النص المفهرس

صفحات 641-660

أَنْ تَوَاضَعُوا ، أَلاَ فَتَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلاَ يَفْخَرَ
أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ،
إلهام !! خلافُ الأصل ؛ وخلافُ الظاهر بغير دليل ، والوحيُّ : إعلامٌ في خَفَاء .
( أَنْ تَوَاضَعُوْا) أي : تواضعَكم ، أي: آمركم به ( أَلاَ فَتَوَاضَعُوْا ) بخفضٍ
الجناح ولينِ الجانب ( حَتَّى لاَ يَبْفِيَ) أي: لا يجور ولا يعتدي؛ (أَحَدٌ ) منكم
(عَلَىْ أَحَدٍ ) ولو ذِمِّاً؛ أو معاهَداً؛ أو مُؤَمَّناً . والبغي : مجاوزةُ الحدِّ في الظلم .
وذلك لأنَّ مَن انكسر وتذلَّل امتثالاً لأمر الله عزَّ وجلَّ حالَ ذلك بينه وبين الفساد
والوقوع في الظلم والاعتداء والعناد، فـ ((حتَّى)) هنا بمعنى ((كي))؛ كما قال
الطيبي ، فهو علَّةٌ للتواضع ، فيكون طريقاً لترك البغي والتعدِّي .
(وَلاَ يَفْخَرَ) - بفتح الخاء المعجمة - والفخر : هو المباهاةُ بالمكارم والمناقب ؛
من حَسَب ونَسَب .. وغير ذلك، سواءٌ كان فيه ، أو في آبائه . أي : لا يباهي
( أَحَدٌ ) بتعدادِ محاسنه ؛ كِبْراً ، ورَفْعِ قدره على الناس ؛ تيهاً وعُجْباً مستعلياً بفخره
(عَلَىْ أَحَدٍ ) ليس كذلك ، فالخلقُ مَن أصل واحدٍ ، والنظر إلى العرض الحاضرِ
الزائل ليس من شأن العاقل .
قال المجدُ ابن تيمية : نهى الله على لسان رسوله ◌َّه عن نوعي الاستطالة على
الخلق ، وهما : البغي والفخر ، لأن المستطيل إن استطال بحقِّ ؛ فقد افتخر ، أو
بغير حق فقد بَغَى . فلا يحلُّ هذا ولا هذا، فإنْ كان الإنسان من طائفة فاضلةٍ ؛
كبني هاشم !! فلا يكن حظُّه استشعارَ فضلِ نفسه، والنظر إليها ، فإنَّه مخطىءٌ، إذ
فضل الجنس لا يستلزمُ فضلَ الشخص ، فرُبَّ حبشيٍّ أفضلُ عند الله من جمهور
قريش .
ثم هذا النظرُ يوجبُ بغضَه وخروجه عن الفضل ؛ فضلاً عن استعلائه بهذا .
واستطالته به .
وأُخذ منه أَنَّه يتأكَّد للشيخ التواضعُ مع طلبته، ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ
· [الشعراء] وإذا طُلب التواضع لمطلق النَّاس ؛ فكيف لمن له حقُّ
٢١٥
الْمُؤْمِنِينَ
٦٤١

وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً ».
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ
الصحبة وحرمةُ التوذُّد وصدقُ المحبَّة؟ !! لكن لا يتواضع معهم مع اعتقاد أَنَّهم
دونَه ! فقد قال ابن عطاءِ الله السَّكَندري رحمه الله تعالى : مَنْ أثبتَ لنفسه تواضعاً ؛
فهو المتكبِّرُ حقّاً، فالتواضعُ لا يكون إلاَّ عن رِفعة مع عَظَمة واقتدار ؛ ليس
المتواضعُ الذي إذا تواضع رأى أَنَّه فوقَ ما صَنَعَ ، بل الذي إذا تواضَعَ رأى أنَّه دونَ
ما صنع. انتهى ذكره المناوي على ((الجامع الصغير)).
( وَكُوْنُوْا) يا ( عِبَادَ اللهِ) فهو منادى بحذف الأداة، والخبرُ قولُه (إِخْوَاناً)))،
لا قولُه ((عباد الله)) إذ هم عبادهُ، فالقصدُ كونُهم إِخواناً. انتهى ((زرقاني)).
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ،
و ((الموطأ))، و ((الشمائل))؛ (عَنْ) أبي محمد ( عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ ) بنِ عاصم بن
كعب بن عمرو بن عَوف بن مبذول بن غنم بن مازن بن النَّجَّار الأنصاري المازني ؛
يعرف بـ (( ابن أمّ عمارة)) واسمُها نَسيبة - بفتح النون وضمها - وهو راوي
١ - حديث: صِفَة الوضوء، و ٢ - حديثِ: الرجل يشكُّ في الحدث؛ فلا ينصرف
حتى يسمعَ صوتاً ، و ٣ - حديث : صلاة الاستسقاء .
وهو غيرُ صاحب الأذان . لأنَّ هذا اسمه عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، وليس له
إلاَّ حديث الأذان فقط ، وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة : اثنتين وثلاثين
هجرية . بخلاف عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب الترجمة ؛ فإنَّ له عدَّةَ أحاديث ،
وشهد أحداً ؛ وما بعدها من المشاهد ،
واختلفوا في شهوده بدراً !! فقال ابن منده ، وأبو نعيم الأصبهاني : شهدها .
وقال ابن عبد البرِّ ؛ لم يشهدها . ويقال : هو قاتل مسيلمة الكذَّاب . شارك وحشياً
في قتله ؛ رماه وحشي بالحربة ، وقتله عبد الله بن زيد بسيفه .
خرَّج له الجماعة أهلُ الكتب الستة . وروى عنه ابن أخيه عبّاد بن تميم ،
٦٤٢

