النص المفهرس
صفحات 541-560
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنِّي عَمَّا أَضْطَرَّهُ الْكَلامُ إِلَيْهِ مِمَّا يُكْرَهُ. قال السُّيوطي: وهذا الحديثُ ذكره صاحب (( الإحياء))؛ ولم يجده العراقيُّ . انتهى كلام ((المواهب))؛ مع شيء من ((الزرقاني)). ( وَ) في ((الإِحياء)) و((الشفاء)): (كَانَ ◌َّرِ يُكَنِّيْ) - بضمِّ الياء وتشديد النون، أو [ يَكْنِي] بفتح وتخفيف -؛ أي: يلوِّح ولا يصرِّح، ويُعرِّض (عَمَّا أَضْطَرَّهُ الكَلامُ إِلَيْهِ ) أي: عن شيء لا بدَّ منه، ولا يسعه السكوت عنه ( مِمَّا يُكْرَهُ ) - بصيغة المفعول - أي : مما لا يستحسن التصريحُ به . يعني أَنَّه يورد المعنى القبيحَ عادة بطريق الكناية، لِشِدَّة حيائه بَّهِ، كقوله: ((حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)) رواه البخاري ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، لأنَّ الجماع وذكْرَه للمرأة يستحيا منه، وكقوله (( خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرِي بِهَا)) رواه الشيخان؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وكقوله: ((فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)) حيث لم يقل (( فلعل يده وقعت على دبره ، أو ذكره ، أو نجاسة في بدنه ... )) ونظائر ذلك كثيرةٌ في الأحاديث الصحيحة . يفعل ذلك تخلُّقاً بأخلاق ربِّه، واقتداءً بآدابه، إذ قال تعالى ﴿أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [٤٣/ النساء]، وقال تعالى ﴿فَأْتُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [٢٢٣/ البقرة]. وهذا فيما إذا عُلم أنَّ السامع يَفهم المقصود بالكناية ، وإلاَّ ! لكانَ يصرِّح لينتفي اللَّبْسُ والوقوع في خلاف المطلوب ، وعلى هذا يحملُ ما جاء من ذلك مصرَّحاً به . والله أعلم . ( وَ) أخرج ابن ماجه ؛ عن بلال بن الحارث المُزَني، والإمام أحمدُ بن حنبل ، والنّسائي، وابن ماجه - بسند حَسَن ؛ كما في العزيزيِّ -: كلُّهم عن عبد الرحمن بن أبي فُرَّاد - بضمِّ الفاء وشدّ الراء ، بضبط المؤلف ؛ يعني : السيوطي - السُّلَمي ؛ كذا قاله العزيزي على ((الجامع الصغير ))، وتعقّبه المناوي بأنَّه ليس بصحيح! قال: ففي (( التقريب)) كأصله : بضمِّ القاف وتخفيف الراء - يعني : أبا قُرَاد السُّلَيْمي الأنصاريَّ - ويقال له: الفاكهُ . قال : ٥٤١ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ .. أَبْعَدَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَلْحَاجَةَ .. لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ . ( كَانَ وَّهِ إِذَا أَرَادَ الحَاجَةَ) بالصحراء ( أَبْعَدَ ) بحيث لا يُسمَع لخارجه صوتٌ؛ ولا يُشمُّ له ريح؛ ذكره الفقهاء. وقال في ((الروض)): لم يبيّن مقدارَ البعد ، وهو مبيَّنٌ في حديث ابن السَّكَن في (( سننه))، أي: وفي (( تهذيب الآثار)) للطبري ، و((الأوسط)) و((الكبير)) للطبراني؛ أي: بسند جيد ؛ كما قاله الوليُّ العراقيُّ في (( شرح أبي داود )) بأنَّه على ثلثي فرسخ من مكَّة ، أو نحو ميلين ، أو ثلاثة . وفي معنى الإبعاد : اتخاذ الكُنُفُ في البيوت ، وضرب الحُجُب ، وإرخاء الستور، وإعماق الحفائر ... ونحو ذلك ممَّا يستر العورة، ويمنع الرِّيح. قال الولي العراقي : ويُلحق بقضاء الحاجة كُلُّ ما يُستحى منه ؛ كالجماع ، فيندبُ إِخفاؤه ، بتباعدٍ أو تَسَتُّرِّ . وكذا إزالة القاذورات ؛ كنتف إبط ، وحلق عانة ؛ كما نقله والدي ؛ يعني : الزين العراقي ؛ عن بعضهم . انتهى كلام الوليِّ العراقيِّ؛ نقله المناوي على ((الجامع الصغير)). ( وَ) أخرج أبو داود، والتِّرمذيُّ؛ عن أنس بن مالك ، وعن ابن عمر بنٍ الخطاب ، والطبرانيُّ في ((الأوسط))؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم. قال في العزيزي : قال الشيخ : حديث صحيح . قال المناوي : وليس بمُسَلَّم !! فقد قال العراقيُّ : والحديث ضعيف من جميع طرقه ، وقد أورد النَّويُّ في (( الخلاصة)) الحديثَ في ((فصل الضعيف))، فدَلَّ على أنَّه ضعيف عنده من جميع طُرُقه !. انتهى . (كَانَ وَِّ إِذَا أَرَادَ الحَاجَةَ) أي : القعودَ للبول ؛ أو الغائط ( لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ) أي : لم يُتِمَّ رفعه عن عورته ، ولفظ رواية أبي داود: حال قيامِه ، بل يصبرُ ( حَتَّى يَدْنُوَ ) ؛ أي : يقرب ( مِنَ الأَرْضِ ) ، فإذا دنا منها رفعه شيئاً فشيئاً ؛ محافظةً على الستر ، وهذا الأدبُ مستحبٌّ ؛ اتفاقاً، ومحلُّه ما لم يَخَفْ تنجُسَ ثوبه ، وإلاَّ! رفع قدر حاجته . ٥٤٢ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمِرْفَقَ .. لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُ . ( وَ) أخرج البيهقيُّ، وابن سعد في ((الطبقات))؛ من حديث أبي بكر بن عبد الله ؛ عن أبي موسى حبيب بن صالح - ويقال : ابن أبي موسى - الطائي مرسلاً . ( كَانَ إِذَا دَخَلَ المِرْفَقَ ) - بكسر الميم وفتح الفاء -: الكنيف ( لَبِسَ حِذَاءَهُ) - بكسر الحاء وبالذال المعجمة ، وبالمدِّ -: نعله صوناً لرجله عما قد يصيبها (وَغَطَّى رَأْسَهُ) حياءً من ربِّه، لأن هذا المحلَّ معدٌ لكشف العورة، ولأن تغطيةً