النص المفهرس

صفحات 561-580

مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ .. جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا حَقَّ (١) مَتَاعِهِ، فَمَا يَزِيدُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَتَبَسَّمَ ، وَيَأْمُرَ بِهِ فَيُعْطَى.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ طُرْفَةٌ إِلاَّ أَشْتَرَى مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا هَدِيَّةٌ لَكَ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ يَطْلُبُ
ثَمَنَهُ .. جَاءَ بِهِ، فَيَقُولُ: أَعْطِ هَذَا الثَّمَنَ، فَيَقُولُ: ((أَلَمْ تُهْدِهِ
لِي؟!))، فَيَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي، فَيَضْحَكُ وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ .
أصغرُ من القِرْبة ، جمعها : عكك ، وعكاك
( مِنَ السَّمْنِ) تارة ( وَأَلَعَسَلِ ) أُخرى، ويحتمل أنهما مخلوطان كما هو شأن
العرب كثيراً !! ( فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ)؛ أي يطلبه (جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِّ ◌َِّ ،
فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا [حَقَّ ] مَتَاعِهِ ) ؛ أي : ثمنه كما في الرواية اللاحقة ، ( فَمَا يَزِيْدُ
الشَِّيُّ ◌َّهِ عَلَى أَنْ يَتَبَّنَّمَ ) تعجبّاً ، ( وَيَأْمُرَ بِهِ فَيُعْطَى ) الثمن.
( وَفِي رِوَايَةٍ ) لمحمَّد بن عَمْرو بن حزم الأنصاري المدني ، له رؤيةٌ وليس له
سماعٌ إلا من الصحابة :
( كَانَ لاَ يَدْخُلُ المَدِيْنَةَ طُرْفَةٌ ) : ما يُستطرَفُ ؛ أي يُستملح ويُعجِب ، والجمع
طُرَف؛ مثل غرفة وغرف، ( إِلاَّ أُشْتَرَى مِنْهَا ) ، أي : فليست هديَّتُه قاصرةً على
السَّمن والعسل. ( ثُمَّ جَاءَ؛ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ الهِ ؛ هَذَا هَدِيَّةٌ لَكَ ) ؛ أي : حملته
لك كما تُحمَل الهدية ، فلا يَردُ : كيف يطلب ثمنه بعد قوله ذلك ؟!
(فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ يَطْلُبُ ثَمَنَهُ؛ جَاءَ بِهِ ، فَيَقُوْلُ: أَعْطِ هَذَا الثَّمَنَ، فَيَقُوْلُ ) ؛
أيِ نَّهِ (: ((أَلَمْ تُهْدِهِ لِيْ؟!))) استفهام تقريري. (فَيَقُوْلُ: لَيْسَ عِنْدِيْ )
ما أُهديه ! وإنَّما أتيتُ به أريد ثمنه لمالكه !. (فَيَضْحَكُ وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ) انتهى.
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من ((وسائل الوصول)).
٥٦١

وَعَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ
قال الزرقاني على ((المواهب)) : هكذا مشاه شيخنا ؛ وهو خلاف الظاهر !!
ولذا قال بعض المحقّقين من شُرَّح (( الشمائل)) : كان هذا الصحابيُّ رضي الله عنه
من كمال محبَّتَه للنَّبِيِّ وَّ كلَّما رأى طرفة أعجبتْه اشتراها وآثره بها ، وأهداها إليه
على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه ، فلما عجز صار كالمكاتب ؛ فرجع إلى مولاه
وأبدى إليه جميع ما أولاه ، فالمكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهم ، فرجع بالمطالبة إلى
سيِّده . ففعلُه هذا جِدٌّ حقٌّ ؛ ممزوج بمزاح صدق . انتهى .
ووقع نحو ذلك للنُّعَيمان - بالتصغير - ابن عَمْرو بن رفاعة الأنصاري .
ذکر الزُبير بن بكّار في كتاب (( الفكاهة والمزاح » :
كان لا يدخل المدينةَ طرفةٌ إلَّ اشترى منها ، ثمَّ جاء به إلى النبيِّ وَّةِ ؛ فيقول:
هذا أهديتُه لك، فإذا جاء صاحبُه يطلب نعيمانَ بثمنه أحضره إلى النبيِّ ◌َّ ؛
فيقول : أعطِ هذا ثمن متاعه، فيقول: ((أَوَلَمْ تُهْدِهِ لِي؟)) . فيقول : إنَّه والله ؛ لم
يكن عندي ثمنه ! ولقد أحببتُ أن تأكلَه ، فيضحكُ ويأمر لصاحبه بثمنه .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) (عَنِ الحَسَنِ )؛ أي
البصري ، لأنه المراد عند الإطلاق في اصطلاح المحدثين ، فالحديث مرسل ،
وظنَّ بعضهم أنَّه الحسن بن علي ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) !! وليس كما ظَنَّ .
( قَالَ ) ؛ أي الحسن البصري ناقلاً عن غيره (: أَتَتْ عَجُوْزٌ) قيل: إنَّها صفيَّةُ
بنتُ عبدِ المطّلب أمُ الزُّبير بن العوَّام، وعمَّة النبيِّ ◌َّ؛ ذكره ابن حجر الهيتمي
وغيرُه ، وتوقّف فيه بعضهم ؛ فقال : الله أعلم بصحّته ! ففي حديث عائشة رضي الله
تعالى عنها عند البيهقيِّ : أتت خالتي وهي عجوز . وصفتَّةُ ليست خالةً عائشة ؛
ذكره الزرقاني !! وقال : قلتُ : إن صحَّ ما قالوه فسَمَّتْها خالتها !! إكراماً وتعظيماً
لسنَّها ، على العادة في تسمية المسنَّةً خالةً، لا لكونها أختَ أمِّها حقيقة . انتهى
كلام الزرقاني . وهو خلافُ الظاهر المتبادر !! فلعل القصَّة تعذَّدت ؛ إن ثبت تعيينُ
صفية في رواية المتن ؟! والله أعلم .
٥٦٢

النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَدْعُ اللهَ أَنْ يُدْخِلَنِي
الْجَنَّةَ، فَقَالَ: (( يَا أُمّ فُلاَنٍ؛ إِنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ)). قَالَ:
فَوَلَّتْ تَبْكِي، فَقَالَ: ((أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لاَ تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ؛ إِنَّ اللهَ
تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَهُنَّ
(النَّبِيَّ ◌َِّ؛ فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ أَدْعُ اللهَ أَنْ يُدْخِلَنِيْ اُلْجَنَّةَ. فَقَالَ:
((يَا أُمَّ قُلاَنٍ؛) كأنَّ الراوي نسيَ اسمها، وما أضيف إليه؛ فكنَّى عنه بـ (( أم
فلان)) !!
وفيه جواز التكنِّي بـ(( أم فلان )) ، ولا يشترط للجواز كونُها ذاتَ ولد ، فقد
كُنِيت عائشة بـ (( أم عبد الله ))، ولم تلد ، والكنيةُ نوع تفخيم للمكتَّى وإكرامٌ .
( إِنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا عَجوْزٌ))) كأنَّ فَهِم من حالها أنَّها تريدُ دخولها على صفتها
حالةَ السؤال ، فمازحها مريداً إرشادها إلى أنَّها لا تدخل الجنَّة على الهيئة التي هي
عليها ، بل ترجعُ في سِنِّ ثلاث وثلاثين ، أو في سنّ ثلاثين سنة .
واقتصاره وَّر على العجوز !! لخصوص سبب الحديث ، أو لأن غيرها يُعلم
بالمقايسة . وقد روى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال:
(( يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ جُرْداً مُرْداً مُكَخَّلِيْنَ أَبْنَاءَ ثَلاثِيْنَ، أَوْ ثَلاَثٍ وَثَلاثِيْنَ سَنَّةً )) أخرجه
الترمذيُّ في ((الجامع)).
( قَالَ ) ؛ أي: الحسن ناقلاً عن غيره - كما مرَّ ـ (: فَوَلَّتْ ) - بتشديد اللام -
أي : أدبرت وذهبت ( تَبْكِيْ ) حالٌ من فاعل (( وَلَّت))، أي: باكية ، لأنَّها فهمت
أنَّها تكونُ يوم القيامة على الهيئة التي هي عليها ؛ ولا تدخل الجنة ، فحزنت .
(فَقَالَ)؛ أي: النبيُّ نَّهِ (: ((أَخْبِرُوْهَا) بقطع الهمزة، أي: أعلموها
( أَنَّهَا ) ؛ أي تلك المرأة ( لاَ تَدْخُلُهَا) ؛ أي: الجنَّة ( وَهِيَ عَجُوْزٌ) بل يُرجعها الله
تعالى في سِنِّ ثلاثين ، أو ثلاث وثلاثين سنة ، واستشهد على ذلك تَطْييْبَاً لخاطرها ،
فقال: ( إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ يَقُوْلُ ﴿إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ﴾) ؛ أي النسوة، أي أَعَدْنا إنشاءَهنَّ
٥٦٣

إِنِشَآءَ * فَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُّبًا أَتْرَابًا﴾)) [الواقعة: ٣٥-٣٧].
(﴿ إِنشَآءَ﴾) خاصّاً، والمعنى إنَّا خلقنا النسوة خلقاً جديداً غيرَ خلقهِنَّ بدون توسُّط
ولادة بحيث يناسب البقاء والدوام ، فالضميرُ للنسوة ، وجعلُه للحور العين يردُّه هذا
الحديث ، وإن كان هو مقتضى سياق القرآن (﴿َجَعَلْنَهُنَّ﴾) بعد كونهِنَّ عجائز شُمطاً
رُمْصاً في الدنيا (﴿ أَبْكَارًا ﴾) أي: عذارى، وإن وُطئن كثيراً، فكلَّما أتاها الرجل
وجدها بكراً ؛ كما ورد به الأثر، ولكن لا دلالة للَّفظ عليه (﴿عُرْبً﴾) أي :
عاشقات متحيِّات إلى أزواجهن، جمع عَرُوبٍ ، (﴿أَتْرَابًا ﴾) أي : متساويات في
السنِّ، وهو سِنُّ ثلاثين ، أو ثلاث وثلاثين سنة ، وذلك أفضل أسنان النساء .
وفي الحديث: ((هُنَّ اللَّتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيًا عَجَائِزَ ، قَدْ خَلَقَهُنَّ اللهُ بَعْدَ
الكِبَرِ ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى مُتَعَشِّقَاتٍ ؛ عَلَىْ مِيْلاَدٍ وَاحِدٍ أَفْضَلَ مِنَ الحُورِ الْعِيْنِ كَفَضْلٍ
الظُّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ، وَمَنْ يَكُنْ لَهَا أَزْوَاجٌ؛ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقاً » ... الحديث
في ((جامع الترمذي))، والطبراني مطولاً. انتهى باجوري على (( الشمائل)).
وهذا الحديثُ الذي ذكره المصنّفُ في (( المتن )) قد ذكره رَزِينُ بن معاوية
العبدريُّ السَّرْقسطيُّ، ورواه الترمذيُّ أيضاً في (( الجامع)) ، وابنُ الجوزيِّ في
((الوفا )) بسنده موصولاً؛ كلاهما عن أنس رضي الله تعالى عنه .
أنَّ عجوزاً دخلت على النَّبِيِّ وَّ فسألته عن شيءٍ، فقال لها ومازحها: ((إنَّهُ
لاَ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ))، وحضرت الصَّلاةُ فخرجَ النبيُّ وَ لَّ إلى الصلاة ، فبكت
بكاءً شديداً حتَّى رجع النبيِ وَّر، فقالت عائشة: يا رسولَ الله؛ إنَّ لهذه المرأةَ تبكي
لَمَّا قلتَ لها: « إنَّهُ لاَ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ » !! فضحك، وقال: «أَجَلْ؛
لاَ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ، وَلَكِنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْشَأْتَهُنَّ إِنْشَاءُ الَـ
ـعُرُبًا
◌َجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا
أَثْرَابً ا﴾﴾ [الواقعة] وَهُنَّ العَجَائِزُ الرُّمْصُ ». أي: مريضات العيون.
ولا تنافيَ بين روايتي وصله وإرساله ، لأنَّ الحسن حدَّث به مرسلاً تارة ؛
بإسقاط أنس، وتارة وَصَله بذكر أنس! وقد رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط))؛ من
وجه آخر من حديث عائشة. انتهى؛ قاله الزرقاني على ((المواهب)).
٥٦٤

