النص المفهرس

صفحات 501-520

وَصَفَحَ ، وَقَالَ: ((مَا تَقُولُونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ ))، قَالُوا: خَيْراً؛ أَخْ
كَرِيمٌ ، وَأَبْنُ أَخِ كَرِيمٍ ، فَقَالَ: «إِذْهَبُوا؛ فَأَنْتُمُ اُلْطُلَفَاءُ)).
أفعالهم ، ( وَصَفَحَ ) أي : أعرض عن أقوالهم ؛ أي: مع شِدَّة أذاهم ونَصَره عليهم
بحيث صاروا في قبضة تصرُّفه ؛ قد أحاط بهم الهلاك من كلِّ جانب ، ما زاد على
ما كان عليه من حاله إلا العفو والصفح ، لاشفاء النفس بالانتقام ؛ وفعلٍ
ما يستحقُّون بحيث لو فعل لم يُلَم .
( وَقَالَ ) أي : لهم تلويحاً بلطفه إليهم ؛ وشفقته عليهم ، واستخراجاً لما في
ضمائرهم ؛ واستظهاراً لما في سرائرهم .
(: ((مَا تَقُوْلُوْنَ) - ((ما)) استفهامية، ((وتقولون)) بمعنى تظنُّون - ( أَنِّي فَاعِلٌ
بِكُمْ؟! )))، بفتح همزة (( أنَّ)) وهي وما معها سادَّةٌ مسدَّ مفعولَيْه
( قَالُوْا: خَيْراً ) منصوبٌ بمقدَّر يدلُّ عليه فاعل قبله ؛ أي تَفْعل خيراً ، أو أنت
فاعل خيراً ؛ (أَخٌ كَرِيْمٌ ) أي : أنت ( وَأَبْنُ أَخٍ كَرِيْمٍ ) أي: فلا يجيءُ من مثلك إِلاَّ
ما يوجب الكرم والعفو عمن ظلم .
وهذا على عادة العرب في تسمية القريب ((أخاً)) قال تعالى ﴿﴾ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ
هُودًا﴾ [٦٥ / الأعراف] .
والكريمُ : الجامعُ للخير والفضائل ؛ كما في الحديث: (( أُلكَرِيْمُ بنُ الكَرِيْمِ بنِ
الكَرِيْمِ: يُوسُفُ .. إلخ)).
( فَقَالَ ) : أقول ؛ كما قال أخي يوسف : لا تثريبَ عليكم اليومَ يغفرُ الله لكم
وهو أرحم الراحمين ، ( إِذْهَبُوْا؛ فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ)) ) - بضمِّ الطَّاء المهملة ؛ ففتحُ
اللام ممدوداً - جمع: طليق بمعنى مطلوق ؛ وهو الأسير ؛ يطلق ويخلَّى سبيلُه ؛
أي : أنتم الخُلَصاء من قيدِ الأسر ، فإنَّهم كانوا حينئذ أسرى .
وقد قال ذلك يومَ فتح مكة ؛ وهو آخذ بعضادتي باب الكعبة ؛ على ما رواه ابن
سعد، والنَّسائي ، وابن زنجويه ؛ قاله ملا علي قاري في (( شرح الشفاء)).
٥٠١