الرَّأس حالَ قضاء الحاجة أجمعُ لمسامِّ البدن ، وأسرع لخروج الفضلات ، ولاحتمال أن يصل إلى شعره ريحُ الخلاء ويَعلق به ، قال أهل الطريق : ويجب كون الإنسان فيما لا بدَّ منه من حاجته حَييٌّ خَجِلٌ مستورٌ. انتهى ((مناوي)). ( وَ) أخرج الترمذي في (( الشمائل )) - بإسناد فيه مجهول -؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُوْلِ اللهِ مَّهِ) - وفي رواية : ما رأيتُه منه ولا رآه مني - ( قَطُّ ) ؛ أي : أبداً . والمراد أنَّه كان من شِدَّة حيائه لا يمكِّنُها النظر إلى فرجه ، مع احتياطه بفعل ما يوجب امتناعها من رؤيته ، إذ المرأةُ لا تتجرَّأُ على رؤية عورة زوجها إِلاَّ مِن استهتاره وعلمها رضاه ، مع أنَّه يجوز رؤية كلِّ واحد من الزوجين فرجَ الآخر ؛ وإن كان مكروهاً !! وفي حديث رواه ابن حِبَّان: ((النَّظَرُ إِلى الفَرْجِ يُورِثُ الطَّمْسَ)) ؛ أي : العمى . فقيل : عمى الناظر . وقيل : عمى أولاده . وقيل : المراد عمى القلب . ٥٤٣ فكان ◌َّ لِشِدَّة حيائه لا يكشف عورته عند أحد قطُّ، كما ورد: ((مِنْ كَرَامَتِي عَلَى اللهِ أَنَّهُ لَمْ يُطْلِعْ لِي عَلَى عَوْرَةٍ أَحَدٌ قَطُّ)) ، فإنّ عائشة رضي الله تعالى عنها زوجته ؛ وأقربُ الناس وأحبُّهم إليه، وكان يضاجعها وينام عندها ، فإذا لم تَرَ ذلك منه وَّ لَزِمَ عدم كشفه عندها، فإذا لم يكشف عندها؛ فبالطريق الأَوْلى عند غيرها . وقد أخرج البزَّارُ ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله ◌َ ﴿ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحدٌ عورته قطُّ. وإسناده حسن . وروى ابن الجوزيِّ ؛ عن أمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها : كان إذا أتى امرأة من نسائه غمَّض عينيه وقَنَّع رأسه، وقال لِلَّتي تحتَه: ((عَلَيْكِ بِالسَّكِيْنَةِ وَأَلوَقَارِ )). وروى أبو صالح ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما أتى رسول الله وَليل أحداً من نسائه إلاَّ مُقَنَّعاً، يُرخي الثوبَ على رأسه !! وما رأيته من رسول الله وَّه ولا رآه مني !! أورده ابن الجوزي في كتاب (( الوفا)» ؛ نقلاً عن الخطيب . خاتمة : أخرج ابن جرير ، وأبو نعيم ، وغيرُهما ؛ عن العبّاس قال : لما بنت قريشٌ البيتَ افترقت رجلين ... رجلين ... لنقل الحجارة، فكنت أنا وابن أخي نحملُ على رقابنا وأُزُرُنا تحت الحجارة ، فإذَا غَشِيَنَا النَّاسُ أَتَّزرنا ، فبينما أنا أمشي ومحمَّد ◌َِّ قُدَّامي خَرَّ، فانبطح على وجهه! فجئتُ ؛ فَأَلْفَيْتُهُ ينظرُ إلى السماء !! فقلت: ما شأنُك !! فأخذ إزاره، وقال: ((نُهِيْتُ أَنْ أَمْشِي عُرْياناً !! )) فقال: أُكْتُمْهَا مَخَافَةً أَنْ يَقُولُوا مَجْنُونٌ . وأخرج أبو نُعَيم ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : كان أبو طالب يعالج زمزم ؛ وكان رسول الله وَليه ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره وأتقى به . فقيل لأبي طالب الحقْ أَبْنَك ؛ فقد غُشي عليه ، فلما أفاق من غَشيته سأله ٥٤٤ وَأَمَّا مِزَاحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْزَحُ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، أبو طالب؛ فقال: (( أَتَانِي آتٍ عَلَيْهِ ثيابٌ بِيْضٌ))؛ فَقَالَ لِي أُسْتَتِرْ . قال ابن عبّاس: فكان أوَّلُ شيءٍ رآه من النبوة أنْ قيل له ((استتر)). فما رُؤيت عورَتُه من يومئذ. انتهى ؛ من ((شرح الخفاجي على الشفا)) وشروح ((الشمائل)): المناوي ؛ وعلي قاري ؛ والباجوري رحمهم الله تعالى . آمين . (وَأَمَّا مِزَاحُ رَسُوْلِ اللهِنَِّ! فَقَدْ) وَرَد بيانه في الأحاديث الآتية، ففي ((كشف الغُمَّة )) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى : ( كَانَ قَّهِ يَمْزَحُ) أَحْيَاناً (مَعَ النِّسَاءِ ) ؛ تلطُّفاً بهنَّ، ( وَأَلصِّبْيَانِ ) ؛ تأنيساً لهم ، ( وَ) مع ( غَيْرِهِمْ) من أصحابه بالقول والفعل ؛ جبراً لقلوبهم وتأنيساً لهم ، لأن الناس مأمورون بالتأسِّي به والاقتداء بهديه ، فلو ترك الطلاقة والبشاشة ولزم العبوس ؛ لأخذ الناس أنفسَهم بذلك ! على ما في مخالفة الغريزة من المشقّة والعَنَا !! فمزح ليمزحوا ؛ قاله ابن قتيبة . وقال الخَطَّابي: سئل بعض السلف عن مزاحه وَّ؛ فقال : كانت له مهابة ، فلذا كان ينبسط للناس بالدُّعابة ، وهو مع ذلك سِرُّه في الملكوت يجول حيث أراد الله تعالی به . ولا يخالف هذا قوله وَله: ((لَسْتُ مِنْ دَدٍ وَلا الدَّدُ مِنِّي)) أخرجه البخاريُّ في ((الأدب المفرد))، والبيهقيُّ عن أنس رضي الله عنه، والطبرانيُّ في ((الكبير))؛ عن معاوية رضي الله عنه . ودَدٍ - بفتح الدال الأولى ؛ وكسر الثانية - أي : لست من أهل اللهو واللَّعب ، ولا هما مِنِّي . ومعنى تنكير الدَّد في الأول: الشياع والاستغراق ، وأن لا يبقى شيءٌ منه إلاَّ وهو منزَّه عنه ؛ أي : ما أنا في شيء من اللهو واللعب ، وتعريفُه في الجملة الثانية !! لأنَّه صار معهوداً بالذكر ، كأنَّه قال : ولا ذلك النوع ، وإنما لم يقل ٥٤٥ وَلاَ يَقُولُ إِلَّ حَقّاً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ مَعَ صَبِيٍّ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَزَحَ .. غَضَّ بَصَرَهُ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ دُعَابَةٌ قَلِيلَةٌ . ((ولا هو مني)) !! لأن الصريح آكدُ وأبلغ . وقد رواه الطبرانيُّ أيضاً والبزار ، وابن عساكر ؛ عن أنس بزيادة : (( وَلَسْتُ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَلاَ أَلْبَاطِلُ مِنِّي)). انتهى. لأنَّ المنفيَّ ما كان بباطل ومجرَّد لهو ولعب ؛ وهو ◌َّ في مزاحه صادق ؛ كما قال : ( وَلاَ يَقُوْلُ إِلاَّ حَقّاً ) ، فلا ينافي الكمال حينئذ ، بل هو من توابعه وتتمَّاته لَجَرْيه على القانون الشرعي . فمن زعم تناقضَ الحديثين من الفرق الزايغة ! فقد ضل؛ قاله الزرقاني على ((المواهب)). وحديث (( المتن )) رواه الإمام أحمدُ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، مع تغيير يسير في اللفظ ، وهو عند الترمذي بلفظ : قالوا : إنَّك تداعبنا ! قال: ((إنِّي لاَ أَقُولُ إِلَّ حَقّاً)) . وسيأتي في المتن إن شاء الله تعالى . ( وَ) أخرج الطبرانيُّ ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه : ( كَانَ وَِّ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ ) أي : من أمزحهم ( مَعَ صَبِيٍّ ) - وقد تقدَّم -. ( وَكَانَ وَِّ إِذَا مَزَحَ غَضَّ بَصَرَهُ) . لم أقف عليه ! . ( وَ) أخرج الخطيب وابن عساكر في ((تاريخه))؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : ( كَانَ) رسولُ الله (ِِّ فِيْهِ دُعَابَةٌ ) - بضمِّ الدال وتخفيف العين المهملتين ، وبعد الألف موخَّدة ( قَلِيْلَةٌ ) أي : مزاح يسير للتشريع . قال في ((المواهب)): الدُّعابة هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره ؛ ٥٤٦ وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: ((يَا ذَا الأَذْنَيَّنِ )) ؛ يَعْنِي: يُمَازِحُهُ. كالمداعبة الفعلية؛ كَمَجِّهِ محمود بن الربيع، واحتضانه زاهراً. انتهى مع ((شرح الزرقاني)». قال المناوي في ((كبيره)): قال ابن عربي : وسبب مزاحه أنَّه كان شديدَ الغَيْرة ، فإنَّه وصف نفسه بأنَّه أغيرُ من سعد ؛ بعدما وصف سعداً بأنه غيور ، فأتَى بصيغة المبالغة ، والغَيْرة من نعت المحبّة ؛ وهم لا يظهرونها ، فستر محبَّته ومالَه من الوجد فيه بالمزاح وملاعبته للصغير ، وإظهار حُبِّه فيمن أَحَبَّه ؛ مِن أزواجه وأبنائه وأصحابه !! وقال: ((إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ))، فلم يجعل نفسَه أَنَّه من المحِبِّين، فجهلوا طبيعته وتخيَّلَت أنَّه معها لمَّا رأته أنَّه يمشي في حقُّها ويؤثرها ، ولم تعلم أنَّ ذلك عن أمر محبوبه إيّاه بذلك !. وقيل: إنَّ محمداً إِلَّهِ يُحِبُّ عائشة والحَسَنين. وترك الخطبة يوم العيد ونزل إليهما لما رآهما يعثران في أذيالهما . وهذا كلُّه من باب الغَيْرة على المحبوب أن تنتهك حرمته ، وهكذا ينبغي أن يكون تعظيماً للجناب الأقدس أن يعشق . انتهى . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) قال: حدَّثنا محمودُ بن غيلان؛ قال: حدَّثنا أبو أسامة ؛ عن شريك ؛ عن عاصم الأحول . ( عَنْ أَنَسِ ) بن مالك ( رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَِّيَّنَِّ قَالَ لَهُ) أي لأنس (: ((يَا ذَا الْأُذْنَيْنِ))) - بضمِّ الذال المعجمة، وتسكن - أي: يا صاحب الأُذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتاه ، وصفه به مدحاً له ؛ لذكائه وفطنته وحسن استماعه ، لأنَّ مَنْ خلق الله له أذنين سميعتين كان أوعى لحفظه ووعيه جمیع ما يسمعه ، ولما كان ذلك لا يوجب كونَ الكلام ممازحة ؛ قال محمود : ( يَعْنِي ) أي: يريد وَه بقوله: ((يَا ذَا اَلأُذُنَيْنِ)) ( يُمَازِحُهُ) أي: مزاحه من قبيل ذكر الفعل وإرادة المصدر، من قبيل (( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ))، ومنه قوله تعالى ﴿﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [٢٤/ الروم] . ٥٤٧ وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً قَالَ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخِ لِي: « يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ )). وإنَّما كان ذلك مِزاحاً مع كونه معناه صحيحاً يقصد بالإفادة !! لأن في التعبير عنه بـ ((ذَا الْأُذُنَيَّنِ )) مباسطةً وملاطفة ؛ حيث سمَّاه بغير اسمه ، فهو من جملة مزحه ولطيف أخلاقه وَ ﴿، كما قال للمرأة عن زوجها: ((ذَاكَ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ)) !!. ( وَ) أخرج البخاريُّ في ((الأدب))، ومسلمٌ، والترمذي في (( الجامع)) في ((الصلاة))، وفي ((الشمائل)) أيضاً، وهذا لفظها: ( عَنْ أَنَسِ أَيْضاً؛ قَالَ: ((إِنْ) - مخفّفة من الثقيلة ، بدليل دخول اللام في خبرها ، واسمُها ضميرُ الشَّأن محذوفٌ، أي: أنَّه (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ لَيُخَالِطُنَا ) بالملاطفة وطلاقةِ الوجه والمزاح ؛ قاله القُسْطُلاَنِيُّ في (( المواهب)). وقال شُرَّاح ((الشمائل)): ليخالطنا: يمازحنا، ففي ((القاموس)): خالطه مازحه ، والمراد أَنَسٌ وأهلُ بيته ( حَتَّى ) للغاية ، أي : انتهت مخالطته لنا إلى الصغيرِ من أهلنا ومداعبته والسؤال عن طَيْرِهِ ( يَقُوْلُ لأَخِ لِيْ) من أُمِّي ((أُمّ سليم)) ؛ يقال له (( أبو عمير )) بن أبي طلحةَ : زيد بن سهل الأنصاري. وكان اسمُه عبد الله ؛ فيما جزم به أبو أحمد الحاكم ، أو حفص ؛ كما عند ابن الجوزي ، وهو الذي حقَّقه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) . وقال : هو واردٌ على مَن صنَّف في ((الصحابة)) وفي ((المبهمات)) !! انتهى. وقيل: اسمه ((كبشة))؛ كما في ((جامع الأصول)) !! ومات في حياة النبي ◌َّه. والمعروفُ أنَّ عبد الله هو أخوه الذي حملت به أمه عند وفاته ؛ وهو صاحبُ الليلة المباركة !! ففي مسلم ؛ عن أنس: أنَّ ابناً لأَبي طلحة مات ... فذكر قصَّة موته ، وأنَهَا قالت لأبي طلحة : هو أَسكنُ ممَّا كان . وبات معها ، فبلغ ذلك النبيَّ ◌َّه؛ فقال: ((بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا)) . فأتت بعبد الله بن أبي طلحة ؛ فبورك فيه ، وهو والدُ إسحاقَ بن عبد الله الفقيه ، وإخوة إسحاق كانوا عشرةً ، كلُّهم حُمِلَ عنه العلم . (: ((يَا أَبًا عُمَيْرٍ ) - بضم العين وفتح الميم؛ مصغَّراً - ( مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!))) ٥٤٨ قَالَ أَبُو عِيسَىُ التِّرْمِذِيُّ: وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُمَازِعُ . وَفِيهِ: أَنَّهُ كَنَّى غُلاَماً صَغِيراً فَقَالَ لَهُ: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ )) . وَفِيهِ : أَنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يُعْطَىُ الصَّبِيُّ الطَّيْرَ لِيَلْعَبَ بِهِ - أَيْ: لَعِباً لاَ عَذَابَ فِیهِ - بضمِّ النون وفتح الغين المعجمة؛ تصغيرُ النَّغَر، كالرُّطَب -: وهو طائر صغير كالعُصفور أحمر المنقار ؛ أي ما شأنه وحالُه !! فباسطه بذلك ليسلِّيَه حزنَه عليه ؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، فيفرحُ بمكالمة المصطفى بَلّر ، ويرتاح لها ويفتخر ؛ ويقول لأهله : كلَّمني وسألني !! فيشتغل باغتباطه بذلك عن حزنه فيَسْلَىُ ما كان . ( قَالَ ) الإمام الحافظ ( أَبُو عِيْسَى ) محمد بن عيسى بن سَوْرة ( أُلتُّزْمِذِيُّ ) في ((الشمائل)) (: وَفِقْهُ هَذَا أُلْحَدِيْثِ ) أي : المسائل الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: ( أَنَّ النَِّيَّنَّ كَانَ يُمَازِعُ ) ؛ أي : لمصلحةٍ تطييب نفس المخاطب ، ومؤانسته وملاطفته ومداعبته ، وذلك من كمال خُلُقه ومكارم أخلاقه ، وتواضعه ولين جانبه ؛ حتَّى مع الصبيان ، وسَعَة صدره ، وحسن معاشرته للناس . ( وَفِيْهِ ) أي: وفي هذا الحديث من الفوائد: ( أَنَّهُ كَتَّى غَلَاَماً صَغِيْراً ؛ فَقَالَ لَهُ: (( يَا أَبَا عُمَيْرٍ ))) وهو لا بأسَ به ، لأنَّ الکنیةَ قد تكون للتفاؤل بأنَّه یعیش ویصیر أباً ، لكونه يولَد له . فاندفع ما يقال ((إنَّ في ذلك جَعلَ الصغير أباً لشخص ؛ وهو ظاهر الكذب )» !!. ( وَفِيْهِ)؛ أي: وفي الحديث أيضاً من الفوائد: ( أَنَّهُ لاَ بَأْسَ ) ؛ أي : لا حرج ( أَنْ يُعْطَى الصَّبِيُّ الطَّيْرَ لِيَلْعَبَ بِهِ ؛ أَيْ: لَعِباً لاَ عَذَابَ فِيْهِ ) . هذا إشارة إلى جواب ما استشكل بأن إعطاء الصغير الطير ليلعب به تعذيبٌ له ، وقد صحَّ النهيُ عنه ؟ !. ٥٤٩ - وَإِلَّ .. حَرُمَ تَمْكِينُهُ مِنْهُ ؛ لِلنَّهْىِ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ . وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ اُلْتُغَيْرُ)) .. لأَنَّهُ كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ، فَمَاتَ، فَحَزِنَ الْغُلَامُ عَلَيْهِ ، فَمَازَحَهُ الشَّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ اٌلْنُغَيْرُ)). وحاصل الجواب : أن التعذيبَ غير محقَّق ، بل ربَّما يراعيه فيبالغ في إكرامه وإطعامه لإِلفه ، وهذا إن قامت قرينةٌ على أنَّ الصبي لا يعذِّبُه ، بل يلعبُ به لعباً لا عذابَ فيه ، ويقوم بمؤنته على الوجه اللائق ، فيجوزُ تمكينُه منه حينئذ . ( وَإِلَّ) بأن كان غيرَ مميٍِّ، أو قاسيَ القلب جافِيَ الطَّع ؛ دَلَّت القرينة على أنه يعذِّبُه؛ ( حَرُمَ تَمْكِيْتُهُ مِنْهُ) ، وذلك ( لِلْنَّهْىٍ عَنْ تَعْذِيْبِ أُلحَيَوَانِ ) ، فما في الحديث منزَّل على القسم الأوَّل . فائدة : قال ابن خَلِّكان في (( تاريخه)): إن الإمام الزمخشريَّ كانت إِحدى رجليه ساقطة ؛ أي أعرج ، وكان يمشي في جارن خشب ، وكان سببُ سقوطها دعاءَ والدته عليه . قال الزمخشري : كنتُ في صباي أَمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله ؛ فأفلت من يدي فأدركته ؛ وقد دخل في خَرْق ؛ فجذبتُه ، فانقطعت رجلُه في الخيط . فقالت والدتي : قطعَ اللهُ رِجلك - الأبعدَ - كما قطعتَ رجله . قال : فلما وصلت إلى سنِّ الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطتُ عن الدابَّة فانكسرت رجلي ، وعملت عليَّ عملاً أوجب قطعها . والله أعلم بالصِّحة . انتهى كلام ابن خَلِّكان بتصرُّف . ( وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ)؛ أي للغلام (: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ؛ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!))