواه الترمذي؛ عن علي رضي الله عنه مرفوعاً . وفي رواية: أنَّه كان يقرأ في الأولى ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾، وفي الثانية ﴿قُلّ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾، وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾﴾﴾، والمعوذتين . رواه أبو داودَ ، والترمذيُّ ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما . ( ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ) لينام السدس السادس ؛ ليقومَ لصلاة الصبح بنشاط ، ويقوى على ما بعدَها من الطاعات ، ولأنَّه يدفع صفرة السَّهَر عن الوجه . ١٥ فَإِذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ . . أَلَمَّ بِأَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ .. وَثَبَ ، فَإِنْ كَانَ جُنُباً .. أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِلاَّ .. تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. ١ (فَإِذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ ) ؛ أي : إلى الجماع، كما يُعلم من قوله (أَلَمَّ ) - بالتَّشديد ؛ من الإِلمام - ( بِأَهْلِهِ ) ؛ أي : قَرُب من زوجته ، وهو : كنايةٌ عن الجماع ، يقال ((ألَمَّ بالشيء)): قَرُب منه، وألَمَّ بالذنب: فعَلَه، وألَمَّ بالقوم : أتاهم ونزل بهم ، وأَلَمَّ بالمعنى ؛ إذا عرفه . ويؤخذ من ذلك: أنَّهِ وَ﴿ كان يقدِّم التهجُّد، ثمَّ يقضي حاجته من نسائه ، فإنَّ الجدير به أداءُ العبادة قبل قضاء الشهوة . انتهى (( باجوري )) . (فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ وَثَبَ ) - بفتح الواو المثلثة ؛ من باب وَعَد : أي قام بسرعة وخِفَّة - ( فَإِنْ كَانَ جُنُباً!؟ أَفَاضَ عَلَيْهِ ) ؛ أي : أسال على جميع بدنه (مِنَ المَاءِ ) ؛ أي: اغتسل. وأشار بـ ((من )) التبعيضية إلى طلب تقليل الماء وتجنُّب الإسراف . (وَإِلَ) !! بأن لم يكن جنباً (تَوَضَّأ) وضوءاً جديداً، لأنَّ نومه لا ينقض وضوءه، ويحتمل أنَّه توضَّأَ لحصول ناقضٍ غير النوم ( وَخَرَجَ إِلَى) محلٌ ( الصَّلاَةِ ) ؛ وهو المسجد بعدما صلَّى ركعتي الفجر . ويؤخَذُ من الحديث : أنَّه ينبغي الاهتمامُ بالعبادة وعدمُ التكاسل بالنوم والقيامُ إليها بنشاط . ( وَ) أخرجَ البخاري، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتّرمذيُّ؛ في (( الجامع)) و((الشمائل))، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، و((الموطأ)) باختلاف في بعض الألفاظ ، وهذا لفظ ((الشمائل)): ( عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ ) ، أي : ابن عباس ( بَاتَ) - أي : رقد - في الليل ( عِنْدَ مَيْمُوْنَةَ) بنتِ الحارث الهلالية العامرية ( أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ ) ١٦ وَهِيَ خَالَتُهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا • رضيَ الله تعالى عنها، قيل كان اسمها ((بَرَّة)) فسمَّاها النبيُّ وَّهِ ((ميمونة))، وكانت تحت مسعود بن عَمْرو الثقفي في الجاهلية ففارقها ، فتزوجها أبو رَهم بن عبد العزى وتوفي عنها، فتزوَّجها وَلِ﴿ لَمَّا كان بمكَّة معتمراً في ذي القعدة سنة سبع بعد خيبر في عمرة القضاء ، وكانت أُختُها لأبيها أُمُّ الفضل لبابةُ بنت الحارث تحت العبَّاس ، وأُختُها لأُمِّها أسماءُ بنت عميس تحت جعفر ، وسلمى بنتُ عميس تحت حمزة رضي الله تعالى عنهم . ( وَهِيَ)؛ أي: ميمونة ( خَالَتُهُ) ؛ أي : خالة ابن عبّاس، لأنها أُختُ أُمُّه لأبيها، وهي الواهبة نفسها له وَ لجه، لأنها لما جاءتها خِطْبَتُهُ عليه الصلاة والسلام ؛ وهي على بعير لها ، قالت : هو وما عليه لله ولرسوله . وجعلت أمرها للعبَّاس ؛ فأنكحها النبيَّ ◌َّ وبنى بها بـ ((سَرِف))(١) . ومن