النص المفهرس
صفحات 601-620
وَعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وفيه جوازُ الإرداف ؛ وإن كانوا ثلاثة إذا لم تكن الدابّة ضعيفةً لا تطيق ذلك . وقيل : يكره ما فوق الاثنين ؛ قاله الزرقاني على ((المواهب)). ( وَ) أخرج أبو داود ؛ وغيره وفيه قصَّة طويلة (عَنْ) أبي الفضل ( قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ بِنِ عُبَادَةَ) بنُ دُلَيم بن حارثة بن حرام بن حَزِيْمة - بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي ـ ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السَّاعدي المَدَني . الصحابي بن الصحابي ( رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) الجواد بن الجواد ، وهم أربعةٌ مشهورون بالكرم ؛ هو ، وأبوه سعد ، وجدُّه عبادة ، وجدُّ أبيه دُلَیم . وكان قيسٌ من فضلاء الصحابة ، وأحدَ دهاة العرب ؛ وذوي الرأي الصائب ؛ والمكيدة في الحرب والنَّجدة ، وكان شريفَ قومه غير مُدَافع ، ومن بيت سيادتهم ، وأَحدَ الساداتِ الظُّلْس - أي : لم يكن في وجهه لحيةٌ ؛ ولا شعر - وكانت الأنصار تقول : وَدِدْنَا أن نشتريَ لقيسٍ لحية بأموالنا !! وكان جميلاً ، وكان بين يدي رسول الله وَ﴿ بمنزلة الشُّرطيِّ من الأمير - يعني: يلي أموره. ذكره النووي في ((التهذيب)) . قال الزهري وكان قيسٌ يحمل راية الأنصار مع النبي وَلّر . وله في جُوْده أخبارٌ كثيرة مشهورة ، ورووا أنَّه كان في سَرِيَّة فيها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فكانَ يستدين ويُطعم النَّاس !! فقالا: إن تركناهُ أهلك مالَ أبيه !! فَهِمَّا بمنعه، فسمع سعدٌ؛ فقال للنبي وَّرَ: مَنْ يعذِرني منهما؛ يُبَخِّلاَنِ عَلَيَّ آبْنِي !! وصحب قيس بعد ذلك عليّاً في خلافته ؛ وكان معه في حروبه ، واستعمله على مِصْرَ . روى عن النبيِ وَّهُ ستَّة عشر حديثاً؛ روى عنه الشعبيُّ، وابن أبي ليلى، ٦٠١ قَالَ: زَارَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَرَادَ الاِنْصِرَافَ .. قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَاراً وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ ، فَرَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: يَا قَيْسُ؛ أَصْحَبْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ قَيْسٌ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِرْكَبْ)) ، فَأَبَيْتُ، فَقَالَ: ((إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ)) ، فَأَنْصَرَفْتُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((إِرْكَبْ أَمَامِي؛ فَصَاحِبُ الذَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا )). وعَمْرو بن شرحبيل وغيرهم . وكانت وفاته سنة : ستين . وقيل : قبلها بسنة رحمة الله عليه ورضوانه . آمين . ( قَالَ: زَارَنَا رَسُوْلُ اللهِ بَّرَ) على عادته في تفقّد أصحابه . قيل: كان سعدٌ دعاه رجل ليلاً فخرج له ، فضربه بسيفه، فعاده نَّ﴿ ﴿فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَاراً) ليركبه ( وَطَّأَ) - بشدِّ المهملة وهمزة آخره - ( عَلَيْهِ بِقَطِيْفَةٍ ) ؛ بِزِنَةَ صحيفة : كساء له خَمْل وَوَبر ؛ وضعه على ظهر الحمار . ( فَرَكِبَ مَ ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ) لابنه (: يَا قَيْسُ؛ أَصْحَبْ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ ﴾ أي: كن معه في خدمته . وفي ذا الحديث أنَّه ◌ِّر جاء على حمارِ مُردِفاً أُسَامة خلفَه؛ فسعد وهبه الحمار ليركبه وحده ؛ ويبقى أسامة على الحمار الذي جاء به . ( قَالَ قَيْسٌ: فَقَالَ لِيْ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((أَرْكَبْ))، فَأَبَيْتُ ) أن أركب تأذُّباً معه وَلّ ؛ لا مخالفةً لأمره . ( فَقَالَ: ((إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ ))) ؛ أي : ترجع ولا تمشِي معي ، ( فَأَنْصَرَفْتُ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((أَرْكَبْ أَمَامِيْ، فَصَاحِبُ الذَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا)) ) . إذ هو أدرى بسَيْرها ، وسمَّاه صاحبا باعتبارِ ما كان ، لأنَّه ابنُ مالِكها سعدٍ بن عبادة . وعند ابن منده: فأرسل ابنَه معه ليردَّ الحمار، فقال: ((أَحْمِلُهُ بَيْنَ يَدَيَّ)). قال: سبحانَ الله؛ أتحملُه بين يديك؟! قال: ((نَعَم، هُوَ أَحَقُّ بِصَدْرِ حِمَارِهِ)). ٦٠٢ وَفِي (( أَلْمَوَاهِبِ )) : ( عَنِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ قال: هو لَكَ؛ يا رسول الله. قال: ((أَحْمِلُهُ إِذَنْ خَلْفِي)). وفي البخاريِّ؛ من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله وَّل من خيبر وإنِّي لرديفُ أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساءِ رسول اللهِوَ ◌ّ ه رديفُ رسول الله وَليل إذ عثرت الناقة، فقلتُ: المرأةَ !! فقال ◌َ: ((إِنَّهَا أُمُّكُمْ)). فشددتُ الرَّحلَ وركب رسول اللهِوَ لّ فلما دنا ورأى المدينَةَ؛ قال: (( آيِبُونَ تَائِبُونَ عَائِدُونَ؛ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)) . انتهى . والمرأة هي صفيَّةُ بنت حُبَيٍّ أُمُّ المؤمنين رضي الله تعَالى عنها . ( وَ) ذكر العلاَّمة الشهابُ القُسْطُلَّني (فِي ((المَوَاهِبٍ) اللَّدُنَّة بالمنح المحمدية )) ؛ نقلاً (عَنِ المُحِبِّ الطََّرِيِّ) في (( مختصر السيرة )) له ؛ وهو الإمام الحافظ القدوة المحدِّثُ الفقيه الشافعي ، أبو العباس : أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر محبُّ الدين الطَّبَري ، ثم المكيّ شيخُ الحرم ، فرعُ دوحةٍ كبيرة من دوحات الشَّرف والرياسة ؛ في العلم والحَسَب ، ينتهي نسبُهم إلى سيِّدنا الحسين السِّبطِ بن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه رَسَخت أصولهم في ((طُبْرُستان)) ؛ من بلاد العجم في الشرق ، وامتدت فروعُهم إلى أُمّ القرى في بلاد الحجاز، وتوارث هو وبنو أعمامه وأبناؤهم وأحفادهم مناصبَ التدريس والقضاء ، والخطابة وإمامة الحرم المكي نحو ستة قرون . وكانوا أكثرَ أصحاب البيوتات بِمَّة ، حتَّى كان الأشرافُ حُكَّامُ مگّة لا يعدلون بهم أحداً في الشرف والصهر والنَّسب وكان نساء هذه الأسرة يبارين فحول الرجال في رفع منار العلم والاستباق إلى غايات المجد . قال المُحبيّ في (( الخلاصة))(١): والطبريُون بيتُ علم وشرف ؛ مشهورون في (١) خلاصة الأثر . ٦٠٣ مشارق الأرض ومغاربها ، وهم أقدم ذوي البيوتات بمكَّة ، وإنَّ أوّل مَن قدم منهم مكّة الشيخ رضيُّ الدين أبو بكر محمَّد بن أبي بكر بن علي بن فارس الحُسَيني الطبري . قيل : سنة سبعين وخمسمائة ، أو : في التي بعدها وانقطع بها ، وزار النبي ◌َّه، وسأل الله عنده أولاداً علماء، هداةً مرضيين؛ فولد له سبعةُ أولادٍ ؛ وهم : محمَّد ، وأحمد ، وعلي ، وإبراهيم ، وإسحاق وإسماعيل ، ويعقوب . وكانوا كلُّهم فقهاءَ علماء مدرِّسين . انتهى ، ذكره في مواضع متفرقة . وكان دخولُ القضاء وإمامة مقام إبراهيم في بيتهم سنة : ثلاث وسبعين وستمائة ؛ كما ذكره النجم بن فهد في تاريخه (« إتحاف الورى بأخبار أُمّ القرى )»، والفاسيُّ في (( العقد الثمين)). وكان منصبُ الخطابة قديماً ينتقل بمكّة في ثلاثة بيوت : الطبريين ، والظهريين ، والنُّوَيْريين . وبيت الطبريِّ أقدمُهم في ذلك ؛ كما يعلم من كتب التواريخ . ومن خُطَباءِ الطبريين : المحبُّ الطَّبريُّ ، والبهاء الطبريُّ ، ولبني الطبري مزيدُ التقوى والورع والصلاح ، وتوقّر أسباب الخير والفلاح ؛ وكان مولدُ صاحب الترجمة سنة : خمس عشرة وستمائة ، أو : ستَّ عشرة . سمع من أبي الحسن بن المقيَّر ، وابن الجمَّيزي ، وشعيب الزعفراني ، وعبد الرحمن بن أبي حِرْمِي ، وجماعة . وتفقَّه ودرَّس وأفتى وصنفَ . وكان شيخ الشافعية ومحدِّثَ الحجاز ، إماماً صالحاً ، زاهداً كبير الشأن ، روى عنه البِرْزالي ، وأبو الحسن العطَّار ، وولده قاضي مگّة ؛ وصنَّف التصانيفَ الجيِّدةَ؛ منها: كتاب (( الأحكام)) في الحديث ، وله ( مختصر في الحديث)) رتَبه على أبواب الفقه، وكتاب (( خلاصة سيرةٍ سيِّد البشر، وَ ﴿))، وكتاب ((صفوة القِرى في صفة حجة المصطفىُ وَّلُ وطَوْفِه بأمِّ القُرى)»، وكتاب «السِّمْط الثمين في مناقب أُمَّهات المؤمنين))، و((القِرىُ ٦٠٤ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ حِمَاراً عُرْياً إِلَى قُبَاءٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ مَعَهُ ، قَالَ : ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ أَأَحْمِلُكَ؟ ))، قَالَ: مَا شِئْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: ((إِرْكَبْ))، فَوَتَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِيَرْكَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَاسْتَمْسَكَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَقَعَا [جَمِيعاً]، ثُمَّ رَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ أَأَحْمِلُكَ؟ )) ، قَالَ: مَا شِئْتَ القاصد أُمّ القرى))، و((الرياض النَّضِرة في مناقب العشرة))، و((ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى )). ومَن طالع ((العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)) للفاسي عَلِم ما لهم من المناقب ، وما اشتملوا عليه من المناصب . وتوفي في جمادى الأولى سنة : أربع وسبعين وستمائة ، أو : أربع وتسعين وستمائة. وقع تحريف في ((سبعين))؛ هل هي بتقديم السين !! رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار . آمين . ( أَنَّهُ بِّهِ رَكِبَ حِمَاراً عُزْياً) - بضمِّ العين وإسكان الرَّاء - أي: ليس عليه إكاف ، ولا يقال ذلك في الآدمي، إِنَّما يقال عُزْيَان - كما تقدَّم قريباً -. ( إِلَىْ قُبًا) - بالضمِّ -: موضعٌ بالمدينة ، وفيه لغاتٌ جَمَعها القائل : حِرًا وَقُبًا أَنَّثْ وَذَكِّرْهُمَا مَعا وَمُدَّ أَوِ أَقْصُرْ وَأَصْرِفَنْ وَأَمْنَعِ الصَّرْفَا وزدت عليها أخذا من ((شرح مسلم )) قولي : وَأَفْصَحُهَا التَّذْكِيْرُ وَالصَّرْفُ يَا فَتَىُ مَعَ المَدِّ فَأَعْلَمْ إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَخْفَىُ (وَأَبُو هُرَيْرَةَ مَعَهُ، قَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ أَأَجْمِلُكَ؟!)). قَالَ : مَا شِئْتَ ) افعله ( يَا رَسُوْلَ اللهِ . قَالَ: ((إِرْكَبْ))، فَوَثَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِيَرْكَبَ ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ ، فَأَسْتَمْسَكَ) أي: تمسَّك وتعلَّق ( بِرَسُولِ اللهِنََّ، فَوَقَعَا [جَمِيْعاً]، ثُمَّ رَكِبَ بِّهِ، ثُمَّ قَالَ: (( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ أَأَحْمِلُكَ؟!))، قَالَ: ) افعل ( مَا شِئْتَ ؛ ٦٠٥ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((إِرْكَبْ))، فَلَمْ يَقْدِرْ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَتَعَلَّقَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَقَعَا جَمِيعاً، فَقَالَ: (( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ أَأَحْمِلُكَ؟ ))، فَقَالَ: لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِأَلْحَقِّ لاَ رَمَيْئُكُ ثَالِثاً . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضاً: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِصْلاَحِ شَاةٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ عَلَيَّ ذَبْحُهَا ، وَقَالَ آخَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ عَلَيَّ سَلْخُهَا، وَقَالَ آخَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ عَلَيَّ طَبْخُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَيَّ جَمْعُ اَلْحَطَبِ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ نَكْفِيكَ الْعَمَلَ، فَقَالَ: (( قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَكْفُونِي، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عَلَيْكُمْ، يا رَسُوْلَ الله! فَقَالَ: ((أَرْكَبْ)) فَلَمْ يَقْدِرْ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَتَعَلَّقَ بِرَسُوْلِ اللهَِّ، فَوَقَعَا جَمِيْعاً، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ أَأَحْمِلُكَ؟! )) فَقَال: لاَ، وَأَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ؛ لاَ رَمَيْئُكَ ) أي: لا أرميك ( ثَالِثاً) . واستعمل الماضي موضع المضارع ، لأنَّه قويَ عنده أنَّه إِذَا ركب وقعا جميعاً أيضاً . (وَذَكَرَ ) المحبُّ ( الطَّبَرِيُّ أَيْضاً) في الكتاب المذكور ( أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) أي : الجنس ( بإِصْلاَح شَاةٍ ) أي : تهيئتها للأكل . (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ عَلَيَّ ذَبْحُهَا. وَقَالَ آخَرُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ عَلَيَّ سَلْخُهَا. وَقَالَ آخَرُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ عَلَيَّ طَبْخُهَا. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِنَِّ (( عَلَيَّ جَمْعُ الحَطَبِ ))) من الوادي . (فَقَالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ نَكْفِيْكَ العَمَلَ !! فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَكْفُوْنِيْ ) - بحذف إحدى النونين تخفيفاً - والأصل: تكفونني ( وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عَلَيْكُمْ ، ٦٠٦ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ يَكْرَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرَاهُ مُتَمَيِّزاً بَيْنَ أَصْحَابِهِ )) ) . وَقَالَ فِي ((الشِّفَا)) : (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالِى عَنْهُ قَالَ : وَفَدَ وَفْدُ النَّجَاشِيِّ ، فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ يَكْرَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرَاهُ مَتَمَيِّزاً بَيْنَ أَصْحَابِهِ)) ) ؛ أي : لا يثني عليه إذا رآه متميِّزاً . والمكروهُ له تعالى في الحقيقة هو تميُّز العبد ؛ لا رؤيته تعالى لذلك . (وَقَالَ) القاضي عياض (فِي) كتاب ((الشِّفَا) بتعريف حقوق المصطفىّ وٍَّ)): وأخرجه ابن إسحاق، والبيهقي في ((الدلائل)) (؛ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) الأنصاريِّ السَّلَمي - بفتحتين - : الحارث ؛ ويقال : عمرو - أو النعمان - بن ربعي - بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة - . شهد أحداً وما بعدها، ولم يصحَّ شهودُه بدراً، وكان يقال له (( فارس رسول الله اَلر)). ومات سنة : أربع وخمسين . وقيل : ثمان وثلاثين ، والأوَّل أصحُ ، وأشهر وعمره : سبعون سنة - بتقديم السين المهملة على الموحدة - . روى له أحمد، وأصحاب ((السنن)) (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ [ قَالَ ]: وَفَد ) أي : قدم ( وَقْدُ ) - بسكون الفاء -: اسم جمع بمعنى : وافدين ( النَّجَاشِيِّ) - بفتح النون وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها - واسمه : أصحمة ، والنَّجاشيُّ اسمٌ لكلِّ مَنْ مَلَك الحبشة ، وكان رضي الله عنه ممن أعان المسلمين لمَّا هاجروا إليه ، وكاتَبَ النبيِنَّر، وأهدى له الهدايا، وزوَّجه بـ ((أُم حبيبة)) رضي الله تعالى عنها. وكتب له النبيُّ وَلّ كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام ، فأسلم على يد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه سنة: ستٍّ. وكان بينه وبين النبي ◌َّ- محبّة عظيمة، فلما توفي في رجب سنة: تسع من الهجرة نعاه النبي ◌َ ◌ّهِ وصَلَّى على ٦٠٧ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْدُمُهُمْ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : نَكْفِيكَ، قَالَ: ((إِنَّهُمْ كَانُوا لأَصْحَاِنَا مُكْرِمِينَ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُكَافِئَهُمْ )) . وَلَمَّا جِيءَ بِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الشَّيْمَاءِ جنازته ، وبه استدلَّ الشافعي رضي الله عنه على جواز الصلاة على الغائب ، ولما تُوفيٍّ خَلَفه نجاشيٌّ آخر دعاه النبيِنََّ للإسلام، فأبى ومات كافراً . انتهى ((خفاجي؛ على ((الشفاء)) وأرسل النَّجاشيُّ المسلمُ جماعةً من عنده رسلاً إليه وَلهم . ( فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَخْدُمُهُمْ) بنفسه تواضعاً منه وإرشاداً لغيره . ( فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: ) نحن ( نَكْفِيْكَ ) خدمتهم ؛ أي : نقوم عنك بذلك . فأبى، و( قَالَ: ((إِنَّهُمْ كَانُوْا لأَصْحَابِنَا) الذين هاجروا إلى أرضهم ( مُكْرِمِيْنَ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُكَافِتَهُمْ) - بكسر الفاء وبعدها همزة مفتوحة - أي : أُجازيهم على إكرامهم لأصحابنا بإكرامهم، ولا إكرامَ أَعظمُ مِن تعاطيه ◌َّم أمورَهم بنفسه . ( وَلَمَّا)؛ أي وحين ( جِيءَ) - مَبْنِيٌّ للمفعول - أي: جاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم ( بِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ) - بفتح الراء وكسرها - بمعنى الرضاع ( اُلشَّيْمَاءِ ) - بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية والميم وهمزة ممدودة - ويقال لها ((الشَّمَّاء)) - بتشديد الميم - من غير ياء ؛ كما قاله المحبُّ الطبري. وهي بنت حليمة السعدية التي أرضعت النبي وَّ ، وقيل : أختُها . وزوجُ حليمة هو الحارث بن عبد العُزَّى ، وحليمة أسلمت وعُدَّت من الصحابة واسمها - يعني (( الشَّمَّاء)) - جُدامة - بجيم مضمومة ودال مهملة - وقيل : حذافة - بحاء مهملة وذال معجمة وفاء - . وقيل : خِذافة - بمعجمتين أولاهما مكسورة -. واختلف في زوجها أبو النبي و ليس من الرضاع! فلم يذكر أحد من أهل السير إسلامه ، ولكن ذكره يونس بن بُكَير في روايته ؛ فقال حدَّثنا ابن إسحاق ؛ عن أبيه ٦٠٨ فِي سَبَايَا هَوَازِنَ، وَتَعَرَّفَتْ لَهُ .. بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، وَقَالَ لَهَا: ((إِنْ أَحْبَبْتِ عن بعض بني سعد بن بكر : أن الحارث بن عبدِ العُزَّى أبا رسول الله وَّهِ من الرضاع قدم عليه بمكّة بعد بعثته ؛ فقالت له قريش : يا حارثُ ؛ ما يقول ابنك هذا !! فقال : ما يقول ؟. قالوا : يَزِعُمْ أَنَّ اللهَ يبعث الخلق بعد الموت ، وَأَنَّ للهِ دارين ، يعذِّب فيهما مَن عصاه ، ويكرم مَن أطاعه . وقد شتَّت أمرنا وفرّق جماعتنا !! فأتاه فقال : يا بُنيَّ ؛ مَالَكَ ولقومِك يشكونك ، ويزعمون أنَّك تقول لهم : ((إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَصِيْرونَ إِلى جَنَّةٍ، أَوْ نَارٍ؟ !! )). فقال: ((نَعَمْ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَا أَبَتِ أَخَذْتُ بِيَدِكَ حَتَّى أُعَرِّفَكَ حَدِيْثَكَ أَلْيَوْمَ )). فأسلم وحَسُن إسلامه ، وكان يقول حين أسلم : لو أخذابني بيدي فعرّفني ما قال ؛ لم يرسلني - إن شاء الله - حَتَّى يدخلني الجنَّة . انتهى ذكره الخفاجي . ( فِي سَبَايَا ) جمع سبية بمعنى : مسبية ، أي : مأسورة ( هَوَازِنَ ) اسمُ قبيلة ؛ من بني سعد بن بكر ، سُمِّيَت باسم الأبِ الأعلى كتميم . وهو هوازن بن نصر بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن نصر . والمرادُ بكونها فيهم : أنَّها كانت مسبيَّةً معهم أيضاً ؛ أي : أسيرة من جملة أسارى قبيلة هوازن المذكورة . (وَتَعَرَّفَتْ لَهُ) يقال: تعرَّف له: إذا أعلمه باسمه وشأنه، فهي أعلمته وَّ أَنَّها أخته رضاعاً، فقال لها بَِّ: (( مَا عَلَاَمَةُ ذُلِكَ!؟)). فقالت: عَضَّة كُنتَ عضَّيتَنيها في ظهري، فعرف ذلك رسول الله وَ لٍّ وصدَّقها . وجوابُ ((لَمَّا)) قولُه ( بَسَطَ [لَهَا ] رِدَاءَهُ) أي : فَرَشه لها لتجلس عليه ؛ إكراماً لها ومكافأة لفعلها ، لأنها كانت تربّيْه مع أُمِّها حليمة . ( وَقَالَ لَهَا ) أي: على وجه التَّخيير (: ((إِنْ أَحْبَيْتِ ) - أي: الإقامة عندي - ٦٠٩ أَقَمْتِ عِنْدِي مُكْرَمَةً مُحَبَّةً، أَوْ مَتَّعْتُكِ وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِكِ»، فَأَخْتَارَتْ قَوْمَهَا، فَمَتَّعَهَا . وَقَالَ أَبُو اُلْطُفَيْلِ : ( أَقَمْتِ عِنْدِيْ مُكْرَمَةً ) - بضمِّ أوله وسكون ثانية وتخفيف رائه ؛ اسم مفعول من أكرَمَه: إذا فعل به ما يحسبه من الإحسان ؛ قولا وفعلا - ( مُحَبَّةً) - بضمِّ أوَّله وفتح الحاء المهملة ، وتشديد الموحّدة - أي: محبوبة وهو اسم مفعول ؛ من أَحبَّه ، ويقال ((حَبَّه وأحبَّه)) بمعنى، والأفصحُ الأكثر في اسم المفعول : أن يكون من الثلاثي؛ فيكثر فيه محبوب ، ويقال مُحَبٌّ، لكنه هنا أحسنُ لاقترانه لـ (( مُكْرَمة))! وعليه الاستعمال ؛ كقول الشاعر : وَإِذَا نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ المُحَبِّ الْمُكْرَمِ ( أَوْ مَتَّعْتُكِ ) أي : إن كنتِ تريدين الرجوعَ أعطيتُك متاعاً حسناً ، وزوَّدتك ، ( وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِكِ))) رجوعاً مستحسناً . (فَأَخْتَرَتْ قَوْمَهَا ، فَمَتَّعَهَا ) وزوَّدها ، ورجعت إلى قومها . وتفصيلُه ؛ كما قال أصحاب السِّير: أَنَّه لما قدمت أُخته الشَّماء بنتُ الحارث بنِ عبد العُزَّى، وعَرَّفته وََّ بنفسها فَعَرَفها، وبَسط لها رداءه ، وأجلسها عليه وخيَّرها ؛ فاختارت الرجوع لقومها وأرضها ، وأن يمتِّعها بالإحسان إليها ، فأعطاها عبداً له اسمه ((مكحول)) وجارية ، فزوَّجت أحدَهما من الآخر ، فلم يزل فيهم من نسلهما بقيّةٌ . وقال ابن عبد البرِّ رحمه الله: إنَّها أسلمت فأعطاها ثلاثة أَعْبُد وجارية ، ونَعماً وشاءً، وهذا منه ◌َِّ صلةٌ لرحمه ، لأنَّ الرضاع له حكمُ النسب والقرابة . انتهى خفاجي، وعلي قاري: كلاهما على (( الشفاء)) للقاضي عياض. ( وَقَالَ أَبُو الطَّفَيْلِ ) - بضمِّ الطاء المهملة ، وفتح الفاء - منقول من مُصَغَّر الطِّفْل ، جعل عَلَماً لعامر بن واثلة - بالتاء المثلثة - الكناني الصحابي آخرُ مَن مات ٦١٠ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا غُلاَمٌ ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ مِنْهُ، فَبَسَطَ لَهَا رَدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا : أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ . من الصَّحابة على الإطلاق ، كان مولده عامَ واحد من الهجرة ، ووفاتُه سنةَ مائة من الهجرة ، روى أربعة أحاديث . قال بعضهم : آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصِّحَابِ لَهْ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بنُ وَائِلَةْ وقد روى هذا الحديثَ أبو داود في (( سننه )) بسند حسن ؛ كما قال الخَفَاجيُّ ، أو صحيحٌ ؛ كما قال ملا علي قاري ؛ كلاهما في (( شرح الشفاء ))؛ عن أبي الطُّفَيل المذكور قال : (رَأَيْتُ النَِّيَّ ◌ََّ ) أي: وكان جالساً [ ذات ] يوم بالجِعْرَانة يقسم لَحْماً ؛ ( وَأَنَا غُلاَمٌ) في ((كفاية المتحفِّظ)): الغلامُ - عند بعض أهل اللغة - : الصبيُّ إذا فُطِمَ إلى سبع سنين ، ثم يصير يافعاً إلى عشر حجج . وقد يطلق الغلام على الشابّ التّامِّ الرجولية . والمرادُ هنا الأوَّل . ( إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ مِنْهُ) أي : قَرُبت من مكانه الجالس فيه، ( فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ)؛ تكريماً لها . (فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ) أي : بأمره . ( فَقُلْتُ [ لِمَنْ عِنْدَهُ]: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوْا: أُّهُ الَِّيْ أَرْضَعَتْهُ) فقيل : هي حليمة . وقيل : ثويبة . قال الحافظ الدِّمياطيُّ : لا يعرف لحليمة صحبةٌ ؛ ولا إسلامٌ ، وزوجها لا نعرف له صحبة ؛ ولا إسلاماً ، وما قاله ابنُ عبدِ البرِّ من ((أنَّها أتته ◌َِّ يومَ حنين، وبَسَط لها رداءه، وروت عنه ، وَرَوى عنها عبد الله بن جعفر !! لم يصحّ ، وابن جعفر لم يدركها ، وإنَّما التي جاءته هي بنتُها الشَّماء . وأمَّا حليمة !! فإنَّها جاءته وَ له بمَّة قبل النبوة في زمن خديجة رضي الله عنها ؛ فأعطاها أربعين شاةً وجَمَلاً ، ثم انصرفت لأهلها . ٦١١ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ السَّائِبِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِساً يَوْماً ، وما هنا يقتضي مجيئها له ◌َّ بعد النبوة بالجِعْرَانة بعد انقضاء حرب هوازن ؛ ومجيء وفدهم !! وليس كذلك ، إنَّما هي ابنتها . وجوَّز الذهبيُّ رحمه الله تعالى أن تكون المرأةُ التي جاءته ثويبة مولاةُ أبي لهب الآتي ذكرها . ويَرُدُّه أَنَّا ماتت سنة : سبع ؛ قبل هوازن ، ولما فتح مكة سأل عنها ابنها مسروحاً فأخبره بموتها . وصحّح بعضُهم خلافَه ؛ ذكره ابن الجوزي في « الوفا)). وصنَّ الحافظُ مُغُلْطاي جزءاً في إسلامها سمَّاهُ (( النعمة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة )) . وأيَّده وارتضاه علماءُ عصره، وممَّن أنكره أبو حيَّان النحوي. والله أعلم . وصحّح ابن حِبَّان وغيرُه ما يدلُّ على إسلام حليمة. انتهى من ((شرح الشفا)). قلت : وابنُ عبد البرِّ وابن حِبَّان كلٌّ منهما أجلُّ من الحافظ الدمياطي ، فالراجحُ عندي ما قاله ابنُ عبد البرِّ ؛ من إثبات إسلامها ، وهو الذي اعتمده الحافظ مُغُلْطاي . وأيَّده علماءُ عصره ؛ لاسيما وقد ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((الإصابة)) في الصحابيات أهلِ القسم الأول. والله أعلم . ( وَعَنْ عَمْرِو بْنِ السَّائِبِ)؛ كذا في (( الشفاء)): عمرو - بالواو - وهو ابن راشد المصري (( مولى بني زهرة)) تابعيٌّ. ذكره الحافظ عبد الغني في ((إكماله)) فيمن اسمه عمرو ، ووَهَّمه الحافظُ المِزُِّّ؛ وقال : اسمه عُمَر - بضم العين - . قال الحلبي: وهو غلطٌ صريحٌ صوابُهُ عُمَر بن السائب - بضم العين؛ وحذف الواو - وهو يروي عن أسامة بن زيد وجماعةٍ ، وعنه الليثُ ، وابن لهيعة ، وعَمْرو بن الحارث وغيرهم ؛ ذكره ابن حِبَّان في (( الثقات)). والحديث رواه أبو داود مرسلاً عنه أَنَّه بلغه ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ كَانَ جَالِساً يَوْماً ٦١٢ فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُّهُ، فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ آلآخَرِ ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ . ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنَ الرِّضَاعَةِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَیْنَ یَدَیْهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ إِلَىْ تُوَيِبَةَ - مَوْلاَةٍ أَبِي لَهَبٍ - .. فَأَقْبَلَ أَبُوْهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ) ؛ هو : الحارث بن عبد العُزَّى - وقد تقدَّم الكلام فيه وفي إسلامه - ( فَوَضَعَ لَهُ ) بَّهِ (بَعْضَ ثَوْبِهِ) وفرشه له في الأرض ليجلسَ عليه، ( فَقَعَدَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ) ؛ أي : حليمة ، ( فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ) - بكسر الشين المعجمة - أي: طرف ( ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ أَلْآخَرِ؛ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوْهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ) وهو عبد الله بن الحارث المذكورُ، (فَقَامَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ) يعني : أنَّه أجلس أباه عن يمينه وفرش له جانباً من ثوبه ، وأجلسَ أُمَّه حليمةَ عن يساره وفرش تحتها جانباً من ثوبه ؛ إكراماً لها ، فلما قدم أخوه - وهو عبد الله بن الحارث بن عبد العُزَّى - لم يبقَ جانب من ثوبه يفرشه، فقامَ له وَّهِ لئلا يُقَصِّر في توقیره عن أبویہ !! وفيه دليلٌ على أنَّه يجوز القيام تعظيماً لمن يستحقُّ التعظيم ؛ خلافاً لمن قال ((إنَّه مكروه مطلقاً)) !! وللنَّبِيِّنََّ عدَّةُ مرضعاتٍ ؛ منها حليمة هذه، وثويبة مولاةُ أبي لهب الآتية ، وخولةُ بنت المنذر بن زيد بن لبيد ، وأمّ أيمن ، وثلاث نسوة من سُلَيم ؛ تسمَّى كلُّ واحدةٍ منهنَّ ((عاتكة))، وهو أحد القولين في قوله وََّ: ((أَنَا أَبْنُ أَلْعَوَاتِكِ)) وقيل : إنَّهنَّ جَدَّات له . ومعنى عاتكة : متضمَّخَة بالطيب ؛ قاله الخفاجي . (وَكَانَ رَِّ يَبْعَثُ) أي: يرسل من المدينة إلى مكة (إِلَىْ ثُوَيْبَةَ) - بضمٌّ مثلَثَةٍ وفتح واوٍ ، فسكونِ تحتيَّة فموخَّدة - (: مَوْلاَةٍ أَبِي لَهَبٍ ) - بفتح الهاء - أي : جارية عتيقة لأبي لهب ، وهذه كنيتُه، واسمه عبد العُزَّى، وكُنِّي ((أبا لَهَبٍ))! لتوقُّد ٦١٣ مُرْضِعَتِهِ بِصِلَةٍ وَكِسْوَةٍ، فَلَمَّا مَاتَتْ .. سَأَلَ: ((مَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهَا؟ ))، فَقِيلَ: لاَ أَحَدَ ). لونه ، وذُكر بهذه الكنية في القرآن !! للإشارة إلى أنَّ جهنّمِيٌّ . ( مُرْضِعَتِهِ ) وَّ؛ وهو بالجرِّ بدل، أو عطفُ بيانٍ من ثويبة ( بِصِلَةٍ ) - بكسر الصاد المهملة - أي : نفقة ( وَكِسْوَةٍ) - بكسر الكاف - أي : ثياب تلبَسُها . (فَلَمَّا مَاتَتْ) بمكَّة بعد هجرته عليه الصلاة والسلام ( سَأَلَ: ((مَنْ بَقِيَ ) أي: عمن بقي ( مِنْ قَرابَتِهَا؟)) ) ؛ فهو منصوب بنزع الخافض ، أو تقديره . وقال : مَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهَا !! فهي إمَّا موصولةٌ ؛ أو استفهامية . ( فَقِيْلَ: لاَ أَحَدَ ) أي : ما بقي منهم أحد ، وما ذُكر من حسن الوفاء وصلةٍ الرحم . وفيه من مكارم أخلاقه وحُسْن عهده مَلّ ما لا يخفى. وهذا الحديث رواه ابن سعد ؛ عن الواقدي ؛ عن غير واحد من أهل العلم . وفي ((الروض الأُنْفُ)) كان يصلُها مِن المدينة ، فلما فَتَح مَّة ؛ سأل عنها وعن ابنها (( مسروح))؟ فقيل : ماتا . وأما إرضاعُ ثويبةَ له ◌ََّ !! فثابتٌ في ((الصحيحين)) ، وهي أوَّل مَن أرضعته مع ابنها مسروح ؛ المتقدِّم ذكره قبل حليمة ، وأرضعت قبلَه عمَّه حمزة ، وأبا سلمة . واختلف في إسلامها ! فأثبته بعضُهم ، وعدَّها في الصحابة ، وأنكره أبو نُعيم ، وكان أبو لهب أعتقها لما بَشَّرته بولادة النبي ◌ّ ورؤي في المنام ؛ وهو يقول : خُفِّف عنِّي العذاب بإعتاقي ثويبة لَمَّا بشرتني به . وفي السِّيَر أنَّه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل . انتهى خفاجي ، ومُلا علي قاري ؛ على ((الشفاء)). ٦١٤ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَنْصِرُ بِصَعَالِيْكِ اٌلْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ ، وَكَان لاَ يَرْتَفِعُ عَلَيْهِمْ فِي مَأْكَلٍ وَلاَ مَلْبَسٍ . ( وَ) أخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، والطبراني في ((الكبير)) - قال في العزيزي : إنَّه حديث حسن - عن أميّة بن خالد بن عبد الله بن أسد الأموي يرفعه . وقال المنذري : رواتُه رواةُ الصحيح ، وهو مرسل . انتهى . وقال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني بإسنادين أحدهما رجاله رجالٌ الصحيح . انتهى ، لكن الحديث مرسلٌ ، وأميَّة المذكور لم يُخرِّج له أحدٌ من الستّة . ورواه عنه أيضاً البغوي في (( شرح السنة)). وقال ابن عبد البرِّ : لا يصحُّ عندي والحديث مرسل . وفي ((تاريخ ابن عساكر)) أَنَّ أميَّة هذا تابعيٌّ ثقة ، ولاَّه عبد الملك خراسان. قال الذهبيُّ في ((مختصره » : والحديثُ مرسل . وقال ابن حبان : أميَّة هذا يروي المراسيل ، ومَن زعم أنَّ له صحبةً !! فقد وهم، وقال في (( الاستيعاب )): لا يصحُّ عندي صحبته . وفي «أسد الغابة)): الصحيح لا صحبةً له ، والحديث مرسل . وفي ((الإصابة)): ليس له صحبةٌ ولا رؤية. قاله المناوي على ((الجامع