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِياً
فِي الْمَسْجِدِ ، وَاضِعاً إِحْدَىْ رِجْلَيْهِ عَلَّى اَلأُخْرَى .
ويحيى بن عمارة ، وواسع بن حبان وغيرهم .
واستشهد يوم الحَرَّة بالمدينة المنورة سنة : ثلاث وستين ، وهو : ابن سبعين
سنة ، وكان أبوه زيدٌ صحابياً (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) ؛ ذكره النووي في
((التهذيب)).
( أَنَّهُ) أي : عبد الله بن زيد (رَأَى النَّبِيَّ ◌َّرِ مُسْتَلْقِياً) ؛ أي : مضطجعاً على
قفاه ( فِي المَسْجِدِ ) ، ولا يلزم منه نومٌ، ولا يخفى أنَّه إذا حَلَّ الاستلقاء في
المسجد حلَّ الجلوس فيه بالأَوْلى ، فلهذا ذكر هذا الحديث في فصل جلوس
رسول اللهِوَ لجر، فاندفع ما يقال «الاستلقاءُ ليس من الجلوس، فلا وجهَ لذكر هذا
الحديث في هذا الباب )) .
( وَاضِعاً) حال من النبيِنَّهِ، وكذا قوله (( مُسْتَلْقِيّاً في المسجد)) حالٌ من
النبي؛ فيكون حالاً مترادفة، أو ((واضعاً)) حال من ضمير (( مستلقياً))؛ فتكون
حالاً متداخلة ، أي : حال كونه واضعاً ( إِحْدَىْ رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى ) ، وهذا يدلُّ
علىُ حِلِّ وضع الرّجل على الأخرى حالَ الاستلقاء ، مع مدِّ الأخرى ؛ أو رفعها .
لكن يعارض ذلك روايةُ مسلم؛ عن جابر: أن النبيَّ ◌َِّ قال: ((لاَ يَسْتَلْقِيَنَّ
أَحَدُكُمْ ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى » .
وجُمِع بأن الجوازَ لمن لَمْ يخف انكشاف عورته بذلك ، كالمُتَسَرْوِلِ مثلاً ،
والنهي خاصٌّ بمن خاف انكشاف عورته بذلك ؛ كالمؤتزر .
وإنما أطلق النهي !! لأن الغالب فيهم الاتزار .
نعم ؛ الأَوْلى خلافُه في مجامع الناس ، وبحضرة مَن يحتشمه ، وإن لم يخف
الانكشاف؛ لا كخدَمه وأصاغر جماعته، والظاهر مِن حال المصطفىْ وَلِّ أَنَّه إِنَّما
فعله عند خلوِّه ممن يحتشم منه .
٦٤٣

وَرَوَى أَبُو دَاوُودَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى أَلْفَجْرَ .. تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
حَسْنَاءَ ؛ أَيْ : بَيْضَاءَ نَقِيَّةً .
وهذا الجمع ــ كما قال الحافظ ابن حجر - أولى من ادِّعاء النسخ ، لأنه لا يصار
إليه بالاحتمال ، وأولىُ مِن زَعْم أَنَّه من خصائصه ، لأنه لا يثبت بالاحتمال أيضاً ،
ولأن بعض الصَّحب كانوا يفعلونه بعد المصطفى ◌َّ و بالمسجد ؛ ولم ينكره !! انتهى
مناوي ، وباجوري على (( الشمائل)).
(وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ) في (( كتاب الأدب)) ( بِسَنَدٍ صَحِيْحٍ)، وكذا رواه الإمام
أحمد ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي بتغيير في الألفاظ ؛ كلهم عن جابر بن
سمرة رضي الله تعالى عنه
( أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ كَانَ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ ) أي : يذكر الله تعالى
- كما في رواية الطبراني - ( حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ ؛ أَيْ: بَيْضَاءَ نَفِيَّةً ) ؛ أي :
زائلة عنها الصفرة التي تتخيل فيها عند الطلوع بسبب ما يعترض دونَها على الأُفُق من
الأبخرة والأدخنة . والمعنى أنَّه كان يجلس متربِّعاً في مجلسه مستقبل القبلة يذكر الله
تعالى إلى ارتفاع الشمس .
وفيه استحباب الجلوس في المصلَّى بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ، مع
الاشتغال بذكر الله تعالى في هذه الجلسة ، فإنَّ ثواب ذلك عظيم جدّاً .
فقد ورد عنه ( 18 - فيما رواه أبو داود ، وأبو يعلى ؛ عن أنس رضي الله تعالى
عنه بإسناد حسن - أنَّه قال: ((لأَنْ أَفْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالىُ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ ؛ دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمْ أَثْنَا عَشَرَ أَلفاً ، وَلأَنْ أَفْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ
تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ ؛ دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
أَثْنَا عَشَرَ أَلْفاً )).
٦٤٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ إِلاَّ قَالَ :
(( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ
إِلَيْكَ)) ، وَقَالَ: ((لاَ يَقُولُهُنَّ أَحَدٌ حَيْثُ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ .. إِلَّ غُفِرَ
لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ » .
وأخرج الترمذيُّ - وقال : حسن غريب -؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى
عنه؛ عن النبيِّ وَ ﴿ه قال: (( مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكر الله تعالی حتَّى
تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ ... تَامَّةٍ ...
تَامَّةٍ)) .
قال في ((الحرز)): قوله (( ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالىُ)) أي: استمرَّ على حالٍ
ذكره ؛ سواء كان قائماً ، أو قاعداً، أو مضطجعاً . والجلوس أفضلُ إلاَّ إذا عارضه
أمرٌ ؛ كالقيام لطوافٍ ، أو صلاة جنازة ، أو لحضور درس ونحوها . انتهى .
وما ذكره من القيام للطواف !! جرى على مثله المحقّقُ الشهاب الرَّمليُّ .
وفي (( التحفة )) لابن حجر : وأفتى بعضهم بأن الطواف بعد الصبح أفضلُ من
الجلوس ذاكراً إلى طلوع الشمس وصلاة ركعتين ، وفيه نظرٌ ظاهرٌ !! بل الصواب أَنَّ
الثاني أفضلُ ، لأنَّ صحَّ في الأخبار الصحيحة ما يقارب ذلك ، ولأن بعض الأئمة
كَرِه الطواف بعد الصبح ؛ ولم يكره أحد تلك الجلسة ، بل أجمعوا على ندبها وعظيم
فضلها. انتهى (( شرح الأذكار)) .
( وَ) أخرج الحاكم في (( المستدرك )) - قال العزيزي : وهو حديث صحيح -
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ) رسول الله (وََّ لاَ يَقُومُ مِنْ
مَجْلِسٍ ) ؛ أي : لا يفارقه ( إِلاَّ قَالَ ) - أي : قبل قيامه أو عقبه -
(: (( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) - ربي، وفي رواية: ربَّنا - (وَبِحَمْدِكَ) أي: سبَّحتُك
( لاَ إِلهَ إِلَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتَّوْبُ إِلَيْكَ))، وَقَالَ: ((لاَ يَقُوْلُهُنَّ) ؛ أي : هذه
الكلمات ( أَحَدٌ حَيْثُ يَقُوْمُ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ المَجْلِسِ » ) .
٦٤٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِساً ، فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ ..
اسْتَغْفَرَ عَشْراً إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ ،
أي : الذنوب الواقعة فيه مطلقاً ، أو خصوص الصغائر عند الجمهور إلاَّ حقوق
الخلق ؛ من نحو غيبة ، أو أخذ مال ، فلا بدَّ من رَدِّه ، أو استحلاله ؛ قاله الحفني .
قال المناوي: في رواية ((أنه كان يقول ذلك ثلاثاً)).
قال الحليمي : كان يُكثر أن يقول ذلك بعد نزول سورة الفتح الصغرى(١) عليه،
وذلك لأن نفسه نُعیت إليه بها .
فينبغي لكلِّ مَنْ ظَنَّ أنَّه لا يعيش مثل ما عاش ؛ أو قام من مجلس فظَنَّ أنَّه
لا يعود إليه أن يستعمل هذا الذكر . إلى هنا كلامه !.
وقال الطيِّبيُّ : فيه ندبُ الذكر المذكور عند القيام، وأنَّه لا يقومُ حتَّى يقولَه ،
إلا لعذر .
قال القاضي عياض: وكان السَّلف يواظبون عليه، ويسمَّى ذلك ((كفَّارة
المجلس)) .
( وَ) أخرج ابن السُّنِّيِّ في ((عمل اليوم والليلة))؛ عن أبي أمامة الباهليِّ؛
۔ وهو حديث حسن لغيره ؛ کما قال العزیزي -:
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا جَلَسَ مَجْلِساً) ؛ أي: قعد مع أصحابه يتحدَّث ،
(فَأَرَادَ أَنْ يَقُوْمَ ) منه ( اسْتَغْفَرَ ) الله تعالى (عَشْراً) من المرَّات ، وزاد (إِلَى خَمْسَ
عَشْرَةَ ) مرَّة، بأن يقول (( أَسْتَغْفِرُ اللهَ أَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ »
كما ورد تعيينهُ في خَبَر آخر ، فتارة يكرِّرُها عشراً ، وتارة يزيد إلى خمس عشرة
مرَّة .
(١) هي السورة التي ذكر فيها النصر: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ... ﴾. وأما الكبرى فهو التي ذكر
فيها ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَّكَ ... ﴾.
٦٤٦