؛ لأَنَّهُ كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ ) : يتلقّى ( بِهِ ، فَمَاتَ، فَحَزِنَ الغُلامُ عَلَيْهِ ) ؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، ( فَمَازَحَهُ)؛ أي: باسطه ( الثَّبِيُّ وَّةِ، فَقَالَ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؛ مَا فَعَلَ الثُّغَيْرُ))) ليسلِّيَهُ، ويَذهب حزنُه عليه، لأنَّه يفرح بمكالمة ٥٥٠ وَ(النُّغَيْرُ ) : طَائِرٌ كَالْعُصْفُورِ ، أَحْمَرُ اَلْمِنْقَارِ . النبي گآژ له ؛ فيذهب حزنه بسبب فرحه . ( وَأَلْنُّغَيْرُ ) تصغيرُ نُغَر - بضمِّ النون وفتح الغين -: (طَائِرٌ) صغير (كَالْعُصْفُوْرِ أَحْمَرُ المِنْقَارِ )، وأهل المدينة يسمُّونه (( البلبل)) ، وقيل: طائر له صوتٌ. وقيل : هو العصفور . وقيل غير ذلك . والرَّاجح الأوَّل . قال شيخ مشايخنا العلامة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى في ((زاد المسلم )) في الجزء الرابع صفحة ١٦٥ : وهذا الحديثُ فيه فوائدُ جمَّةٌ جمعها أبو العبَّاس ابن القاصِّ: أحمد بن أبي أحمد الطبري صاحب التصانيف من الشافعية في جزء مفرد ، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم الرَّازيّ أحد أئمة الحديث ، ثم التِّرمذيُّ في ((الشمائل))، أشار لبعض فوائده المأخوذة منه، ثمَّ الخطّابيُّ إِلى غيرِ هؤلاء ممَّن جَمَع فوائده . قال الإمام النَّوويُّ في (( شرح مسلم)) عند ذكره ما نصُّه : وفي هذا الحديث فوائد كثيرةٌ جدّاً ؛ منها : ١ - جوازُ تكنيةٍ من لم يولد له، و ٢ - تكنيةُ الطفل، و٣ - أنَّه ليس كَذِباً ، و ٤ - جوازُ المزاح فيما ليس إثماً ، و ٥ - جوازُ تصغير بعض المُسَمَّيات ، و ٦ - جوازُ لعب الصبي بالعصفور، و ٧ - تمكينُ الوليِّ إِيَّاه مِن ذلك ، و ٨ - جوازٌ السجع بالكلام الحَسَن بلا كُلْفة، و ٩ - ملاطفة الصبيان وتأنيسُهم، و ١٠ - بيانٌ ما كان عليه النبيُّ ◌َّله مِن حُسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل ، لأن أُمَّ سليم والدةَ أبي عمير هي من محارمه وَّل كما سبق بيانُه. واستدلَّ به بعض المالكية على جواز الصيد من حَرَم المدينة ، وقد سبقت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في كتاب الحج المصرِّحَةُ بتحريم صيد حرم المدينة ، فلا يجوز تركُها بمثل هذا ، ولا معارضتُها به . والله أعلم ! انتهى بلفظه . وأخذ منه بعضُهم جوازَ حبس الطيور في الأقفاص ، وكان الشيخ أبو القاسم بن ٥٥١ زيتون رضي الله عنه يحبسها في القفص ، فإذا انقضى لها سنة أخرجها وسرَّحها . ووجه الأخذ من الحديث أنَّ حبسها في القفص أخفتُّ من اللَّعِب بها . انتهى . وأقول : قد استنبط العلماءُ من هذا الحديث فوائدَ كثيرةً ؛ وهو من الأحاديث التي كنت مصمّماً على إشباع الكلام عليها ، لأن كثرة معاني هذه الجملة الموجزة من أعلام نبوّة رسول الله وَله . وقد قال الشيخ جسّوس والمناوي والقاري وغيرهم في ((شرح الشمائل))؛ عند هذا الحديث : إنَّ فوائده تزيد على المائة ، وقد أفردها ابن القاصِّ بجزء . وقد قال الإمام تاج الدين بن عطاء الله - نفعنا الله به - في كتاب (( التنوير))؛ لمَّا تكلّم على حديث ((إِنَّقُوا اللهَ؛ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ)): وذكر أَنَّ فيه عشرة أوجه ما حاصله أَنَّه ليس القصدُ الحصرَ ، بل أوسعَ من ذلك ، لأنه كلام صاحب الأنوار المحيطة ، فلا يأخذ الآخذ منه إلاّ على حسب نوره ، ولا يُحَصِّلُ من جواهر بحره إِلاَّ على قدر غَوْصه ، وكلٌّ يفهم على حسب المقام الذي أقيم فيه ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ﴾ [٤/ الرعد] وما لم يأخذوا أكثر مما أَخذوا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أُوْتِيْتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَأَخْتُصِرَ لِيَ الكَلامُ اخْتِصاراً)) !!. فلو عبَّر العلماء بالله أبد الآباد عن أسرار الكلمة الواحدة من كلامه ؛ لم يحيطوا بها علماً ، ولم يقدروا لها فهماً !! حتَّى قال بعضهم : عملتُ بحديثٍ واحد سبعينَ عاماً؛ وما فرغت منه، وهو قوله وَّهُ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَغْنِيْهِ )) . وصدق رضي الله عنه لو مكث عمر الدنيا أجمع ، وأبد الآباد لم يَفْرُغ منْ حقوق هذا الحديث ، وما أُودِع فيه من غرائب العلوم وأسرار الفهوم . انتهى . وناهيك أَنَّ الله تعالى آتاه علم الأولين والآخرين ومَنَحه من الحكمة ما لم يمنحه أحداً من العالمين !! ، فما من عالِمٍ ضُربَت إليه أكباد الإبل في أشتات العلوم العقلية ٥٥٢ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، فَقَالَ: ((نَعَمْ ، غَيْرَ أَنِّي لاَ أَقُولُ إِلَّ حَقّاً )). والنقلية؛ ممَّن تقدَّم أو تأخّر؛ إلاَّ وكلام المصطفىُ وَِّ له قُدْوَة . وإشارتُه له حُجَّة؛ دون تعلُّم منه وَّ؛ ولا مدارسةٍ ولا مطالعةِ كُتُب من تقدَّم ، ولا جلوس مع علمائها : كَفَاكَ بِالْعِلْمٍ فِي الأُمَّيِّ مُعْجِزَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالتَّأْدِيْبِ فِي الْيُمِ انتھی . قال مقيِّدُه رحمه الله تعالى : ومِن أوسع ما وقفتُ عليه مجموعاً مِن فوائد هذا الحديث المستنبطة منه في محلٌّ واحد ما جَمَعه الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري » عند شرحه في (( باب الكُنية للصبي))؛ وقبل أن يولد للرجل في ((كتاب الأدب)). انتهى . وساق في شرح ((زاد المسلم)) كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بطوله ؛ فليراجعه من أراده . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في ((الجامع)) وحَسَّنه وفي (( الشمائل)) - وهذا لفظها - ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ ) أي : أبو هريرة (: قَالُوْا)؛ أي: الصحابة مستفهمين (: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا) - بدال وعين مهملتين - أي : تمازحنا بما يستملح ، وقد نَهيتَ عن المزاح ، فهل المداعبةُ خاصَّة بك !! ( فَقَالَ: ((نَعَمْ ) ، أداعب ( غَيْرَ أَنِّي لاَ أَقُوْلُ إِلاَّ حَقّاً))) فمن حافظ على قول الحقِّ وتجنَّب الكذب وأبقى المهابةَ والوقار فَلَهُ ذلك ، بل هو سنَّةٌ كما مرَّ !! ومَن داوم عليها ؛ أو أكثر منها ، أو اشتمل مزاحه على كذب ، أو أسقطت مهابته !! فلا . وقد كان مزاح المصطفى ◌َّ على سبيل النُّدور ؛ لمصلحة من نحو مؤانسة ، أو تألُّف لما كانوا عليه من تهيُّب الإقدام عليه ، فكان يمازح تخفيفاً عليهم ، لما أُلقي ٥٥٣ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَنَّ رَجُلاً عليه من المهابة والجلال ؛ سيَّما عقب التجلِّيات السُّبْحَانية ، ومن ثَمَّ كان لا يخرج إليهم قبل الفجر إلاّ بعد الاضطجاع بالأرض ؛ أو مكالمة بعض نسائه ، إذ لو خرج إليهم عقب المناجات الفردانية والفيوضات الرحمانية ؛ لما استطاع أحد منهم لُفِيَّهُ . وما ورد عنه ◌َ ل﴿ من النهي عن المداعبة؛ كقوله: ((لاَ تُمَارِ أَخَاكَ وَلاَ تُمَازِخْهُ ، وَلاَ تَعِدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَةَ )) رواه الترمذي !. محمولٌ على الإفراط ، لما فيه من الشُّغل عن ذكر الله تعالى ، وعن التفكُّر في مهمات الدين وغير ذلك ؛ كقسوة القلب ، وكثرة الضحك ، وذهابِ ماء الوجه ، بل كثيراً ما يورث الإيذاء والحقد والعداوة ، وجراءة الصغير على الكبير ، وقد قال سيِّدنا عمرُ بن الخطاب: مَن كَثُر ضَحِكه قلَّت هيبته ، ومَن مزح استُخِفَّ به . أسنده العسكري ، ولذا قيل : يُجَرِّي عَلَيْكَ الطَّفْلَ وَالرَّجُلَ النَّذْلاَ فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الْمِزَاحَ فَإِنَّهُ وَيُورِثُهُ مِنْ بَعْدٍ عِزَّتِهِ ذُلاً وَيُذْهِبُ مَاءَ أَلوَجْهِ مِنْ كُلِّ سَيِّدٍ والذي يَسلم من ذلك بأن لا يؤدِّي إلى حرام ؛ ولا مكروه : هو المباحُ المستوي الطرفين على الأصحِّ ، فإن صادف المباحُ مصلحةً ؛ مثل تطييب نفسِ المخاطب ، كما كان هو فعله عليه الصلاة والسلام !! فهو مستحبٌّ . قاله القُسْطُلاَنِيُّ في ((المواهب)) مع الشرح . وقال المناوي في (( شرح الشمائل)): ما سَلِم من المحذور ، فهو بشرطه مندوبٌ لا مباح ؛ وفاقاً للصدر المناوي، وخلافاً للعصام. إذ الأصل في أفعاله وَلّ وأقواله وجوبُ أو ندبُ الاقتداءِ به فيها ؛ إلاَّ لدليل يمنع ؛ ولا مانع هنا !!. انتهى . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ في ((الجامع)) وصحَّحه، وفي ((الشمائل)) واللفظ لها، والبخاريُّ في ((الأدب المفرد)): كلهم ؛ (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً ) كان به بَلَهُ ؛ أي : عدم اهتمام بأمر ٥٥٤ اُسْتَحْمَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ ؟! فَقَالَ : (( وَهَلْ تَلِدُ أَلإِبِلَ إِلاَّ النُّوقُ؟! )). الدنيا وتأمُّل في معاني الألفاظ حتَّى حمل الكلام على المتبادر ، من أن المراد بالبُنُؤَّة الصغير فليس هو صفة ذمُّ هنا، فهو كقوله في الحديث: ((أكْثَرُ أَهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ ». أي : في أمر الدنيا لقلَّة اهتمامهم بها ؛ وهم أكياس في أمر الآخرة ، وللبَلَهِ إطلاقات ؛ منها هذا ، وعدمُ التمييز وضعف العقل والحمق وسلامة الصدر ، ولكلِّ مقام مقال : ( أُسْتَحْمَلَ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ) أي: سأله أن يحملَه، والمراد: طلب منه أن يُركِبَه على دابَّة، (فَقَالَ) أي: رسول الله وََّ مباسطاً له بما عساه أن يكون شفاءً لِبَلَهِهِ بعد ذلك، والظنُّ - بل الجزمُ - أَنَّه حصل له الشفاء بتلك المداعبة قائلاً (: ((إِنِّي حَامِلُكَ ) أي : مريد حملك ( عَلَىْ وَلَدِ نَاقَةٍ ))) فسبق لخاطره استصغارُ ما تَصْدُق عليه البُنُوَّة . ( فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟!) توهماً أن المرادَ بـ (( ولد الناقة)) الصغيرُ، لكونه المتبادر من الإضافة؛ ومن التعبير بـ ((الولد)). ( فَقَالَ) أي: رسول الله وَّةِ (: ((وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ) - بالنصب مفعول مقدَّم - والإبل : اسمُ جمعٍ لا واحد له من لفظه ، وهو بكسرتين ، وسُمِع [ الإِبْل ] تسكينُ الباء للتخفيف ، ولم يجيء من الأسماء على فِعِل - بكسرتين - إِلاَّ الإبل والحبر (إِلاَّ التُّوْقُ))؟!) - بالرفع فاعل مؤخّر - فالإبل؛ ولو كباراً أولادُ الناقة، فيصدق (( ولد الناقة )) بالكبير والصغير، فكأنَّه يقول لو تدبَّرتَ وتأمَّلتَ اللفظَ لم تقل ذلك !! ففيه مع المباسطة الإيماءُ إلى إرشاده وإرشاد غيره بأَنَّه ينبغي له إذا سمع قولاً أن يتأمَّلَه ، ولا يبادر بردِّه إِلَّ بعد أن يدرك غَوره ، ولا يسارِعُ إِلى ما تقتضيه الصورة. والُّوق - بضمِّ النون - جمع ناقة ؛ وهي أنثى الإبل . وقال أبو عبيدة: لا تسمَّى ٥٥٥ وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ - وَكَانَ أَسْمُهُ زَاهِراً - وَكَانَ يُهْدِي إِلَى النَِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً مِنَ الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ زَاهِراً بَادِيَتُنَا ؛ ناقة حتَّى تجذع . انتهى ((باجوري ، ومناوي)) رحمهما الله تعالى . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسنده ( عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ) خلاف الحاضرة ، والنسبة إليها بَدَوي ؛ على غير قیاس . ( وَكَانَ أَسْمُهُ زَاهِراً ) بالتنوين ؛ وهو ابن حَرَام - ضِدّ حلال - الأشجعي ، شهد بدراً . ( وَكَانَ يُهْدِيْ ) - بضمِّ الياء بصيغة المعلوم ، والإهداء ؛ وهو : البعث بشيء إلى الغير إكراماً، فهو هديّة - بالتشديد - لا غير ( إِلَى النَِّيِّ نَّهِ هَدِيَّةٌ) حاصلة ( مِنَ اُلْبَادِيَةِ ) أي : بما يوجد بها من ثمار ونبات وغيرهما ، لأنَّها تكون مرغوبة عزيزة عند أهل الحضر، وكان ◌َّهِ يقبَلُها منه، لأنَّ مِن عادته قبولَ الهديَّة، بخلاف العُمَّال بعدَه !! فلا يجوزُ لهم قبولُها إِلَّ ما أَسْتُثْنِيَ في محلُّه . ( فَيُجَهِّزُهُ) - بضمِّ المثنّة التحتيّة وفتح الجيم وتشديد الهاء وآخره زائيٌ - قال في ((المصباح)): جِهاز السَّفر أُهبته ، وما يحتاج إليه في قطع المسافة - بالفتح ، والكسر لغة قليلة - أي: يعطيه (الَِّيُّ ◌ََّ) ما يتجَّهزُ به إلى أهله مما يُعينه على كفايتهم والقيام بكمال معيشتهم ، ( إِذا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ ) ويذهبَ إلى أهله ؛ مكافأةً له على هديته . ( فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ زَاهِراً بَادِيَتْنَا ) ؛ أي : ساكنُ باديتنا ؛ فهو على تقدير مضاف ، لأنَّ البادية خلافُ الحاضرة - كما تقدَّم - فلا يصحُّ الإخبار إلاَّ بتقدير مضاف ، أو هو من إطلاق اسم المحلِّ على الحال ؛ أي : نستفيد منه ما يستفيد ٥٥٦ وَنَحْنُ حَاضِرَتُهُ)) ، وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ، وَكَانَ رَجُلاً دَمِيماً ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً ، وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ ... الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النبات ، فصار كأنَّه باديَتُنا . فالتاء على هذين الوجهين للتأنيث لأنَّه الأصلُ ، ويحتمل أن التاء للمبالغة ، والأصلُ بادينا ؛ أي : البادي المنسوب إلينا ، لأنَّا إذا احتجنا متاعَ البادية جاءَ به إلينا ؛ فأغنانا عن السّفر إليها . قيل : وهو أظهر ، والضمير لأهل بيت النبوة ، أو أُتي به للتعظيم . ويؤيِّدُ الأوَّل ما في ((جامع الأصول))؛ من قوله وَّهُ: ((إنَّ لِكُلِّ حَاضِرٍ بَادِيَةً ، وَبَادِيَةُ آلِ مُحَمَّدٍ زَاهِرُ بنُ حَرَامٍ )) . ( وَنَحْنُ ) أي : أهل بيت النبوة ، أو ضمير الجمع للتعظيم - كما مرَّ في الذي قبله - ( حَاضِرَتُهُ))) ؛ أي : يصل إليه منا ما يحتاج إليه مما في الحاضرة ، أو لا يقصدُ بمجيئه إلى الحضر إلاَّ مخالطتنا . وتوقُّفُ بعضِهم في الأوّل بـ (( أن المنعِم لا يليق به ذكر إنعامه )) !! مُنِعَ بأنَّه ليس من ذكر المَنِّ بالإنعام في شيءٍ ، بل إرشادٌ للأُمَّة إلى مقابلة الهديّة بمثلها ؛ أو أفضل منها، لأنَّه وَلِّ كان يكافيءُ عليها كما هو عادتُه، على أنه ◌ِِّ مستثنىٌ ممَّن يحرم عليه المنُّ. انتهى. ((باجوري)) وزرقاني على ((المواهب)). ( وَكَانَ) النَّبِيُّ (َِرِ يُحِبُّهُ) ، يؤخذ منه جواز حبِّ أهلِ البادية ، وجواز الإخبار بمحبَّةٍ مَن يُحِبُّكَ ، (وَكَانَ رَجُلاً دَمِيْماً) - بالدال المهملة - أي : قبيح الوجه ، کریه المنظر ؛ مع كونه مليحَ السريرة، فلا التفات إلى الصورة، كما في الحديث: ((إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَىْ صُوَرِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ )) . ( فَأَتَاهُ النَِّيُّ ◌َلّهِ يَوْماً) ؛ أي: إلى السوق . وفيه جوازُ دخولِ السُّوق وحسن المخالطة ، ( وَهُوَ) أي : والحال أَنَّه ( يَبِيْعُ مَتَاعَهُ ) ؛ وهو : كلُّ ما يتمتع به من نحو طعام وبُرِّ وأثاثٍ بيت . ٥٥٧ فَأَحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لاَ يُبْصِرُهُ ، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ أَرْسِلْنِي ، فَالْتَّفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ لاَ يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَرَفَهُ ، وأصله : ما يتبلَّغُ به من الزاد ، ومتاع زاهر في ذلك الحين كان قِرْبَةً لَبَن ، وقربةً سَمْنٍ ؛ كما في رواية . ( فأخْتَضَنَهُ) أي : أدخله في حضنه ؛ وهو : ما دون الإبط إلى الكشح - بزنة فَلْس ◌ِ: مَا بين الخاصرة إلى الضلع ( مِنْ خَلْفِهِ ) أي : جاء من ورائه ؛ وأدخل يديه تحت إبطيه . (وَهُوَ ) أي: والحال أنَّه (لاَ يُبْصِرُهُ) أي : لا يراه ببصره. وذلك بعد أن جاء من أمامه وفتح إحدى القِرْبتين ، فأخذ منها على إصبعه ، ثُمَّ قال له : ((أَمْسِكِ القِرْبَةَ))، ثم فعل بالقربة الأخرى كذلك، ثم غافله وجاء مِن خلفه واعتنقه ، وأخذ عينيه بیدیه كي لا يعرفه . ويؤخذ من ذلك جوازُ اعتناق مَن تُحِبُّه من خلفه ؛ وهو لا يبصر . ( فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟!) أي : المحتضِنُ ؟ ( أَرْسِلْنِيْ) - بصيغة الأمر - أي خَلِّني، وأطلقني، فالإرسالة : التخلية والاطلاق ( فَاَلْتَفَتَ ) أي : ببعض بصره ورأى بطرفه محبوبه . ( فَعَرَفَ النَِّيَّ) - القياس: فعرَف أنَّه النبيُّ - (عبَّرِ فَجَعَلَ لاَ يَأْلُو ) ، أي: لا يترك ولا يُقَصِّر (مَا ): مصدرية ( أَلْصَقَ ظَهْرَهُ) : أي شرع لا يقصر في إلصاق ظهره ( بِصَدْرِ الشَِّيِّ ◌َّهَ) تبركاً به، وتلذُّذاً، وتحصيلاً لثمرات ذلك الإلصاق من الكمالات الناشئة عنه ( حِيْنَ عَرَفَهُ ) . ذكره مع علمه من قوله ((فَعَرَفَ النَّبِيَّ وَّرِ)) !! اهتماماً بشأنه، وإيماءً إلى أن منشاً هذا الإلصاق ليس إلاَّ معرفته . ٥٥٨ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ يَشْتَرِي هَذَا اُلْعَبْدَ؟ ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِذَنْ وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِداً، فَقَالَ الْنَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ))، أَوْ قَالَ: ((أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ )) ( فَجَعَلَ ) أي: شرع (النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: ((مَنْ يَشْتَرِيْ هَذَا أَلْعَبْدَ !؟))) أي : من يشتري مثل هذا العبد في الدَّمامة ، أو من يستبدله منِّي بأن يأتيَ بمثله ، فلما فعل ذلك معه ملاطفةً نَزَّلَه منزلة العبد . ويؤخَذ من ذلك جوازُ رفع الصوت بالعَرْض على البيع ، وجوازُ تسميةِ الحُرِّ عبداً ، ومداعبةُ الأعلى مع الأدنى . ( فَقَالَ ) أي زاهر (: ياَرَسُوْلَ اللهِ؛ إِذَنْ ) ؛ واقعة في جواب شرط محذوف . أي : إن بعتني على فرض كوني عبداً إذن ( وَاللهِ تَجِدُنِيْ كَاسِداً ) رخيصاً ، لا يرغبُ فيَّ أحدٌ لدَمَامتي وقبحٍ منظري . ( فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ) ؛ أي : مدحاً له . ويؤخذ جواز مدح الصَّديق بِمَا يناسبه (: ((وَلَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ ))) أي : لكونك حَسَن السريرة ؛ وإن كنتَ دميماً في الظاهر ( أَوْ ) شكّ من الراوي ( قَالَ: ((أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ))) - بغين معجمة - وهو ضدُّ الكاسد ، وذلك ببركة محبَّتَه ◌َلها . وقد تضمَّن هذا الحديث حِكَماً عليَّة وأسراراً جليّة، لأنَّه لَمَّا أتاه المصطفى وَّل وجده مشغوفاً ببيع متاعه ، فأشفق عليه أن يقع في بئر البعدِ عن الحقِّ ، ويشتغل عن الله تعالى ؛ فأحتضنه احتضان المُشْفِقِ على مَن أشفق عليه ، فشَقَّ عليه الاشتغال بما يهواه ، فقال : أرسلني لما أنا فيه !!. فلما شاهد جمال الحضرة العليّة أجتهد في تمكين ظهره من صدره ليزداد إمداداً ، فقال النبيُّ وَّ تأديباً له: (( مَنْ يَشْتَرِيْ لهذا العَبْدَ)) !! إشارة إلى أنَّ من اشتغل بغير الله فهو عَبْدُ هواه . فببركته ◌َّار حصلت منه الإنابة وصادفته العناية، فلذلك بَشَّره النَّبِيُّ وَّهِ بِعُلوِّ ٥٥٩ وَ( الدَّمِيمُ ) : قَبِيحُ الْوَجْهِ . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُكَّةَ قدره وإعلاء رتبته. فتضمَّن مزاحه وَّ بشرى فاضلةً وفائدةً كاملة ، فليس مزاحاً إِلاَّ بحسب الصورة ، وهو في الحقيقة غايةُ الجدِّ . انتهى لَخَّصه الباجوريُّ من المناوي رحمه الله تعالى . آمين (وَأَلَّمِيْمُ) - بالدال المهملة - (: قَبِيْحُ الوَجْهِ ) كريهُ المنظر . ( وَ) أخرج أبو يعلىُ (عَنْ) أبي أسامة ؛ (زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْقُرَشي العدوي (( مولاهم ؛ مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه)) المَدَني التابعي، الصالح الفقيه ، العالم الثقة ، وهو من رجال الجميع ، لكن كان يرسلُ . روى عن ابن عمر، وأنس ، وجابر ، وربيعة بن عباد ، وسَلَمة بن الأكوع الصحابيين رضي الله تعالى عنهم ، وروى عن أبيه ، وعطاء بن يسار ، وحمران ، وعلي بن الحسين ، وأبي صالح السَّمَّان ، وآخرين من التابعين . روى عنه الزُّهري ، ويحيى الأنصاري ، وأيُّوب السَّختياني ، ومحمد بن إسحاق التابعيون . ومالكٌ والثوري ؛ ومعمر ، وخلائق من الأئمة . وتوفي بالمدينة المنورة سنة : ست وثلاثين ومائة ، وقيل غير ذلك ، ومناقبه كثيرة رحمه الله تعالى فقول المصنف ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) كلام صحيحٌ ، إلاَّ أَنَّه يوهم أنَّه صحابيُّ كما هو العادة المعروفة في تخصيص الصحابيِّ بالترضِّي، مع أنَّ الحديث مرسل ، لكون زيد بن أسلم تابعياً ؛ كما علمتَ من ترجمته . ( أَنَ رَجُلاً) هو عبد الله الملَّقب بـ (( حمار)) بلفظ الحيوان المعروف ؛ كما في (( الإصابة )) عن أبي يعلى نفسه ... (كَانَ يُهْدِيْ) بِضَمِّ أَوَّله (لِلْتَبِيِّ وَِّ العَُّةَ) - بضم العين المهملة -: آنيةُ السَّمن ٥٦٠ C