وَقَالَ أَنٌَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: هَبَطَ ثَمَانُونَ رَجُلاً مِنَ التَّنْعِيمِ صَلَةَ
الصُّبْحِ لِيَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُخِذُوا، فَأَعْتَقَهُمْ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى كَفَّ
أَيَدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمَّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤]. وَقَالَ لأَّبِي سُفْيَانَ
قال الخفاجي : وفيه بلاغةٌ وطَيِّ بديع ، لما فيه من الإيماء إلى شقُّهم عصا
القرابة بينهم، وحَسَدهم له، وكَذِهِم عليه، وقطع رحمه مع مالَهُ وَّهِ مِنَ الشرف
الباذخ ؛ فإنَّه الكريم بن الكريم !! وإنَّ حَسَدهم وبغيَهم كان سبباً لعلوٍّ مقامه وتملُكه
لنواصیھم وذِلَّتهم له معترفین بقصورهم . انتهى
( وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) كما رواه مسلم ؛ وأبو داود ، والترمذي ،
والنسائيُّ ؛ قاله القاري
(: هَبَطَ ثَمَانُوْنَ رَجُلاً مِنَ التَّعِيْمِ ) - بفتح التاء - : موضع على ثلاثة أميال من
مكَّة ، وقيل : أربعة ، وهو من جهة المدينة . والشام سُمِّ بذلك !! لأنَّه عن يمينه
جبلٌ؛ يقال له ((نعيم))، وعن شماله جبل يقال ((ناعم))؛ والوادي ((نعمان)).
( صَلاَةَ الصُّبْحِ ) - منصوب على الظرفية ؛ أي : نزلوا وقت صلاة الصبح -
( لِيَقْتُلُوْا رَسُوْلَ اللهِنَِّ، فَأُخِذُوا) - بصيغة المجهول - (فَأَعْتَقَهُمْ رَسُوْلُ اللهِ وَه
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ) في هذه القصَّة (﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾) - أي : كفار مكة -
(﴿عَنكُمْ﴾ ... الآيَةَ) أي: اقرأ الآية ، ونزول الآية عامَ الحديبية ، وضميرُ
الخطاب للنبي بُّ ومَن معه، وكان ذلك وهو في أصل الشجرة ، فبينما هو كذلك إذ
خرج ثمانونَ رجلاً وأُخذوا أسرى ؛ والسُّفراءُ يمشون في الصلح ، فأطلقهم وخلَّى
سبيلهم ، وعفا عنهم وهم (( العتقاء)).
(وَقَالَ) فَهِ (لأَبِيْ سُفْيَانَ) : صخرِ بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن
عبد مناف .
شهد مع رسول الله وَ ﴿ حُنَيناً وأعطاه من غنائمها مائة وأربعين أُوقية ؛ وزنها له
٥٠٢

- وَقَدْ سِيقَ إِلَيْهِ
بلال ، وكان شیخَ مگَّة ورئيس قريش بعد أبي جهل .
أسلم يوم الفتح ، ونزل المدينة سنةً : إحدى وثلاثين ، ودفن في البقيع ؛ قاله
القاري .
( وَقَدْ سِيْقَ إِلَيْهِ) أي: جيءَ به إليه، والسائقُ له هو العبّاس عمُّ رسول الله ◌ِّ ؛
لَمَّا سارَ النبيُّ وَهَ لفتح مَكَّة، ونزل مَرَّ الظَّهْران عشاءً، وأوقد عشرة آلاف نار ،
وجعل على الحرس عمرَ بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وأراد دخولها قهراً لقتل
الكفَّار ؛ فَرَقَّت نفس العبَّاس رضي الله تعالى عنه لأهل مكَّة ، فخرج على بغلةٍ
النبي ◌َِّ حَتَّى أتى الأراك، فقال: لَعَلِّي أجدُ ذا حاجة يأتي مكَّة ؛ فيخبِرهم
برسول الله ◌َ﴿ حتَّى يخرجوا؛ ويستأمنوه قبل أن يدخلها عَنوة. قال: فسمعتُ
صوت أبي سفيان يقول لبديل: ما رأيتُ كالليلة سَرَاباً ؛ ولا عَسْكَراً !!
فقلت : أبا حنظلة ؟ !. فقال : أبو الفضل !! قلتُ : نعم .
قال : ما لك ؛ فِدَاك أبي وأُمِّي .
قلتُ : هذا رسول الله وَّهِ في الناس !! واصباحَ قريش(١).
قال : ما الحيلةُ ؟
قلت : والله ؛ لئن ظفر بك ليضرِبَنَّ عُنُقُك ، فاركب عَجُزَ هذه البغلة ، حتَّى آتي
بكَ رسول الله وَّ فَأَستأْمِنَ لك، فركب خلفي؛ فكنت كلَّما مررتُ بأحد ؛ قال :
بغلةُ رسول الله و # عليها عنُه !!
حتَّى مررتُ بعمر رضي الله عنه ؛ قال : أبو سفيانَ عدوُّ الله !! الحمدُ للهِ الَّذي
أمكن منك بلا عقدٍ ؛ ولا عهد .
وخرج يشتدُّ نحو رسول الله وَّه، فركضت البغلة ودخلت عليه وعمرُ رضي الله
تعالى عنه معه . فقال : لهذا أبو سفيان ؛ دعني أضرب عنقه .
(١) ندبة أو استغاثة .
٥٠٣

