النص المفهرس

صفحات 621-640

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَخْصِفُ النَّعْلَ ،
وَيَرْقَعُ الْقَمِيصَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيَقُولُ: ((مَنْ رَغِبَ عَنْ
سُنَِّي .. فَلَيْسَ مِنِّي)).
( وَ) أخرج ابن عساكر في ((تاريخه))، وأبو الشيخ في ((كتاب الأخلاق)):
كلاهما ؛ عن أبي أيوب الأنصاري ، وفي سنده راويان ضعيفان :
( كَانَ وَّهِ يَرْكَبُ أُلحِمَارَ ) ، زاد ابن سعد في رواية : عرياً ؛ ليس عليه شيء.
وذلك - مع ما فيه من غاية التواضع - إرشادٌ للعباد، وبيانُ أنَّ ركوبه لا يُخِلُّ بمروءةٍ
ولا رفعة ، بل فيه غايةُ التواضع وكسر النَّفْس .
(وَيَخْصِفُ) - بفتح المثناة التحتية - ( أُلنَّعْلَ ) أي : يصلحها بترقيع وخرز .
( وَيَرْقَعُ) - بالقاف ؛ من باب قطع - ( القَمِيْصَ ) أي : يجعل مكان القطع
خرقة من نوعه ؛ ومن غير نوعه .
(وَيَلْبَسُ ) - بفتح المؤَّحدة - يقال: لِبس الثوب يلبَس - بفتح الباء الموخَّدة ؛
في المضارع ، وكسرِها في الماضي -، ويقال لَيَس يَلْبِس - بفتح الموحّدة في
الماضي ، وكسرها في المضارع ؛ بمعنى خلط ..
وقد نظم الفرق بينهما بعضهم ؛ فقال :
أَتَىْ فَتْحٌ ، وَفِي المَاضِي بِكَسْرٍ
لِعَيْنِ مُضَارِعٍ فِي لُبْسِ ثَوْبٍ
لِعَيْنِهِمَا فَخُذْهُ بِغَيْرِ عُسْرٍ
وَفِي خَلْطِ الأُمُورِ أَتَىْ بِعَكْسٍ
( أَلَصُّوْفَ) ؛ رداءاً وإزاراً وعمامة. (وَيَقُوْلُ) مُنكِراً على مَنْ ترفَّع عن ذلك:
((هَذِهِ سُنَّيْ، وَ( مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَِّيْ) - أي: طريقتي وهديي - ( فَلَيْسَ مِنِّيْ))) ؛
أي : من العاملين بطريقتي السالكين منهجي ، وهذه سُنَّةً الأنبياء قبله أيضاً .
روى الحاكم، والبيهقيُّ في ((الشعب))؛ عن ابن مسعود : كانت الأنبياء
يستحِبُّون أن يلبسوا الصوف ، ويحلبوا الغنم، ويركبوا الحُمُر .
وقال عيسى عليه الصلاة والسلام : بحقِّ أقُولُ : إنَّه من طلب الفردوس فغذاء
الشعير له ، والنومُ على المزابل مع الكلاب كثير .
٦٢١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْقِلُ الْبَعِيرَ، وَيَعْلِفُ نَاضِحَهُ، وَيَأْكُلُ
مَعَ الْخَادِمِ ، وَيَعْجِنُ مَعَهَا، وَيَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ مِنَ الشُّوقِ .
وفيه ندبُ خدمةِ الرجل نفسه ، وأنَّه لا دناءة في ذلك .
( وَ) في ((الشفاء)): (كَانَ وَُّ يَعْقِلُ) - بكسر القاف ؛ بوزن يضرب -
( أَلْبَعِيْرَ ) ؛ أي : يربطه في رجله بالعِقَال ؛ وهو ما يُعْقَل به من الحبال.
( وَيَعْلِفُ) - بكسر اللام - ( نَاضِحَهُ) - بنون وضاد معجمة وحاء مهملة - أي :
بعيره الذي يستقي عليه الماء .
( وَيَأْكُلُ مَعَ الخَادِمِ ) الخادم : متعاطي الخدمة ؛ ذكراً كان أو أنثى، حُرّاً أو
عبداً ، وأكل الإنسان مع خادمه سُنَةً .
قال القاضي زكريا؛ في (( شرح الروض)): السنَّةَ أن يُجلِس خادمَه للأكل
معه ، ويُلْبِسه من لباسه ، فإنْ أبى فليناوله مما يأكله .
ومن الغريب ما نقل عن الشافعي: أنَّه واجبٌ للأمربه في الحديث . وفيهنظرٌ !!
( وَيَعْجِنُ مَعَهَا) الضميرُ للخادم ، لأنَّ يطلق على الأُنثى - كما مرَّ-، والعجين
من عمل النساء غالباً ، ( وَيَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ) - بكسر الموخَّدة - : ما يشتريه ( مِنَ
السُّوْقِ ) إلى محلُّه في بعض أوقاته، إذ ثبت أنَّه عليه الصلاة والسلام كان له خَدَم
يقومون بما لَهُ من المرام .
وفي ذلك دلالة على أَنَّه وَلِّ كان يدخل السوق ، قالوا : وهو عادةُ الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام ، قال الله تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ
لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ اَلْأَسْوَاقِ﴾ [٢٠/ الفرقان] وكذا كان دأب الصحابة
رضي الله تعالى عنهم .
ولا ينافيه: «أَحَبُّ الِقَاعِ إِلى اللهِ تَعَالىُ المَسَاجِدُ، وَأَبْغَضُهَا إِلىُ اللهِ
الأَسْوَاقُ» !! لأن المرادَ بُغْضُ ما فيها ، أو النهيُ عن الجلوس فيها من غير حاجة .
انتهى (( خفاجي، وقاري)».
٦٢٢