قال في ((جمع الوسائل)): وقد أخرج أبو الشيخ ابن حَيَّان في (( كتاب
الأخلاق)) بسنده إلى مجاهد قال: دخل النَّبِيُّ وَّرِ على عائشةَ رضي الله تعالى عنها
وعندها عجوزٌ؛ فقال: ((مَنْ هُذِهِ))؟ قالت : هي عجوز من أخوالي . فقال
النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّ العُجُزَ - بضمَّتين؛ جمع عجوز- لاَ يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ)). فشقَّ ذلك
على المرأة ، فلما دخل النبيُّ ◌َ ◌ِّ قالت له عائشة: لقد لَقِيَتْ مِن كلمَتِكَ مشقَّةً
شديدة! فقال: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُهُنَّ خَلْقاً غَيْرَ خَلْقِهِنَّ)) !! انتهى.
تتمة: وممَّا ذُكر من مزاحه وَلّر أيضاً: ما رواه جمع عن خوَّات بن جُبِير قال :
نزلتُ مع رسول الله وَّهُ بِمَرِّ الظهران، فخرجتُ من خبائي؛ فإذا نسوة يتحدَّثنَ ،
فأعجبتَي ، فرجعت فأخرجت حُلَّة من عَيْبَتِي فلبستها ، ثم جلستُ إليهنَّ ، وخرج
رسول الله وَّهُ من قُبَّته؛ فقال: ((يا عَبْدَ اللهِ؛ مَا يُجْلِسُكَ إِلَيْهِنَّ)»؟ فقلتُ :
يا رسول الله ؛ جملٌ لي شَرُودٌ ، أبتغي له قيداً ! فمضى وتبعتُه ، فألقى رداءً، ودخل
فقضى حاجته وتوضَّأ، ثمَّ جاء؛ فقال: (( مَا فَعَلَ شِرَادُ جَمَلِكَ )» ؟ ثمَّ ارتحل ،
فجعل لا يلحقني في منزل إلاَّ قال: ((يَا عَبْدَ اللهِ ؛ مَا فَعَلَ شِرَادُ جَمَلِكَ؟)) إلى أن
قال : فقلتُ : واللهِ؛ لأَعتذرَنَّ إليه، ولأُبَرِّدَنَّ صدره . فقال لي يوماً .. فقلتُ:
والَّذي بعثك بالحق ؛ ما شَرَد ذلك الجملُ منذ أسلمت .
ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم وغيرُه ؛ من حديث عبد الله بن سَهْم الفِهري ؛
للمرأة التي سألت عن زوجها : ((أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ )) ؟!
وقد ذكره القاضي عياض في (( الشفاء)) من غير إسناد ! .
خاتمة : قد درج أكابر السلف وأعاظم الخلف ؛ على ما كان عليه
المصطفى ◌َّ في الطلاقة والمزاح المجانب للكذب والفُحش، فكان الإمام عليّ بنُ
أبي طالب كرَّم الله وجهه يكثر المداعبة ، وكذا ابنُ سِيرين .
وقال رجل لصالحٍ جَزَرة : ما تقول في سفيان الثوري؟ فقال: كذَّابٌ . فأكبر
٥٦٥

الحاضرون ذلك ولاموه !! فقال: ما الَّذي أقولُه لمن سأل عن ذلك الإمام
الأعظم ؟!
وسأل رجل رجلاً آخر عن حسان بن هشام ، فقال : توفِّيَ البارحةَ . فجزع
الرجل واسترجع ، فقرأ ﴿اَللّهُ يَتَوَنَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [٤٢/ الزمر] الآية انتهى من
المناوي ، وملا علي قاري: كلاهما على ((الشمائل الترمذية)) والله سبحانه وتعالى
أعلم .
٥٦٦

الْفَصْلُ الْخَامِسُ
فِي صِفَةٍ تَوَاضُعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُلُوسِهِ وَأَتْكَائِهِ
( الْفَصْلُ الخَامِسُ )
من الباب الخامس
(فِيْ) بيان ما ورد في ( صِفَةٍ تَوَاضُعِهِ بِ ).
بضمِّ الضاد ؛ أي تذلُله وخشوعه ؛ قاله الباجوري .
وقال ابن القيِّم : التواضعُ انكسار القلب لله ، وخفضُ جناح الذلِّ والرحمة
للخلق ؛ حثَّى لا يرى له على أحد فضلاً ، ولا يرى له عند أحدٍ حقا ، بل ، ويرى
الحقَّ لذلك الأحد ؛ نقله الزرقاني على ((المواهب)).
وقال شيخنا العلامة الشيخ حسن المشاط في ((إسعاف أهل الإسلام))؛ قبيل
((باب ما جاء في ما يلبسه المحرم من الثياب )) ما نصُّه :
واعلم أنَّ التواضع خُلُق شريف ؛ معناه عند المحققين : أن لا يرى العبد لنفسه
قدراً ، ولا قيمة ، ولا مَزِيَّة ، ويرى الحالَ التي هو فيها أعظم من أن يستحقّها .
قال سيِّدي محمد بن قاسم الشهير بـ ((جسوس)) ؛ عن أبي زيد رضي الله عنه :
ما دام العبدُ يظنُّ أنَّ في الخَلْقِ مَن هو شرٌّ منه ؛ فهو متكبِّرٌ .
قيل له : فمتى يكون متواضعاً ؟!
قال : إذا لم يرَ لنفسه مقالاً ؛ ولا حالاً .
قال في ((الحِكَم »: ليسَ المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنَّه فوقَ ما صنع ،
ولكنَّ المتواضعَ الَّذي إذا تواضع رأى أنَّه دونَ ما صنع .
ثمَّ التواضع تارةً يكون لرؤية العبد نقصَ نفسه ، وتارة يكون عن شهود عظمةٍ
ربِّه ، وهذا التواضعُ الحقيقيُّ الَّذي لا يمكن ارتفاعه ، فإنَّ شهود عظمته تعالى هو
٥٦٧

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعاً ،
الذي يُخمِدُ النََّسَ ويذيبُها ، ويبطل أنانيَّتها ، وبه تنقلع شجرة الرياسة والكبر من
القلب . فإنَّ مَن شَاهَدَ عظيماً من الخَلْق ذا هيئة ومنصب ؛ لم يمكنه إلاَّ الخضوعُ
له ، فكيف لمن تتجلَّى له عظمةُ الله تعالى التي لا عظمةَ تكاد تدانيها؟ !! فما تجلّى
الله لشيءٍ إلاَّ خضع له ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً﴾
[١٤٣/ الأعراف] .
ولمَّا كان لسيدنا رسول الله وَ﴿ الحظُّ الأوفر من تجلِّي نور الشهود كان أعظمَ
الخلق تواضعاً ، وقد رفع الله ذكره ، وأعلى على كلِّ قدرٍ قَدْرَه . ولم يخلق جاهاً
أعظم من جاهه چر !!.
وقد شرح الإمام العارف الشهير بـ((زروق)) في ((قواعده)) ما تقدَّم من حقيقة
خُلُق التواضع ؛ بقوله : التواضعُ : ترك اعتقاد المزيَّة على الغير ، ولو كان في أعلى
درجات الرفعة . والكبر : اعتقاد المزيَّة ، ولو كان في أدنى درجات الضعة .
وبالجملة؛ فالتواضع والأدب، والوقوف عند الحدِّ، والتأسِّي برسول الله وَل
هو مَلاك كلِّ خير ، وسببُ كلِّ علو وشرف ، ومَن تواضعَ للهِ رَفَعه الله ، سلك الله بنا
طريق الخير بمَنَّه وفضله . آمين ؛ انتهى .
( وَ) صفة ( جُلُوْسِهِ )
لكونه محتبيًّا ومتوقُّراً ، ومستقبل القبلة ونحو ذلك .
( وَ) صفة ( أَتِّكَائِهِ )
على وسادة ؛ أو غيرها .
قال الإمام الغزاليُّ في ((الإحياء))، والإمام الشعراني في ((كشف الغُمَّة)):
( كَانَ رَسُوْلُ الهِ نَّهِ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعاً) - بضمِّ الضاد المعجمة - قال بعض
العارفين : اعلم أنَّ العبد لا يبلغ حقيقة التواضع ؛ وهو التذلُّل والتخشُّع إلاَّ إذا دام
٥٦٨