وَرَوَى أَبْنُ السُّنِّيِّ : عِشْرِينَ مَرَّةٌ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَنْصَرَفَ .. أَنْحَرَفَ بِجَانِهِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ.
وهذه تسمَّى ((كفارة المجلس)) أي: أنَّها ماحية لما يقع فيه من اللَّغَط، وكان عليه
الصلاة والسلام يقولُها تعليماً للأمة، وتشريعاً، وحاشا مجلسَه من وقوع اللَّغَط !!.
( وَ) قد (رَوَى أَبْنُ السُّنِّيِّ) أيضاً؛ عن عبد الله الحضرمي أَنَّه ◌ِ ﴿ كان إِذا قام
من المجلس استغفر الله (عِشْرِيْنَ مَرَّةً ) ؛ فأعلن بالاستغفار . أي : نطق به جهراً ؛
لا سرّاً ، ليسمعه القومُ فيقتدوا به .
وأخرج النسائي في ((اليوم والليلة))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
ما جلس رسول الله ﴿ ﴿ مجلساً، ولا تلا قرآناً، ولا صلَّى إلاَّ ختمَ ذلك بكلمات
فقلت يا رسولَ الله أراك ما تجلس مجلساً ، ولا تتلو قرآناً ولا تُصلِّي صلاة إلا خَتمْتَ
بهؤلاء الكلمات؟! قال: ((نَعَمْ ؛ مَنْ قَالَ خَيْراً كُنَّ طَابَعاً لَهُ عَلَى ذَلِكَ الخَيْرِ ، وَمَنَ
قَالَ شَرّاً كَانَتْ كَفَّارَةً لَهُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [و] بِحَمْدِكَ، لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ ،
وَأَتُوبُ إِلِيْكَ)). انتهى. ذكره المناوي في ((الشرح الكبير على الجامع الصغير)).
( وَ) أخرج أبو داود بسند حسن ؛ عن يزيد بن الأسود العامري السوائي
رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (َِّ إِذَا أَنْصَرَفَ) ؛ أي : من صلاته
بالسَّلام ( أُنْحَرَفَ بِجَانِهِ ) ، بأن يدخل يمينه في المحراب ويسارَه إلى الناس - على
ما عليه الحنفية - ، أو عكسه ـ على ما عليه الشافعية - ؛ فيندب ذلك للإمام إلاّ إذا
كان في مسجد المدينة فالأفضل موافقةُ الحنفية، لئلا يصير مستدبراً لقبره وَايه .
انتهى (« عزيزي)).
( وَ) أخرج الطبراني في (( الكبير))؛ عن وائل بن حُجْر الحضرمي رضي الله
تعالى عنه قال :
( كَانَ بِّهِ إِذَا قَامَ) ؛ أي : من جلسة الاستراحة في الصلاة ؛ كما في
٦٤٧
١