وَ( النَّاضِحُ): الْبَعِيرُ يُسْتَقَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ بَعِيرٍ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : دَخَلْتُ السُّوقَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ وَأَخَذَهُ، فَذَهَبْتُ
لِأَحْمِلَهُ ، فَقَالَ: (( صَاحِبُ الشَّيْءٍ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ)) .
( وَالتَّاضِحُ) - بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة آخره - هو (: أُلبَعِيْرُ
يُسْتَقَى عَلَيْهِ ) الماءُ ، والأنثى ناضحة ؛ بالهاء .
سُمِّي ناضحاً !! لأنَّ ينضح العطش . أي : يُبله بالماء الذي يحمله ؛
هذا أصله، ( ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ) الناضحُ ( فِي كُلِّ بَعِيْرٍ ) ؛ وإن لم يحمل الماءَ ،
وجمعه : نواضح .
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط))، وأبو يعلى في ((مسنده)) - بسند ضعيف
جدّاً - ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) قال :
( دَخَلْتُ السُّوْق) يوماً؛ (مَعَ رَسُوْل اُللهِ وَّ) فجلس إلى البزازين؛ (فَأَشْتَرَى
سَرَاوِيْلَ ) بأربعة دراهم . وسراويل فارسي معربٌ ، يذكَّر ويؤنَّث ، ولم يعرف فيه
الأصمعيُّ إلَّ التأنيث . وجمعه سراويلات . والأشهر عدمُ صرفه .
وكان لأهل السوق وَزَّانٌ، فقال له: ((زنْ وَأَرْجِخْ)).
(وَأَخَذَهُ) أي: أخذ رسول الله وَّ السراويل . قال أبو هريرة:
(فَذَهَبْتُ) أي: قصدت (الأَحْمِلَهُ) عنه؛ (فَقَالَ) ◌َّرَ لأبي هريرة (: (( صَاحِبُ
الشَّيْءٍ أَحَُّ بِشَيْئِهِ ) - أصله بالهمزة ، قلبت ياء وأدغمت فيها الياء - أي : بمتاعه
المختصِّ به ( أَنْ يَحْمِلَهُ))) . أي : أحقُّ بحمله، لأنَّه أبقى على تواضعه ، وأنفى
لكبره وتمام الحديث - بعد قوله ((أن يحمله)) -: ((إِلاَّ أن يكون ضعيفاً ؛ فيعجزَ عنه
فيعينه أخوه المسلم )) . فقلت : يا رسول الله ؛ إِنَّك لَتلبس السراويل. قال : أجل في
السَّفر والحضر ، وبالليل والنهار ، فإنِّي أمرت بالستر ، فلم أجد أسترَ منه . انتهى .
٦٢٣

وكذا أخرجه ابن حبَّان في ((الضعفاء))؛ عن أبي يعلى، والدارقطني في
((الأفراد))، والعقيلي في ((الضعفاء))، ومداره على يوسف بن زياد الواسطي ؛
وهو وشيخه ضعيفان .
بل بالغ ابنُ الجوزيِّ فذكر الحديث هذا في (( الموضوعات)) !! وتعقّبه
السيوطيُّ ، واقتصر الحافظُ ابن حجر وغيره على أنَّه ضعيف فقط .
لكن صحَّ شراء النبيِّ ◌َّ للسراويل من غير هذا الطريق، فقد روى الإمام
أحمد، وأصحاب ((السنن الأربعة))، وصحَّحه ابنُ حِبَّان ؛ عن سويد بن قيس
قال: جلبت أَنا ومخرمةُ العبدُ بزّاً من هَجَر، فأتينا مَّة، فجاءنا رسول الله وَله
ونحن بمنىّ فتساومنا سراويل؛ فبعناه منه فوزن ثمنه، وقال للوزَّان : (( زِنْ
وَأَرْجِحْ )) .
وروى النَّسائيُّ ، وأحمد ؛ عن أبي صفوان: مالك بن عُمَيرة الأسدي: أَنَّه باع
من النبي ◌َّ قبل أن يهاجر رجلٌ سراويلَ ؛ فلما وزن له أرجحَ له ، وهذه القصَّة غير
التي ساقها المصنف ، لأنَّها بعد الهجرة ، إذ أبو هريرة إنما جاء في خيبر !!.
واختلف العلماء : هل لبس النبي ◌َّر السراويل؛ أم لا !! فجزم بعض العلماء
بأنَّه لم يلبسه ، ولكن اشتراهُ ، ويستأنس له بما جزم به النَّوويُّ في (( ترجمة عثمان بن
عفان))؛ من كتاب ((تهذيب الأسماء واللغات)): أنه رضي الله عنه لم يلبس
السراويل في جاهليةٍ ولا إسلام إلاَّ يوم قتله ؛ مخافة أن تظهر عورته ، فإنَّ الصحابة
رضي الله عنهم كانوا أحرصَ شيء على اتباعه له.
وفي ((الهدي النبوي)) لابن القيِّم: الظاهر أنَّه إنما اشتراه ليلْبَسَه .
قال الحافظ ابن حَجَر : وما كان ليشتريه عَبَئاً ، وإن كان غالبُ لبسه الإزارَ !!
ويحتمل أنَّه اشتراه لغيره ! وفيه بعد . وكانوا يلبَسُونه في زمانِه ، وبإذنه ، بل قال
الشاميُّ: يؤيِّدُ ابنَ القيِّم أن البيهقي في (( الشعب))، وابنَ الجوزي في (( الوفاء))
وغيرهما من العلماء أوردوا الحديث في ((باب ما كان رسول الله وَّر يلبَسه)).
٦٢٤

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ
مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ .. لَمْ
يَقُومُوا ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ
وقد ترجم البخاري في (( كتاب اللباس))؛ من (( صحيحه)) باب السراويل،
وأورد فيه حديث المُحرِم : ((لاَ تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلاَ السَّرَاوِيْلَ ... )) الحديث،
لكونه لم يرد فيه شيء على شرطه ، فاكتفى بما دَلَّ عليه الحديث : أنَّ الحلال يجوز
له لبس السراويل .
وروى أبو نُعَيم؛ عن أبي هريرة مرفوعاً: (( أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيْلَ إِبْرَاهِيْمُ
اُلْخَلِيْلُ)). قيل: ولذا كان أوَّلَ مَنْ يُكسى يومَ القيامة؛ كما في ((الصحيحين)).
وروى الترمذيُّ؛ وقال غريب، عن ابن مسعود رفعه: (( كَانَ عَلَى مُؤْسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ
رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ، وَكُمَّةُ صُوفٍ، وَجُبَّةُ صُوْفٍ، وَسَراوِيِلُ صُوفٍ، وَكَانتْ نَعْلَاَهُ
مِنْ جلْدِ حِمَارٍ مَيْتٍ )). والكُمَّة - بالضمِّ -: القلنسوة الصغيرة. صحَّحه الحاكمُ
وردّه المنذريُّ. انتهى من ((شرح المواهب)) و (( شرح الشفاء)). وقد تقدَّم الكلام
على السراويل في ((اللباس)).
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسنده ( عَنْ أَنَسِ) بنِ مالك (رَضيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ ) أي : أكثر محبوبيَّة ( إِلَيْهِمْ ) أي : إلى
الصحابة ( مِنْ رَسُوْلِ اللهِ وَّر)، لأنَّه أنقذهم من الضلالة، وهداهم إلى السعادة،
حتى قال عمر : يا رسول الله ؛ أنت أحبُّ إليَّ مِنْ كلِّ شيءٍ إلاَّ من نفسي.
فقال ◌َله: لاَ يَكْمُلُ إِيمَانُكَ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ)) . فسكت ساعة ، ثم
قال : حتَّى من نفسي. فقال: ((ألاَنَ تَمَّ إِيْمَانُكَ يَا عُمَرُ)).
وقاتلوا معه آباءَهم وأبناءَهم، فقتل أبو عبيدة أباه، لإيذائه للمصطفىّ وَّيه .
وتعرَّض أبو بكر لقتل ولده عبدِ الرحمن يوم بدر ... إلى غير ذلك مما هو مبيَّنٌ في
كتب السِّيَر .
( قَالَ ) أي أنسرٌ (: وَكَانُوْا إِذَا رَأَوْهُ) أي: مقبلاً (لَمْ يَقُوْمُوْا) له ( لِمَا يَعْلَمُوْنَ
٦٢٥

مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ .
وَأَمَّا جُلُوسُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى عَنْهُ قَالَ :
مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ !) ، أي : لأجل المعلوم المستقرِّ عندهم ، وهو كراهته لذلك
القيام ؛ تواضعاً وشفقةً عليهم ، وخوفاً عليهم من الفتنة ؛ إذا أفرطوا في تعظيمه ،
وإسقاطاً لبعض حقوقه المعيَّنة عليهم ، فاختاروا إرادته على إرادتهم ، لكن كان
لا يكره قيام بعضهم لبعض، ولذلك قال: ((قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ)) يعني: سعد بن معاذ
سيِّ الأوس . فأمرهم بفعله ؛ لأنه حقٌّ لغيره فوقَّاه حقَّه ، وكَره قيامَهم له ! لأنَّه حقُّه
فتركه تواضعاً .
وهذا دليلٌ لِمَا عليه محرِّر المذهب الإمام محيي الدين النوويُّ ؛ من ندب القيام
لأهل الفضل. وقد قام وَّ﴿ لعكرمة بن أبي جهل لمَّا قَدِم عليه، وكان يقومُ لعَدِيٍّ بن
حاتم كلما دخل عليه ؛ كما جاء ذلك في خبرين ، وهما ؛ وإن كانا ضعيفين ؛ يعملُ
بهما في الفضائل . فَزَعْمُ سقوطِ الاستدلال بهما وَهَمٌّ .
وقد ورد أنَّهم قاموا لرسول الله وَّر !! فيناقض ما هنا .
إلا أن يقال في التوفيق : إنَّهم إذا رأوه من بُعْد غير قاصد لهم لم يقوموا له . أو
أنه إذا تكرّر قيامه وعوده إليهم لم يقوموا ؟! فلا ينافي أَنَّه إذا قَدِم عليهم أَوَّلاً قاموا ،
وإذا أنصرف عنهم قاموا . انتهى (( باجوري)).
(وَأَمَّا جُلُوْسُ رَسُوْلِ اللهِ وَ لِّفَـ) قد ذكره في قوله :
( عَنْ خَارَجةَ بْنِ زَيْدِ ) بن ثابت الأنصاريِّ المَدَني التابعي ، أحد فقهاء المدينة
السبعة ، وقد سبقت ترجمته (رَضِيَ اللهُ[تَعَالَى] عَنْهُ) ، فيكون حديثه مرسلاً ، وهو
من ((مراسيل أبي داود))؛ كما قال الخفاجي في ((شرح الشفاء)).
وذكره القاضي عياض في (( الشفاء )) بسنده من طريق أبي داود صاحب
((السنن))؛ (قَالَ): حدَّثنا عبد الرحمن بن سلام؛ قال: حدَّثنا حجاج بن
٦٢٦

كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْفَرَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ ؛ لاَ يَكَادُ
يُخْرِجُ شَيْئاً مِنْ أَطْرَافِهِ .
وَكَانَ مَجْلِسُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ ، وَأَمَانَةٍ
محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد ؛ عن عمر بن عبد العزيز بن وهيب ؛ قال :
سمعتُ خارجة بن زيد يقول :
( كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَوْقَرَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ ) أي : أعظمهم وقاراً إذا برز للناس
وجلس معهم ، بخلاف ما إذا خلا مع أهله ، أو مع خاصَّتِهِ ، فإنَّه ينبسط معهم
ويلاطفهم ؛ يعني: أنَّ هذا كان عادتَه ودأبَه ◌َ له بحيث لا يصدر عنه خلافه.
و ((كان))؛ وإن كانت بحسب الأصل فعلاً ماضياً ؛ لكنَّها قد تستعملُ ١ - للاستمرار
)﴾ [النساء]، و ٢ - للتكرار نحو: كان حاتم يقري
٩٦
نحو ﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
الضيف ، لقرينة ؛ وهو استعمال شائع ، ولكثرته عدَّه بعضُ الأصوليين معنىّ لها ،
ولم يحقّقْه أحدٌ كابن جني في كتاب (( الخصائص))! فإن أردتَه؛ فانظره . انتهى
((خفاجي)).
( لاَ يَكَادُ يُخْرِجُ) - بضمِّ أوَّله مضارع: أخرج - و (شَيْئاً) مفعولٌ، ( مِنْ
أَطْرَافِهِ ) أي : أطراف بدنه كرجليه ، ولا يكادُ يخرج فيه مبالغة ، أي : لا يخرج
ولا يقرب من الخروج، ولذا عَدَل عن (( لا يخرج )) وهو أخصرُ .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) من حديث عليٍّ الطويل:
( كَانَ مَجْلِسُهُ وََّ مَجْلِسَ حِلْمٍ) - بكسر الحاء ، وسكون اللام - وهو: مَلَكة
تورث التُّؤَدة وعدم العجلة عند حركة الغضب وداعية العقوبة .
( وَ) مجلس (حَيَاءٍ ) - بالمدِّ - أي: منهم ، فكانوا يجلسون معه على غاية من
الأدب ، فكأنَّما على رؤوسهم الطير !
( وَ) مجلس (أَمَانَةٍ ) ؛ أي: يأمن المتكلِّمون فيه على أسرارهم ، فلا ينقل
منه ما لا يُحبُّون إفشاءه ؛ كما في الحديث: ((المَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ » .
٦٢٧

وَصِيَانَةٍ، وَصَبْرٍ وَسَكِينَةٍ، لَاَ تُرْفَعُ فِيهِ الأَصْوَاتُ ، وَلاَ تُؤْبَنُ فِيهِ
اُلْحُرَمُ ،
وورَدَ: ((لاَ إِيْمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ)) . رواه الإمام أحمد ، وابن حبَّان في
(( صحیحه )) ؛ عن أنس رضي الله عنه .
( وَ) مجلس (صِيَانَةٍ)؛ غيرُ موجود في ((الشمائل)) !
(وَ) مجلس (صَبْرٍ) منه على جفائهم (وَسَكِيْنَةٍ)؛ غير موجود في ((الشمائل الترمذية))!
والمراد أَنَّه مجلس أعمال هذه الأمور ، أو مجلس اكتسابها ، وذلك لأنَّ مجلسَه
مجلسُ تذكير بالله ، وترغيب فيما عنده من الثواب ، وترهيب مما عنده من العقاب ،
فَتَرِقّ قلوبهم فيزهدون في الدنيا ، ويرغبون في الآخرة .
( لاَ تُرْفَعُ ) - بالبناء للمفعول - ( فِيْهِ ) أي: في مجلسه ( الأَصْوَاتُ ) ؛ أي :
لا يرفع أحدٌ من أصحابه صوتَه في مجلسه بَّهَ إلاَّ بمجادلةٍ معاندٍ، أو إرهاب
عدوٌّ .. وما أشبه ذلك، لكونه محرَّماً عليهم؛ لقوله تعالى ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ﴾ [٢/ الحجرات] .
فكانوا رضي الله عنهم على غايةٍ من الأدب في مجلسه وَّر .
وأمَّا كونُهُ وقع رفعُ الصوت بحضرته في قصة الإفك !! فنادر لا يعتدُّبه .
( وَلاَ تُؤْبَنُ ) - بضمِّ المثناة الفوقيّة ، فهمزة ساكنة وتبدل واواً ، ففتح الموخَّدة
المخفَّفة ، وقد تشدَّد مع فتح الهمزة فنون آخره ؛ من الأَبن - بفتح الهمزة - وهو
العيب ، يقال أَبَنِه يَأْبُه - بكسر الباء وضمِّها - أبْناً : إِذا عابه . أي لا تعاب
(فِيْهِ ) أي : في مجلسه ( أُلحُرَمُ) - بضمِّ الحاء وفتح الراء - جمع حرمة ؛
وهي : كلُّ ما يحرم هتكه . وأما استعماله بمعنى المرأة !! فعامِيَّة ، وإن كان لها
وجه ؛ قاله الخفاجي .
والمعنى: لا تُعاب فيه حُرَم الناس بقذفٍ ، ولا غيبة ونحوهما ، بل مجلسُه
مصونٌ عن كلِّ قبيح .
٦٢٨

يَتَعَاطَفُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى، وَيَتَوَاضَعُونَ ، وَيُوَقَّرُ الْكِبَارُ ، وَيُرْحَمُ
الصِّغَارُ ، وَيُؤْثِرُونَ الْمُحْتَاجَ ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً
عَلَى الْخَيْرِ .
قَوْلُهُ: ( لاَ تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ )
( يَتَعَاطَفُوْنَ فِيْهِ ) أي : يعطفُ بعضُهم على بعض ، ويُشفق عليه ويرحمُه
( بِالتَّقْوَى ) ؛ أي : بسبب تقوى الله لا رياءً؛ ولا سمعة ، ولا خوفاً ، واتقاءَ شرٍّ.
فالباءُ سبيَّةٌ ، كقوله تعالى ﴿رُجَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [٢٩/ الفتح].
(وَيَتَوَاضَعُوْنَ) أي : يتواضع بعضُهم لبعضٍ، ولا يتكبَّر أحدٌ على أحد ؛
فيخدمه ويخفض جناحه له ، كما قال تعالى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾
[٥٤/ المائدة] وكما قال تعالى ﴿أَشِدَُّ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [٢٩/ الفتح]
( وَيُؤَقَّرُ) فيه ( الكِبَارُ) عُمْراً ؛ أو قدراً .
(وَيُرْحَمُ) فيه ( الصِّغَارُ ) بمقتضى الشفقة ، روى الترمذي في (( جامعه )) ؛ عن
أنس: ((لَيْسَ مِنَّا مَن لَّمْ يَرْحَمْ صَغِيْرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيْرَنَا)).
(وَيُؤْثِرُونَ المُحْتَاجَ ) أي: يقدِّمونه على أنفسهم في تقريبه للنَّبِيِ نَّ ليقضيَ
حاجته منه . ( وَيَحْفَظُوْنَ الغَرِيْبَ ) من الناس ، أي : يراعونه ويكرمونه ،
ويحفظون حقّه ؛ لبعده عن بلاده وأصحابه ، ومفارقة أولاده وأحبابه .
( وَيَخْرُجُوْنَ ) من عنده ( أَدِلَّةً) - بالدال المهملة - أي : علماء هداةً يدلون
الناس ( عَلَىْ أَلخَيْرِ ) .
قال المصنّ : ( قَوْلُهُ: لاَ تُؤْبَنُ) - بضمٌّ المثناة الفوقية وهمزة ساكنة وتبدل
واواً ؛ من الأَبْن - بفتح الهمزة - يقال: أَبَنَهَ يَأَبِئُه - بكسر الباء وضمِّها - أَبْناً : إذا عابه
ورماه بقبيح ، وأصل الأبْن : العقدةُ في القِسيِّ تفسدُها وتُعاب بها .
( فِيْهِ الحُرَمُ) - بضمِّ الحاء المهملة وفتح الراء المهملة - جمع الحرمة ؛ وهي :
ما لا يَحِلُّ انتهاكه ورُوي بضَمَّتين بمعنى النساء من الأهل ، وما يحميه الرَّجل .
٦٢٩

أَيْ : لاَ تُذْكَرُ فِيهِ النِّسَاءُ بِقَبِيحِ ، وَيُصَانُ مَجْلِسُهُ عَنِ الرَّفَثِ ، وَمَا
يَقْبُحُ ذِكْرُهُ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ كَأَنَّهُ
أَحَدُهُمْ ، فَيَأْتِي الْغَرِيبُ فَلاَ يَدْرِي أَيَّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ. فَطَلَبَ
أَصْحَابُهُ مِنْهُ أَنْ يَجْلِسَ مَجْلِساً رَفِيعاً لِيَعْرِفَهُ الْغَرِيبُ فَقَالَ: ((أَفْعَلُوا مَا
بَدَا لَكُمْ)) ، فَبَنَوْا لَهُ دُكَّاناً مِنْ طِينٍ ، فَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا .
( أَيْ: لاَ تُذْكَرُ فِيْهِ النِّسَاءُ بِقَبِيْحِ ) من القول . ( وَ) منه حديثُ النَّهي عن شِعرٍ
تُؤْبَن فيه النساء ، وكذا حديثُ الإفكَ ((أَشِيْرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي)) . بل كان
( يُصَانُ مَجْلِسُهُ عَنِ الرَّفَثِ ) أي: القولِ الفاحش. ( وَ) عن ( مَا يَقْبُحُ) - بضمِّ
الموخَّدة - ( ذِكْرُهُ) من لغوِ القول ، وما لا يليق بمقام الكرام . انتهى ملا علي
قاري ؛ في (( شرح الشفاء)) وغيره .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) و((الإحياء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهُ يَجْلِسُ بَيْنَ
أَصْحَابِهِ ) ؛ مختلطاً بهم ( كَأَنَّهُ أَحَدُهُمْ ، فَأْتِي الغَرِيْبُ ) من الخارج ( فَلاَ يَدْرِيْ
أَيُّهُمْ هُوَ ) بَرِ ( حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ) الحاضرينَ ؛ فيقول : أيُّكم ابنُ عبد المطلب ؟
أو : أيُّكم رسول الله !؟ فكانوا يقولون : هذا الأبيضُ المتّكِىءُ .
( فَطَلَبَ أَصْحَابُهُ مِنْهُ أَنْ يَجْلِسَ مَجْلِساً رَفِيْعاً) أي : مرتفعاً ( لِيَعْرِفَهُ الغَرِيْبُ )
حالَ دخوله لما يرى من تَمَیُّره في المجلس ؛
( فَقَالَ: ((أَفْعَلُوْا مَا بَدَا لَكُمْ)) ) ممَّا يُجريه الحقُّ على أيديكم .
( فَنَوْا لَهُ دُكَّاناً ) - بضمِّ الدال المهملة وتشديد الكاف - أي: دكة مرتفعة ( مِنْ
طِيْنٍ، فَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا) وَِّ .
قال العراقي : رواه أبو داود ، والنَّسائيُّ، من حديث أبي هريرة ؛ وأبي ذرٍّ
٦٣٠