وَأَسْكَنَهُمْ مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ ،
تجلِّي نورِ الشهود في قلبه ، لأنه حينئذ يُذيب النفسَ ويصفِّيها عن غِش الكبر
والعجب ، فتلينُ وتطمئِنُّ للحق والخلق ؛ بمحو آثارها ، وسكون وهجها ، ونسيان
حقٌّها ، والذهول عن النظر إلى قدرها .
ولَمَّا كان الحظُّ الأوفر من ذلك لنبيِّنَا وَّ كانَ أشدَّ النَّاس تواضعاً. وحسبك
شاهداً على ذلك أنَّ الله خيَّره بين أن يكون نبيّاً ملِكاً ؛ أو نبيّاً عبداً ؛ فاختار أن يكون
نبيّاً عبداً !! ومِن ثَمّ لم يأكل متكئاً بعدُ حتى فارق الدنيا .
وقال : ((أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ العَبْدُ، وَآَكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ)) ، ولم يقل لشيء
فَعَله خادمُه أنسٌ ((أُفِّ)) قَطُّ، وما ضرب أحداً من عبيده وإمائه ، وهذا أمرٌ لا يَتَّسعُ
له الطبع البشري ؛ لولا التأييد الإلهي ، وكذا الأخبار الآتية فكلُّها دالَّة على شدّة
تواضعه وله .
( وَأَسْكَنَهُمْ ) - بالنون - أي: أكثرهم سكوناً ( مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ ) .
قال الحافظ العراقيُّ : روى أبو داود وابن ماجه ؛ من حديث البراء :
فجلس وجلسنا كأنَّ على رؤوسنا الطير. ولأصحاب (( السنن))؛ من حديث
أسامة بن شريك: أتيت النَّبِيَّ وَّ وأصحابه كأنَّما على رؤوسهم الطير .
وفي (( الشمائل)) للترمذي: أطرق جلساؤه كأنَّما على رؤوسهم الطير ، فإذا
سكت تكلَّموا .
وفي ((الشمائل)) لأبي الحسن بن الضحاك ؛ من حديث أبي سعيد الخدري :
دائب الإطراق . وسنده ضعيف . أي : دائم السكون .
وقوله ((كأنَّما على رؤوسهم الطيرُ)) كنايةٌ عن كونهم عند كلامه بََّ على غاية
تامَّة من السكوت والإطراق ، وعدم الحركة ، وعدم الالتفات ، أو عن كونه مهابين
مدهوشين في هيئته ، لما أنَّ كلامه عليه أُبَّهَةُ الوحي وجلالةُ الرسالة .
وأصلُ ذلك : أنَّ سليمان عليه السلام كان إذا أَمر الطيرَ بأن تظلِّلَ على
٥٦٩

وَأَبْلَغَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَأَحْسَنَهُمْ بِشْراً ، لاَ يَهُولُهُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرٍ
الدُّنْيَا .
أصحابه؛ غَضُوا أبصارهم، ولم يتكلَّموا حتَّى يسألهم مهابةً . أو عِن كونهم
متلذِّذین بكلامه .
وأصلُ ذلك : أنَّ الغُراب يقع على رأس البعير يلقط عنه صغارَ القُرْدان ؛ فيسكن
سكونَ راحة ولَذّة ، ولا يحرّك رأسه ؛ خوفاً من طيرانه عنه .
وهذه الحالة لهم إنَّما هي مِن تخلُّقهم بأخلاقه وَلّ إذ كان ◌َّ لكمال استغراقه
بالمشاهدة في سكون دائم وإطراق ملازم .
( وَأَبْلَغَهُمْ ) ؛ أي : أكثرهم بلاغة في الكلام ( مِنْ غَيْرِ تَطْوِيْلٍ ).
قال الحافظ العراقي : روى الشيخان ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها :
كان يحدِّثُ حديثاً لو عَذَّه العادُّ لأحصاه .
ولهما من حديثها : لم يكن يسردُ الحديث كسردكم . علَّقه البخاري ، ووصله
مسلمٌ .
زاد الترمذيُّ : ولكنه كان يتكلّم بكلام يبيِّته ؛ فصلٍ ، يحفظه مَن جلس إليه .
وله في ((الشمائل))؛ من حديث هند بن أبي هالة يتكلّم بجوامع الكلم ،
فصل ؛ لا فضول ولا تقصير .
( وَأَحْسَنَهُمْ بِشْراً) قال الحافظ العراقي: رواه الترمذي في ((الشمائل))؛ من
حديث عليٍّ بنِ أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كان ◌َّ دائم البشر، سهل
الخلق ... الحديث .
وله في ((الجامع))؛ من حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء : ما رأيتُ أحداً
أكثرَ تبسُّماً من رسول الله وَّه؛ وقال غريب. قلت: وفيه ابن لهيعة. انتهى شرح
((الإحياء)).
( لاَ يَهُوْلُهُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ) يقال: هاله الشيء ؛ إذا راعه وأعجبه .
٥٧٠