أنَّكَأَ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ .
وَأَمَّا أَتِّكَاءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ عَلَى يَسَارِهِ .
وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ
المناوي . قال العزيزي : وظاهر الحديث الإِطلاق ، وهو المنقولُ في كتب الفقه
( أَّكَأَ) - بالهمزة -، ( عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ ) كالعاجن - بالنون -، فيندب ذلك لكلِّ
مُصَلٍّ من إمام أو غيره ؛ ولو ذَكَراً قويّاً ، لأنه أعون وأشبه بالتواضع .
وقوله (( إحدى يديه )) هو ما وقع في هذا الخبر ، وفي بعض الأخبار (( يديه ))
بدون ((إحدى))، وعليه الشافعية ؛ فقالوا لا تتأدَّى السنَّة بوضع إحداهما مع وجود
الأخرى وسلامتها ؛ قاله المناوي في ((شرحه الكبير على الجامع الصغير)).
(وَأَمَّا أَتَّكَاءُ رَسُوْلِ اللهِ وَّر)؛ وهو الاعتماد على الشيءٍ من وسادة ونحوها .
(فَـ) قد ورد فيما أخرجه أبو داود في ((اللباس))، والترمذي في (( الجامع)) في
((الاستئذان))، وقال: حديث حسن غريب. وفي ((الشمائل)) - واللفظ لها - ؛
( عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ﴾ أي :
أبصرته حالَ كونه ( مُتَّكِئَاً عَلَىْ وِسَادَةٍ ) - بكسر الواو - بوزن: إفادة - بمهملات - متعلُّقٌ
بـ ((مُتَكئاً)). وهي المِخَدَّة - بكسر الميم وفتح الخاء المعجمة - وقد يقال: (( وساد))
بلا تاء ، و((أساد )) بالهمزة بدل الواو ( عَلَىْ يَسَارِهِ ) ؛ أي : حال كونها موضوعة على
يساره ، أي : جانبه الأيسر، وهو لبيان الواقع، وإلاَّ! فيَحِلُّ الاتكاء يميناً أيضاً .
وقد بيَّن الراوي في هذا الخبر ما اتكأ عليه النبي ◌َّله وكيفية اتكائه .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، والترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل))
واللفظ لها ؛ كلهم
( عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) - بالهاء في آخره - كُنِّي بذلك !! لأنه تدلَّى من حصن بالطائف
٦٤٨

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((أَلا أُحَدِّئُكُمْ
إلى النبي ◌َّ بِبَكرة، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلاَّ هكذا.
وهو صحابي مشهور بكنيتِه ، واسمُه نُفَيْع - بضم النون وفتح الفاء ؛ بعدها مثناة
تحتية؛ مُصَغَّر - ابن الحارث بن كَلَدة - بكاف ولام مفتوحتين - ابن عمرو بن
علاج بن أبي سلمة ، وهو عبد العُزَّى بن غِيرة - بكسر الغين المعجمة - ابن عوف بن
فَسِي - بفتح القاف وكسر السين المهملة - وهو ثقيف بن منبه الثقفي البصري .
وأُّه سميّة أمةٌ للحارث بن كَلاَل ؛ وهي أيضاً أمُّ زياد بن أبيه ، فهو أخوه من
الأم .
وكان أبو بَكْرة من الفضلاء الصالحين ، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفِّي ،
وكان أولاده أشرافاً بالبصرة في كثرة العلم والمال والولايات .
قال الحسن البصري : لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضلُ من عمران بن
حُصَين ؛ وأبي بَكْرَة . واعتزل أبو بَكْرَة يوم الجمل فلم يقاتل مع أحدٍ من الفريقين .
وروي له عن النبي ◌َّي مائة حديث واثنان وثلاثون حديثاً ؛ اتفق البخاريُّ
ومسلمٌ منها على ثمانية أحاديث ، وانفرد البخاريُّ بخمسة ، وانفرد مسلم بحديث .
روى عنه ابناه : عبد الرحمن ومسلم ، وربعيُّ بن حراش ، والحسن البصري ،
والأحنف .
وكانت وفاته بالبصرة سنة : إحدى وخمسين ، وقيل سنة : اثنتين وخمسين
هجرية ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وأرضاه . ( قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((أَلاَ أُحَدِّئُكُمْ) وفي رواية: أَلَا أُخْبِرُكُمْ)) وفي أخرى :
((أَلَا أُنَبَّكُمْ)) ومعنى الكلِّ واحدٌ.
قال الزين العراقي : ويؤخَذ من ذلك أنَّه ينبغي للعالم أن يعرض على أصحابه
ما يريد أن يخبرهم به، وكثيراً ما كان يقع ذلك من المصطفى وَير ،
٦٤٩

.
بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ))،
ويحتمل ذلك أموراً ؛ منها : أن لا يجد عندهم قابليّة لما يريد إخبارهم به ،
لاحتمال كونِهم مشغولين بشيء آخر .
ومنها : حثُّهم على التفرّغ والاستماع لِما يريد إخبارهم به .
ومنها : أن يكون وَجَد هناك سبباً يقتضي التحذير بما يحذِّرُهم، أو الحضّ على
الإتيان بما فيه صلاحهم .
(بأكْبَرِ الكَبَائِرِ))) - وفي رواية: «أَلاَ أُنَُّكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ !! ((ثلاثاً)).
والمراد: أن المصطفى وسل * أعاد هذه الكلمة ثلاثَ مرَّات ؛ على عادته في تكرير
كلامه المفيد ؛ تأكيداً لينبّه السامع على احضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره - كما
يأتي في وصف كلامه ۔ .
والكبائر ؛ جمع كبيرة ، واختلف في تعريفها !! فقيل: مَا تُؤُعِّدَ عَلَيْهِ
بِخُصُوصِهِ بِنَحْوِ غَضَبٍ ، أو لعن في الكتاب أو السنة . واختاره في (( شَرْح اللُّبِّ))
للقاضي زكريا الأنصاري . وقيل : ما يوجب حدّاً .
واعترض على الأوَّل : بالظهار ، وأكل الخنزير ، والإِضرار في الوصية ؛ ونحو
ذلك مما عُدَّ كبيرة ؛ ولم يتوَّد عليه بشيء من ذلك .
واعترض على الثاني : بالفرار من الزحف ، والعقوق ، وشهادة الزور ،
ونحوها من كلِّ ما لا يوجب حدّاً ؛ وهو كبيرة .
وقيل : كلُّ جريمة تؤذِن بقلَّةِ أكتراثِ مرتكِها بالدِّين ورِقَّة الدِّيانة ؛ وعليه إمام
الحرمين . وهو أشملُ التعاريف .
لكن اعترض عليه بأنه يشمل صغائر الخِسَّة ؛ كسرقة لُقْمة ، وتطفيف حَبّة .
والإمام إنَّما ضبط به ما يُبطل العدالة من المعاصي .
قال بعض الشافعية : والتحقيقُ : أنَّ كلَّ واحد من الأوجه اقتصر على بعض
أنواعها . وبمجموع الأوجه يحصل ضابطها . وقد عَدُّوا منها جملةً مستكثرة ، حتَّى
٦٥٠

قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ)»،
قال الأذرعي في (( التوسُّط)): رأيت للحافظ الذهبي جزءاً جمع فيه من الكبائر
أربعمائة . انتهى .
أقول : قد وقفت على ذلك الجزء، فلم أجده عَدَّ فيه إلاَّ نحو ثمانين !! انتهى
( مناوي )
وقد استوعب المحقّق ابن حجر الهيتميُّ في ((الزواجر)) كلَّ ما قيل فيه (( إنَّه
كبيرة))، أو أنطبق عليه تعاريفُ الكبيرة. وقد عدَّ منها أربعمائة ونيّفاً وستين ؛ في
مجلدين ضخمين وهو مطبوع متداول !! فلينظره مَن أراده
( قَالُوْا : بَلَىْ )، أي: حدِّثْنَا ( يَا رَسُوْلَ اللهِ )
فائدة النداء مع عدم الاحتياج إليه !! الإشارة إلى عظيم الإذعان لرسالته
المصطفوية ، وما ينشأ عنها من بيان الشريعة واستجلاب ما عنده من الكمالات
والعلوم التي أُوتِيَها بعد رسالته ؛ كذا قيل. ذكره المناوي على ((الشمائل))
( قَالَ: ((الإِشْرَاكُ بِاللهِ) يعني الكفر به، وإنما عبَّر بالإشراك !! لأنه أغلب
أنواع الكفر؛ لا لإخراج غيره ( وَعُقُوْقُ) - بضمِّ العين المهملة - ( أُلوَالِدَيْنِ)) ؛ أو
أحدهما . وجَمَعَهما !! لأن عقوق أحدهما يستلزمُ عقوق الآخر غالباً ، أو يجرّ
إليه ، لأن مَن تجرّاً على أحدهما تجرَّأ على الأخر ، لأن المعصية عقوبةُ المعصية
قبلَها ، والطاعة تعجيلٌ لبعض ثواب الطاعة قبلها ، فالطاعات تتسلسل ، كما أن
المعاصي والذنوب تتسلسل بعضها يلي بعض ، فالمتأخِّرَة مِن بعض ثمرات المتقدِّمة
والمراد من العقوق : أن يصدر من الولد في حقُّهما ما من شأنه أن يؤذِيَهما من
قول ؛ أو فعل مما لا يحتمل عادة .
والمراد بالوالدين : الأصلان؛ وإن عَلَيَا. ومال الزركشيُّ الشافعي إلى إلحاق
العمّ والخال بهما ، ولم يتابعَ عليه ! .
وقرن العقوق بالشرك !! لمشاركته له من حيث أَنَّ الأبَ سببُ وجوده ظاهراً ؛
٦٥١

قَالَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مُتَكِئاً - قَالَ :
((وَشَهَادَةُ الزُّور))؛ أَوْ: ((قَوْلُ الزُّور)).
وهو يربِّه، ولذلك ذكرهما تعالى في سلك واحد، فقال ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ
إِلَّ إِيَّاهُ وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ [٢٣/ الإسراء].
( قَالَ ) أي : أبو بكرة ( وَجَلَسَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ)؛ تنبيهاً على عُظْمِ إِثمٍ شهادة
الزور وتأكيدِ تحريمها وعظيم قبحِها . ( وَكَانَ مُتَكِئاً ) قبل جلوسه .
وهذا وجهُ مناسبةِ الحديث للترجمة ، لأن فيه الاتِّكاءَ .
( قَالَ)؛ أي: النبيُّ وَّرِ استئنافٌ بيانيٌّ، فكأَنَّ سائلاً قال : ما فعل بعد
ما جلس !! فقال: قال ( وَشَهَادَةُ الزُّورِ ) ؛ عطف على ما سبق، أي : وأكبر
الكبائر شهادة الزور .
وخصَّها !! ١ - لما يترتَّبُ عليها من نحو قتل وزنا، و ٢ - لغلبة وقوع الناس
فيها واستهانتهم بها ، فإنَّ الشِّرك ينبو عنه قلبُ المسلم ، والعقوقُ يُضرِب عنه
الطبع . وأما الزور !! فالحامل عليه كثيرٌ ؛ من نحو عداوة ، وحسد ، فاحتيج
للاهتمام بتعظيمه ، وليس ذلك لكونه فوقَ الإشراك ؛ أو مثلَه ، بل لتعدِّي مَفسدته
إلى الغير ، فكانت أبلغَ ضرراً من هذا الوجه .
قال القرطبي : شهادةُ الزور هي الشهادةُ بالكذب ليتوصَّل بها إلى الباطل ؛ من
إتلاف نفس ، أو أخذ مال ، أو تحليل حرام ؛ أو تحريم حلال ، فلا شيء أعظمُ
ضرراً منه ، ولا أكثر فساداً بعد الشرك بالله . انتهى ؛ ذكره العلامة ملا علي قاري .
قال المُطَرِّيُّ : وأصلُ الزُّور تحسينُ الشيء ، ووصفه بخلاف صفته حتَّى يُخَيَّل
لمن سمعه بخلاف ما هو. وقيل للكذب ((زور)) !! لأنه مائل عن جهته.
( أَوْ (( قَوْلُ الزُّوْرِ ))) شٌّ من الراوي ، لا من الصحابي ، إذ يبعُد نسيانه مع
المبالغة وكثرة التكرار . ورواية البخاري لا شكَّ فيها ؛ وهي (( أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ ،
وَشَهَادَةُ الزُّورِ )) فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: أَلاَ سَكَتَ !!.
٦٥٢