وَ(الذُّكَّانُ) - كَالذَّكَّةِ -: الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ يُجْلَسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ
اُلْمِسْطَبَةُ(١).
رضي الله تعالى عنهما. انتهى شرح («الإحياء)).
(وَالذُّكَّانُ) - بزنة رُمّان - (: كَالذَّكَّةٍ) - بفتح الدَّال المهملة ؛ في المعنى -
وكلاهما معناهما : ( المَكَانُ المُرْتَفِعُ) عن الأرض ( يُجْلَسُ عَلَيْهِ ) .
وفي (( المصباح)): الذُّكَّان يطلق على الحانوت، وعلى الدَّكَّة التي يُقعَد
عليها .
قال الأصمعي : إذا مالت النخلة بُنِيَ تحتها من قِبَل المَيْل بناءٌ كالدُّكان فتمسكَها
بإذن الله تعالى أي دَكّة مرتفعةً .
وقال الفارابي : الطَّلَل ما شَخَص من آثار الدار ؛ كالدُّكان ونحوه .
وأما وَزْنُه !! فقال السَّرْقسطي : النونُ زائدة ؛ عند سيبويه ، وكذلك قال
الأخفش . وهي: مأخوذة من قولهم ((أكَمَةٌ دَكَّاءُ)) أي : منبسطة .
وقال ابن القَطَّاع وجماعةٌ : هي أصليّة؛ مأخوذة من دَكَنْتَ المتاع : إذا
نضدتَه . ووزنُهُ على الزيادة فُعْلَان ، وعلى الأصالة فُعَال ؛ حكى القولين الأزهريُّ
وغيره .
فإنْ جعلتَ الذُّكَّان بمعنى الحانوت ؛ ففيه التذكير والتأنيث . انتهى
( وَهُوَ ) أي : المكانُ المرتفع ([المِسْطَبَةُ]) - بفتح الميم وتكسر - أي :
يسمَّى بذلك عرفاً .
( وَ) أخرج البزَّارُ في ((مسنده))؛ عن قُرَّة بن إياس - وهو حديث ضعيف؛ كما
في العزيزي - :
(١) في ((وسائل الوصول)): المَصْطَبَةُ. وكلاهما جائزٌ.
٦٣١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ .. جَلَسَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ حِلَقاً
حِلَقاً .
وَكَان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَتَنَخَّمُ نُخَامَةً إِلَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ
مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَيَدْلُكُ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِذَا تَوَضَّأَ .. كَادُوا يَقْتَتِلُّونَ عَلَى وَضُوئِهِ ؛ أَيِ : الْمَاءِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَكَلَّمُوا عِنْدَهُ .. يَخْفِضُونَ
أَصْوَاتَهُمْ ، وَإِذا
( كَانَ بِّهِ إِذَا جَلَسَ) يتحدَّث ( جَلَسَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ حِلَقاً حِلَقاً) قال العزيزي :
بكسر الحاء وفتح اللام . وقال المناوي : [ حَلَقاً ] بفتحتين ؛ على غير قياس ،
واحدتُهُ : حَلْقة - بالسكون -. والحَلْقة : القوم الذين يجتمعون متدبِّرين ، وذلك
الاستفادة ما يُلقيه من العلوم وينشره من الأحكام الشرعية .
( وَ) أخرج البخاريُّ في «صحيحه))؛ عن مروان بن الحكم ، والمِسْوَر بن
مخْرَمة في حديث صلح الحديبية الطويل ؛ من كلام عروة بن مسعود الثقفي رضي الله
عنه :
( كَانَ وَّهُ لاَ يَتْنَثَّمُ نُخَامَةً ) - بضمِّ النون - : ما يصعد من الصدر إلى الفم ( إِلاَّ
وَقَعَتْ فِي كَفَتِّ رَجُلٍ ) منهم ، أي ( مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَدْلُكُ بِهَا) أي: بالتُّخامة ( وَجْهَهُ
وَجِلْدَهُ ) ؛ تبرُّكاً بفضلاتِهِ . زاد ابن إسحاق: ولا يسقط من شعره شيءٌ إلاَّ أخذوه .
وفي البخاريِّ : وإذا أَمَرهم بأمرٍ ابتدروا أمره .
( وَكَانَ نَّهِ إِذَا تَوَضَّأَ) الأَوْلِىُ حذفُ ((كان، وما بعدها))، لأنَّ من جملة كلام
عروة بن مسعود ؛ إذ قال : وإذا توضَّأَ (كَادُوا يَقْتَتِلُوْنَ عَلَى وَضُوْئِهِ ) - بفتح الواو -
( أَيْ ) فضلةِ ( ألْمَاءِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ ) ، أو على ما يجتمع من القَطرات ، وما يسيلُ
من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء .
( وَكَانَ وَّهِ إِذَا تَكَلَّمُوْا عِنْدَهُ يَخْفِضُوْنَ أَصْوَاتَهُمْ)، إجلالاً له وتوقيراً. ( وَإِذَا
٦٣٢

نَظَرُوا إِلَيْهِ .. لاَ يُحِدُّونَ النَّظَرَ ؛ تَعْظِيماً لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ :
نظَرُوْا إِلَيْهِ ) وَلِ (لاَ يُحِدُّوْنَ ) - بضمِّ الياء المثناة وكسر الحاء المهملة - من
الإِحداد ؛ وهو: شِدَّةُ النظر انتهى؛ من (( شرح العيني ، وزكريا الأنصاري :
كلاهما على البخاريِّ» :
أي: لا يتأمّلونه ولا يديمونَ ( النَّظَرَ) إليه ( تَعْظِيْمَاً لَهُ وَِّ ).
وهذا من جملة كلام عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه ، ثم قال - أي عروة -
بعدَه حين رجع إلى أصحابه ؛ مخبراً لهم بما رأى من الصحابة ؛ من محبَّتهم
لرسول الله وَ﴿ه وإجلالهم وتعظيمِهم؛ قال: أيْ قوم؛ واللهِ لقد وَفَدْتُ على
الملوك ، ووفدت على كسرى وقيصر والنَّجاشي، والله إن رأيت مَلِكاً قطُّ يعظِّمُه
أصحابه ما يُعظُم أصحابُ محمَّدٍ محمَّداً ، والله ؛ إن تَنَخَّم نخامة إلاَّ وقعت في كفِّ
رجل منهم ؛ فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادوا
يقتتلون على وضوئه، وإِذا تكلَّموا خَفَضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر ؛
تعظيماً له، وإنَّه قد عرض عليكم خُطََّ رُشْد !! فاقبلوها ... الحديث .
(وَكَانَ بِّهِ يَتَخَوَّلُ) - بفتح المثناة التحتية وفتح التاء الفوقية ، والخاء المعجمة
والواو المشدَّدة المفتوحة واللام - أي: يتعهَّدُ ( أَصْحَابَهُ بِالمَوْعِظَةِ ) أي: بالنصائح
المفيدة ؛ مخافة السآمة ، أي : الملالة عليهم . رواه الشيخان ؛ من حديث
عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله وَ ل﴿ يَتَخَوَّلُنا بالموعظة؛
مخافة السآمة علينا .
( وَ) أخرج أبو داود، والترمذيُّ في ((الشمائل)) - واللفظ لها -، والبزارُ،
والبيهقيُّ وإسناده ضعيفٌ: كلهم ؛ ( عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُذْرِيِّ ) : سعد بن مالك بن
سنان ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وعن والده ؛ ( قَالَ :
٦٣٣