بَعْدَ أَنْ جَلَبَ عَلَيْهِ الأَحْزَابَ ، وقَتَلَ عَمَّهُ وَأَصْحَابَهُ وَمَثَّلَ بِهِمْ ،
فقلتُ : إِنِّي قد أجرتُه . وجلستُ .
فلما أكثر عمر رضي الله عنه في شأنه؛ قال رَّرَ: ((مَهْلاً يا عُمَرُ، اذْهَبْ بِهِ
يَا عَبَّاسُ إِلىَ رَحْلِكَ ، فَإِذَا أَصْبَحَ فَأَثْنِيْ بِهِ )) .
فَغَدَوْتُ بِهِ صباحاً، فلما رآه رسول الله ◌ِّهِ عَلِمَ أَنَّه جاء ليُسلِمَ منقاداً ( بَعْدَ أَنْ
جَلَبَ عَلَيْهِ ) أي : ساق إليه ( الأَحْزَابَ ) ؛ وهي جموع مجتمعة للحرب من قبائلَ
شتَّى ، ويقال : تحزَّبوا : تجمَّعوا .
وهذه غزوةُ الخندق التي كانت في سنة : خمس وكانوا ثلاثة عساكر ، وعِدَّتُهم
عشرة آلاف ، وكان الحصارُ للمسلمين أربعين يوماً .
وإسناد جلب الأحزاب إليه !! لأنَّه كان قائدَ جيشهم ، وصاحبَ رأيهم ، وإلاَّ!
فسبب التحزيب إنَّما كان جماعةً من اليهود ؛ دعوا القبائل وحرَّكوا قريشاً لذلك .
والمعنى بعد كثرةٍ قبائحه وجملة فضائحه .
منها : أَنَّه جمَّع أحزاب كُفَّار مكة وغيرهم وأتى أهل المدينة على عزم قتلِهم
ونهبهم واستئصالهم .
( وَ) منها: أَنَّه (قَتَلَ عَمَّهُ) حمزةَ سيِّدَ الشهداء رضوان الله تعالى عنه في غزوة
أحد ، أي : تسبَّب في قتله ، إذ قاتلُه المباشِرُ له هو وحشيٍّ، وهو من جملة
عسكره ؛ فهو الباعث والسبب في ذلك القتال والمهيِّجُ له .
( وَ) منها: أنَّه قتل (أَصْحَابَهُ) وَّهِ يوم أُحُد ؛ أي : تسبَّب في قتلهم وهم
سبعون . وقيل : سبعون من الأنصار خاصَّةً !! وقيل : مجموعُ القتلى سبعون ؛
أربعةٌ من المهاجرين : حمزة ، ومصعب بن عمير ، وشَمَّاس بن عثمان
المخزومي ، وعبد الله بن جحش الأسدي ، وباقيهم من الأنصار .
( وَ) منها: أنَّه (مَثَّلَ) - بتشديد المثلثة - أي: تسبب في فعل المُثْلة - بضم
الميم - ( بِهِمْ) ؛ وهي العقوبةُ الشديدة بتشويه خِلْقَتهم ؛ بقطع أَنْف وأُذُن ، ومذاكير
٥٠٤

فَعَفَا عَنْهُ ، وَلاَطَفَهُ فِي أَلْقَوْلِ - وَقَالَ: ((وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ
لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟!»، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، مَا
أَحْلَمَكَ ، وَأَوْصَلَكَ ، وَأَكْرَمَكَ ) .
وشقِّ بطن ، وإخراج قلب وكبد ، وسائر أطرافهم .
والممثِّلَةُ بحمزة زوجتُه (( هند بنت عتبة)) ومَن معها من النسوة ