النص المفهرس
صفحات 581-600
الَّذِينَ لاَ يُؤْبَهُ لَهُمْ ، وَيَخْدُمُهُمْ بِنَفْسِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ ؛ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ أَوْ شَرِيفٍ ، وَلاَ يَحْتَقِرُ أَحَداً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِيبُ إِلَى الْوَلِيمَةِ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ. قولُهُ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ أَحْيِنِ مِسْكِيْناً وَأَمِتْنِيْ مِسْكِيْناً))، ولا يجوز أن يطلق على النبي ◌َِّ أنَّهُ ((فقير)) أو ((مسكين))، وإن أطلقه على نفسه الشريفة. ( الَّذِيْنَ لاَ يُؤْبَهُ) أي : لا يفطن (لَهُمْ، وَيَخْدُمُهُمْ بِنَفْسِهِ ) الشريفة، أي : يباشر خدمتهم بنفسه ( وَ*) ؛ تواضعاً منه . ( وَكَانَ بِّهِ يُجِيْبُ مَنْ دَعَاهُ، مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيْرٍ أَوْ شَرِيْفٍ ) أو وضيع ، جبراً لخاطره وتواضعاً مع ربِّه . (وَلاَ يَحْتَقِرُ أَحَداً)؛ امتثالاً لأمره سبحانه بقوله ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ (٢١)﴾ [الشعراء] . الْمُؤْمِنِينَ ( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغمَّة)): (كَانَ بَّهِ يُحِيْبُ إِلَى الوَلِيْمَةِ ) ؛ وهي طعام العرس ، وسيأتي حديث ((لَوْ دُعِيْتُ إِلَى كُرَاعِ لِأَجَبْتُ)). وفي ((الأوسط)) للطبرانيّ؛ من حديث ابن عبّاس: كان الرَّجُل من أهل العوالي ليدعو رسول الله وَله بنصف الليل على خبز الشعير فيجيب، وإسناده ضعيف . ( وَيَشْهَدُ الجَنَائِزَ ) ؛ أي : يحضرها للصلاة عليها ، ودفنِها ؛ هبها لشريف أو وضيع . روى الترمذي ، وابن ماجه وضعَّفه ، والحاكم وصحَّحه ؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان يُعُود المريض ويشهد الجنائز . ورواه الحاكم ؛ من حديث سهل بن حُنَف . وقال : صحيح الإسناد . ٥٨١ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ . وَعَنْ أَنَسِ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ اُلْمَرْضَى ، وفي ((الصحيحين)) وغيرهما عدَّة أحاديث في عيادته بّ للمرضى وشهوده الجنائز ؛ منها حديث جابر: مرضتُ فأتاني النبي ◌َّ يعودني وأبو بكر رضي الله عنه ؛ وهما ماشيان ... الحديث. وقد أخرجه أبو داود. فيتأكَّد لأُمَّته التأسِّي به. وآثر قومٌ العزلة ففاتهم بها خيراتٌ كثيرة ؛ وإن حصل لهم منها خير كثير . ولتشييع الجنازة آدابٌ مبيّنة في كتب الفروع، وسيأتي ذلك في حديث ((الشمائل))، وغيرها . ( وَ) أخرج أبو يعلى والطبرانيُّ في ((الكبير))، والحاكم، عن سهل بن حُنَيَف - بالتصغير - قال في العزيزي : وهو حديث صحيح ( كَانَ ) رسول الله (وَّهَ يَأْتِيْ ضُعَفَاءَ المُسْلِمِيْنَ وَيَزُوْرُهُمْ) في مواطنهم ؛ تلطُّفاً بهم وإيناساً لهم ، ( وَيَعُوْدُ مَرْضَاهُمْ) ؛ أيَّ مريضٍ كان ؛ حراً أو عبداً ، شريفاً أو وضيعاً . وكان يدنو من المريض ويجلسُ عند رأسه ، ويسألُه كيف حاله . وجاء في فضيلة العيادة أحاديث كثيرة ، ولها آداب مبيّنة في محلّها ، وللعلامة ابن حجر الهيتمي كتاب (( الإفادة في ما جاء في المرضى والعيادة )) رسالة مفيدة جدّاً ، ولم تكن عندي حالَ الكتابة حتَّى أنقل من فوائدها شيئاً أُتحف به القُرّاء . ( وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ ) أي : للصلاة والدفن، وهو فرضُ كفايةٍ، وكان إذا شيَّع جنازة عَلاَ كربه، وأقلَّ الكلام ، وأكثر حديث نفسه . رواه الحاكم في (( الكنى)) ؛ عن عمران بن حُصين رضي الله تعالى عنهما . ( وَ) أخرج أبو داود، والبيهقيُّ، والترمذيُّ في ((الشمائل)) - واللفظ لها - ؛ (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله تَعَالَىْ عَنْهُ؛ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِّهِ يَعُوْدُ المَرْضَى)؛ ٥٨٢ وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ وَيَرْكَبُ اَلْحِمَارَ ، الشريف والوضيع ، والحرّ والعبد ؛ حتَّى لقد عاد غلاماً يهودياً كان يخدُمُه ؛ فقعد عند رأسه؛ فقال له: ((أَسْلِمْ)) فنظر إلى أبيه . فقال له : أَطِعْ أَبًا القاسم . فَأَسْلَمَ ، فخرج ◌ٍَّ وهو يقول: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ». رواه البخاريُّ عن أنس رضي الله تعالى عنه . وعاد عمَّه أبا طالب ؛ وهو مشرك ، وعرض عليه الإسلام . وقصَّته في ((الصحيحين)). وعُدَّتِ العيادةُ تواضعاً ؛ مع أنَّ فيها رضا الله تعالى وحيازة الثواب ؛ ففي الترمذيّ وحَسَّنَه مرفوعاً: (( مَنْ عَادَ مَرِيْضاً؛ نَادَاهُ مُنَادٍ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ ، وتَبَوَّأْتَ مِنَ الجنَّةِ مَنْزِلاً )). ولأبي داود: « مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ؛ وَعَادَ أَخَاهُ المُسْلِمَ مُخْتَسِباً بُوْعِدَ مَنْ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيْفاً .. )) إلى غير ذلك !!! لما فيها من خروج الإنسان عن مقتضى جاهه وتنزُّهه عن مرتبته إلى ما دون ذلك . وكان ◌َل* يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأل عن حاله ؛ ويقول : ((كَيْفَ تَجِدُكَ !! )) أو ((كيفَ أَصْبَحْتَ))، أو ((كيف أمسيت))، أو ((كيف هو))، ويقول: ((لا بَأْسَ عَلَيْكَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَىْ))، أو (( كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ)) . وقد يضع يده على المكان الذي يألم ؛ ثم يقول: ((بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيْكَ مِنْ كُلِّ دَاءِ يُؤْذِيْكَ، اللهُ يَشْفِيْكَ)). انتهى ذكره العلامة ملا علي قاري في (( جمع الوسائل)). ([ وَيَشْهَدُ الجَنَائِزَ ]، وَيَرْكَبُ الحِمَارَ ) ؛ بل عرياناً أحياناً؛ مع قدرته على غيره من الناقة والفرس والجمل ، وربما كان يُردف أحداً معه ؛ كما سيأتي . وتأَسَّى به في ذلك أكابر السلف ... أخرج ابن عساكر أنَّ سالمَ بنَ عبد الله بن ٥٨٣ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ . وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَىْ حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِخَبْلٍ مِنَ لِيفٍ وَعَلَيْهِ إِكَافٌ . عمر كان له حمارٌ هَرِم ، فنهاه بنوه عن ركوبه فأبى، فجدَعوا أُذُنُه ، فَأبى أن يدَعه وركبه ، فجَدَعوا الأُخرى ، فركبه فقطعوا ذنبه ؛ فصار يركبه مجدوعَ الأذنين مقطوعَ الذنب . قال الباجوري : وقد كان أكابر العلماء قبل زماننا هذا يركبون الحمير ، وأطَّردت عادتُهم الآن بركوب البغال . انتهى . والآن مع ظهور هذه المخترعات الحديثة كالسيارات والطيارات ؛ اكتفى النَّاس بها وتركوا ركوب الدَّواب إلاَّ قليلاً . (وَيُجِيْبُ دَعْوَةَ أُلعَبْدِ ) وفي رواية : المملوك ، فيجيبه لأمر يدعوه له ؛ من ضيافة وغيرها . وروى ابن سعد : كان يقعد على الأرض ، ويأكل على الأرض ، ويجيب دعوة المملوك . وهذا من مزيد تواضعه وَّلجر وبراءته من جميع أنواع الكبر ، ولله درّ الحافظ العراقي حيث يقول : عَلَىُ إِكَافٍ غَيْرَ ذِيْ أَسْتِكْبَارِ يُزْدِفُ خَلْفَهُ عَلَى الْحِمَارِ عِيَادَةِ المَرِيْضِ حَوْلَهُ أُلمَلاَ يَمْشِي بِلاَ نَعْلٍ وَلاَ خُفٍّ إِلَىْ ( وَكَانَ ) راكباً ( يَوْمَ بَنِيْ قُرَيْظَةَ ) ، وفي رواية لأبي الشيخ : يومَ خيبر ويوم قريظة والنضير ، وبنو قُرَيظة - بصيغة التصغير ، والقاف والراء المهملة والظاء المشالة، ثُمَّ [ تاء التأنيث ] - : قومٌ من اليهود بقرب المدينة ، أي : يوم الذهاب إليهم لحربهم ، وكان ذلك عقب الخندق ( عَلَى حِمَارٍ مَخْطُوْمٍ ) في أنفه ( بِحَبْلٍ ) ؛ أي : مجعول له خِطام - بكسر الخاء المعجمة - وهو: الزمام ( مِنْ لِيْفٍ ) - بكسر اللام والفاء آخره - بشيء يُتَّخذُ من النخل، ويُفْتَل حِبالاً. (وَعَلَيْهِ ) أي : الحمار ( إِكَافٌ) - بكسر الهمزة وكاف وألف وفاءٌ آخره؛ بزنة كِتَاب، و[أُكاف ] بضمّ ٥٨٤ وَ( الْخِطَامُ ): الزِّمَامُ . وَ( الإِكَافُ ) : الْبَرْذَعَةُ. وَعَنْ أَنَسِ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ كغُرَاب ، ويقال : وكاف ـ بالواو - وهو: رَحْلٌ يوضع على ظهر الحمار للركوب عليه يُسمَّى في بعض البلدان بـ(( البرذعة)). وبعضُهم يُسمِّيه ((الشَّدَّ))؛ وهو لذوات الحافر بمنزلة السَّرج للفرس . وهذا نهاية التَّواضع، وأيُّ تواضع !! وقد ظهر له وَّهُ مِن نصر الله عليهم ، والظفر بهم ، وبأموالهم ما هو معروف . وفيه أنَّ ركوب الحمار ممَّن له منصبٌ شريف لا يُخِلُّ بمروءته . وروى النسائيُّ ، وابن حِبَّان ؛ عن ابن مسعود: أنَّهم كانوا يوم بدر كلَّ ثلاثة على بعير، فكان أبو لُبَابة وعليٍّ زميلَيْ رسول الله نَّه، فكان إذا جاءت عُقْبته ؛ قالا : نحن نمشي عنك، فيقول: (( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الآخِرَةِ مِنْكُمَا)) انتهى مناوي على (( الشمائل)). ( وَأَلْخِطَامُ) - بخاء معجمة وطاء مهملة - وهو: (الزِّمَامُ) الذي تُقَاد به الدابَّة، ( وَأَلإِكَافُ) - بكسر الهمزة وكاف ؛ آخره فاء ؛ بزنة كتاب - هو ( البِرْذَعَةُ) - بالذال والدال ــ وهي: حِلْس تجعل تحت الرَّحل ، والجمع البَرَاذع ؛ هذا هو الأصلُ ، وفي عرف زماننا : هي للحمار ما يركب عليه ؛ بمنزلة السَّرج للفرس ، والرحل للبعير ، وهذه البِرذعة التي يُركب عليها يسمِّيها بعضُهم بهذا الاسم ؛ أعني برذعة، وبعضهم يسميِّها: ((الشدّ )) - بالشين المعجمة والدال المهملة - ، ويخصُّ اسم البرذعة بما تحت الشدِّ ، فيجتمع على ظهر الحمار شيئين الشدّ ؛ وهو ما يُركب عليه والبرذعة : وهي ما تحت الشدِّ على هذا القول الأخير . والله أعلم . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))، وابن ماجه في ((سننه)) - واللفظ لـ ((الشمائل)) _؛ (عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ النَِّيُّ ◌َهِ يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيْرِ. ٥٨٥ وَالإِهَالَةِ السَّنِخَةِ ، فَيُجِيبُ ، وَلَقَدْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ عِنْدَ يَهُودِيٌّ فَمَا وَجَدَ مَا يَفْكُّهَا حَتَّى مَاتَ . وَاْلإِهَالَةِ: السَّنِخَةِ ) - بفتح السين وكسر النون ؛ فالخاء المعجمة - أي: الدُّهن المتغيِّر الريحِ من طول المُكْث . ويقال الزَّنِخة - بالزاي بدل السين -. ويؤخذ من ذلك جوازُ أكلِ المُنْتِن من لحم وغيره ؛ حيث لا ضرر . ( فَيُجِيْبُ ) دَعوةَ مَن دعاه ، (وَلَقَدْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ ) - بكسر الدال المهملة - زاد البخاريُّ: من حديد. وفي نسخة من (( الشمائل)): كانت بالتأنيث وهي أولى ، لأن درع الحديد مؤنََّة ، لكن أجاز بعضُهم فيه التَّذكيرَ . وهذه الدرعُ هي (( ذات الفضول )) التي أرسل بها إليه سعدُ بن عبادة ـــ كما قاله ابن القيِّم - رَهَنها بَِّ (عِنْدَ يَهُؤْدِيٍّ) هو أبو الشحم ؛ في ثلاثين صاعاً من شعير ؛ كما رواه البخاريُّ ، وأحمد ، وابن ماجه ، والطبرانيُّ وغيرهم . وفي عشرين صاعاً من طعام أخذه لأهله ؛ كما قاله الترمذيُّ في (( الجامع )) ، والنسائي في ((سننه)). وجمع بينهما بأنَّ أخذَ أوَّلاً عشرين ؛ ثم عشرة ! أو لعلّها كانت دون ثلاثين وفوقَ العشرين، فمن قال (( ثلاثين) جَبَر الكسر، ومن قال ((عشرين ) ألغاه. وهل هذه العشرون اشتراها منه ، أو أقترضها منه !؟ قولان في ذلك ، وكان الشراءُ إلى أَجلِ سنة؛ كما في البخاري. وإنَّما عامَلَ بِّهِ اليهوديَّ ورَهَن عنده ؛ دون الصحابة ؟! لبيان جواز معاملة اليهود وجوازٍ الرهن بالدّين ؛ حتى في الحضر ، وإن كان القرآنُ مقيِّداً بالسَّفَر !! لكونه الغالب ، ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يأخذون منه رهناً ، ولا يتقاضون منه ثَمَناً ، فعدل إلى اليهودي لذلك . ( فَمَا وَجَدَ مَا يَفْكُّهَا) - بضم الفاء وتشديد الكاف ـ أي: يخلِّصُها ( حَتَّى مَاتَ) وافتَكَّها بعدَه أبو بكر وسلَّمها إلى عليّ . لكن روى ابنُ سعد ؛ عن جابر أنَّ أبا بكر قضى عداته ، وأنَّ عليّاً قضى ديونه . ٥٨٦ وَ(الإِهَالَةُ السَّنِخَةُ ) وَفِي رِوَايَةٍ: الزَّنِخَةُ؛ هِيَ: أَلدُّهْنُ الْمُتَغَيِّرُ الرِّيحِ مِنْ طُولِ الْمُكْثِ . وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ .. لَقَبِلْتُ ، وفي ذلك بيانُ ما كان عليه وَِّ من الزهد والتقلُّل من الدنيا والكرم الذي ألجأه إلى رهن درعه. وحديث (( نَفْسُ المُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ)) !! مُقَيَّدٌ بِمَنْ لَمْ يخلِّفْ وفاءً ، مع أنَّه في غير الأنبياء . انتهى باجوري، و(( جمع الوسائل)). ( وَالإِهَالَةُ) - بكسر الهمزة وتخفيف الهاء ولام ـ (: السَّنِخَةُ) - بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة وهاء آخره .. ( - وَفِي رِوَايَةٍ: الزَّنِخَةُ - ) بزاي بدل السِّينَ. قال الزمخشريُّ: سَنَخ وزَنَخ إذا تغيَّر وفَسَد ، والأصل السينُ ، والزَّايُ بَدَلَهُ . ( هِيَ ) أي الإهالة السَّنِخة (: الدُّهْنُ المُتَغَيِّرُ الرِّيْحِ مِنْ طُوْلِ المُكْثِ ) يقال : سنخ الدهن وزنخ إذا تغيَّر . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: لَوْ أُهْدِيَ) - بصيغة المجهول - أي: لو أُرسل هديّة (إِلَيَّ كُرَاعٌ ) - بضم الكاف ؛ كغُرَاب: ما دونَ الكعب من الدوابِ ، وقيل : مستدِقُ الساق من الغنم والبقر، يذكَّر ويؤنَّث، والجمعُ : أكرع ؛ ثم أكارع. وفي المَثَل (( أُعطي العبد كُراعاً؛ فطلب ذراعاً))؛ لأنَّ الذراع في اليد والكراع في الرجل ، والذِّراعُ خيرٌ من الكُراعِ . ( لَقَبِلْتُ ) ، ولم أردَّه على المُهْدي ؛ وإن كان حقيراً ، جبراً لخاطره ليحصل التحابُب والتآلف ، فإنَّ الردَّ يُحدث النُّفور والعداوة ، فيندبُ قبولُ الهدِيَّة ؛ ولو لشيْءٍ قليل . ٥٨٧ وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ .. لأَجَبْتُ )). ( وَلَوْ دُعِيْتُ ) بصيغة المجهول ( عَلَيْهِ ) أي : إليه - كما في نسخة من ((الشمائل )) - أي: لو دعاني إنسان إلى ضيافة كُرَاع غنم (لأَجَبْتُ)) ) أي: الداعيَ ولم أتكبّر ، لا على داع ؛ ولو كان حقيراً ، ولا على مدعوّ إليه ؛ ولو كان صغيراً ، لأن القصد من الإجابة تأليفُ الداعي ؛ وزيادة المحبة . وعدمُ الإجابة يقتضي النُّغرة ؛ وعدمَ المحبَّة ، فيندبُ إجابةُ الدعوة ؛ ولو لشيء قليل . وفيه حُسْنُ خلق المصطفى ◌َِّ وحسن تواضعه، وجبرهُ للقلوب بإجابة الداعي ، وإن قَلَّ الطعام المدعوُّ إليه جداً، والحثُّ على المواصلة والتَّحَابُب. وفي (( الجامع الصغير)) إنَّ هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الإمام أحمد ، والترمذيُّ ، وابن حبان ؛ عن أنس . قال المناوي في (( شرح الجامع)): ورواه البخاريُّ ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في مواضع من ((النكاح)) وغيره ؛ بلفظ: ((لَوْ دُعِيْتُ إِلىْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ )) . وقال المناوي في (( شرح الشمائل)): قال الحافظ ابن حَجَر : زعم بعضهم ١ - أنَّ المراد بالكُراع المكان المعروف بـ «كراع الغميم» محلٌّ بين الحرمين، و٢ - أنَّه أطلق ذلك مبالغةً في الإجابة ؛ ولو بَعُد المكان ، لكن الإجابة مع حقارةٍ الشيء أبلغُ في المراد . وذهب الجمهور إلى أنَّ المرادَ كُراع الشاة !! قال: وحديث (( الشمائل)) يؤيّده . انتهى . وقال في (( شرح الجامع الصغير)): قال ابن حجر: وأغربَ في (( الإحياء)) فذكر الحديثَ بلفظ ((كُرَاعِ الغَنَمٍ )) !! ولا أصلَ لهذه الزيادة . انتهى . ٥٨٨ وَعَنْهُ أَيْضاً قَالَ: حَجَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلٍ رَثِّ، وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ لاَ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ؛ أَجْعَلْهُ حَجّاً لاَ رِيَاءَ فِيهِ وَلاَ سُمْعَةً )). ( وَ) أخرج ابن ماجه، والترمذيُّ في ((الشمائل)) واللفظ له - بسند ضعيف، وله شاهدٌ ضعيف؛ ذكره في ((جمع الوسائل)) - وكذا أخرجه البيهقيُّ : كلهم ؛ ( عَنْهُ) أي : أنس بن مالك ( أَيْضاً ) رضي الله [تعالى] عنه ( قَالَ: حَجَّ رَسُوْلُ اللهِ وََّ) بعد الهجرة في حَجَّة الوداعِ (عَلَىْ رَحْلٍ ) أي: قَتَب (رَثِّ) - بفتح الراء المهملة وتشديد المثلثة - أي : خَلَق بال، والرَّحْل للجَمَل كالسَّرج للفرس ، أي : حال كونه ◌َ ﴿ راكباً علىْ قَتَبٍ بالٍ، (وَعَلَيْهِ ) أي: الرَّحل، كما هو أنسبُ بالسياق . ويؤيده قوله في رواية أُخرى ((على رحل وقطيفة)) فأفادت أنَّ ضمير ((عليه)) ليس للمصطفى [(وَلير]. (قَطِيْفَةٌ) أي : كساء من صوف له خمل ، وهو: هدب القطيفة ، أي : الخيوط التي بطرفه المرسلة من السَّدَى من غير لُخمة عليها ( لاَ تُسَاوِيْ) أي: لا يبلغُ مقدارُ ثَمَنها ( أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ) ، لأنه في أعظم مواطن التواضع ، لاسيَّما والحجُّ حالة تجرُّد وإقلاع ، وخروج عن المواطن سَفَراً إلى الله !! ألا ترى ما فيه من الإحرام !! ومعناه : إحرام النفس من الملابس ؛ تشبيهاً بالفارِّين إلى الله ، ومن الوقوف الذي يتذكَّر به الوقوف بين يدي الله تعالى ، فكان التواضعُ في هذا المقام من أعظم المحاسن ، لأن الحجَّ من أعظم شعائره التواضعُ وإظهار الافتقار إلى الله تعالى ، ومنع النفس من التلذُّذ والملابس ؛ ( فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهُ) أي : اجعل حَجِّي هذا ( حَجّاً ) - بفتح الحاء وكسرها ـ ( لاَ رِيَاءَ فِيْهِ ) الرياء : العمل لغَرَض مذموم ؛ كأن يعمل ليراه الناس . ( وَلاَ سُمْعَةَ))) - بضمِّ السين ، فسكون الميم - وهي: أن يعمل العمل وحدَه ، ثم يتحدَّث بذلك ليسمع الناس ويصير مشهوراً به ؛ فيُكْرَم ويَعْظُم جاهه في قلوبهم . وفي الحديث: (( مَنْ رَاءَىْ رَاءَى اللهُ بِهِ، ومَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ))، فتضرَّع ◌َّ إلى ٥٨٩ وَ( الْقَطِيفَةُ): كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ. هَذَا .. وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ، وَأَهْدَى فِي حَجِّهِ ذَلِكَ مِئَّةَ بَدَنَةٍ . وَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِ مَكَّهُ الله وسأله عدمَ الرِّياء والسمعة مع كمال بُعْدِه عنهما ؛ تخشُّعاً ، وتذلُّلاً ، وعدّاً لنفسه كواحد من الآحاد ، وهذا من عظيم تواضعه ، إذ لا تتطرّق السمعةُ إلَّ لمن حَجَّ على المراكب النفيسة ، والملابس الفاخرة ، والأغشية المحبَّرة ، والأكواب المفضَّضة ... إلى غير ذلك مما هو مكروهٌ كما يفعله أهل زماننا؛ لاسيَّما علماؤنا !!. هذا؛ مع أَنَّه ◌َّرَ أهدى في هذه الحِجة مائةَ بدنة، وأهدى أصحابهُ ما لا يَسْمَح به أحد ، ومنهم سيِّدُنا عمرُ بن الخطاب أهدى فيما أهدى بعيراً أُعطي فيه ثلثمائة دينار فأبى قبولها. انتهى من المناوي على ((الشمائل)). ( وَأَلْقَطِيْفَةُ) - بقاف مفتوحة فطاء مهملة ؛ فمثنَّاة تحتيَّة ففاء فهاء آخرَه ؛ بزنة : الصَّحِيْفَة - (: كِسَاءٌ) من صوف (لَه خَمْلٌ) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان الميم ؛ بزنة فَلْسٍ - وهو : هدب القطيفة ، أي : الخيوط التي بطرفه المرسلة من السَّدَى من غير لُخمة عليها . ( هَذَا) أي: فعله ◌َِّ هذا واختياره رثَّ الثياب والمركب؛ (وَ) الحال أنَّه ( قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ ) ، وألقتْ أفلاذها من ذهب وغيره ( وَأَهْدَى ) كما روى مسلمٌ عنه ( فِي حَجِّهِ ذَلِكَ ) عام حجة الوداع ( مِائةَ بَدَنَةٍ ) أي : ناقة تقرُّباً إلى الله تعالى ، وإرشاداً لمن يقتدي به ، وإيماءً إلى أن ترك تكلّفه في ثوبه ومركوبه لم يكن عن عجز وافتقار به، وقد نقل أنه رَجُه نَحَر بيده الكريمة ثلاثا وستين بقَدْر سِنِيٍّ عمره ، وأمرَ عليَّاً كرَّم الله وجهه بنحر البقية في يومه . ( وَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ ) في شهر رمضان الكريم لتسعَ عشْرةَ ليلةً خلت منه ؛ ٥٩٠ وَدَخَلَهَا بِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ .. طَأْطَأَ عَلَى رَحْلِهِ رَأْسَهُ حَتَّى كَادَ يَمَسُّ قَادِمَتَهُ ؛ تَوَاضُعاً للهِ تَعَالَى . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ مَا يُمْكِنُهُ ، فَمَرَّةً فَرَساً ، فيما رواه ابن إسحاق والبيهقيُّ ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، والحاكمُ ، والبيهقيُّ، وأبو يعلى؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه أَنَّه وَّهَ لَمَّا فُتِحت عليه مكَّة ( وَدَخَلَهَا بِجُيُوْشِ الْمُسْلِمِيْنَ ) وعددهم !! قيل : ثمانية آلاف ، وقيل : عشرة آلاف ، وقيل : اثنا عشر ألفاً (طأُطَاً) - بهمزتين أولاهما ساكنة وثانيهما مفتوحة - أي: خفض وأَرخى (عَلَىْ رَحْلِهِ رَأْسَهُ) مفعول ((طأطأ)) ( حَتَّى كَادَ) ؛ أي : قارب وَلِ (يَمَسُّ) - بفتح الميم - كقوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [٧٩/ الواقعة] أي: يصيب برأسه ، أو قارب رأسه أن يمسَّ (قَادِمَتَهُ) ؛ أي: مقدِّمة رحلِهِ ، لأنَّ الرحل له مقدَّم ومؤخَّر مرتفع عن محل الراكب ، وفيها لغاتٌ : قادم ، وقادمة ، ومقدّم ، وَمَقدِمة؛ بكسر الدال مخففة، و[مقدّمة] فتحِها مشدّدة ــ وكذا آخِرَهُ الرَّحل ( تَوَاضُعاً للهِ تَعَالَىْ) ؛ مفعولٌ لأجله، وفيه إيماءٌ إلى ما يشير إليه قولُه تعالى ﴿وَإذْ قُلْنَا آدْ خُلُواْ هَذِهِ الْقَرِّيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظّةٌ تَغْفِرْلَكْ [البقرة] أي : متواضعين ، لا متكبرين ؛ كالجبارين . ٥٨ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ومِن تواضعه و ﴿ أن ركب الجمل ؛ دون الفرس وعلى رأسه مِغفر فوقه عمامةٌ سوداء ، وأردفَ خلفه أسامة رضي الله تعالى عنه - كما سيأتي - . ( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغُمَّة)): (كَانَ وَِّ يَرْكَبُ مَا يُمْكِنُهُ، فَمَرَّةً فَرَساً). روى الشيخان؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه ركوبَه ◌َ له فرساً لأبي طلحة ؛ وسيأتي . ولمسلم ؛ من حديث سَمُرة ركوبُه الفرس عُزْياً حين انصرف من جنازة ابنٍ الدَّحداح ، ولمسلم؛ من حديث سعد: كان للنبي وَّ فرسٌ يقال له ((اللَّحِيْف)). ٥٩١ وَمَرَّةً بَعِيراً، وَمَرَّةً بَغْلَةً، وَمَرَّةً حِمَاراً، وَمَرَّةً يَمْشِي رَاجِلاً حَافِياً ، بِلاَ رِدَاءٍ وَلاَ قَلَنْسُوَةٍ، لِيَعُودَ اَلْمَرْضَىْ فِي أَقْصَىْ أَلْمَدِينَةِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ عُرْياً، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ . وَرَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَرَسَ مُسْرَجَةٌ تَارَةً، وعُرْيَانَةً أُخْرَى، (وَمَرَّةً) يركب ( بَعِيْراً) . روى الشيخان ؛ من حديث البراء ، ومن حديث ابن عبّاس : طاف النبي ◌َّر في حجة الوداع على بعير . (وَمَرَّةً) يركب ( بَغْلَةً). روى الشيخان؛ من حديث البراء: رأيت النبي وَّ على بغلته البيضاء يومَ حنين . (وَمَرَّةً) يركب ( حِمَاراً). روى الشيخان؛ من حديث أسامة أَنَّهُ وٍَّ ركب على حمار إِكاف ... الحديث . ( وَمَرَّةً يَمِشِيْ رَاجِلاً) ؛ أي : على قدميه ( حَافِياً) : أي : بلا نعل ( بِلاَ رِدَاءٍ وَلاَ قَلَنْسُوَةٍ، لِيَعُوْدَ المَرْضَىْ فِي أَقْصَىْ المَدِيْنَةِ ) . روى الشيخان ؛ من حديث ابن عمر كان يأتي قباءَ راكباً وماشياً . وروى مسلم ؛ من حديث ابن عمر في عيادته بَّ لسعد بن عُبَادة، فقام وقمنا معه ؛ ونحن بضعة عشر : ما علينا نعَال ؛ ولا خفاف ؛ ولا قلانس ؛ ولا قُمُص نمشي في السِّباخ . ( وَكَانَ وَ لخير) فيما رواه ابن سعد في ((طبقاته))؛ عن حمزة بن عبد الله بن عتبة مرسلاً ( يَرْكَبُ الحِمَارَ عُزْياً) - بضمِّ العين المهملة ، وإسكان الراء - أي : ( لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ) مما يُشَدُّ على ظهره : من نحو إِكاف وبرذعة ؛ تواضعاً ، وهضماً لنفسه وتعليماً وإرشاداً . قال ابن القيم: لكن كان أكثر مراكبه الخيل والإبل. انتهى (( مناوي)). ( وَرَكِبَ زَ﴿ِ الفَرَسَ مُسْرَجَةً تَارَةً)؛ وهو الغالب من أحواله وَّهِ (وَعُرْيَانَةً) أي : بلا إكاف تارة ( أُخْرَى ) ؛ وهو قليلٌ، واستعمال عريانةً وصفا للفرس ! غيرُ ٥٩٢ وَكَانَ يَجْرِي بِهَا فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِياً، وَيَرْجِعُ مَاشِياً. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَكَّأُ إِذَا مَشَى. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلٍ وَلاَ بِرْذَوْنٍ . معروف ، فإنَّ الذي صرَّح به أهل اللغة أنَّه لا يقال فرس عريان ؛ كما لا يقال رجل عُزي . ( وَكَانَ يَجْرِي بِهَا فِي بَعْضَ الأَحْيَانِ ) رواه الشيخان ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : فزع أهل المدينة ذاتَ ليلة ، فانطلق ناسٌ قِبَل الصوت فتلقَّاهم رسول الله وَ﴿ راجعاً قد سبقَهم إلى الصوت، واستبرأَ الخبر على فرسٍ لأبي طلحة عُرْي ، والسيف في عنقه؛ وهو يقول: ((لَنْ تُرَاعُوا)) . وفي رواية : فلما رجع ؛ قال : (( ما رأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ؛ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً ». أي: واسع الجري. ( وَ) أخرج ابن ماجه ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال : (كَانَ بِّهِ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيْدِ ) أي: صلاته ( مَاشِياً)؛ لا راكباً، ( وَيَرْجِعُ مَاشِياً ) في طريق آخر ليسلِّم على أهل الطريقين ، وليتبرَّكا به ، وليقضي حاجتهما وليظهر الشِّعار فيهما ، وليَغيظ منافقيها ، فَتَخَالُفُ الطريق لذلك ولغيره من الحِكَم التي لا يخلو فعلُه عنها ، ولأنَّ الطريقين يشهدان له ، ففيه تكثيرُ الشهود ، وقد ندب المشيء إلى الصلاة؛ تكثيراً للأجر. ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي (كَانَ إِلـ يَتَوَكَّأُ إِذَا مَشَى ) رمز له ابن عساكر . ( وَ) أخرج أبو داود، والترمذي في ((الشمائل))؛ - واللفظ لها -. ( عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: جَاءَِّيْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ ﴾ يعودني ؛ كما في رواية أبي داود ( لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلٍ وَلاَ بِرْذَوْنٍ ) ، بل كان على رجليه ماشياً ، كما ٥٩٣ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ ، . صرَّحت به روايةُ البخاريِّ وغيرِه ؛ عن جابر رضي الله تَعَالى عنه : أتاني رسول الله ◌َ﴾ يعودني، وأبو بكر وهما ماشيان، فكان ◌َّه لتواضعه يدورُ على أصحابه ماشياً . والمراد أَنَّ الركوبَ ليس عادة مستمرَّة له ، فلا ينافي أنَّه ركب في بعض المرَّات . والبِرْذون - بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح الذال المعجمة - هو : الفرس الأعجميُّ، وهو أصبرُ من العربيِّ، وفي (( المُغرب)): هو التركيُّ من الخيل ، والجمع البراذين وخلافُها العِراب، والأنثى بِرْذَوْنَةً. انتهى (( باجوري ، وجمع الوسائل)). ( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغمَّة)): (كَانَ رَّهِ يُرْدِفُ) - بضمِّ التحتية - (خَلْفَهُ عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ ) ؛ ذكراً كان أو أنثى ، صغيراً أو كبيراً . قال الخفاجي في ((نسيم الرياض ؛ شرح شفاء القاضي عياض)): ذكروا أَنَّ جميع مَن أردفه النبي ◌َّر على فرس ؛ أو غيره في سفره وحضره بلغ أربعين: وهم ١ - أبو بكر الصديق في الهجرة رضي الله عنه ، و٢ - عثمان بن عفان رضي الله عنه ؛ راجعاً من بدر . و٣ - علي كرَّم الله وجهه ؛ في حجة الوداع ، و٤ - أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما؛ مَرْجِعَه من عرفة . و٥ - عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما بين يديه ، وأسباطه الثلاثة : ٦ - الحسين ، و٧ - الحسن، و٨ - علي بن أبي العاص؛ مع : ١٠/٩ - غلامين من بني هاشم ، وأولاد عبَّاس الأربعة: ١١ - عبد الله، و١٢ - عبيد الله، و١٣ - الفضل ، و١٤ - قُثَم، و١٥ - معاوية رضي الله عنه، و١٦ - معاذ بن جبل ؛ على عفير . و١٧ - أبو ذرٍّ، على حمار، و١٨ - زيد بن حارثة رضي الله عنه، و١٩ - ثابت بن الضحاك، و٢٠ - الشريد بن سويد رضي الله عنه، و٢١ - سلمة بن الأكوع ، ٥٩٤ و٢٢ - أبو طلحة الأنصاريُّ؛ زوج أم سُلَيم، و٢٣ - سهيل بن بَيْضاء، و٢٤ - عبد الله بن الزُّبير، و٢٥ - غلام مطلبيّ، و٢٦ - أسامة بن عمير، و٢٧ - صفية بنتُ حُيَيٍّ؛ مَقْدَمَهُ من خيبر، و٢٨ - أبو الدرداء، و٢٩ - آمنة بنت أبي الصلت، و٣٠ - أبو إياس، و٣١ - أبو هريرة، و٣٢ - قيس بن سعد بن عبادة ، و٣٣ - خوات بن جبير، و٣٤ - زيد بن أرقم، و٣٥ - أم حبيبة الجُهَنية رضي الله عنها ، و٣٦ - جابر بن عبد الله، و٣٧ - جبريل عليه السلام ؛ على البراق في الإسراء انتهى . وفي ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر أنَّ الحافظ يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ الكبير أبي عبد الله بن مَنْده أفرد أسماء مَن أردفه النبي بَّ في جزء؛ فبلغوا ثلاثين نفساً ، وذكر غيرُ الحافظ أَنَّه بلَّغهم نحوَ الخمسين ، وذكر كثيراً منهم العلاَّمةُ إبراهيم بن أحمد الخليل الزّبيدي اليمني في (( المنهج الأعدل شرح مولد الأهدل)). قال الخفاجي في (( نسيم الرياض)): وزاد ابن مَنده غيرَ هؤلاء ، ونظمَهم أبو ذرِّ بنُ موفَّقِ الدين ؛ فقال : وَأَزْدَافُهُ جٌَ غَفِيْرٌ فَمِنْهُمُ وَأَوْلاَدُ عَبَّاسٍ ذَوُو الرُّشْدِ وَالهُدَى مُعَاوِيَةٌ قَيْسُ بنُ سَعْدٍ صَفِيَّةٌ مُعَاذٌ أَبُو الدَّرْدَا صُدَيٌّ وَعُقْبَةٌ كَذَلِكَ خَوَّاتُ الظَّرِيْفُ وَسِبْطُهُ أُسَامَةُ وَالصِّدِّيْقُ ثُمَّ أَبْنُ جَعْفَرٍ كَذَا بِنْتُ قَيْسٍ خَوْلَةٌ وَأَبْنُ أَكْوَعِ كَذَلِكَ زَيْدٌ جَابِرٌ ثُمَّ ثَابِتٌ ثَلاَثَةُ غِلْمَانٍ وَزِدْ مَعَهُمْ أَبَا عَلِيٌّ وَعُثْمَانٌ شَرِيْدٌ وَجِبْرِيْلُ أُسَامَةُ وَالدَّوْسِيُّ؛ وَهُوَ نَبِيْلُ وَسِبْطَاهُ مَاذَا عَنْهُمُ سَأَقُولُ !؟ وَآَمِنَةٌ إِنْ قَامَ ثَمَّ دَلِيْلُ عَلَيٌّ وَوَجْهُ النَّقْلِ فِيْهِ جَمِيْلٌ وَزَيدٌ وَعَبْدُ اللهِ ثُمَّ سُهَيْلُ وَقَدْرُهُمُ فِي الْعَالَمِيْنَ جَلِيْلُ فَعَنْ حُبِّهِمْ وَاللهِ لَسْتُ أَحُولُ إِيَاسٍ وَحَسْبِي اللهُ وَهُوَ وَكِيْلُ وقد شرح هذا النظم العلامة شيخ الإسلام مفتي الديار اليمنية السيد : محمد بن ٥٩٥ أحمد عبد الباري الأهدل المراوعي؛ مؤلف (( الكواكب الدريَّة شرح متممة الآجرومية)) المتوفى سنة : ثمان وتسعين ومائتين وألف هجرية رحمه الله تعالى في رسالة سماها «إتحاف النُّجباء الظُّرَاف بمن ثبت لهم من النبي ◌َّ الإرداف)». والفقير مؤلّف هذا الكتاب سيعلّقُ على هذه الأبيات من الشرح المذكور آنفاً : قوله وأَردافه - بفتح الهمزة - جمع: رديف؛ أي الذين أردفهم النبي وَلاغير . وقوله عليٌّ ذكر حديثه ابن القيِّم في (( الهدي النبوي)) ، وذكر أبو داود والنسائي فيه حديثاً آخر عن رافع بن عُمَر المزنيّ رضي الله عنه . وقوله شريد ؛ أي : ابن سُوَيد الثقفي أبو عمرو ، ذكر حديثَه البخاريُّ في (( الأدب المفرد )) عنه . وقوله وجبريل قال في ((الشرح)): صحَّ أَنّه حمله على البراق رديفاً له ، وذلك في ليلة الإسراء . ورواه الإمام أحمد بلفظ : على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس . قال ابن حجر المكيُّ : وأوَّلَ ذلك بعضهُم بما لا حاجة إليه ، إذ رکوب جبريل معه لا ينافي كونه في خدمته . انتهى . وقوله وأولاد عبّاس، فأمَّا عبد الله - بالتكبير - !! فروى حديثهُ الإمامُ أحمد ، والترمذي ؛ عنه رضي الله عنه. وأمَّا عُبَيد الله - بالتصغير - !! فروى حديثُه النسائيُّ وغيره. وأمَّا الفضل !! فحديثه في ((الصحيح))، وكذا قُثُمُ حديثُه في ((الصحيح » أيضاً . قوله أسامة : أي ابن زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله وَيُ روى حديثه الإمام أحمدُ ، والبخاريُّ ، ومسلمٌ . وقوله والدوسي ؛ يريد أبا هريرة رضي الله تعالى عنه ، وقصة إردافه ذكرها المحبُّ الطبريُّ في ((سيرته)). وروى الإمام محمد بن جابر الفقيه في كتاب ((الدلائل)) له؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنتُ رديفَ النبي ◌َّر ؛ ٥٩٦ فقال : (( يَا أباهُرَيْرَةَ؛ هَلَكَ الأُكْثَرُونَ، إِنَّ الأَكْثَرِيْنَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ ... )» وذكر الحديث ، وفيه قصَّة الجمل الذي كَلَّمه في الحائط (١). قوله معاويةٌ قيسُ ؛ ذكر في الشرح أحاديثهما بغير عَزْوٍ . وقوله صفيّةٌ روى حديثهما البخاريُّ ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه . قوله وسِبْطَاهُ: الحسن والحسين ؛ ذكر حديثهما مسلمُ بن الحجّاج ؛ عن سَلَمة بن الأكوع ، وكذلك روى حديثَهما مسلمٌ ، وأبو داود ، والنسائيُّ ؛ من طريق مورق العجلي ، عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما . قوله معاذ ؛ أي : ابن جبل ، روى حديثَه الإمامُ أحمد والشيخان ، والترمذيُّ عنه ؛ ورواه البزَّارُ بسند رجاله ثقاتٌ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . قوله أبو الدرداء ؛ ذكر في (( الشرح )) حديثَه بدون عَزْو . قوله صُدَي أي : ابن عجلان أبو أُمامة الباهلي رضي الله عنه ؛ ذكر حديثَه في ((الشرح )) غيرَ معزوٌّ، ثم قال : وأصله في أبي داود والترمذي وغيرهما . وقوله عقبة؛ يعني ابن عامر. قال في ((الشرح)): لم أقف على قصَّة إردافه !! قال: ولم يذكر أحد من علماء الحديث والسِّيَر: أن النبي وَلّ أردف عقبة بن عامر الجهني ؛ قاله القُسْطُلاَنِيُّ . قوله وآمنة - بالنون - قيل : أمّه آمنة بنت وهب ؛ وقيل غيرها ؛ وهو أقرب لكنه لم يبيِّنْها في ((الشرح)). قال: وبعضهم ضبطه أُميَّةٍ - بضمِّ الهمزة وبالياء التحتية المشدَّدةَ - ويظهر لي أنَّه وهم !! وقد جرى على ذلك إبراهيم بن أحمد الخليل في ((شرح مولد الأهدل )) فقال: وأُمَيّة الغِفاري . انتهى قوله كذلك خوَّات ؛ أي : ابن جبير الأنصاري رضي الله عنه ؛ ذكره ابن منده ، وقال : كان رديفَ رسول اللهَ وَ ◌ّ لَمَّا خرج إلى بدر، فرَدَّه من الرَّوْحَاء ، لأنَّ اشتكى. (١) تقدَّم، وهو الذي شكا أصحابَه لرسول الله يَّر حتى منعهم عنه . ٥٩٧ قوله : وسبطه علي أي : ابن أبي العاص بن الربيع ؛ أُمُّه زينب بنتُ رسول الله ◌َر؛ ذكر حديثه الزبير بن بكَّار، وذكره في (( مختصر الاستيعاب)) لابن عبد البر . قوله أسامة ؛ أي : ابن عُمَير الهُذَلي رضي الله عنه ، روى حديثَه الطبرانيُّ برجال الصحيح عنه رضي الله عنه . قوله والصديق ؛ أي : أبو بكر الصديق ، روى حديثَه الإمامُ أحمدُ ، والبخاريُّ وغيرهما ؛ عن أنس رضي الله عنه . قوله ابن جعفر - يعني : عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما - روى حديثه الإمام أحمدُ ، ومسلمٌ، وأبو داود وغيرهم عنه . ورواه أيضاً مسلمٌ والنَّسائي وغيرهما . قوله وزید ؛ أي : ابن حارثة حِبّ رسول الله ێے ، روى حديثه أبو يعلى عنه رضي الله عنه . قوله وعبد الله ؛ يعني : ابن الزبير ، روى حديثَه البخاريُّ ، ومسلمٌ ، والإمام أحمد . قوله ثم سُهَيْل ؛ أي : ابن بيضاء رضي الله عنه ابن وهب بن ربيعة بن هلال ، توفي على عهد رسول الله وَ له. روى حديثَه الإمامُ أحمدُ والطبرانيُّ في ((الكبير))، وابن أبي شيبة وغيرهم عنه رضي الله عنه . قوله كذا بنت قيس خولة ؛ وهي بنت قيس بن قَهد - بالقاف - الأنصاري ؛ تكنَّى ((أمَّ محمد )) وهي امرأة سيِّدنا حمزة رضي الله عنه، روى لها البخاريُّ والترمذي وغيرهما قال في ((الشرح))؛ ولم أقف على قصَّة إردافه لها ، ولعلَّه في بعض مغازيه ! . قوله وابن أكوع ؛ هو سلمة بن عَمْرو بن وهب بن سنان ، وهو الأكوع الأسلمي ٥٩٨ رضي الله عنه ، روى حديثَ إردافه البخاريُّ ومسلمٌ عنه . ورواه أيضاً الطبرانيُّ بسند رجاله ثقاتٌ عنه . قوله كذلك زيد ؛ يعني : ابن ثابت ، أو زيد بن أرقم ، أو زيد بن سهل ؛ أبو طلحة الأنصاري رضيَ الله عنهم ، إذ كلٌّ من هؤلاء الثلاثة قد عُدَّ فيمن أردفَه النبيُّ نَّهِ !! ولم أقف على قصَّة إردافه لكلِّ منهم !! غير أنَّ ذلك مصرَّح به في كُتُب السِّيَر . قوله جابر ؛ يعني : ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، روى حديثَه إبراهيم الحربيُّ في ((غريبه))، وابن عساكر في ((تاريخه)) ؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه . قوله ثم ثابت ؛ يريد : ابن الضخَاكِ بن خليفة الأنصاري الأشهلي ، قال أبو زرعة الرازي : هو من أهل الصُّفَّة ، وممن بايع تحت الشجرة ، وكان رديفَ رسول الله ◌ّ﴿ يومَ الخندق، ودليلَه إلى حمراء الأسد . قوله ثلاثة غلمان روَى حديثَهم البخاريُّ في (( الصحيح)). قوله أبا إياس رضي الله عنه ، روى حديثه ابن مَنْده والحارثُ بن أبي أسامة عنه رضي الله عنه . انتهى . وهذا آخر التعليقِ من شرح الأبيات للسيد العلاَّمة محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل رحمه الله تعالى . ثم رأيت في كتاب (( دليل الفالحين شرح رياض الصالحين)) للعلامة الشيخ محمد بن علي بن عَلَأَّن المَكِّي رحمه الله تعالى ما نصُّه : وقد تتبعتُ الذين أردفهم النبيُّ ◌َِّ معه على دابَّته ، فبلغتُ بهم فوق الأربعين ، وجمعتهم في جزء سمَّيتُه (( تحفة الأشراف بمعرفة الأرداف )) ، وقد نظمتُ اسم جماعة منهم ، وأوردته في آخر ذلك الجزء ؛ وها هو : لَقَدْ أَزْدَفَ الْمُخْتَارُ طَهَ جَمَاعَةً فَسَنَّ لَنَا الإِزْدَافَ إِنْ طَاقَ مَرْكَبُ ٥٩٩ وَتَارَةً يُرْدِفُ خَلْفَهُ وَقُدَامَهُ ، وَهُوَ فِي الْوَسَطِ . وَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةً أَسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ . سُهَيْلٌ سُوَيْدٌ جِبْرَائِيْلُ الْمُقَرَّبُ أَبُوْ بَكَرٍ عُثْمَانٌ عَلِيٌّ أُسَامَةٌ صَفِيَّةُ وَالسِّبْطَانِ ، ثُمَّ أَبْنُ جَعْفَرٍ وَآَمِنَةٌ مَعْ خَوْلَةٍ وَأَبْنُ أَكْوَعِ مُعَاذٌ وَقَيْسٌ وَالشَّرِيْدُ المُهَذَّبُ وَزَيْدٌ أَبُو ذَرِّ سَمَا ذَاكَ جُنْدَبُ كَذَاكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ في العَدِّ يُكْتَبُ مُعَاوِيَةٌ زَيْدٌ وَخَوَّاتُ ثَابِتٌ وَأَبْنَاءُ عَبَّاسٍ وَإِبْنُ أُسَامَةٍ كَذَلِكَ جَا فِيْهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ مَنْ رَوَى وَعُدَّ مِنَ الأَرْدَافِ يَا ذَا أُسَامَةً وَأَرْدِفَ غِلْمَاناً ثَلاَئاً كَذَا أَبُو وَأَرْدَفَ شَخْصاً، ثُمَّ أَرْدَفَ ثَانِياً أُوَلْئِكَ أَقْوَامٌ بِقُرْبِ نَِّّهِمْ صُدَيُّ بِنُ عَجْلاَنٍ حُذَيْفَةُ صَاحِبُ أُلوفاً مِنَ الأَخْبَارِ تُرْوَى وَتُكْتَبُ (١) هُوَ أَبْنُ عُمَيْرٍ ثُمَّ عُقْبَةُ يُحْسَبُ إِيَاسٍ وَأُنْشَىْ مِنْ غِفَارٍ تُقَرَّبُ وَمَاسُمِّيَا فِيْمَا رُوِيْ يَا مُهَذَّبُ لَقَدْ شَرُفُوا طُوْبَى لَهُمْ يَا مُقَرَّبُ ( وَتَارَةً يُرْدِفُ) - بضمِّ أَوَّله ؛ من الإرداف - والرِّدْف والرَّديف: الراكبُ خلفَ الراكب بإذنه ؛ قاله في ((المواهب)). (خَلْفَهُ) أي: من ورائه (وَقُدَّامَهُ ) أي : أمامَه، ( وَهُوَ) وَِّ يكون ( فِي أَلوَسَطِ ) ، وقد بيَّن ذلك في قوله : ( وَلَمَّا قَدِمَ نَّهُ مَكَّةَ أُسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةٌ) - تصغير الغِلْمة : جمع الغلام - وهو شاذٌّ، والقياس غُلَيْمة؛ قاله الكرماني. انتهى ((زرقاني )) ( بَنِيْ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ) . رواه البخاريُّ ؛ عن عبد الله بن عبَّاس ، وقد بَيِّن في روايةٍ أخرى لهذين المبهمين ، ففي البخاريِّ : قال ابن عبّاس أتى رسول الله بَّهِ مَّةَ وقد حمل قُثَم - بضم القاف وفتح المثلثة الخفيفة - بين يديه ، والفضلَ خلفَه ، أو قثم خلفه والفضل بين يديه ؟! شكَّ الراوي ، ففي هذه الرواية الأخرى بيانُ المبهَمَيْن في الرواية الأولى . (١) يستقيم الوزن بإبدال (هريرة) إلى (هِرّ). ٦٠٠