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاضِعاً فِي غَيْرِ مَذَلَّةٍ .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَىُّ أَبْنَ مَرْيَمَ ،
قال العراقيُّ: روى أحمد من حديث عائشة: ما أعجب رسولَ الله وَّر شيءٌ من
الدنيا ، ولا أعجبه أحدٌ قطُّ ؛ إلا ذو تقى .
وفي لفظ له: ما أعجب النبيَّ نَّهِ ولا أعجبَه شيءٌ من الدنيا ، إلا أن يكون منها
ذو تقى. وفيه ابن لهيعة. انتهى شرح ((الإحياء)).
( وَ) في ((شرح الإِحياء)): قال الحافظ العراقيُّ: روى أبو الحسن بن
الضحاك في ((الشمائل))؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ؛ في
صفته بَّلٌ: أنه ( كَانَ تَِّ مُتَوَاضِعاً فِي غَيْرِ مَذَلَّةٍ ) . وسنده ضعيف . انتهى.
( وَ) أخرج البخاريُّ والترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) ( عَنْ ) أبي حفص
الفاروقِ ( عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الهِ جَارِ) - ووقع
في رواية البخاريّ ؛ عن ابن عبّاس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم
يقول على المنبر: سمعت النبي ◌َّ - يقول
(: ((لاَ تُطْرُوْنِيْ) - بضمِّ أوَّله وسكون الطاء المهملة - والإطراءُ: المدح
بالباطل ، أي : لا تتجاوزوا الحدَّ في مدحي ؛ بأن تقولوا ما لا يليق بي ؛ ( كَمَا
أَطْرَتِ النَّصَارَى ) المسيحَ ( أَبْنَ مَرْيَمَ) . وفي رواية : عيسى ابن مريم حيث كَذَبوا
وقالوا: إِله، و: ابن الله، و: أحد ثلاثة !! وحرَّفوا قوله تعالى في (( التوراة ))
((عيسىُ نبي؛ أنا وَلَّدْتُه - بتشديد اللام - من مريم))؛ فجعلوا الأول ((بَنِّيَّ)) بتقديم
الباء، وخفَّفوا اللام في الثاني (( وَلَدْتُهُ)) إلى غير ذلك من إفكهم !! ؟.
فمنعهم النبيُّ ◌َ ﴿ أن يصفوه بالباطل. وفي العدول عن (( المسيح)) إلى (( ابن
مريم )) تبعيدٌ عن الإِلهية . والمعنى : أنَّهم بالغوا في المدح بالكذب حتى جعلوا مَن
حصل مِن جنس النساء الطوامث إلهاً ، وابن إله .
٥٧١

إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا : ( عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) )).
قال ابن الجوزيّ : ولا يلزم من النهي عن الشيء وقوعُه ، لأنَّا لا نعلم أن أحداً
أُذَّعى في نبينا ما أدَّعته النصارى في عيسى !!. وإنَّما سببُ النهي - فيما يظهر -:
ما وقع في حديث معاذ بن جبل لمَّا استأذن في السجود له على قصد التعظيم وإرادة
التكريم ، فامتنع ونهاه ، وكأنَّه خشي أن يبالغ غيره بأخوفَ من ذلك ؛ فبادر إلى
النهي تأكيداً للأمر ، فالمعنى لا تتجاوزوا الحدَّ في مدحي بغير الواقع ؛ فيجرَّكُم
ذلك إلى الكفر، كما جرَّ النصارى إليه لَمَّا تعدّوا عن الحدِّ في مدح عيسى عليه
السلام بغير الواقع، واتخذوهُ إلهاً. وإلى ذلك أشار في ((البردة )) بقوله :
دَعْ مَا أَدَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمُ وَأَحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحاً فِيْهِ وَأَحْتَكِمٍ
ثم استأنف ؛ وقال : ( إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ ) ، أي : لستُ إلاَّ عبداً لا إلهاً ، فلا
تعتقدوا فيَّ شيئاً ينافي العبودية، ( فَقُوْلُوْا عَبْدُ اللهِ وَرَسُوْلُهُ)) ) . ولا تقولوا ما قالته
النصارى ، فأثبتَ لنفسه ما هو ثابتٌ له من العبودية والرسالة ، وأَسْلَمَ لله ما هو له ؛
لا لسواه .
وقد روى الإمام أحمد عن أنسٍ أنَّ رجلاً جاءه ؛ فقال : يا سيِّدَنا وابنَ سيِّدِنا ،
وخيرَنا وابنَ خيرِنا! فقال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ
الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ ؛ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ » .
وأخرج عن ابن الشخِّر أَنَّه جاءه رجل ؛ فقال : أنتَ سيِّدُ قريشٍ ! فقال :
((السَّيِّدُ اللهُ)). فقال: أنت أعظمُها فيها طَوْلاً، وأعلاها قَوْلاً. قال: ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ ، وَلاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ ».
وأخرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : استبَّ رجلان ؛ رجل من
المسلمين ، ورجلٌ من اليهود . فقال المسلم : والَّذي اصطفى محمَّداً على
العالمين . وقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين ! فلطم المسلمُ
اليهوديّ، فأتى اليهوديُّ رسولَ الله وَلَه وأخبره ، فدعاه فسأله؛ فاعترف . فقال:
٥٧٢

وَ(الْإِطْرَاءُ ) : هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْمَدْحِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُدْفَعُ عَنْهُ النَّاسُ ، وَلاَ يُضْرَبُوا عَنْهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْتِيهِ أَحَدٌ مِنْ حُرٍّ وَلاَ عَبْدٍ ، وَلاَ أَمَةٍ
وَلاَ مِسْكِينٍ .. إِلَّ قَامَ مَعَهُ فِي حَاجَتِهِ .
((لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يفِيْقُ
فَأَجِدُ مُوسَى مُمْسِكاً بِجَانِبِ العَرْشِ ؛ مَا أَدْرِي أَكَانَ فِيْمَنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي ، أَمْ كَانَ
مِمَّنِ أَسْتَثْنَى اللهُ؟!)) .
وهذه الأحاديثُ الثلاثة في ((الصحيحين)) أيضاً، وهذا من مزيد تواضعه وَ له ،
وقد كان أعظمَ النَّاس تواضعاً - كما تقدَّم -؛ ذكره المناوي على ((الشمائل)).
( وَاَلِإِطْرَاءُ : هُوَ مُجَاوَزَةُ أُلحَدِّ فِي المَلْحِ ) بالكذب .
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير)) بإسناد حسن ؛ عن ابن عبّاس رضي الله
تعالى عنهما: ( كَانَ بَِّ لاَ يُدْفَعُ عَنْهُ النَّاسُ، وَلاَ يُضْرَبُوْا عَنْهُ) ببناء الفعلين
للمفعول ؛ وحذفِ النون للتخفيف ، وذلك لِعُظْم تواضعه ؛ وبراءته من الكبر
والتعاظم الذي هو من شأن الملوك وأتباعهم .
وفيه أنَّ أصحاب المقارع بين يدي الحُكَّام والأمراء محدثة مكروهة ، كما ورد في خبر :
رأيت المصطفى ◌َ في على ناقته .. لا ضرب ولا طرد، ولا ((إليك ... إليك)).
وأُخذ منه أن المفتيَ أو المدرِّس ينبغي له أن لا يتخذ نقيباً جافياً غليظاً ، بل فَطِناً
كَيِّساً دريّاً يرتِّب الحاضرين على قدر منازلهم ، وينهى عن ترك ما ينبغي فعله ؛ أو
فعل ما ينبغي تركُه ، ويأمر بالإنصات للدرس ، وعلى العالم سماعُ السؤال من
مورده على وجهه ؛ ولو صغيراً. انتهى مناوي؛ على ((الجامع الصغير)).
( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغُمَّة)): (كَانَ) رسولُ الله (وَ لاَ يَأْتِيْهِ
أَحَدٌ ) ؛ أي : يطلبُه في حاجة ( مِنْ حٍُّ وَلاَ عَبْدٍ ، وَلاَ أَمَةٍ وَلاَ مِسْكِيْنٍ ؛ إِلاَّ قَامَ مَعَهُ
فِي حَاجَتِهِ ) .
٥٧٣

