النص المفهرس
صفحات 681-700
قَالَ ابْنُ دَحْيَةَ : مليون ؛ بالتعبير العصري . وأما أموالهم فلم يَرُدَّها عليهم ، لأنَّه كان قسم الجميع ، فلما جاءوا مسلمين خيّرهم بين ردِّ المال أو السبايا . فاختاروا السبايا فرَذَّهم كما مرَّ مفصَّلاً . ( قَالَ ) العلاَّمة الإمام الحافظ أبو الخَطَّاب عُمَر بن الحسن بن علي بن محمد الجُمَيِّل بن فَرْح بن خلف بن قُؤْمِس بن مَزْلال بن ملَأَّل بن بدر بن أحمد ( بْنِ دَحْيَةَ ) - بكسر الدال المهملة وفتحها ، وسكون الحاء المهملة ، وبعدها ياءٌ مثنَّة من تحت - وهو: دحية بن خليفة الكَلْبي ((صاحبُ رسول الله ◌ََّ)). وصاحبُ الترجمة يُنْسَبُ إليه، ويعرف بـ (( ذي النسبين)): دحية ؛ والحسين السِّبط، لأنَّه كان يذكر أنَّ أُمَّه من ذرية الحُسَين رضي الله تعالى عنهما . كان أبو الخطّاب ؛ من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء ، مُتَقِناً لعلم الحديث النبوي ، وما يتعلَّق به ، عارفاً بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها . واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية ، ولقي بها علماءَها ومشايخها ، ثم رحل منها إلى بر العُدْوة ، ودخل مراكش ، واجتمع بفضلائها . ثم ارتحل إلى إِفريقيا، ومنها إلى الديار المصريَّة ، ثمَّ إلى الشام والشرق والعراق ، ودخل إلى عراق العجم ، وخراسان ، وما والاها ، وما زندران ، كلُّ ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأثمَّته والأخذِ عنهم ، وهو في تلك الحال يؤخَذُ عنه ويستفادُ منه وؤُلِّيَ قضاء دانية . ومن تصانيفه ((المطرب من أشعار أهل المغرب)» خط(١)، و((الآيات البينات)) خَطِّ و(( نهاية السول في خصائص الرسول)) خط، و(( النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس)) طبع، و((التنوير في مولد السراج المنير))، و((عَلَم النَّصر المبين في المفاضلة بين أهل صفين )) . (١) بل طبع . ٦٨١ وَهَذَا نِهَايَةُ أَلْجُودِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْوُجُودِ ). وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِبُ عَلَيْهَا . وكانت ولادته سنة : أربع وأربعين وخمسمائة ، ووفاته سنة : ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة ؛ وعمره قارب التسعين ، ودفن بسفح المُقَطَّم رحمه الله تعالى . ( وَهَذَا نِهَايَةُ الجُوْدِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْوُجُوْدِ . وَ) أخرج الإمام أحمدُ، والبخاريُّ في ((الهبة)) وأبو داود في (( البيوع))، والترمذيُّ في ((الجامع)) في ((البر)) وفي (( الشمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ) أُمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ الشَِّيَّنَّهِ كَانَ يَقْبَلُ اُلْهَدِيَّةَ ) ؛ طلباً للتحابب والتواصل ، وفراراً من التباغض والتقاطع ، إلاَّ لعذر ؛ كما ردَّ على الصعب بن جَثَّامة الحمارَ الوحشيَّ؛ وقال: ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ )) . ( وَيُثِيْبُ ) أي: يجازي ، والأصل في الإثابة : أن يكون في الخير والشرِّ ، لكن العرف خصَّها بالخير (عَلَيْهَا) ؛ بأن يُعطِي المهدي بَدَلَها، وَأَقلُّه قيمةَ ما يساوي الهديَّةَ ، فيسنُّ التأسِّي به في ذلك ، لكن محلُّ ندبِ القبول حيث لا شبهة قويَّةً فيها، وحيث لم يظنَّ المُهْدَى إِليه أنَّ المُهدِيَ أهداهُ حياءً، وإِلاَّ ! لم يجز القبولُ . قال الغزالي : مثالُ مَن يُهدي حياءً : مَنْ يقدم من سفر ويفرِّق الهدايا ؛ خوفاً من العار، فلا يجوز قبول هديَّته ؛ إجماعاً ، لأنه : « لاَ يَحِلُّ مَالُ أمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّ عَنْ طِيْبٍ نَفْسٍ )) . وكذا إِذا ظَنَّ الْمُهْدَىْ إلَيْهِ أَنَّ المهدِي إنَّما أهدى له هديَّته لطلب المقابل ، فلا يجوز له قبولُها ؛ إلاَّ إذا أعطاه ما في ظنِّه بالقرائن . ٦٨٢ وَأَتَتْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَكْسُوكَ هَذِهِ؟ فَأَخَذَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَلَبِسَهَا، قال المناوي : وأخذ بعض المالكية بظاهر الخبر ، فأوجبَ الثواب عند الإطلاق ؛ إذا كان ممن يطلب مثله الثواب ، أي : كالهديَّة من الأدنى للأعلى . قال : وإنَّما قَبِل الهدية ؛ دونَ الصدقة !! لأنَّ المرادَ بها ثوابُ الدنيا ، وبالإثابة تزول المِنَّة . والقصد بالصدقة ثواب الآخرة ، فهي من الأوساخ . وظاهر الإطلاق : أَنَّه كان يقبَلُها من المؤمن والكافر . وفي السِّيَر أنَّه قبل هدية المقوقس وغيرِه من الملوك . انتهى . (وَأَتَتْهُ ◌ِ امْرَأَةٌ ) قال الحافظ ابن حجر : لم أقفْ على اسمها ( بِبُرْدَةٍ ) منسوجة ؛ فيها حاشيتها - كما في البخاريِّ مرفوعاً بِمنسوجة ، لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله ؛ كاسم الفاعل . وقال الداودي : يعني أنَّها لم تقطع من ثوب ، فتكون بلا حاشية . وقال غيره : حاشية الثوب هَدَبُّه. وكأنه أراد أنها جديدة لم يقطع هَدَبها ولم تلبس . وقال القَزَّاز : حاشيتا الثوب ما حيتاه اللَّتان في طرفيهما الهَدَب . ولفظ البخاريٍّ في ((الأدب)): جاءت امرأةٌ بِيُرْدَة ؛ فقال سهلٌ للقوم : أتدرونَ ما البردةُ؟! قالوا : الشَّمْلة . قال سهل : هي شملةٌ منسوجة فيها حاشيتها . ( فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ: أَكْسُوْكَ هَذِهِ)؟! وفي رواية ((الجنائز)): قال: (( نَعَمْ )) . قالت : قد نسجتُها بيدي ؛ فجئت لأكسوَكَها . قال الحافظ : وتفسير البردة بالشَّمْلة تجوُّزٌ، لأن البردة كساءٌ، والشَّمْلة : ما اشتُمِل به . فهي أعمُّ، لكن لمَّا كان أكثر اشتمالهم بها أَطلقوا عليها اسمها . (فَأَخَذَهَا ) النبيُّ (رَّ مُحْتَاجاً إِلَيْهَا) ، كأنَّهم عرفوا ذلك بقرينة حال ، أو تقدُّم قولٍ صريح؛ ( فَلَسَهَا) لفظ ((الأدب)): وفي رواية (( الجنائز)) : فخرج إلينا ، وإنَّها إِزارُه . ٦٨٣ فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَحْسَنَ هَذِهِ! فَأَكْسُنِهَا ، ولابن ماجه : فخرج إلينا فيها ، وللطبرانيِّ فَتَّزر بها ؛ ثمَّ خرج ( فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ). أفاد المحبُّ الطبريُّ في ((الأحكام)) أنَّه عبد الرحمن بن عوف ، وعزاه للطبرانيِّ، ولم أره في (( المعجم الكبير)) ، لا في مسند سهل ؛ ولا في مسند عبد الرحمن !! وقد أخرج الطبرانيُّ الحديثَ ، وقال في آخره : قال قتيبةُ : هو سعدُ بن أبي وقّاص . وأخرجه البخاريُّ في ((اللباس))، والنسائي في ((الزينة)) عن قتيبةَ ؛ ولم يذكرا عنه ذلك !! ورواه ابن ماجه ؛ وقال فيه : فجاء رجلٌ سمَّاه يومئذ ، وهو دالٌّ علىْ أَنَّ الراويَ ربَّما سمَّاه. وفي رواية أخرى للطبراني ؛ من طريق زمعةً بن صالح ؛ عن أبي حازم ؛ عن سهل أَنَّ السائل المذكور أعرابيٌّ ، فلو لم يكن زمعة ضعيفاً لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف ، أو سعد بن أَبي وقَّاص !! أو يقال : تعدَّدت القصّةُ على ما فيه من بعد . وقول شيخِنا ابنِ الملقِّن ((إنَّه سهلُ بن سعد)) غلطٌ ، التبس عليه اسمُ القائل باسم الراوي ؛ قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى . ( فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَحْسَنَ ) - بنصبه؛ تعجباً - ( هَذِهِ ) البردةَ ( فَأَكْسُنِيْهَا). لفظ ((الأدب))؛ ولفظ الجنائز عقب أَنَّها إزاره: فحَسَّنَها فلان؛ فقال : أكسنيها ؛ ما أحسنَها !! قال الحافظ: فحَسَّنَها ؛ كذا في جميع الروايات هنا؛ أي: في (( الجنائز)) - بمهملتين من التحسين -. وللبخاريٍّ في ( اللباس » فجَسَّھا ۔ بجیم بلا نون -. ٦٨٤ فَقَالَ: ((نَعَمْ))، فَلَمَّا قَامَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ .. لَمَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لاَ يُسْأَلُ شَيْئاً فَيَمْنَعُهُ . رَوَاهُ اٌلْبُخَارِيُّ . وكذا للطبرانيِّ والإسماعيليِّ؛ من طريقٍ آخرَ (فَقَالَ)؛ أي: النبيِ وَّ (: ((نَعَمْ ))) أكسوكَها . وللبخاريٍّ في ((اللباس)): فجلس ما شاء الله في المجلس ، ثم رجع فَطَواها ، فأرسلَ بها إليه . ( فَلَمَّا قَامَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لاَمَهُ ) أي : السائلَ ( أَصْحَابُهُ ، وَقَالُوْا : مَا ) - نافية - ( أَحْسَنْتَ حِيْنَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَخَذَهَا) ، وفي رواية : لبسها ( مُخْتَاجاً إِلَيْهَا ، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا؛ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لاَ يُسْأَلُ شَيْئاً فَيَمْنَعُهُ !! ) . وفي رواية : لا يردُّ سائلاً. بقيّته في البخاري : فقال : رجوتُ بركتها حين لَبِسَها النبيِنَّ﴿ لعلِّي أُكفَّن فيها . وفي رواية للبخاريِّ أيضاً : فقال الرَّجل : والله ؛ ما سألتُها إِلَّ لتكونَ كَفَني يومَ أَموتُ . قال سهل : فكانت كَفَنْهُ . وبيَّن في رواية الطَّبَرانيِّ المعاتِبَ له من الصحابة ؛ ولفظه : قال سهلٌ : فقلتُ للرجل : لمَ سأَلَته وقد رأيتَ حاجَته إليها ؟! فقال : رأيت ما رأيتُم ، ولكنّي أردتُ أن أُخَبََّها حتَى أُكفَّن فيها. وفي رواية البخاري في (( الجنائز)): قال: والله؛ إنِّي ما سألتُه لألبسها ، إنَّما سألتُه لتكون كَفَني . قال سهل : فكانت كفنه . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في ((الجنائز)) و((البيوع)) و((الأدب)) و((اللباس))؛ من حديث سهل بن سعد السَّاعِديِّ رضي الله عنه . قال في ((المواهب)): وفي هذا الحديث من الفوائد: حُسْن خُلُقه وَ لِّ، وسعة جُوده ، وقَبُوله الهدية ، وغير ذلك . ٦٨٥ واستنبط منه السَّادةُ الصوفيّةُ جوازَ استدعاء المريد خرقة التصوُّف من المشايخ تبرُّكاً بهم، وبلباسهم ، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أَنَّه ◌ِِّ ألبس أُمَّ خالد خميصةً سوداءَ ذات علم . رواه البخاري . لكن قال شيخنا - يعني السخاويّ - رحمه الله تعالى: ما يذكرونَه - أي الصوفية - من أنَّ الحسن البصريَّ لبسها من علي بن أبي طالب رضيَ الله عنه !! فقال ابن دحية وابن الصلاح : إنَّه باطل . وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر : ليس في شيءٍ من طُرُقها ما يثبت ، ولم يرد في خبر صحيح ؛ ولا حَسَن؛ ولا ضعيف أَنَّه وَلِهِ أَلبسَ الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحدٍ من أصحابه ، ولا أمَرَ أحداً من أصحابه بفعلها ، وكلُّ ما يُروى صريحاً في ذلك !! فباطل . قال الحافظ ابن حجر : ثُمَّ إنَّ من الكذبِ المفترى قولَ مَن قال ((إنَّ علياً ألبسَ الخرقةَ الحسن البصري )) ، فإنَّ أئمّة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعاً ؛ فضلاً عن أن يُلبسه الخرقة . قال السَّخاوي : ولم ينفرد شيخُنا - يعني : الحافظ ابن حجر - بذلك ، بل سبقه إليه جماعةٌ حتَّى ممن لبسها وألبَسها ؛ كالدمياطي ، والذهبي ، والعلائي ، ومُغُلْطاي ، والعراقي ، والأبناسي ، والحلبي ، والهكاري ، وابن الملقُّن ، وابن ناصر الدين ؛ وتكلّم عليها في جزء مفرد . وللحافظ السيوطي مؤلّفٌ سمَّاه ((إتحاف الفرقة برفو الخرقة)) ذكر فيه أنَّ جمعاً من الحفاظ أثبتوا سماعَ الحسن من علي بن أبي طالب . والحافظ ضياء الدين في ((المختارة)) رجَّحه، وتبعه الحافظ في ((أطرافها))، وهو الراجح عندي لقاعدة الأصول : أن المثبت مقدَّم على النافي ، لأن معه زيادةً علم ولأن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ، وكانت أمُّه خيرة مولاةَ أمّ سلمة ، فكانت أمُّ سلمة تُخْرِجه إلى الصحابة فيباركون عليه ، وأخرجته إلى عمر ؛ فدعا له، فقال: (( اللهمَّ؛ فقّهه في ٦٨٦ الدين ، وحبِّه إلى النَّاس.)) أخرجه العسكري بسنده . وذكر المِزِّيُّ أَنَّه حضر يومَ الدارِ ؛ وله أربع عشرة سنة ، ومعلومٌ أنَّه من حین بلغ سبع سنين أُمر بالصلاة ، فكان يحضر الجماعة ويصلِّي خلف عثمان حتَّى قُتِلَ ، ولم يخرج عَلِيّ إلى الكوفة إلاَّ بعد قتله ؛ فكيف يُنكَرُ سماعُ الحسن منه ؛ وهو كل يوم يجتمع به خمسَ مرَّات من حين ميَّز إلى أن بلغ أربع عشرة سنة !؟! وقد كان عليٌّ يزور أُمَّهات المؤمنين ، ومنهنَّ أمُّ سلمة ؛ والحسنُ البصري في بيتها هو وأمُّه !! وقد ورد عن الحسن ما يدلُّ على سماعه منه ! وروى المِزِّيُّ ؛ من طريق أبي نعيم أَنَّ يونس بن عبيد ؛ قال للحسن : إنَّك تقول ((قال رسول الله وَ لير؛ ولم تدركه))؟! قال: يا ابن أخي ؛ لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك ، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك !! إنِّي في زمان كما ترى ! وكانَ في عمل الحَجَّاج! كلُّ شيءٍ سمعتني أَقولُ ((قال رسول الله ◌َّيهِ))؛ فهو عن عليٍّ ، غير أنِّي لا أستطيع أن أذكر عليّاً . ثم ذكر ما أخرجه الحُفَّاظ من رواية الحسن عن علي ، فبلغ عشرة أحاديث ساقها وذكر خلالَها قولَ ابن المديني ((الحسن رأى علياً بالمدينة المنوّرة وهو غلامٌ)). وقال أبو زرعة : كان الحسنُ البصري يومَ بُويع علي ابنَ أربع عشرة سنة . ورأى عليّاً بالمدينة ، وقال : رأيت الزُّبير يبايع عليّاً! ثم خرج إلى الكوفة والبصرة ؛ ولم يلقَه الحسن بعد ذلك ، ففي هذا القدر كفايةٌ . ويحمل قول النافي على ما بعد خروج عليٍّ من المدينة المنورة . وروى أبو يعلى : حدَّثنا جويرية بن أشرس قال : أخبرنا عقبةُ بن أبي الصهباء الباهلي ، قال: سمعتُ الحسن يقول: سمعت عليّاً يقول: قال رسول الله وَلّ: ((فَمَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ المَطَرِ ... )). الحديث. ٦٨٧ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيماً ، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال محمد بن الحسن الصيرفي (( شيخ شيوخنا )» : هذا نصٌّ في سماع الحسن من علي . ورجاله ثقات . انتهى ملخصاً . وليس في ذا الرفع كلِّه إِثبات الدعوى أنَّ عليّاً ألبس الحسن الخرقة على متعارف الصوفية . وكذا قول المصنف - يعني القُسْطُلأَنِيَّ -: ((نعم ورد لبسُهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كُهَيل(١) بن زياد النخعي ؛ وهو صَحِب علياً من غير خُلْفٍ في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل))! لا دَلالة فيه على الدعوى؛ ((وهو أنَّ علياً ألبسها كُهَيلاً)) إنَّما هو احتمال ، ولا تقومُ به حجَّة . وفي بعض الطرق للخرقة اتصالها بأُويس القَرَني ، وهو اجتمع بعمرَ بنِ الخطّاب وعليٍّ بن أبي طالب ، وهذه صحبة لا مطعن فيها . لكن لا تدلُّ على الدعوى نصّاً !! إنما هو احتمال ، وكثير من السادة الصوفية يكتفي بمجرَّد الصحبة ؛ كالشاذلي إمام الطريقة ، وشيخنا أبي إسحاق إبراهيم المتبولي ، وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس ، وله في ذلك رسالته (( ريحان القلوب)). وللشيخ قطب الدين القسطلاني (( ارتقاءُ الرتبة في اللباس والصحبة)) انتهى كلام ((المواهب)) مع شرح الزرقاني، رحمهما الله تَعَالَى. ( وَ) أخرج البخاريُّ في (( الأدب المفرد)) بسند حسن - كما في العزيزي - عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (َِّهِ رَحِيْماً ) ، حذف المعمول !! ليفيد العمومَ؛ فهو رحيمٌ حتَّى بأعدائه ، لما دخل يوم الفتح مكَّةَ على قريش؛ وقال : ((إِجْلِسُوا بِالمَسْجِدِ الحَرَامِ)) وصحبُهُ يَنْتَظِرُونَ أَمره فيهم .. مِن قتلٍ أو غيره! قال: (( مَا تَظُنُونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمَ؟ )). قال: خيراً؛ أخٌ كريم ، وابن أخ كريم .. فقال: ((أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ ((لاَ تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)) إِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ ». (١) في نسخة : كميل . ٦٨٨ وَكَانَ لاَ يَأْتِيهِ أَحَدٌ إِلَّ وَعَدَهُ وَأَنْجَزَ لَهُ ؛ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ . وَأَمَّا شَجَاعَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْجَدَ أُلنَّاسِ قال ابن عربي : فلا مُلْكَ أوسعُ من ملك سيِّدنا محمَّد ، فإنَّ له الإحاطةَ بالمحاسن والمعارف ، والتودُّد والرحمة والرفق ، وكان بالمؤمنين رحيماً . وما أظهر في وقتٍ غلظةً على أحد إلاَّ عن أمر إلهيٍّ حين قال له ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [١٣/ التوبة] فأُمر بما لم يقتضِ طبعُه ذلك، وإن كان بشراً يغضب لنفسه ویرضی لها !! . ( وَكَانَ لاَ يَأْتِيْهِ أَحَدٌ) يسأله شيئاً (إِلاَّ وَعَدَهُ وَأَنْجَزَ لَهُ؛ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ) ، وإلَّ أمر بالاستدانة عليه. انتهى مناوي؛ على ((الشمائل)). (وَأَمَّا شَجَاعَةُ رَسُوْلِ اللهِ وَِّ ). الشجاعة - بفتح الشين - قال القاضي عياض : هي فضيلةُ قوَّة الغضبِ ، وانقيادُ تلك القوَّة للعقل ؛ على وفق الشرع . أي : لتقع على ما ينبغي من النعوت الآدمية ، ولتكون من الصفات البهيَّة . والنَّجْدة - بفتح النون فسكون الجيم فدال مهملة - بمعنى الشجاعة ؛ في قول ، وقال بعضهم : هي شدَّة البأس ، يقال : هم أنجادٌ أمجاد ؛ أي : أشدَّاء شجعان ، والواحد نَجِد ؛ ككتف وأكتاف . وقال القاضي عياض : النَّجْدة : ثقةُ النفس ؛ أي : وثوقها بربِّها عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلُها ؛ دون خوف . (فَقَدْ ) كان ◌َِّ منها بالمحلِّ الذي لا يُجهَل، ! قد حضر المواقف الصعبة، وفرَّ الكُمَاة والأبطال عنه غيرَ مرَّة ؛ وهو ثابت لا يبرح ، ومقبل لا يدبر ، ولا يتزحزح وما شجاع إِلاَّ وقد أُحصيت له فرَّة وحفظت عنه جَوْلة؛ سواه ◌َّهِ . وفي («الإحياء)): ( كَانَ وَّأَنْجَدَ النَّاسِ) أي: أكثرهم نَجْدَة ، ٦٨٩ وَأَشْجَعَهُمْ . قَالَ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( وَأَشْجَعَهُمْ ) ؛ أي : أقواهم قلباً في حال البأس ، فكان الشجاعُ منهم الذي يلوذُ بجانبه عند التحام الحرب، وما وَلَّى قطُّ ؛ ولا تحدَّث أحدٌ بفراره . وقد ثبتت أشجعيتُه بالتواتر النقلي ؛ بل أخذه بعضهم من النص القرآني ، لقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [٧٣/ التوبة] فكلَّفه ؛ وهو فردٌ ؛ جهادَ الكلِّ، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾ [٢٨٦/ البقرة] !! ولا ضيرَ في كون المراد : هو ومَن معه ، إذ غايته أَنَّه قُوبِل بالجميع ؛ وذلك مفيدٌ للمقصود . قال العراقي : روى الدارميُّ ؛ من حديث ابن عمر بسند صحيح : ما رأيتُ أجلدَ ، ولا أجودَ، ولا أشجع، ولا أرضى من رسول الله وَّر . انتهى وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : ما رأيت أشجع ، ولا أنجد ، ولا أجود، ولا أرضى من رسول الله وَّه. رواه الإمام أحمدُ، والنَّسائيُّ، والطبرانيُّ ، والبيهقيُّ . وعطف ((أجود)) على ((أنجد )) ؟! للمناسبة بينهما ، إذ الجواد لا يخاف الفقر ، والشجاع لا يخاف الموت ، ولأن الأوَّل بذلُ النفس ، والثاني : بذلُ المال . والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجود ! انتهى من ((شرح الزرقاني))، و((شرح الإحياء)) و ((شرح الشفاء)). ( قَالَ ) الإمام ( عَلِيُّ) بنُ أبي طالب أمير المؤمنين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ) وكرَّم الله وجهه في الجنَّةِ (: لَقَدْ رَأَيْتُنِيْ ) - بضمِّ الَّاءِ - وهذا من خصائص أفعال القلوب وما أُلحق بها؛ مِنْ ((رأى)) البَصَرِيَّة والحُلْميَّة : أن يكون فاعلها ومفعولُها ضميرين مثَّصلين لشيء واحد ، و (( رأى)) هذه بصريَّةٌ ؛ أي : والله لقد أبصرتُ نفسي ( يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَّلُؤْذُ) أي: نلتجىءُ ونستتر ( بِالشَِّيِّ ◌ََّ)، وكان الظاهرُ أن ٦٩٠ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدُوِّ. وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْساً . وَقَالَ أَيْضاً : كُنَّا إِذَا حَمِيَ (١) الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقُومُ اَلْقَوْمَ. يقولَ : ولقد رأيتُنا . وكأنه عَدَل عنه إشارةً إلى أَنَّ كلَّ أحدٍ مشغولٌ بنفسه ؛ لا يرى غيره. ( وَهُوَ) أي: رسول الله وَّرِ ([أَقْرَبُ] إِلَى العَدُوِّ) منا لِشدَّة شجاعته لَّهِ ، والمرادُ بالعدوِّ الكُفَّار ( وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأُساً) أي: نكاية في العدو، كقوله تعالى ﴿ وَاَللَّهُ ٨٩﴾ [النساء] كما قاله الرَّاغب. أَشَدُّ بَأْسَا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا ! وإذا كان حالُه هذا في مثل هذا الوقت ؛ ففي سائر الأوقات بالأولى ، وما أحسن قول مَنْ قال مِن أرباب الحال : وَأَجْفَانٌ مُكَخَّلَةٌ بِسِحْرٍ لَهُ وَجْهُ اٌلِهِلاَلِ لِنِصْفِ شَهْرٍ وَعِنْدَ الِنْتِقَامِ كَيَوْمٍ بَذْرِ فِعِنْدَ الِبْتِسَامِ كَلَيْلِ بَدْرٍ وهذا الحديث أخرجهء الإمام أحمد ، والنَّسائي، والبيهقيُّ في ((الدَّلائل))؛ من طرق ؛ عن علي رضي الله تعالى عنه، ورواه أبو الشيخ في (( الأخلاق )) بسند جيِّد. انتهى ((شرح الشفا)). و((شرح الإحياء)). (وَقَالَ أَيْضاً)؛ أَي: عليّ رضي الله تعالى عنه كما في ((الإحياء)) و(( الشفاء)) قال في ((شرحه)): رواه الإمام أحمد، والنسائيُّ، والطبرانيُّ، والبيهقيُّ. ( كُنَّا إِذَا [ حَمِيَ ]) - بزِنَةَ: عَلِم - ( البَأُسُ) - بموخَّدة، وبهمزة ، أو ألف - وهو الشدّة . والمرادُ به الخوفُ؛ أو الحرب ، أي : اشتدَّ القتال ، وهو معنى ما وقع في الرواية الأُخرى ((حَمِيَ الوَطِيْسُ)) ، فإنَّ الوطيس التَّنور، ( وَلِقِيَ القَوْمُ) - بالرفع فاعل - ( القَوْمَ) - بالنصب مفعول -. (١) في ((وسائل الوصول)): أَحْمَرَّ. وكلاهما جائزٌ. ٦٩١ أَتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى اُلْعَدُوِّ مِنْهُ . وَقِيلَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلَ الْكَلاَمِ ، قَلِيلَ اُلْحَدِيثِ ، فَإِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالْقِتَالِ .. تَشَمَّرَ . وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَأْساً ، وَكَانَ الشُّجَاعُ هُوَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ فِي اُلْحَرْبِ ؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعَدُوِّ . وفي ((الشفاء)) بدل قوله: ((ولقي القومُ القومَ)) ((وأحمرَّت الحِدَق)) - (أَتَّقَيْنَا بِرَسُوْلِ اللهِن ◌َّهَ). أي : جعلناه وقايةً من العدو ، بأن يتقدمَّ علينا ؛ فيدفع العدوَّ؛ ونحن خلفَه، كما يشير إليه قوله ( فَمَا يَكُوْنُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى العَدُوِّ مِنْهُ) ، ولذا أمسوا بغلته وَّه يومَ حنين؛ كما مرَّ، ولم ينكر عليهم !! ( وَ) في ((الإحياء)): (قِيْلَ كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَ قَلِيْلَ اَلْكَلاَمِ، قَلِيْلَ الحَدِيْثِ ، فَإِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالِقِتَالِ تَشَمَّرَ ) قال العراقي : رواه أبو الشيخ ؛ من حديث سعد بن عياض الثُّمَالي مرسلاً . قلت : وروى الإمام أحمد ؛ من طريق سماك ؛ قال : قلتُ لجابر بن سَمُرة : أكنتَ تُجَالس النبي ◌ََّ؟! قال: نعم، وكان طويلَ الصَّمت قليل الضَّحك. رجالُه رجالُ الصَّحيح ؛ غير شريك ، وهو ثقةٌ . وسعدُ بنُ عياضٍ المذكورُ تابعیٌّ يروي عن ابن مسعود ، وعنه أبو إسحاق السّبيعي وُثِّق . روى له أبو داود ، والنسائي ؛ كذا في ((الكاشف)). انتهى شرح ((الإحياء)). ( وَكَانَ) وَِّ ( مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَأْساً) . رواه الإمام أحمدُ ، والنَّسائيُّ، وغيرهما ؛ من حديث عليٍّ في قصَّةِ بدر - وقد تقدم قريباً - ( وَكَانَ الشُّجَاعُ) مِنَّا ( هُوَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ) وَِّ (فِي الحَرْبِ؛ لَقُرْبِهِ مِنَ أُلعَدُوِّ ) . قال العراقي: رواه مسلم ؛ من حديث البراء : كُنَّا واللهِ ؛ إِذَا حَمِي البأسُ نَّقِي ٦٩٢ وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ به ، وإنَّ الشجاع الذي يحاذى به. انتهى شرح ((الإحياء)). ( وَ) أخرج أبو الشيخ في ((الأخلاق)) بسند فيه مجهول؛ ( قَالَ ) أبو نُجَيْد - بضم النون وفتح الجيم - ( عِمْرَانُ ) - بكسر العين المهملة وسكون الميم وراء مهملة - ( أَبْنُ حُصَيْنٍ ) - بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين ؛ كتصغير حِصْن - ابن عُبَيد بن خلف بن عبد شهم بن سالم الخزاعيّ البصري ؛ كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم . أسلم هو وأبو هريرة عامَ خيبر سنة : سبع من الهجرة . روي له عن رسول الله وَ لقر مائة وثمانون حديثاً؛ اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاريُّ بأربعة ومسلمٌ بتسعة . روى عنه أبو رجاء العطاردي ؛ واسمه : تيم ، ومطرِّف بن عبد الله، وزُرَارة ابن أوفى ، وزهدم ، وعبد الله بن بُرَيدة ، وابن سيرين ، والحسن ، والشعبي ، وأبو الأسود الدُّؤلي ، وآخرون . نزل البصرة ؛ وكان قاضِيَها ؛ استقضاه عبد الله بن عامر أيَّاماً ، ثم استعفاه فأعفاه . توفي بها سنة : ثنتين وخمسين هجرية ، وكان الحسنُ البِصْري يحلف بالله تعالى : ما قَدِمَ البصرةَ راكبٌ خيرٌ لهم من عمران . وغزا مع النبي ◌َّ غَزَوات وبعثه عمرُ بنُ الخطّاب رضي الله تعالى عنه إلى البصرة ليفقه أهلَها ، وكان مجابَ الدَّعوة ؛ ولم يشهد تلك الحروب وكان أبيضَ الرأس واللحية ، وله عقبٌ بالبصرة . وفي ((صحيح مسلم))؛ عن عمران قال: قد كان يُسلَّم عليَّ حتَّى اكتويت(١) (١) من البواسير . ٦٩٣ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِبَةً إِلاَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ . وَقَالُوا: وَكَانَ قَوِيَّ الْبَطْشِ. وَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ .. نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : فتُرِكْتُ . ثم تَركْتُ الكيَّ فعاد . يعني كانت الملائكة تسلم عليه ويراهم عياناً كما جاء مصرَّحاً به في غير (( صحيح مسلم)) . ومات عمران سنة : اثنتين وخمسين . وقيل : سنة ثلاث وخمسين هجرية . واختلف العلماء في حُصَين ((والد عمران)): هل أسلم ، وله صحبة ؛ أم لا؟! قال ابن الجوزي في ((التلقيح)): الصحيحُ أنَّه أسلم (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ◌َهَ كَتِيْبَةً) - بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية ، وبالمثناة التحتية ، وباء موخَّدة ، أي : طائفة من الجيش مجتمعة ــ ( إِلَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ ) بسيفه ، ويقاتل . ( وَ) في ((الإحياء)): (قَالُوْا: وَكَانَ) وَّهِ (قَوِيَّ الْبَطْشِ ). قال العراقي : رواه أبو الشيخ ؛ من رواية أبي جعفر معضلا . انتهى قلت : ورواه ابن سعد ؛ عن محمد بن علي مرسلاً؛ بلفظ : كان شديدَ البطش . قال الشارح : فلم تكن الرَّحمة منزوعة عن بطشه لتخلُّقه بأخلاق الله تعالى ، وهو سبحانه ليس له وعيد وبطش شديد ؛ ليس فيه شيء من الرحمة والنُّطف . وقال الحافظُ العراقيُّ: وللطبرانيِّ من حديث عبد الله بن عَمْرو: (( وَأُعْطِيْتُ قُوَّةَ أَرْبَعِيْنَ فِي الْبَطْشِ وَالْجِمَاعِ )) . وسنده ضعيف. ( وَلَمَّا غَشِيَهُ المُشْرِكُوْنَ ) يوم حُنَيَّنِ ( نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ٦٩٤ (( أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا أَبْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)) ، فَمَا رُئِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ أَشَدَّ مِنْهُ . (( أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا أَبْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ)) قال الحافظ العراقيُّ : متَّفق عليه ؛ من حديث البراء . انتهى . وسيأتي في الحديث بعدَه التفصيلُ. ومعنى قوله (( أَنَا النَّيُّ لا كَذبْ))؛ أي : حقاً فلا أفْرَقُ ولا أزول ، أي : صفة النبوة يستحيلُ معها الكذب ، فكأَنَّه قال أنا النبيُّ ؛ والنبيُّ لا يكذب . لست بكاذب فيما أقول حتَّى أَنهزم بل أنا متيقن أن ما وعدني الله من النصر حق فلا يجوز علي الفرار أنا ابن عبد المطلب . فيه دليلٌ لجواز قول الإنسان في الحرب (( أنا فلان بن فلان)) . ومنه قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أَنَا الَّذي سَمَّتْنِي أُمِّيْ حَيْدَرَه . وقول سلمةَ : أنا أَبْنِ اَلأْوَع . والمنهيُّ عنه قولُ ذلك على وجه الافتخار ؛ كما كانت الجاهلية تفعلُه . وانتسبَ لجدِّ عبد المطلب ؛ دون أبيه عبد الله !! لأنه توفِّي شابّاً في حياة أبيه عبد المطلب ؛ فلم يشتهر كاشتهار أبيه . وكان عبد المطلب سيِّدَ قريش وسيِّدَ أهل مَّة، ومن ثَمَّ نُسب إليه وَّ في نحو قول ضمام: أيُّكم ابنُ عبدِ المطلب. انتهى شرح («الإحياء)). (فَمَا رُبِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ أَشَدَّ مِنْهُ ) وََّ، لأنَّه لمَّا استقبلهم من هوازنَ ما لم يَرَوا مثله قَطُّ ؛ من السواد والكثرة ، وذلك في غَبَش الصبح وخرجت الكَتَائبُ من مضيق الوادي ؛ فحملوا حملةً واحدة ؛ فانكشفت خيلُ بني سُلَيم مولّةً؛ وتبعهم أهلُ مَّة والنَّاس، ولم يثبتْ معه ◌ِّهِ إِلاَّ عمُّه العبَّاسُ، وأبو سفيان بن الحارث ، وأبو بكر ، وأسامة في أناس من أهل بيته وأصحابه . قال العبَّاس: وأنا آخذٌ بلجام بغلته أَكُفُّها ؛ مخافة أن تصلَ إلى العدو ، لأنَّه كان يتقدَّم نحوهم، وأبو سفيان آخذ بركابِهِ. انتهى شرح ((الإحياء))، وسيأتي ٦٩٥ وَسَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ مزيد الكلام على الحديث الذي بعد هذا . ( وَ) أخرج البخاريُّ في ((الجهاد))، ومسلم في ((المغازي))، والنسائي في ((السِّيَرَ)) بإختلاف في بعض ألفاظه أَنَّه ( سَأَلَ رَجُلٌ ) من قيس . قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على أسمه !! ( البَرَاءَ ) - بفتح الموحّدة وتخفيف الرَّاء وبالمدِّ - هذا هو الصحيحُ المشهور عند طوائف العلماء . وهو : أبو عمارة ، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب - بالزاي - ابن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسيُّ الحارثيُّ المَدَني . ◌ُّه أُمّ حبيبةَ بنتُ أبي حبيبة . وقيل : أم خالد بنت ثابت . وأبوه عازبٌ صحابي، ذكر محمد بن سعد في ((الطبقات)) أنَّه أسلم. رُوي للبراءِ عن النبيِنَّ ثلثمائة حديث وخمسةُ أحاديث ؛ اتفق البخاريُّ ومسلم منها على أثنين وعشرين ، وانفرد البخاري بخمسةَ عشر ، ومسلمٌ بستّة . روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي ، وأبو جُحَيفة الصحابيان ، وجماعة من التابعين ؛ منهم : الشعبي ، وابن أبي ليلى ، والسبيعي ، ومعاوية بن سويد ، وأبو المنهال سيَّار بن سلامة ، وغيرُهم . نزل الكوفة وابتنى بها داراً ، وتوفي بها زمن مصعب بن الزبير ، وأرَّخه ابن حبان سنة : اثنتين وسبعين . استصغره النبي ◌َّ﴿ يوم بدر، وأوَّل مشاهده أُحُد . وفي البخاري ؛ عن البراء قال : غزوتُ مع النبي ◌ِّر خمس عشرة غزوة ، وشهد البراء مع أبي موسى غزوة تُسْتَر ، وشهد مع عليٍّ رضي الله عنه وقعة الجمل وصِفّين والنهروان ، هو وأخوه عبيد بن عازب . ٦٩٦ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! قَالَ: نَعَمْ ، لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ ، وكان للبراء ابنان : يزيد وسويد ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَفَرَرْتُمْ) معاشر الصحابة ( يَوْمَ حُنَيْنٍ ) معرضين (عَنْ رَسُوْلِ اَللِّ نَّ؛ قَالَ: نَعَمْ، لَكِنَّ رَسُوْلَ اَللِّنَّهِلَمْ يَقِزَّ) استدراكٌ على ما قد يتوهّم من فراره وَِّ حين فرُّوا عنه، الواقع [التوبة] فبيَّن له أنَّه من العموم ٢٥ عند السائل ؛ أخذا من عموم ﴿ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِينَ الذي أُريد به الخصوص، والتقدير: نعم فررنا، ولكنه لنَّهُ ثَبَت وَثَبت معه عليٌّ ، والعبَّاس ، وأبو سفيان بن الحارث ، وابن مسعود . رواه ابنُ أبي شيبة مرسلاً . وللترمذي بإسناد حسن ؛ عن ابن عمر : لقد رأيتُنا يومَ حُنَين ، وإنَّ الناس لَمُوَلُّون، وما مع رسول الله ◌َّرَ مائةُ رجل . ولأحمدَ ، والحاكمٍ ؛ عن ابن مسعود : فوَلَّى الناسُ عنه ، وبقي معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار . وفي شعر العبَّاس: أَنَّ الذين ثبتوا عشرة فقط . قال الحافظ ابن حجر : ولعلَّه العدد الذي ثبت، ومَن زاد عليهم عَجَّل الرجوع! فعُدَّ فيمن لَمْ يَفِرَّ. انتهى زرقاني؛ على ((المواهب)). قال في ((نظم المغازي)) للعلامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي رحمه الله تعالى : مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمِمَّنْ أَلِفَهْ وَثَبَتَتْ مَعَ النَّبِيِّ طَائِفَةْ سُفْيَانَ جَعْفَرُ أَبْنُهُ المُنْتَخَبُ خَيْدَرَةٌ وَالْعُمَرَان وَأَبُو وَفَضْلُهُ أُسَامَةُ الأَكْيَاسُ وَعَمُهُ رَبِيْعَةُ، الْعَبَّاسُ شَيْبَةُ رَامَ غَدْرَ خَيْرِ مُضَرٍ وَأَيْمَنُ أَبْنُ أُمِّهِ والعَبْدَري فَصَدَّهُ عَمَّا نَوَى فَضَرَبَهْ نَبِيْنَا فِيْ صَدْرِهِ فَجَذَبَهْ قال الخفاجي في ((نسيم الرياض))؛ شرح ((شفاء )) القاضي عياض رحمه الله ٦٩٧ كَانَ هَوَازِنُ رُمَاةً ، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ أَنْكَشَفُوا؛ فَأَكْبَيْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ ، فَاسْتَقْبَلَتْنَ بِالسُّهَامِ . تعالى: ولم يجيءْ أَنَّه ◌َّهِ انهزم قطُّ ولم ينقله أحد، وقد نقل الإجماع على أنَّه لا يجوز أن يُعتَقَد أَنَّه ◌َلّل انهزم . ولا يجوز ذلك عليه . قال الزَّرقاني على ((المواهب)): وقد تقدَّم للمصنِّ في حُنَين ، وقبله في أحد: أنَّ مَن زعم أَنَّه ◌َّه هُزِم يستتاب، فإن تاب؛ وإلاَّ! قُتل عند الشافعية ، ووافقهم ابن المُرابط من المالكية . وأنَّ مذهب مالك يقتلُ بلا استتابة ، وفَرَّقُوا بينه وبين مَن قال (( جُرح. أو: أُوذي)): بأن الإخبار عن الأذى نقصٌ في المُؤذي ؛ لا عليه، والإخبار بالانهزام نقصٌ له ◌ََّ، لأنَّه فِعْلُه ؛ لو وقع ، كما أن الأذى فعلُ المؤذي . قال ابن دحية : وأما تغيُّبُه في الغار !! فكان قبل الإذن في القتال . وأما مظاهرتُه بين درعين يوم أحد !! فهو من الاستعداد للإقدام ، وليقتدي به أصحابه . والمنهزمُ خارجٌ عن الإقدام جملةً ، بخلاف المستعدِّ له . انتهى . ثُمَّ بيَّن سبب