النوادر أنَّها ماتت بـ (( سَرِف)» في المحلِّ الذي تزوَّجها فيه ؛ فاجتمع فيه العزاءُ والهناء ، وهو على عَشَرة أميال من مكة ؛ بين التنعيم والوادي في طريق المدينة المنورة سنة إحدى وستين ؛ أو ثلاث وستين ؛ أو ستٍّ وستين هجرية ، وصلَّى عليها ابنُ عبَّاس ودخل قبرها (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) . وهي آخر أزواج النبي وَلير . وسبب بيتوتته عندها : أنَّ العبَّاس أراد أن يتعرَّف عبادته ◌َّ بالليل ليفعل مثلها ، فأرسل عبد الله ليتعرَّفها ؛ فيخبرَه بها . وقيل: إنه ◌َّ﴿ وعد العباس بذَوْدٍ من الإبل؛ وهو: ما بين الثلاث إلى العشر ، فأرسل ابنه عبد الله يستنجزُه ، فأدركه المساءُ فبات عندها . (١) بفتح السين وكسر الراء ؛ غير منصرف ، ويجوز صرفه . وهو الموضع الذي هلك فيه أُبُّ بن خلف بعد أن طعنه الحبيب الأعظم وَلاخير في يوم أحد كما تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب عند الكلام عن جلوسه وَ له. ١٧ قَالَ: فَأَضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ أَلْوِسَادَةِ ، وَأَضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا أَنْتُصَفَ اللَّيْلُ ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ .. فَاسْتَيْقَظَ ( قَالَ ) ؛ أي : ابن عباس (: فَاضْطَجَعْتُ ) ؛ أي : وضعتُ جنبي بالأرض وجعلت رأسي ( فِي ) أي: على ( عَرْضٍ) بفتح العين على الأصحِّ الأشهر ، وحُكي ضمها [ عُرض ] وهو بمعنى مفتوح العين ؛ أي جانب ( الوِسَادَةِ ) - بكسر الواو - المعروفة، أي المِخدَّة - بكسر الميم - التي تُتُوسَّد تحت الرأس . (وَاضْطَجَعَ رَسُوْلُ اللهِنَِّ ) ؛ أي: وأهلُه - كما في رواية مسلم - أي وضع جنبَه بالأرض ووضع رأسه الشريف ( فِي ) أي: على ( طُوْلِهَا ) ؛ أي : الوسادة مع زوجته ميمونة ، لأن عادته و ﴿ أن ينام مع زوجاته ، فإذا أراد القيام لوظيفته قام لها وتركَ أهله ، فيجمع بين حقِّ أهله وحقِّ ربِّه . واعتزال الزوجة في النوم !! من عادة الأعاجم ، وهذا إذا لم يكن عذرٌ في اجتنابها ، فإن كان ؛ كخوف نشوزها ؟! فالأولى اعتزالُها في الفراش ؛ تأديباً لها . ويؤخذ من ذلك حِلُّ نوم الرجل مع أهله بغير مباشرةٍ بحضرة مَحرَمٍ لها مميِّر . قال القاضي عياض : وقد جاء في بعض روايات الحديث ؛ قال ابن عباس : بثُّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضاً . قال : وهذه اللفظة ؛ وإن لم يصحَّ طريقُها؛ فهي حَسَنةُ المعنى جدّاً، إذ لم يكن ابن عباس يطلبُ المبيتَ في ليلة له وَلّ فيها حاجةٌ إلى أهله، لا سيما وهو كان في تلك الليلة مراقبا لأفعاله وَّه، ولعله لم ينم !! أو نام قليلا جدّاً !!. قاله في ((شرح مسلم)). ( فَنَامَ رَسُوْلُ اللهِ وَ)، وفي رواية ((الصحيحين)): فتحدَّثَ مع أهله ساعةً ثم رقد ( حَتَّى إِذَا أَنْتَصَفَ اللَّيْلُ) تقريباً، ( أَوْ قَبْلَهُ) ؛ أي : قبل انتصافه ( بِقَلِيْلٍ ، أَوْ بَعْدَهُ ) ؛ أي : بعد انتصافه ( بِقَلِيْلِ ) وهذا شكٌّ من ابن عبّاس لعدم تحديده الوقت ، (فَاسْتَّقَظَ) هكذا وُجد في نسخ !! وكأنَّ الفاء زائدة، لأنه جوابُ ((إِذا))، وقد ١٨ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَرَّأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ ( آلِ عِمْرَانَ) ؛ أَيْ : أَلَّتِي أَوَّلُهَا : ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَىْ آخِرِ السُّورَةِ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنِّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، سقط في بعض النسخ! ((أي)) انتبه ( رَسُوْلُ اُللهِ وَِّ، فَجَعَلَ ) ؛ أي : شرع ( يَمْسَحُ النَّوْمَ) ؛ أي : أثرَه، لأن النوم لا يُمسح ( عَنْ وَجْهِهِ ) ؛ أي : عن عينيه . وفي رواية الشيخين : فلما كان ثلث الليل الأخير ؛ أو نصفه قعد فنظر إلى السماء . ( ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ ) - الآيات: بدل من العشر - ( الخَوَاتِيْمَ) - بالياء المثناة جمع الخاتمة - ( مِنْ سُوْرَةِ (( آلٍ عِمْرَانَ)) أَي الَّتِي أَوَّلُهَا ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ﴾ إِلَىْ آخِرِ السُّوْرَةِ ). فيسنُّ للشخص إذا استيقظ من نومه قراءةُ شيء من القرآن ، لأنها تزيل الكسل وتُحصِّل النشاط للعبادة ، بل تندبُ هذه الآياتُ بخصوصها عقب الانتباه . وفيه إباحةُ قول الرجل ((سورة آل عمران)) أو (( سورة البقرة)) ... أو نحو ذلك، وكرَّهه بعضُ السلف؛ وقال: بل يقال (( السورة التي يذكر فيها آل عمران)). ( ثُمَّ قَامَ) أي: النبيِ نَّهِ (إِلَى شَنِّ) - بفتح الشين المعجمة ، وبالنون المشدَّدة - وهي: القربة البالية ، ( مُعَلَّقٍ ) لتبريد الماء ؛ أو صيانته . وذَكَّر وصف الشَّنِّ هنا !! نظراً للفظه ، وأنَّث ضميره في قوله ( فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ) !! نظراً لمعناه ؛ وهو القربة . وفي رواية الشيخين : فأطلق شِنَاقها - بكسر الشين المعجمة : خيط يشدُّ به فم القربة - ثمَّ صبَّ في الجَفْنة، ثمَّ توضَّأ منها (فَأَحْسَنَ الوُضُؤْءَ ) ؛ أي : وضوءه ، أي أسبغه وأكملَه ؛ بأن أتى بواجباتِه ومندوباته . وهو معنى رواية ((الصحيحين)): وضوءاً حسناً بين الوضوئين ، لم يكثر وقد أبلغ . أي : لم يكثر صبَّ الماء ؛ وقد أبلغ الوضوء أماكنه ، واستوفى عدده المسنون . ١٩ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ : فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ أَلْيُّمْنَى عَلَى رَأْسِيَ ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي أَلْيُمْنَى فَفَتَلَهَا - وَفِي رِوَايَةٍ : فَأَخَذَ بِأُذُنِي ؛ فَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ ( ثُمَّ قَامَ يُصَلِّيْ ) وفي روايةٍ للنسائي: فتوضَّأ واستاك، ثمَّ صلَّى ركعتين، ثم نام ، ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين ، وأوتر بثلاث . ولمسلمٍ : فاستيقظ فتسؤَّك وتوضَّأ؛ وهو يقول ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ... ) حتَّى ختم السورة، فصلَّى ركعتين ؛ أطال فيهما القيام والركوع والسجود ، ثمَّ انصرف فنام حتى نَفَخ ، ثم فعل ذلك ثلاثَ مرات بسِتُّ رَكَعات ؛ كلُّ ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات ، ثمّ أوتر بثلاث ركعات . ولا تنافيَ بين هذه الروايات لأنَّ في بعضها زيادةً فيعملُ بها ، وإن سكتت الرواية الأخرى عنها ، لأنَّ مَن حفظ حجةٌ على مَن لم يحفظ ، وليست الواقعةُ متعدِّدة حتى يحمل الاختلاف عليها ، وإنما هي واحدةٌ ؛ فيجب عند التعارض العملُ بالأصحِّ من تلك الروايات ؛ وهي رواية الشيخين ثم أحدِهما . انتهى . ذكره في (( جمع الوسائل » . ( قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ : فَقُمْتُ ) بعد الوضوء ( إِلَى جَنْبِهِ ) ؛ كما في رواية الشيخين، فقمت وتوضَّأتُ فقمتُ عن يساره (فَوَضَعَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَدَهُ اليُمْنَىُّ عَلَى رَأْسِيَ ) ؛ أي : ليتمكّن من مسكِ الأذن ، أو لتنزل البركةُ في رأسه ليحفظ جميع أفعاله ◌َّهِ. (ثُمَّ أَخَذَ بِأُذْنِي) - بضمِّ الذال وسكونها - (اليُمْنَى فَفَتَلَهَا ) - بالفاء العاطفة ؛ على صيغة الماضي - وفي رواية (( يَفْتِلُها)) بصيغة المضارع . ( وَفِي رِوَايَةٍ ) للشيخين: (فَأَخَذَ بِأَذْنِي؛ فَأَدَارَنِي) ، أي : حوَّلني (عَنْ يَمِيْنِهِ ) ؛ تنبيها على ما هو السنة من وقوف المأموم الواحد على يمين الإمام ، فإن وقف عن يساره !؟ حوَّله الإمام ندباً بأَخذ أُذنه وفَتْلِها . ٢٠