الصغير)) . (كَانَ وَّهِ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَنَّصِرُ) أي: يطلب النصر والفتح (بِصَعَالِيْكِ المُسْلِمِيْنَ ) أي : بدعاء فقرائهم لقربه من الإجابة ، بسبب انكسار قلوبهم لخلوٍّ أيديهم من الأموال . ( وَ) في ((كشف الغمَّة)) كـ ((الإحياء)»: ( كَانَ لَهُ نَّهِ عَبِيْدٌ وَإِمَاءٌ. وَكَانَ لاَ يَرْتَفِعُ عَلَيْهِمْ فِي مَأْكَلٍ وَلاَ مَلْبَسٍ ) . ٦١٥ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مَعَ خَادِمِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَ الْفُقَرَاءِ . روى: محمد بن سعد في ((الطبقات))؛ من حديث سلمى ؛ قالت : كان خدمُ النبي ◌َّهُ أَنَا، وَخَضِرة، ورَضْوىُ، وميمونة بنت سعد؛ أعتقَهُنَّ كُلَّهن. وإسناده ضعيف . وروى أيضاً : أن أبا بكرٍ بنَ حزم كَتَب إلى عمر بن عبد العزيز بأسماء خدم النبي ◌َ ﴿ فذكر بَرَكة (( أُم أيمن))، وزيد بن حارثة، وأبا كبشة ، وآنسة ، وشقران، وثوبان ، وسفينة، ورباحاً ، ويساراً ، وأبا رافع ، وأبا مُوَيْهِبة ، ورافعاً ؛ أعتقهم كلَّهم ، وفضالة ، ومدعماً ، وكركرة . ولمسلم من حديث أبي اليَسَر: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ، وأَلْبِسُوهُمْ مَمَّا تَلْبَسُونَ)) ... الحديث. ( وَ) أخرج أبو بكر بن الضَّحاك في ((الشمائل))؛ من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد ضعيف : (كَانَ بِّهِ يَأْكُلُ مَعَ خَادِمِهِ ) ؛ تواضعاً لله وجبراً لخاطره . ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) - ورمز له برمز أبي داود -: (كَانَ بَّهِ يَجْلِسُ مَعَ الفُقَرَاءِ )، ويجتنبُ مجالسة الأغنياء، ويقول: ((اتَّقُوا مُجَالَسَةَ المَوْتَى)). روى أبو داود ؛ من حديث أبي سعيد : جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين، وإنَّ بعضهم ليستترُ ببعضٍ من العُزي !! وفيه؛ فجلس رسول الله وَله وَسَطْنا ليعدلَ بنفسه فينا ... الحديث. ولابن ماجه ؛ من حديث خَبَّابٍ: وكان رسول الله وَّهِ يجلسُ معنا ... الحديث في نزول قوله تعالى ﴿وَلَا تَطَرُّرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ [٥٢/ الأنعام] ... الآية وإسنادهما حسن . ٦١٦ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَاكِلُ الْفُقَرَاءَ وَأَلْمَسَاكِينَ، وَيَفْلِي ثِيَابَهُمْ. وكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفَ نَعْلَهُ، وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ . ( وَ) في ((كشف الغمَّة)): (كَانَ بِّهِ يُوَاكِلُ الفُقَرَاءَ وَأَلْمَسَاكِيْنَ ) الفرقُ بين المسكين والفقير مشهورٌ في مبحث الزكاة ، إلاَّ أَنَّ كُلّ منهما يطلق على الآخر من غير فرق في العرف ، والمَسكين - بكسر الميم وفتحها - مأخوذٌ من السكون ، ويكون بمعنى المتذلِّل الخاضع، ومنه قوله ◌َله: ((اللَّهُمَّ؛ أَحْيِي مِسْكِيْناً، وَأَمِتْنِي مِسْكِيْناً ». ولا يجوز أن يطلق على النبي وَّرُ أَنَّه فقير أو مسكين، وإن أطلقَه على نفسه الشريفة ؛ قاله العلامة الشهاب الخفاجي على ((الشفا)). روى البخاريُّ ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : وأهل الصفة أضيافُ الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ، ولا على أحد ؛ إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ؛ ولم يتناول منها ، فإذا أتته هديّة أرسلَ إليهم وأصاب منها ، وأشركهم فيها . ( وَيَقْلِيْ) - بفتح فسكون - مضارع فَلَىُ؛ ثُلاَئِيّاً. ( ثِيَابَهُمْ) أي: يزيلُ منها القمل . وهذه الجملةُ لم أجدها في غير ((كشف الغمَّة)) !!. ( وَ) أخرج الإمام أحمد، وابن سعد، وأبو الشيخ وصحَّحه ، وابن حبّان ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ) رسول الله (ِ يَخِيْطُ ) - بفتح المثناة التحتية وكسر الخاء المعجمة - ( ثَوْبَهُ) ، ورواية أبي الشيخ وابنِ سعد : ويرقع الثوب ، ( وَيَخْصِفُ ) - بكسر الصاد المهملة - ( نَعْلَهُ ) ؛ أي : يخرز طاقا على طاق . قال في (( مختصر النهاية )): وخصفُ النعل خَرْزُها . (وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس ؛ إرشاداً للتواضع وتركِ التكبُّر ، لكنه مشرَّفٌ بالوحي والنبوة ، مكرَّم بالمعجزات والرسالة . ٦١٧ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّهُ قِيلَ لَهَا : مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ : كَانَ بَشَراً مِنَ اُلْبَشَرِ ، يَفْلِي ثَوْبَهُ ، وفيه أنَّ الإمام الأعظم يتولَّى أُموره بنفسه ، وأَنَّه من دأب الصالحين . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والترمذيُّ في ((الشمائل)) - واللفظ لها -، وأبو نُعَيم في ((الحلية)) : كلهم ؛ (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّهُ قِيْلَ لَهَا ) ؛ أي : قال لها بعضهم (: مَاذَا كَانَ يَعْمَلِ رَسُوْلُ اللهِ ◌ّهِ فِي بَيِّهِ ؟. قَالَتْ: كَانَ بَشَراً مِنَ الْبَشَرِ ) ، ذكرت ذلك تمهيداً لما تذكره بعدُ ؛ الذي هو محطُّ الجواب ، ودفعت بذلك ما رأته من اعتقاد الكُفَّار أَنَّه لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعله غيره من العامَّة ، وإنَّما يليق أن يكون كالملوك الذين يترفَّعون عن الأفعال العاديَّة؛ تكبراً! ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِىِ اْأَسْوَاقِ﴾ [٧/ الفرقان] فقالت : إنَّه كان خَلْقًا من خلق الله تَعَالَى. أي : واحداً من بني آدم ؛ يعتريه ما يعتريهم من الاحتياج إلى المأكل والمشرب ، والمشي في السوق ، والمِحَن والضرورات . ( يَفْلِيْ ) - بفتح المثناة التحتية وسكون الفاء ؛ بعدها لام مكسورة ، وآخره ياء تحتية ، مضارع ((فَلَى )) ثلاثياً؛ كما ضبطه غيرُ واحد ، بِزِنَةَ : رَمَى يَرْمِي . ويجوز [ يُفْلي ] ضمُّ أَوَّله وسكون ثانيه مخفَّفاً، أو [ يُفَلِّي ] فتحه مثقَّلاً - ( ثَوْبَهُ) أي : يفتِّشه ليلتقط ما فيه مما علق فيه من نحو شوك ، أو ليرقعَ ما فيه ؛ من نحو خرق ، لا نحو قمل ، لأن أصل القمل من العفونة ؛ ولا عفونة فيه! وأكثره من العَرق ، وعرقُه طِيْب !! ولذلك ذكر ابن سَبْع - وتبعه بعضُ شُرَّاح ((الشفاء)) أنَّه لم يكن فيه قمل، لأنه نور، ومن قال ((إنَّ فيه قملاً))؟! فهو كمن نقصه ، وقيل : إنه كان في ثوبه قملٌ ولا يؤذيه . وإنَّما كان يلتقطه !! استقذاراً له ؛ كذا قرَّره الباجوريُّ على ((الشمائل)). ٦١٨ وَيَحْلُبُ شَاتَهُ ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ . وقال المناوي في شرح ((الجامع الصغير)): ومن لازم التفَلِي وجودُ شيء يؤذي في الجملة ؛ كبرغوث وقمل ، فدعوى أنَّه لم يكن القمل يؤذيه ؛ ولا الذباب يعلُوه دُفِعَت بذلك، ومحاولة الجمع بـ ((أن ما عَلِقَ بثوبه من غيره؛ لا منه)) !! رُدَّت بأنَّه نفي أذاه ، وأذاه غذاؤه من البدن ، وإذا لم يتغذَّ لم يعش ، انتهى . ومِنْ ثَمَّ قال الزرقاني ؛ كالمناوي : ظاهرهُ أَنَّ القمل يؤذيه . لكن قال ابن سَبْع ... إلى آخر ما تقدَّم عن الباجوري . (وَيَخْلُبُ) - بضمِّ اللَّم ويجوز كسرها - ( شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ) - بضمِّ الدال وتكسر - ( نَفْسَهُ) عطفُ عامّ على خاصٌّ . ونكتَتُه الإشارة إلى أَنَّه كان يخدم نفسه عموماً وخصوصاً ، وهذا يتعيَّن حملُه على أنَّه كان يفعل ذلك في بعض الأوقات ؛ لا دائماً، فإنَّه ثبت أنَّه كان له خَدَمٌ ، فتارةً يكون بنفسه ، وتارة بغيره ، وتارة بالمشاركة . وفيه ندبُ خدمةِ الإنسان نفسَها ، وأَنَّه لا يُخِلُّ بمنصبه ؛ وإن جَلَّ . انتهى ؛ قاله الزرقاني على ((المواهب)). وذكر مثلَه المناويُّ على ((الجامع الصغير)). وقال ملا علي قاري في ((جمع الوسائل )) - بعد قوله (( يَخْدُمُ نَفْسَهُ)) -: إنَّه فُسِّر بصبٌّ الماء في الوضوء والغسل على الأعضاء . انتهى . قال المناوي في ((شرح الشمائل)): وفيه الترغيبُ في التواضع ، وتركُ التكبُّر ، وخدمة الرجل نفسه وأهله . ولذا قال أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب لأمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطّاب : يا أمير المؤمنين ؛ إن سَرَّك أن تلحق بصاحبيك ؛ فارفع القميص ، وأنكس الإزار ، وأخصف النعل ، وأقصر الأمل ، وكُلْ دون الشبع ؛ تلحق بهما . وقد نظم معنى ذلك الحافظ العراقيُّ حيث قال : يَخْصِفُ نَعْلَهُ يَخِيْطُ ثَوْبَهُ يَخْلُبُ شَاتَهُ، وَلَنْ يَعِيْبَهُ يَخْدُمُ فِيْ مِهْنَةِ أَهْلِهِ كَمَا يَقْطَعُ بِالسِّكِّيْنِ لَحْمَا قَدُمَا ٦١٩ وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْسَعَ النَّاسِ خُلُقاً، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَكُونُ أَكْثَرَ عَمَلِهِ فِيهِ الْخِيَاطَةُ ، وَكَانَ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ آحَادُ النَّاسِ ، يَشِيلُ هَاذَا ، وَيَحُطُّ هَذَا، وَيَقُمُّ الْبَيْتَ، وَيُقَطِّعُ اللَّحْمَ ، وَيُعِينُ الْخَادِمَ . ( وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الهِ وٍَّ أَوْسَعَ النَّاسِ خُلُقاً ) - بضمَّتين - أي: بِشْراً وطلاقةَ وجهٍ وإبداءَ سرور . ( وَكَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَكُوْنُ أَكْثَرَ عَمَلِهِ فِيْهِ الْخِيَاطَةُ ) . روى ابن سعد في ((طبقاته))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أَنَّه كان يرقع ثوبه ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ، وفي رواية له عنها : يعمل عمل البيت ، وأكثر ما يعمل الخياطة . انتهى . وفيه أنَّ الخياطة صنعة لا دناءة فيها ، وأنَّها لا تُخلُّ بالمروءة ؛ ولا بالمنصب . ( وَكَانَ يَصْنَعُ) في بيته ( كَمَا يَصْنَعُ آحَادُ النَّاسِ ) في بيوتهم . ثم فصَّل بعضَ ما يفعله في البيت ؛ فقال: ( يَشِيْلُ هَذَا ) المتاع المحتاج إليه ، ( وَيَخُطُّ هَذَا) المتاعَ الذي انتهت منه الحاجة . (وَيَقُمُّ) - بضمِّ القاف وكسرها وتشديد الميم - ( أَلْبَيْتَ ) أي : يكنُسُه ويزيل قمامته . ( وَيَقْطَعُ اللَّحْمَ ) . قال الحافظ العراقي : رواه الإمام أحمد ؛ من حديث عائشة رضي الله عنها : أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمةِ شاة ليلاً، فأمسكتُ وقَطَع رسول الله وَ﴿. أو قالت: فأمسكهُ رسول الله وَلّه وقطعنا . وفي (( الصحيحين)) ؛ من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في أثناء حديث : وَأَيْمُ الله ؛ مَا مِنَ الثلاثيْنَ ومائَةٍ إِلَّ حَزَّ لَهُ رَسُول اللهِ وَّر من سواد بطنها. انتهى ((شرح الإحياء)). (وَيُعِيْنُ الخَادِمَ) ؛ مملوكاً أو غيره ، وهو يشمل الذكر والأنثى . ٦٢٠