التولِّي؛ فقال ( كَانَ هَوَازِنُ رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ أَنْكَشَفُوْا): انهزموا؛ كما هو لفظ رواية البخاري في (( الجهاد)»: (فَأَكْبَيْنَا ) - بفتح الموحّدة الأُولى وإسكان الثانية ونون - أي : وقعنا (عَلَى أُلغَنَائِمِ ) ، وفي ((الجهاد ))؛ فأَقبل الناس على الغنائم ( فَاسْتَقْبَلَتْنا ) أي : هوازنُ . وفي ((الجهاد)) : فاستقبلونا ( بِالسِّهَامِ ) ؛ أي : فولَّيْنَا . وفي مسلم : فرَمَوهُم برَشَق من نَبْل كأنَّها رجل جراد . وفيه أيضاً ؛ عن أنس : جاء المشركون بأحسن صفوف رأيتُ ؛ [فصفَّتِ] الخيل ، ثم المقاتلة ، ثُمَّ النِّساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النَّعَم ونحن بشرٌ كثير ، وعلى خيلنا خالد بن الوليد ؛ فجعلتْ خيلنا تلوذُ خلف ظهورنا ، فلم نلبث أن انكشفت خيلُنا وفَرَّت الأعراب ومَن تعلم من الناس . ٦٩٨ ثُمَّ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ - وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا ( ثُمَّ قَالَ) ؛ أي: البراء (: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَىْ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ) التي أهداها له فروةُ بن نفاثة الجذامي ؛ كما في مسلم ؛ عن العبَّاس . وعند ابن سعد وأتباعه : على بغلته دلدل . قال الحافظ ابن حجر : وفيه نظر ، لأن دُلدل أهداها له المقوقس . قال القطب الحلبي : فيحتمل أنَّه ركب يومئذ كُلاًّ من البغلتين؛ إن ثبت أَنَّ دلدلَ كانت معه ، وإلاَّ! فما في (( الصحيح )) أصُ ( وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ) بنِ عبد المطلب، هو ابن عمِّ النبي ◌َّ واسمه المغيرة ، أو اسمُه كنيتُه . وكان أخاه من الرَّضاع ، والفَ الناسِ به قبل النبوة، وكان يشبهه وَاللّه أيضاً. وكان شاعراً مطبوعاً، فلما ظهر الإسلام أظهر العداوة، وهجا النبي وَّر ، وأجابه حسَّان رضي الله تعالى عنه بما هو مذكور في السِّيَر ، ثم أسلم ؛ وحَسُن إسلامه ، وأبلى بلاءً حسناً يوم حُنَين . وتوفي : سنة عشرين ، وصلَّى عليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وهو أحد مَن ثبت یومَ حنين رضي الله تعالى عنه . ( آخِذٌ بِلِجَامِهَا) أوَّلاً، فلما ركضها وَُّ إلى جهة المشركين خشي عليه العبّاس ؛ فأخذ زِمامها ، وأخذ أبو سفيان بالرِّكاب . فلا يخالف هذا ما في ((مسلم)): أنَّ العبّاس كان آخذاً بزمامها . وللبخاري في (( الجهاد )): فنزل ؛ أي عن البغلة فاستنصر . وفي ((مسلم)): فقال (( اللَّهُمَّ؛ أَنْزِلْ نَصْرَكَ )). وإِنَّما أمسكا باللِّجام !! لئلا يسرع للاتصال بالعدو !! لِمَا رَأَيًا من إقدامه وَّ ٦٩٩ - وَهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِىُّ لَاَ كَذِبْ، أَنَا أَبْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)) ، فَمَا رُئِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّمِنْهُ . ومسارعته ، وأشفقا عليه بمقتضى المحبَّة الإسلامية والرحم . ( وَهُوَ يَقُوْلُ: ((أَنَا الشَِّيُّ) حقّاً (لاَ كَذِبْ ) في ذلك ، أو والنبي لا يكذب ، فلستُ بكاذب حتَّى أَنْهزمَ ، ( أَنَا أَبْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ)) ) قال الخَطَّابي: خصَّهُ بالذِّكر !! تثبيتاً لنبؤَّته وإزالة للشكِّ ، لِما اشتهر من رؤيا عبد المُطَّلب المبشِّرة بِهِ وَ له، ولِمَا أنباَتْ به الأخبار والكهان ، فكأنه يقول : أنا ذاك ، فلا بدَّ مما وعدت به ؛ لئلا ينهزموا عنه ، أو يظنُّوا أَنَّه مغلوب ، أو مقتول . فليس من الفخر بالآباء في شيءٍ ، وليس بشعر ؛ وإن كان موزوناً ، لأنَّه لم يقصده ، ولا أراده ، وهما من شرط كونه شعراً ، وهذا أعدلُ الأجوبة . ولا يجوزُ فتح الباء الأُولىُ [ كذبَ ]، وكسر الثانية [ المطّلبِ ] ، ليخرج عن الوزن ، لأنَّه تغييرٌ للرواية بمجرَّد خيالٍ يقوم في النفس ، ولأنَّه وقع في إشكال أصعب مما فَرَّ منه ، لأن فيه نسبة اللَّحنِ إلى أفصح الفصحاء ، فالعرب لا تقفُ على متحرِّكٍ. انتهى ((زرقاني)). وهذا يُعَدُّ في غاية ما يكون من الشجاعة التامّة ، لأنَّه في مثل هذا اليوم في حَوْمة الوغى ، وقد انكشف عنه جيشُه ، وهو مع هذا على بغلةٍ ؛ ليست بسريعة ، ولا تصلح لِكَرِّ ولا فَرِّ ولا هرب ، فركوبُها وركضُها إلى وجوههم مع التنويه باسمه ليعرفه مَن ليس يعرفُه : كلُّ ذلك دليلُ النهاية فِي الشجاعة والثبات وعدم المبالاة بالعدوِّ ، وأنَّ الحربَ عنده كالسِّلْم ، صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه ، كما قال : ( فَمَا رُبِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ) ، أي : لم يُرَ في حرب هَوَازن أَقْوَى ؛ وَأشجع من النبي ◌َّر، وقد ركب بغلته ؛ وقد ظاهر عليها درعا ومِغْفَراً، وطاف على الصفوف يحضُّهم على القتال ويبشِّرُهم بالفتح ؛ إن صدقوا وصَبَروا ، وكانوا ٧٠٠