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ .. أَحْتَبَى
بِيَدَيْهِ . قَوْلُهُ: (أَحْتَبَى ) أَلِحْتِبَاءُ: أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَيْهِ وَيَضُمَّ
رِجْلَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ بِنَحْوِ عِمَامَةٍ يَشُدُّهَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى ظَهْرِهِ .
وَ( الْيَدَانِ ) بَدَلٌ عَمَّا يَحْتَبِي بِهِ ؛ مِنْ نَحْوٍ عِمَامَةٍ .
كَانَ رَسُوْلُ اللهِن ◌َّهِ إِذَا جَلَسَ فِي المَسْجِدِ أَحْتَبَى بِيَدَيْهِ )
وفي رواية : بثوبه . زاد البزَّارُ : ونصبَ ركبتيه .
وأخرج البزار أيضاً ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ : جلس
عند الكعبة فَضَمَّ رجليه وأقامها ، وأحتبى بيديه . ذكره ملا علي قاري .
قال الباجوري ؛ كالمناوي : هذا مخصوصٌ بما عدا ما بعد صلاةِ الفجر ، لخبر
أبي داود بسند صحيح؛ عن جابر بن سَمُرة أَنَّه ◌َلهر كان إذا صلَّى الفجر تربَّع في
مجلسه حتَّى تطلُعَ الشمس حسناءَ . أي : بيضاء نقيّة .
ومخصوص أيضاً بما عدا يومَ الجمعة والإمامُ يَخطب ، للنھي عنه في حديث جابر
ابن سَمُرة : ((أَلاحْتِبَاءُ مَجْلَبَةٌ لِلنَّوْمِ)) ، فيفوتُه سماعُ الخطيب . وربما ينتقضُ وضوءُه.
( قَوْلُهُ: أَحْتَبَى)؛ قال الباجوريُّ: ( أَلاحْتِبَاءُ) - بالحاء المهملة - ( أَنْ
يَجْلِسَ عَلَى أَلْبَيْهِ) - بفتح الهمزة - تثنية : ألية؛ وهي: العجيزة ، والجمع أَلَيات
مثل سَجْدة وسَجَدات ، ولا تُكسر الهمزة ؛ كما قاله ابن السِّكِّيت وجماعة .
( وَيَضُمُّ رِجْلَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ بنَحْوِ عِمَامَةٍ يَشُدُّهَا ) أي : العمامة ( عَلَيْهِمَا) ، أي :
على رجليه ( وَعَلىُ ظَهْرِهِ) . هذا معنى الاحتباء ، وهذه كيفيته بحسب الاستعمال
الكثير المعروف المألوف ؛ ويقال : الحَبْوَة جدارُ العرب .
( وَأَلْيَدَانِ ) أي: والاحتباء باليدين ( بَدَلٌ عَمَّا يَحْتَبِي بِهِ ؛ مِنْ نَحْوِ عِمَامَةٍ ) .
قال الحافظ ابن حجر : والاحتباءُ جلسة الأعراب ، ومنه : الاحتباء حيطان
العرب . أي : كالحيطان لهم في الاستناد ، فإذا أراد أحدُهم الاستنادَ أحتبى ، لأنَّه
لا حيطانَ في البراري ، فيكون الاحتباءُ بمنزلة الحيطان لهم .
٦٣٤

وَكَانَ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ : أَنْ يَنْصُبَ سَاقَيْهِ جَمِيعاً، وَيُمْسِكَ بِيَدَيْهِ
عَلَيْهِمَا شِبْهَ الْحُبْوَةِ. وَكَانَ لاَ يُعْرَفُ مَجْلِسُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
مَجَالِسٍ أَصْحَابِهِ ؛ لأَنَّهُ كَانَ حَيْثُ أَنْتُهَى بِهِ الْمَجْلِسُ جَلَسَ .
وَمَا رُبِّيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ مَادَا رِجْلَيْهِ يُضَيِّقُ بِهِمَا عَلَى
أَصْحَابِهِ ؛ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ وَاسِعاً .
وَكَانَ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْقِبْلَةِ .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) كـ ((الإحياء)): ( كَانَ أَكْثَرُ جُلُوْسِهِ ) أي: هيئات
جلوسه وحالات قعوده (: أَنْ يَنْصُبَ سَاقَيْهِ جَمِيْعاً، وَيُمْسِكَ بِيَدَيْهِ عَلَيْهِمَا شِبْهَ
الحُبْوَةِ) - بضمِّ الحاء وكسرها -، والعامة تقول ((حِبْيَة)).
روى البخاريُّ ؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : رأيتُ
رسول الله وَهُ بِفِنَاء الكعبة محتبياً بيديه ؛ قاله العراقيُّ.
( وَكَانَ لاَ يُعْرَفُ مَجْلِسُهُ بَِّ مِنْ مَجَالِسِ أَصْحَابِهِ ) ؛ لكثرة تواضعه وعدم تميُّزه
عليهم . روى أبو داود ، والنَّسائيُّ ، من حديث أبي هريرة ؛ وأبي ذر رضي الله
تعالى عنهما : كان رسولُ اللهِ وَل﴿ يجلس بين ظهرانَيْ أصحابه ؛ فيجيءُ الغريب ؛
فلا يَدري أيُّهم هو حتى يسأل ... الحديث. ( لأَنَّهُ كَانَ حَيْثُ أَنْتَهَى بِهِ المَجْلِسُ
جَلَسَ ). رواه الترمذي في ((الشمائل))؛ من حديث عليٍّ الطّويل.
( وَمَا رُئِيَ نَِّ قَطُ مَادّاً رِجْلَيْهِ) بين أصحابه ( يُضَيِّقُ بِهِمَا عَلَى) أحدٍ من
( أَصْحَابِهِ ؛ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ المَكَانُ وَاسِعاً ) لا ضيقَ فيه . قال العراقيُّ: رواه الدَّار قطني
في ((غرائب مالك))؛ من حديث أنس وقال : باطل . وروى الترمذيُّ ، وابن ماجه :
لم ير مُقَدِّما ركبتيه بين يدي جليس له. زاد ابنُ ماجه: ((قطُّ )). وسندُه ضعيف .
( وَكَانَ أَكْثَرُّ جُلُوْسِهِ نَّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ ) ، وكان يحثُّ أصحابه بذلك ؛ ويقول :
((أَكْرَمُ المَجَالِسِ مَا أَسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلَةُ)) كما رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط))، وابن
عديٍّ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. انتهى؛ جميعه من ((شرح الإحياء)).
٦٣٥

وَعَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ قَاعِدٌ أَلْقُرْفُصَاءَ ، قَالَتْ :
فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَشِّعَ
( وَ) أخرج أبو داود، والترمذي في ((الجامع)) و ((الشمائل)) - وهذا لفظُها -
والبخاريُّ في ((التاريخ)) : كلهم ؛
( عَنْ قَيْلَةَ ) - بفتح القاف وسكون التحتيّة ولام ــ ( بِنْتِ مَخْرَمَةَ) - بفتح الميم
وإسكان المعجمة - .
قال في (( الإصابة)) : قيلة بنت مخرمة التميمية ، ثمَّ مِن بني العنبر ، ومنهم من
نسبها غَنَوية ؛ فصَخَّف .
هاجرت إلى النبي وَّل مع حُرَيث بن حسان ((وافِدٍ بني بكر بن وائل)).
روى حديثها عبد الله بن حسَّان العنبري ، عن جدَّتَيْه : صفية ودحيية ؛ ابنتي
عليبة . وكانتا ربيبتي قَيْلة ، وكانت قيلةُ جدَّةَ أبيها . أنَّها قالت :
قدمتُ على رسول الله وَّهِ ... الحديث بطوله أخرجه الطبرانيُّ مطوَّلاً.
وأخرج البخاريُّ في (( الأدب المفرد )) طرفاً منه ، وأبو داود طرفاً منه أيضاً ،
والترمذيُّ ؛ من أول المرفوع إلى قوله (( يتعاونان)). قال : فذكر الحديث بطوله
وقال : لا نعرفُه إلاَّ من حديث عبدِ الله بن حَسَّان . قال أبو عمر : هو حديث طويل
فصيحٌ . وقد شرح حديثَها أهلُ العلم بالحديث ؛ فهو حديث حسن . انتهى .
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّهَا رَأَتْ رَسُوْلَ اَللهِنَّهِ فِي المَسْجِدِ ) بعد صلاة
الصبح. (وَهُوَ قَاعِدٌ القُرُفُصَاءَ) - مثلثة القاف، والفاء؛ مقصورة - والقُرفصاء
بالضمِّ ممدودة، والقُرْفصَاء - بضمِّ القاف والراءِ على الإتباع ؛ وهي منصوبُ مفعولٍ
مطلق ؛ أي : قعوداً مخصوصاً . وسيأتي معنى القرفصاء في كلام المصنّفٌ .
( قَالَتْ ) أي قيلة (: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِوَِّ المُتَخَشِّعَ ) - بالتشديد - أي:
٦٣٦

فِي الْجِلْسَةِ (١) .. أُزْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ.
قَوْلُهُ : ( الْقُرْفُصَاءَ )
الخاشع خشوعاً تامًاً ( فِي الجِلْسَةِ ) أي : في هيئة جلسته تلك وكيفيةٍ قعدته
المتضمِّنة إظهارَ عبودِيَّته ؛ فهو خافض الطرف والصوت ، ساكن الجوارح ؛ لا على
هيئة جلوس الجَبّارين المتكبِّرِين ؛ من التربُّع ، والتمدُّد ، والاتكاء ، ورفع الرأس ،
وشماخة الأنف ؛ وعدم الالتفاتِ إلى المساكين ، والاحتجاب عن المحتاجين .
والتفغُّل ليس للتكلُّف ؛ بل لزيادةِ المبالغة في الخشوع .
( أُزْعِدْتُ) - بضمِّ تاء المتكلم ؛ مبنيّاً للمجهول - أي: حصلت لي رِعدة ( مِنَ
الفَرَقِ) - بفاء وراء مفتوحتين، وقاف - أي: الخوف والفزع الناشىء مما علاه وِّل
من عُظْم المهابة والجلالة ، أو للَّسِّي به ، لأنَّه إذا كان مع كمال قُربه من ربِّه غَشِيَه
من جلاله ما صيَّره كذلك فغيره ؛ يجب أن يرعد فَرَقاً وهذا نهايةُ المهابة . ودليلٌ
على أنَّ مهابته لأمر سماويٍّ ليس بالتصنُّع .
والظاهرُ من سياق قصَّةٍ قَيْلَةَ أَنَّه أَوَّل ملاقاتِها للنَّبِيِّ وَّهِ ، ولذلك هابَتْهُ .
ووقع في قصَّتها - بعد قولها : أُرعدتُ من الفَرَق - : فقال له جليسُه :
يا رسول الله؛ أرعدتَ المسكينةَ !! فقال ◌ِّر - ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره -:
(( يا مِسْكِيْنَةُ عَلَيْكِ السَّكِيْنَةُ ». فلما قاله أَذهبَ اللهُ ما كان دَخَلَ قلبي من الرُّعب
انتهى. وقد تقدَّم في ((اللباس )) بعضٌ من قِصَّتها .
( قَوْلُهُ: القُرْفُصَاءَ ) - بضمِّ القاف وإسكان الراء وضمِّ الفاء وصادٍ مهملة ؛ مع
المدِّ - وهذه اللغةُ هي الفصحى، والقُرفصى - مثلث القاف والفاء مع القصر - وزاد
ابن جني : القُرُفصاء - بضمِّ القاف والراء مع المدِّ - وقال : هو على الإتباع ضربٌ
من القعود . قال الجوهري : فإذا قلتَ قَعَد فلان القُرْفصاء . فكأَنَّك قلتَ : قعد
قعوداً مخصوصاً .
(١) في ((وسائل الوصول)): جِلْسَتِهِ.
٦٣٧