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَسْتَكْبِرُ عَنْ إِجَابَةِ الأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ .
روى البخاريُّ تعليقاً ؛ من حديث أنس : إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة
لَتَأْخِذُ بيد رسول الله وَله فتنطلقُ به حيث شاءت. ووصله ابن ماجه، وقال :
وما ينزعُ يدَه من يدها حتَّى تذهَب حيث شاءت من المدينة في حاجتها .
وسيأتي مع حديث ابن أبي أوفى : ولا يأْنَفُ ولا يستَكْبِرُ أن يمشيَ مع الأرملة
والمسكين حتى يقضيَ لهما حاجَتَهما. انتهى شرح ((الإحياء)).
( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغمَّة)): (كَانَ وَِّ لاَ يَسْتَكْبِرُ عَنْ إِجَابَةِ الأَمَّةِ
وَأَلْمِسْكِيْنٍ ) - بكسر الميم ؛ لغة جميع العرب ، إلا بني أسد فبفتحها - من
السكون ؛ لسكونه إلى النَّاس .
قال السيِّد محمَّد مرتضى الزبيدي في شرح ((الإحياء)): هكذا في النسخ !!
وفي نسخة العراقي : لا يستكبرُ أن يمشيَ مع المسكين .
وقال : رواه النسائي ، والحاكم ؛ من حديث عبد الله بن أبي أوفى بسند
صحيح .
ورواه الحاكم ؛ من حديث أبي سعيد وقال : صحيح على شرط الشيخين .
انتهى .
قلت : ولفظ النسائيّ : كان لا يأنف أن يمشيَ مع الأرملة والمسكين .
وبهذا يظهر أن الذي في سياق المصنف من ذكرٍ الأمة تحريفٌ من النُسَّاخ !
والصواب: الأرملة. ثمَّ وجدتُ في البخاري: إن كانت الأمةُ لتأخذ بيده وَّه
فتنطلقُ به حيث شاءت .
وعند أحمد : فتنطلقُ به في حاجتها .
وعنده أيضاً : كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيءُ فتأخذ بيد
رسول الله وَلقر، فما ينزع يده من يدها حتَّى تذهبَ حيث شاءت. انتهى كلام السيد
محمد مرتضى في شرح ((الإحياء)). وستأتي هذه الأحاديث التي ذكرها قريباً.
٥٧٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اَللَّغْوَ، وَيُطِيلُ
الصَّلاَةَ وَيَقْصِرُ الْخُطْبَةَ، وَكَانَ لاَ يَأْنَفُ وَلاَ يَسْتَكْبِرُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ
الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْعَبْدِ حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ حَاجَتَهُ .
( وَ) أخرج النسائي ، والحاكم ؛ عن عبد الله بن أبي أوفى ، والحاكم عن
أبي سعيد الخدري ، قال الحاكم : على شرطهما. وأقرَّه الذهبيُّ. ورواه الترمذيُّ
في ((العلل)) عن ابن أبي أوفى، وذكر أنَّه سأل عنه البخاريَّ؛ فقال: هو حديث
تفرَّد به الحسين بن واقد ؛ قاله المناوي . وقال العزيزي : هو حديث صحيح .
( كَانَ) رسول الله (ِِّ يُّكْثِرُ الذِّكْرَ ) أي: ذكر الله تعالى، (وَيُقِلُّ اللَّغْوَ ) ؛
أي : لا يلغو أصلاً. قال ابن الأثير : القِلَّة تستعمل في نفي الشيء أصلاً ، ويجوز
أن يريد باللغو الهزل والدعابة ، أي: أنَّه كان منه قليلاً. انتهى ((مناوي)) .
وقال الحفني: ((قولُه اللغوُ))؛ أي: المزاحُ. فالمرادُ باللغو غيرُ الذكر من
المزاح ، فيقع منه قليلاً . وهذا أظهرُ من حمل اللغو على حقيقته ، فإنَّه حينئذ يضيع
قوله ((يقل)) إذ المعنى حينئذٍ: لا يلغو أصلاً. انتهى .
( وَيُطِيْلُ الصَّلاَةَ وَيَقْصِرُ الْخُطْبَةَ)، ويقول: ((إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلاَمَةِ فِقْهِ
الرَّجُلِ ».
( وَكَانَ لاَ يَأْنَفُ وَلاَ يَسْتَكْبِرُ ) ، تفسير لقوله : لا يأنف .
( أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ ) ؛ أي : التي لا زوجَ لها ، ( وَأَلِمِسْكِيْنِ وَأَلْعَبْدِ ) ، لأنه
سيِّدُ المتواضعين ( حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ حَاجَتَهُ ) قَرُبَ محلُّها أو بَعُدَ .
وسيأتي حديثُ مسلم والترمذي؛ عن أنس: أنه جاءت امرأة إليه وَلّل ،
فقالت: إنَّ لي إليك حاجةً . فقال: ((إِجْلِسِي فِيْ أَيِّ طُرُقِ المَدِيْنَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ
إِلَيْكِ حَتَّى أَقْضِيَ حَاجَتكِ » .
وفيه بروزُه للناس ، وقربُه منهم ليصل ذو الحقِّ إلى حقِّه ، ويسترشد بأقواله
وأفعاله، وصبره على تخمُّل المشاقُّ لأجل غيره ... وغير ذلك. انتهى ((مناوي)).
٥٧٥

وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ .
وَعَنْ أَنَسِ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَنَّ أَمْرَأَةً
وقد نظم الحافظ العراقي معنى هذا الخبر فأجاد ؛ حيث قال :
يَمْشِي مَعَ المِسْكِيْنِ وَالأَرْمَلَةِ فِي حَاجَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا أَنَفَةِ
( وَ) أخرج البخاريُّ في (( باب الكبر ؛ من كتاب الأدب)) تعليقاً، ووصله ابن
ماجه : كلاهما (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) : إن ( كَانَتِ الأَمَةُ ) أيَّ أمةٍ كانت
( مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِيْنَةِ ) المنوَّرة ( لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ)
من الأمكنة ، ولو كانت حاجتُها خارج المدينة .
وفي رواية الإمام أحمد ؛ عن أنس : فتنطلقُ به في حاجتها .
وعند أحمد أيضاً إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيءُ ؛ فتأخذُ بيد
رسول الله وَجٍ، فما ينزعُ يده من يدها حتَّى تذهب به حيث شاءت ، ویجیبُ إذا
دُعِي . انتهى . والمقصود من الأخذ باليد لازمُهُ ، وهو الانقياد .
قال في (( المواهب)): وقد اشتمل الحديث على أنواع من المبالغة في
التواضع ، لذكره المرأة دون الرجل ، والأمةَ دون الحرة ، وحيث عمَّم بلفظ
الإماء . أَيْ أَيَّ أمةٍ كانت، وبقوله ((حيث شاءت)) أي: من الأمكنة .
والتعبير (( باليد )) إشارة إلى غاية التصرُّف، حتى لو كانت حاجتُها خارجَ
المدينة ؛ والتمست مساعدته في تلك الحالة لساعدها على ذلك بالخروج معها ،
وهذا من مزيد تواضعه وَّله وبراءَتِه من جميع أنواع الكِبْر . ومِن ثَمَّ أورده البخاريُّ في
((باب الكبر)) إشارةً إلى براءته منه . انتهى .
( وَ) أخرج البخاريُّ ومسلمٌ، والترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) - واللفظ
لها -: (عَنْ أَنَسِ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالِى عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً ) . أي : كان في عقلها شيءٌ ؛
كما في رواية مسلم .
٥٧٦

جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً ،
فَقَالَ: ((أَجْلِسِي فِي أَيِّ طُرُقِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ إِلَيْكِ » .
وعند البخاريِّ : امرأة من الأنصار . وفي رواية : ومعها صبيٌّ .
قال الحافظُ ابن حجر: لم أقف على اسمها! وفي بعض (( الحواشي)) أنَّها
أم زُفر ماشطةُ خديجةَ أُمِّ المؤمنين . ونوزع فيه، وتردّد البرهان الحَلَبي في
((المقتضى)) في أنَّها هي أو غيرها؟ !! وجزم غيرُه بأنها هي ، لكن نوزع !!.
( جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ؛ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِيْ إِلَيْكَ حَاجَةٌ) ؛ أي : أريد أن
أُخِفِيها عن غيرك ؛ قاله القاري .
(فَقَالَ) رسول الله وَِّ (: ((أَجْلِسِيْ))) - بصيغة المخاطبة -؛ من أمر الحاضر
( فِي أَيِّ) طريق من ( طُرُقِ المَدِيْنَةِ ) المنوّرة ( شِئْتِ ) ، أي : في أيِّ سِكَّة من
سِككها وقيل : المعنى في أيِّ جزء من أجزاءٍ طريق المدينة ، وليس المرادُ أيَّ طريق
يوصِل إلى المدينة ؛ وإن كان طريقُ الشيء : ما يوصِل إليه !!
( أَجْلِسْ ) ؛ بالجزم جواب الأمر ( إِلَيْكِ))) أي: معك فـ ((إلى)) بمعنى
((عند ))، وزاد في رواية مسلمٍ، ((حتَّى أَقْضِيَ حَاجَتَكِ)). قال أنس : فجلستْ،
فجلس النبي ◌َير إليها حتَّى فرغت من حاجتها؛ تواضعاً منه وَّه، وملاطفة لسَعَة
حلمه ، وبراءته من الكبر .
قال بعضهم : وفيه إيماءٌ وإرشاد إلى أَنَّهُ لا يخلو أجنبيٌّ مع أجنبية ، بل إذا
عرضت حاجةٌ يكون مَعَها بموضع لا يتطرّق فيه تهمة ، ولا يظن به ريبة ؛ ككونه
بطريق المارَّة ، وأنَّ ينبغي للحاكم المبادرة إلى تحصيل أغراض ذوي الحاجات ،
ولا يتساهل في ذلك .
وفيه حِلُّ الجلوس في الطريق لحاجةٍ .
ومحلُّ النهي عنه !! إذا لزم عليه الإيذاء للمارَّة .
وقد أخرج أبو نُعيم في ((الدلائل )) ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال :
٥٧٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ الْغَدَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ
بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((هَلْ فِيَكُمْ مَرِيضٌ أَعُودُهُ ؟ )) ، فَإِنْ قَالُوا: لاَ ..
قَالَ: ((فَهَلْ فِيَكُمْ جَنَازَةٌ أَتْبَعُهَا؟ ))، فَإِنْ قَالُوا: لاَ .. قَالَ: ((مَنْ
رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا يَقُصُّهَا عَلَيْنَا )).
كان رسول الله وَّهِ أَشَدَّ النَّاسِ لُطْفاً، واللهِ؛ ما كان يمتنع في غداةٍ باردةٍ من
عبد؛ ولا أمة أن يأتيَه بالماء فيغسل وَّر وجهَه وذِراعيه. وما سأله سائلٌ قطُّ إلاَّ
أَصغى إليه ؛ فلا ينصرف حتَّى يكونَ هو الَّذي ينصرف، وما تناول أحدٌ يدَه قطُ إِلاَّ
ناولَه إيَّاها ، فلا ينزعُها حتَّى يكونَ هو الَّذي ينزعها منه .
قال في ((المواهب)): إنَّ هُذا كلَّه من كثرة تواضعه وَّهِ، لبروزه للناس وقُربه وصبره
على المشاقِّ لأجل غيره ؛ خصوصاً امرأة في عقلها شيءٌ . انتهى مع شيء من الشرح.
( وَ) أخرج ابن عساكر في ((تاريخه))؛ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنهما قال: ( كَانَ وَِّ إِذَا صَلَّى بِأَلنَّاسِ الغَدَاةَ) ؛ أي: الصبح
( أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ؛ فَقَالَ: (( هَلْ فِيْكُمْ مَرِيْضٌ أَعُوْدُهُ؟ )) ، فَإِنْ قالُوا: لاَ ؛
قَالَ: ((فَهَلْ فِيْكُمْ جَنَازَةٌ أَنْبَعُهَا؟)) ، فَإِنْ قَالُوْا: لاَ؛ قَالَ : ((مَنْ رَأَىْ مِنْكُمْ رُؤْيَا
يَقُصُّهَا عَلَيْنَا!))) أي: لنعبِّرَها له ، لأنَّه محبٌّ لأصحابه ؛ وسيِّدُ العارفين بالتعبير ،
والمطلوب قصُّ الرؤيا على حبيب عارف بالتعبير .
قال الحكيمُ الترمذيُّ : كان شأن الرؤيا عنده عظيماً ؛ فلذلك كان يسأل عنها كلَّ
يوم ، وذلك من إخبار الملكوت من الغيب ، ولهم في ذلك نفعٌ في أمر دينهم ؛
بشرى كانت ؛ أو نذارة ؛ أو معاتبة . انتهى .
وقال القرطبيُّ : إنَّما كان يسألهم عن ذلك ؟ !! لما كانوا عليه منَ الصلاح
والصدق ، وعَلِمَ أنَّ رؤياهم صحيحة ؛ يستفاد منها الاطلاع على كثيرٍ من علم
الغيب ، وليسن لهم الاعتناء بالرؤيا والتشوُّق لفوائدها ، ويعلِّمُهم كيفية التعبير ،
وليستكثر من الاطلاع على الغيب .
٥٧٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ عَلَى الأَرْضِ، وَيَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ،
وقال ابن حجر : فيه أنَّه يسنُّ قصُّ الرؤيا بعد الصبح ، وبعد الانصراف من
الصلاة .
وأخرج الطبرانيُّ والبيهقيُّ في ((الدلائل)): كان عليه الصلاة والسلام إذا صلى
الصبح قال: ((هَلْ رَأَىْ أَحَدٌ مُنْكُمْ شَيْئاً)) فَإِذا قَالَ رَجُلٌ: أَنَا؛ قَالَ: (( خَيْراً تَلْقَاءُ
وَشَرّاً تُوْقَاهُ، وَخَيْراً لَنَا وشَرّاً لِأَعْدائِنَا. والحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ؛ أَقْصُصْ
رُؤْيَاكَ .. )). الحديث وسنده ضعيفٌ جِدّاً.
قال ابن حجر : في الحديث ١ - إشارةٌ إلى ردِّ ما أخرجه عبد الرزاق ؛ عن
معمر ؛ عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن بعض علمائهم : ولا تقصص رؤياكَ على
امرأة ، ولا تُخبِرْ بها حتَّى تطلعَ الشَّمس. ٢ - وردٌّ على مَن قال من أهل التعبير :
يستحبُّ أن يكون تفسيرُ الرُّؤيا بعد طلوع الشمس ! إلى الرابعة ، ومن العصر إلى
قبيل المغرب . فإنَّ الحديث دَلَّ على ندب تعبيرها قبل طلوع الشمس ! ولا يصحُ
قولُهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهةِ الصلاة .
قال المهلَّب : تعبيرُ الرؤيا بعد الصبح أَوْلى من جميع الأوقات ؛ لحفظ صاحبها
لها ، لقرب عهده بها ، وقلَّ ما يعرض له نسيانُها ، ولحضور ذهن العابر ، وقِلَّة
شُغله فيما يفكره فيما يتعلَّق بمعاشه ؛ ليعرض الرائي ما يعرض له بسبب رؤيا . انتهى
(( مناوي)).
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في (( الكبير)) بإسناد حسن ؛ عن ابن عبّاس رضي الله
تعالى عنهما :
( كانَ ) رسول الله ( بَّهِ يَجْلِسُ عَلَى الأَرْضِ) أي : من غير حائل بل يباشر
التراب ، (وَيَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ) أي: من غير مائدة ولا خُوان ، إشارة إلى طلب
التساهل في أمر الظاهر ، وصرف الهمّ إلى عمارة الباطن وتطهير القلوب ، وتأسَّى به
أكابر صحبه ؛ فكانوا يصلُّون على الأرض في المساجد ، ويمشون حفاة في
الطرقات ، ولا يجعلون غالباً بينهم وبين التراب حاجزاً في مضاجعهم .
٥٧٩

وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ مَرْضَى الْمَسَاكِينِ
قال الإمام الغزاليُّ : وقد انتهت النوبةُ الآن إلى طائفة يسمُّون الرعونة
((نظافة))، ويقولون : هي مبنى الدين . فأكثر أوقاتهم في تزيين الظاهر ؛ كفعل
الماشطة لعروسها والباطنُ خرابٌ ، ولا يستنكرون ذلك ، ولو مشى أحدهم على
الأرض حافياً ؛ أو صلَّى عليها بغير سجادة مفروشة أقاموا عليه القيامة ، وشدَّدُوا
عليه النكير، ولقَّبوه بـ ((القذر)) وأخرجوه مِن زمرتهم ، واستنكفوا عن مخالطته ؛
فقد صار المعروف منكراً ، والمنكرُ معروفاً . انتهى . ذكره المناوي .
وهذا في زمان الغزاليّ ؛ فكيف لو رأى زماننا ، ورأى ما فيه من اعتناء الناس
بإصلاح الظواهر ؟: خصوصاً الشباب، فإنَّ الواحد منهم يحسِّنُ نفسه ويمشط رأسه
ويلبس الملابس الرقيقة الشفَّافة ؛ أو الملساء البرّاقة ، حتَّى يصير أشبه بالبنت في
الميوعة والتكسُّر ، تكاد تكون ذهبت منه الرجولةُ ؟! فلا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العزيز
الحكيم .
(وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ) قال المناوي : أي : يجعل رجليه بين قوائمها ليحلبها ؛
إرشاداً إلى التواضع وتركِ الترفُّع. (وَيُجِيْبُ دَعْوَةَ المَمْلُوْكِ ) يحتمل أنَّ المرادَ إذا
أمره سيِّدُه بذلك، لأن المملوك يمتنع عليه الإطعام من مال سيده بغير إذنه ( عَلَى
خُبْزِ الشَّعِيْرِ ) زاد في رواية: والإهالة السنخة : أي الدُّهن المتغيِّر الريح .
وعلمه ذلك ؛ إمَّا بإخبار الداعي ، أو للعلم بفقره ورثاثة حاله ، أو مشاهدة
غالب مأكوله ... ونحو ذلك من القرائن الحالِيَّة ، فكان لا يمنعه ذلك من إجابته ؛
وإن كان حقيراً ، وهذا من كمال تواضعه ومزيدٍ براءته من سائر صنوف الكبر وأنواع
الترفع. انتهى (( مناوي )) .
( وَ) ((في كشف الغمَّة)): (كَانَ بِّهِ يَعُوْدُ مَرْضَى المَسَاكِيْنِ)؛ جمع مسكين
بكسر الميم وفتحها ؛ مأخوذ من السكون ، ويكون بمعنى المتذلِّل الخاضع ، ومنه
٥٨٠