قَالَ: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ
سَكَتَ .
قال ابن دقيق العيد : يحتمل أن يكون عطْفَ تفسير ، فإنَّاً لو حملنا القول على
الإِطلاق ؛ لزم أن الكذبة الواحدة كبيرة !! وليس كذلك .
وجزم غيرُه بأَنَّه عطفُ خاصٍّ على عامّ ، وأَنَّ كلَّ شهادةِ زور قولُ زور ،
ولا ينعكس .
وفيه أنَّه ينبغي للواعظ والمفيدِ فعلُ ما يفيد كثرةَ توجُّه الحاضرين من تغيير
الوضع والتكرار والمبالغة وإجهاد النفس في الإفادة ؛ حتَّى يرحمه السامعون ، كما
يدلُّ له قوله ( قَالَ ) أي : أبو بَكْرة
(: فَمَا زَالَ رَسُوْلُ اللهِهِ يَقُوْلُهَا) أي: هذه الكلمة؛ وهي (( شَهَادَةُ الزُّورِ ،
أَوْ قَوْلُ الزَّور)) (حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ ) تمنّوا سكوته !! شفقةً عليه وكراهة لما
يزعجه ، أو خوفاً أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاءِ عليهم . وفيه ما كانوا
عليه من كثرة الأدب والمحبّة والشفقة عليه وَلاه .
٦٥٣

اَلْفَصْلُ السَّادِسُ
فِي صِفَةٍ كَمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَجَاعَتِهِ
( اَلْفَصْلُ السَّادِسُ )
من الباب الخامس
(فِي ) بيانِ ما ورد في ( صِفَةٍ كَرَمِهِ )
- بفتحتين - (وَلا ) .
اعلم أنَّ الجود والكرم والسخاء معانيها متقاربةٌ ، وبعضهُم جعل بينها فَرْقا ؛
فقال : الكرم - بفتحتين - : الإنفاق بطِيْب نفس فيما يعظم خطره .
وفي ((القاموس)): الكرم - محرَّكة -: ضدُّ اللؤم، كَرُمَ - بضمِّ الراء - كرامة
وكرماً ؛ فهو كريم . وفي (( القاموس )) أيضاً : اللؤم: ضدُّ الكرم . انتهى
والسخاء : صفة غريزية ؛ وهي سهولةُ الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد من
الصنائع المذمومة ؛ كالحجامة ، وأكل ما لا يحلُّ ؛ مأخوذ من الأرض السَّخَاوية
وهي الرِّخوة اللينة، ولذا وُصِف الله تعالى بـ ((جوادٌ)) دون (( سخي))، لأنه أوسع
في معنى العطاء ، وأدخل في صفة العُلا . فعلى هذا هو أَخصُّ ، وفي مقابلة
السخاء : الشحّ ، وهو أشدُّ البخل . والشخُ من لوازم صفة النفس ، قال الله تعالى
﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ﴾ - أي: حرصها على المال - ﴿ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٩
[الحشر] فَحَكم بالفلاحِ لمن وُقي الشخَّ ، وحكم بالفلاح لمن أَنفق وبذل ؛ فقال
أُوْلَئِكَ عَ هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ
٣
الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ [٢ - ٥/ البقرة]
والفلاح أجمع أسمٍ لسعادة الدارين ، وليس الشخُ من الآدمي بعجيب ، لأنَّه
جِبِّي فيه ، وإنما العَجَب وجودُ السخاء في الغريزة .
والسخاءُ أتمُّ وأكملُ من الجود ؛ بناء على تغايرهما . والأصحُّ أن السخاء أدنى
٦٥٤

منه ، ولذا لم يوصف الله به - كما مرَّ - وفي مقابلةِ الجود البخلُ ، وفي مقابلة
السخاءِ الشخُ ...
والجود : إعطاء ما ينبغي شرعاً لمن ينبغي أن يُعطى لاستحقاقه ، لأجل الصفة
القائمة به ؛ كالفقر . وقيل : الجودُ تجنُّبُ اكتسابِ ما لا يحمد ، وهو ضِدُّ التقتير .
والجواد الذي يتفضَّل على مَن يستحقُّ ، ويُعطي مَن لا يسأل ، ويعطي الكثير ؛
ولا يخاف الفقر . والسخِيُّ : الليِّنُ عند الحاجة.
قال الأستاذ القشيريُّ : قال القوم : من أعطى البعض فهو سخي ، ومن أعطى
الأكثر ؛ وأبقى لنفسه شيئاً فهو جواد ، ومَن قاسىُ الضُّرَّ وآثر غيره بالبُلْغة فهو مؤثر .
انتهى .
والجود والبخل يتطرّق إليهما الاكتسابُ بطريق العادة ، بخلاف الشحِّ
والسَّخَاء ، إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة ؛ فلا يمكن اكتسابهما ، وبناء على
التفرقة يقال : كلُّ سخيٍّ جوادٌ ، وليس كلُّ جوادٍ سخيّاً .
والجود يتطرّق إليه الرياءُ ، ويأتي به الإنسان متطلِّعاً إلى غَرَض من الخلق ؛ أو
الحقِّ بمقابلة من الثناء ، أو غيره من الخلق والثواب من الله تعالى .
ولا يتطرّق الرياءُ إلى السخاءِ ، لأنه غريزةٌ لا صنع فيه ، فلا يقصد به غرض ،
إذ هو ينبع من النفس الزكيَّة المرتفعة عن الأغراض . أشار إليه العارف السُّهروردي
في ((عوارف المعارف)). انتهى؛ ذكره في ((المواهب )) وشرحِها.
( وَ) في بيان ما ورد في صفة ( شَجَاعَتِهِ )
- مثلَّث الشين المعجمة - قال الشامي : الشجاعةُ : انقياد النفس مع قوَّة
غَضَبِيَّة ، ومَلَكةٌ يصدرُ عنها انقيادُها في إقدامها متدرِّبةٌ على ما ينبغي ؛ في زمنٍ
ينبغي ؛ وحال ينبغي . انتهى
وهي مصدر شَجُع - بالضمِّ - شجاعة ، فهو شجيع وشُجاعٍ - بضمِّ الشين -،
٦٥٥