هِيَ : أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْبَيْهِ ، وَيُلْصِقَ فَخِذَيْهِ بِبَطْنِهِ ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَىُ
سَاقَيْهِ ، وَهِيَ: جِلْسَةُ الْمُحْتَبِي. وَقِيلَ: أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ
مُنْكَبّاً ، وَيُلْصِقَ بَطْنَهُ بِفَخِذَيْهِ ، وَيَتَأَبَّطَ كَفَّيْهِ .
وَ( الْفَرَقُ ) : الْخَوْفُ .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ :
و ( هِيَ : أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْبَيْهِ، وَيُلْصِقَ فَخِذَيْهِ بِبَطْنِهِ، وَيَضَعَ بَدَيْهِ عَلَى
سَاقَيْهِ)؛ كما يحتبى بالثوب؛ فتكون يداهُ مكانَ الثوب، ( وَهِيَ: ((جِلْسَةُ
المُخْتَبِيْ )) .
وَقِيْلَ ) - كما نقله الجوهري ؛ عن أبي المهدي - هي (: أَنْ يَجْلِسَ عَلَىْ رُكْبُتَّهِ
مُنْكَبّاً) - بالنون بعد الميم وباء آخره ـ ( وَيُلْصِقَ بَطْنَهُ بِفَخِذَيْهِ ، وَيَأَبَّطَ كَفَّيْهِ ) ، وهي
((جلسة الأعراب )).
( وَأَلْفَرَقُ) - بفاء وراء مفتوحتين - (: الخَوْفُ) والفزع .
( وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ؛ كذا في النسخ التي بأيدينا من هذا الكتاب
(( وسائل الوصول )) .
والحديثُ بتمامه مذكورٌ في ((المواهب)) !! قال شارحُها الزّرقاني :
أخرجه ابن ماجه ، والحاكم ؛ من حديثٍ أبي مسعود البدريِّ ، والحاكمُ
أيضاً ؛ من حديث جرير .
وذكر في ((الإحياء )) قطعةً منه إلى قوله ((تأكل القديدَ )) . وعزاه الزّبيديُّ شارحُ
((الإحياء)) إلى الحاكم ؛ من حديث جرير . وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وكذا ذكر هذه القطعةً في ((الشفاء)) للقاضي عياض، وعزاها شُرَّاحُهُ إلى
الحاكم ؛ من حديث أبي مسعود البدري أيضاً .
وراجعتُ ((مستدرك الحاكم)) فوجدته ذكر القطعةَ الَّتي في « الإحياء)) في
٦٣٨

موضعين: الموضع الأول في ((التفسير)) ؛ من حديث جرير بن عبد الله البَجَلي .
والموضع الثاني: في (( المغازي))؛ من حديث أبي مسعود البدري .
كما راجعتُ ابن ماجه ؛ فوجدته ذاكراً القطعةَ الَّتي في ((الإحياء))؛ من حديث
أبي مسعود البدري .
وذكر النَّوويُّ في ((رياض الصالحين )) القطعةَ الأخيرة من الحديث معزوَّة إلى
مسلم ؛ من حديث عياض بن حمار . قال شارحُه ابن عَلَّن : ورواه أبو داود ، وابن
ماجه ؛ من حديث عياض أيضاً، وكذا ذكره في (( الجامع الصغير)) بلفظ (( رياض
الصالحين))، ورمز له برمز مسلم وأبي داود وابن ماجه ؛ عن عياض بن حمار .
وراجعتُ مسلماً وأبا داود وابن ماجه ؛ فوجدتهم ذكروا الحديث كما قال
النووي ، وجعلوه من مسند عياض بن حمار .
ولم أر أحداً من هؤلاء ذكر الحديث من مسند أنس بن مالك ؛ كما قال
المصنف !! إلَّ الإمام الشَّعراني في (( كشف الغمَّة)) !! فإنَّه ذكر القطعة الَّتي ذكرَها
في ((الإحياء))؛ فقال: قال أنسٌ رضي الله عنه وأُتي بَطّ برجل ... الخ فتبعه
المصنف .
نعم؛ رأيت في (( سنن ابن ماجه)) في (( كتاب الزهد )) من مسند أنس بن مالك
القطعةَ الأخيرة من الحديث، وهي قولُه: قال رسول الله وَهُ: ((إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ
أَنْ تَوَاضَعُوا ، وَلاَ يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلَىْ بَعْضٍ )) .
والظاهرُ أنَّ نسخة (( كشف الغمَّة)) فيها تحريفٌ، وأنَّ قولَه (( قال أنس بن
مالك)) صوابُه: ((قاله أنس بن مالك)). والضمير في ((قاله أنس )) يعود على
الكلام قبلَه ، لأنَّه المرويُّ عن أنس بن مالك. ولفظُه: كان ◌َّهِ إِذا مرَّ على الصبيان
سَلَّم عليهم ، ثُمَّ باسطهم ... فهذا الحديثُ هو الَّذِي رواهُ أنس بن مالك . أخرجه
الإمامُ الترمذيُّ عنه؛ كما ذكره في شرح ((الإحياء)).
٦٣٩

أُنِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ فَأُزْعِدَ مِنْ هَيْبَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَلَسْتُ
بِمَلِكِ، إِنَّمَا أَنَا أَبْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشِ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ )) ، فَنَطَقَ الرَّجُلُ
بِحَاجَتِهِ ، فَقَامَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إِنِّي
أُوحِيَ إِلَيَّ
وقد تقدَّم ذلك في الباب الرابع . فراجعه . والله أعلم .
(أُنِيَ نَّهُ بِرَجُلٍ) يومَ الفتح، (فَأُرْعِدَ مِنْ هَيْبَتِهِ ) أي : انتفض جسمه من
مهابته ( وَّر) عند وقوع بصره عليه، إذ قد تقدَّم من وصفه: أَنَّه مَن رآه بديهةً هابه.
وما ساقه المصنّفُ هو لفظ (( كشف الغُمَّة)) و(( الإحياء)) !!
وفي ((المواهب)): ولقد جاء إليه بَّهَ رَجُل فقام بين يديه؛ فأخذته رِعْدٌ
شديدة ومهابة ، ( فَقَالَ لَهُ نَّهِ: ((هَوِّنْ عَلَيْكَ) - أي: خفّف عن نفسك هذا
الخوف وأزله منك ، ولا تجزع مِنِّي - ، ( فَـ) - إني - ( لَسْتُ بِمَلِكِ ) أي : متصوِّر
بصورة ملوك الأرض يُهاب منهم! ( إِنَّمَا أَنَا أَبْنُ أَمْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ القَدِيْدَ ))) ؛
أي : اللحم اليابس، وكانت قريشٌ تُقَدِّد اللحم وترفعه لوقت الحاجة. ( فَتَطَقَ
الرَّجُلُ بِحَاجَتِهِ ) التي جاء لها ، فسَكَّن عليه الصلاة والسلام روعَه ؛ شفقة، لأنَّه
بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وسلب عن نفسه الملوكية؛ بقوله ((فَإِنِّي ◌َسْتُ بِمَلِكِ)) لما
يلزمُها من الجبروتية، وقال (( أَنَا أَبْنُ امْرَأَةٍ)) فنسب نفسَه إليها ، ولم يقل
(( رجلٍ)) !! زيادةً في شِدَّة التواضع ؛ وتسكين الروع ، لما علم من ضعف النسّاء ،
ووصَفَّها بأنها تأكُلُ القديد !! تواضعاً، لأن القديد مفضولٌ ، وهو مأكول
المتمسكنة، وكأَنَّه قال (( أنا ابن امرأة مسكينة تأكل مفضول الأكل ؛ فكيف تخاف
مني !! )).
( فَقَامَِّ )؛ إذ رأى تواضعَ نفسه مع الرجل سَكَّنَ روعه فتمكَّن من عَرْض
حاجته عليه ؛ آمراً لهم بالتواضع وبيَّن أَنَّه بالوحي ؛
(فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إِنِّيْ أُوْحِيَ إِلَيَّ) وحيَ إرسال، وزعمُ أَنَّه وحيُّ
٦٤٠