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: مَا سُئِلَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً قَطُ فَقَالَ: ( لاَ).
وبنو عقيل بفتحها ؛ حملاً على نقيضه وهو جَبَان ، وبعضهُم كَسَرها للتخفيف ؛
فراراً من توالي حركات متوالية من جنس واحد ، وهو : الشديد القلب عند البأس
المستهين بالحروب. انتهى من ((شرح المواهب)) الزرقاني .
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عَمْرِو بن حَرام (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ أَنَّهُ
قَالَ)؛ فيما رواه البخاريُّ، ومسلم، والترمذي في ((الشمائل)) - وهذا لفظها - :
حدَّثنا محمد بن بشّار ؛ قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ؛ قال : حدَّثنا
سفيان ، عن محمد بن المنكدر ؛ قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول :
( مَا سُئِلَ رَسُوْلُ اللهُ نَّهِ) ؛ أي: ما طلب منه أحد ( شَيْئاً) يقدر عليه من أمور
الدنيا الخيرية ( قَطُّ ) أبداً، (فَقَالَ ((لاَ) أُعطيكَ)) ردّاً له، بل إمّا أن يُعطِيَه ؛ إن
كان عنده المسئول ، أو يقول له ميسوراً من القول بأن يَعِدَهُ ، أو يدعُوَ لَهُ ، فكان إن
وَجَد جاد، وإلَّ وَعَد ؛ ولم يخلف الميعاد . ولذلك قال الفرزدق :
مَا قَالَ ((لا)) قَطُّ إِلَّ فِي تَشَهُّدِهِ لَوْلاَ اُلَّشَهُدُ كَانَتْ لاَءَهُ (( نعم))
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): ليس المراد بقول جابر (( فقال :
(( لا ))): أنَّه يعطي ما يُطلَب منه جزماً ، بل المرادُ أَنَّه لا ينطق بالردِّ ، بل إن كان
عنده شيءٌ أعطاه ؛ إن كان الإعطاء سائغاً ، وإلاَّ! سكت ، أو أعتذر . قال :
وقد ورد بیان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية ؛ عند ابن سعد - ولفظه ـ :
كان إذا سُئل فأراد أن يفعل ؛ قال ((نَعَمْ)). وإن لم يُرد أن يفعل سكت . وهو
قريبٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق : ما عاب طعاماً قطُّ إن اشتهاه
أكله ، وإلا تَرَكه .
وبهذا لا يخالف ما ورد (( أنَّ مَن سأله حاجةً لا يردُّهُ إلَّ بها ؛ أو بميسورٍ من
القول)) ذكره في (( المواهب)).
٦٥٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُسْأَلُ شَيْئاً إِلاَّ أَغْطَاهُ ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَى قُوتِ
عَامِهِ فَيُؤْثِرُ مِنْهُ، حَتَّى لَرُبَّمَا أَحْتَاجَ قَبْلَ أَنْقِضَاءِ أَلْعَامٍ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ شَيْءٌ .
قال الباجوري: والمرادُ أَنَّه لم يقل (( لا))؛ منعا للإعطاء ، فلا يُنافي أنَّه قاله
١ - اعتذاراً؛ إن لاق الاعتذار، كما في قوله ((لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ))، أَوْ
٢ - تأديباً للسائل؛ إن لَم يَلِقْ به الاعتذار، كما في قوله للأشعريين (( وَاللهِ
لاَ أَحْمِلُكُمْ)) ، فهو تأديب لهم لسؤالهم ما ليس عنده ؛ مع تحقُّقهم ذلك، ومِن ثَمَّ
حَلَف حسماً لطمعهم في تكليفه التحصيلَ مع عدم الاضطرار إلى ذلك . انتهى .
( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ وَِّ لاَ يُسْأَلُ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ ) .
قال العراقي : رواه الطيالسيُّ ، والدارِميُّ ؛ من حديث سهل بن سعد .
وللبخاريِّ من حديثه : أنَّ الرَّجل الذي سأله الشملة ؛ فقال له القوم : سألتَه
إِيَّاها ؛ وقد علمتَ أَنَّه لا يردُّ سائلاً !! الحديث .
ولمسلم من حديث أنس : ما سُئل على الإسلام شيئاً إلاَّ أعطاه .
وفي ((الصحيحين))؛ من حديث جابر: ما سُئِل شيئاًقطُّ؛ فقال ((لا)). انتهى .
قلت : ورواه الحاكم ؛ من حديث أنس بلفظ : لا يُسْأَلُ شيئاً إلاَّ أعطاه . أوسكت .
وروى الإمام أحمدُ ؛ من حديث أبي أُسيد السَّاعدي : كان لا يَمنع شيئاً يُسأَلَه .
وكان ◌َّه يؤثر على نفسه وأولاده ، فيعطي عطاءً تَعجز عنه الملوك ؛ كما سيأتي
للمصنفِّ تفصيلُه .
ومن ذلك مما لم يذكره : جاءته امرأة يومَ حنين أَنشدته شعراً تُذَكِّرِه أيَّام رضاعته
في هوازن ، فردَّ عليهم ما قيمَتُه خمسمائة ألف ألف .
قال ابن دحية: وهذا نهايةُ الجود الذي لم يُسمع بمثله. انتهى ((إتحاف)).
( ثُمَّ يَعُوْدُ عَلَى قُوْتٍ عَامِهِ ) الَّذِي اذَّخره لعياله ، ( فَيُؤْثِرُ مِنْهُ ) على نفسه وعياله
( حَتَّى لَرُبَّمَا أَحْتَاجَ قَبْلَ أَنْقِضَاءِ العَامِ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ شَيْءٌ ) .
٦٥٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَكَادُ يُسْأَلُ شَيْئاً إِلاَّ فَعَلَهُ.
قال العراقي : هذا معلومٌ . ويدُّ عليه ما رواه الترمذيُّ ، وابن ماجه ،
والنسائي ؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما :
توفِّي ودرعُه مرهونةٌ بعشرين صاعاً من طعام أخذه لأهله .
وقال ابن ماجه : بثلاثين صاعاً من شعير . وإسناده جيد .
وللبخاري ؛ من حديث عائشة : توفي ودرعه مرهونة عند يهودي . انتهى
قلت : اليهودي هو أبو الشحم . والجمع بين الروايتين أَنَّه أخذ منه أَوَّلاً
عشرين ؛ ثم عشرة ، ثم رهنه إيّاها على الجميع ، فمن روى العشرين لم يحفظ
العشرة الأخرى ، ومَنْ روى الثلاثين حفظها ، على أنَّ روايتها أصحُّ وأشهرُ ، فكانت
أولى بالاعتبار .
وهذا يدلُّ على غاية تواضعه وَّلته، إذ لو سأل مياسير(١) أصحابه في رهن درعه
الرهنوها على أكثر من ذلك، فإذا ترك سؤالَهم وسأل يهودياً ؛ ولم يبالِ بأنَّ منصبه
الشريفَ يأبى أن يسأل مثل يهودي في ذلك ؛ فدَلَّ على غاية تواضعه وعدمِ نظره
لحقوق مرتبته .
وفيه دليلٌ على ضيق عيشه وَّر، لكن عن اختيار ؛ لا عن اضطرار ، لأن الله
فتح عليه في أواخر عمره من الأموال ما لا يحصى ، وأخرجَها كلَّها في سبيل الله ،
وصبر هو وأهلُ بيته على مُرِّ الفقر والضيق والحاجة التامَّة . انتهى ؛ ذكره في شرح
((الإحياء)) المسمَّى ((إتحاف السادة المتقين)).
( وَ) أخرج الطبراني في (( الكبير)) ؛ عن طلحة رضي الله تعالى عنه :
( كَانَ بِّهِ لاَ يَكَادُ يُسْأَلُ) - بالبناء للمفعول - أي: لا يطلبه أحد ( شَيْئاً) من
متاع الدنيا ( إِلاَّ فَعَلَهُ) . أي : جاد به على طالبه ، لما طُبع عليه من الجود ، فإن لم
(١) جمع موسر ، أو ميسور . أي أصحاب اليسار في النفقة أو السعة في الرزق.
٦٥٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَايَكَادُ يَقُولُ لِشَيْءٍ : (لاَ)، فَإِذَا هُوَ
سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ .. قَالَ: (نَعَمْ). وَإِن لَّمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ .. سَكَتَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ أُلنَّاسِ بِالْخَيْرِ ،
يكن عنده شيء ؟! وَعَد ، أو سكت . ولا يصرِّحُ بالردِّ - كما تقدَّم - .
( وَ) أخرج ابن سعد في ((طبقاته)) عن محمد [ ابن الحنفية ] بن علي بن
أبي طالب مرسلاً :
( كَانَ رَِّ لاَ يَكَادُ يَقُوْلُ لِشَيْءٍ لاَ) أي : لا أعطيه ، أو لا أفعل .
( فَإِذا هُوَ سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ ) المسؤولَ فيه ( قالَ: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ
سَكَتَ ) ، ولا يصرِّحُ بالردِّ ، لما مرَّ .
وفي ((مسند الطيالسي والدارمي))؛ من حديث سهل بن سعد : كان لا يُسْأَل
شيئاً إلاَّ أعطاه انتهى ((مناوي)).
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ، والترمذي في ((الشمائل))
- واللفظ لها - :
(عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ ) - أي: في
حدّ ذاته ؛ بقطع النظر عن أوقاته وأحواله الكريمة - ( أَجْوَدَ النَّاسِ ) أي : أَشدّهم
جوداً ( بِالخَيْرِ ) ، أي بكلِّ خيرٍ من خَيْري الدنيا والآخرة ، لله وفي الله ؛ من بذل
العلم والمال ، وبذل نفسه لإظهار الدين وهداية العباد ، وإيصال النََّع إليهم بكلِّ
طريق ، وقضاءِ حوائجهم ، وتحمُّل أثقالهم ، فكان يسمحُ بالموجود ، لكونه
مطبوعاً على الجود ؛ مستغنياً عن الفانيات بالباقيات الصالحات ، فكان إذا وَجَد
جاد ، وإذا أحسن أعاد ، وإن لَّم يجد وَعَد ؛ ولم يخلف الميعاد ، ويجود على كلِّ
أحدٍ بما يَسُدُّ خُلَّته .
فـ ((أجود)): أفعل تفضيل؛ من الجود، وهو : إعطاء ما ينبغي ؛ لمن
٦٥٩

وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ فَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيَعْرِضُ
عَلَيْهِ أَلْقُرْآنَ ،
ينبغي ؛ على ما ينبغي . ولما كانت نفسُه أشرف النُّفوس ؛ كانت أخلاقه أفضلَ
أخلاق الخلائق ؛ فيكون أجودَ النَّاس .
وبالجملة : فكان يعطى عطاءَ الملوك ؛ ويعيش عيش الفقراء . فكان يربط على
بطنه الحجر من الجوع ، وکان یمزُّ علیه الشهر والشهران ؛ لا يوقد في بيته نار
( وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُوْنُ) برفع ((أجود))؛ على أنه اسم ((كان))، و((ما))
مصدرية ، والخبر محذوفٌ ، والتقدير : كان أجودُ أكوانِه حاصلاً إذا كان مستقرّاً
(فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)، وبنصب (( أَجْوَدَ))؛ على أنَّه خبر ((كان))، واسمها ضميرٌ
يعودُ على النبي ◌َّارِ .
والمعنى: وكان النبي ◌ّ مدَّةَ كونِه في شهر رمضان أجودَ من نفسه في غيره ،
لكن الرفع هو الذي في أكثر الروايات فهو الأشهر ، والنصب أظهر .
( حَتَّى يَنْسَلِخَ ) غايةٌ في أجودِيَّتِه .
والمعنى أنَّ غايةَ جودِه كانت تستمرُّ في جميع رمضان إلى أن يفرغ ، ثمَّ يرجع
إلى أصل جوده الذي جُبل عليه الزائد عن جود الناس جميعاً .
وإنَّما كان ◌َّهِ أجودَ ما يكونُ في رمضان ، لأنَّهُ موسم الخيرات ، وتزايد
البركات ، فإنَّ الله تعالى يَتَفضَّل على عباده في هذا الشهر ما لا يتفضَّل عليهم في
غيره. وكان ◌َّهِ متخلِّقاً بأخلاق ربِّه؛ (فَيَأْتِيْهِ جِبْرِيْلُ) عند ملاقاته ومدارسته
القرآن، كما يدلُّ عليه قوله الآتي: ((فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِئِلُ كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ أَجْوَدَ
بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيْحِ المُرْسَلَةِ »
( فَيَعْرِضُ) - بفتح التحتية وكسرِ الرَّاء - لأنَّه من ((باب ضرب )) ، أي : فيعرض
النبيُّ نَّهِ (عَلَيْهِ) أي: على جبريل ( القُرْآنَ)، كما يدلُّ عليه روايةٌ
((الصحيحين)): كان جبريلُ يلقاه كلَّ ليلة في رمضان يعرض عليه النبيِ وَّر القرآن،
٦٦٠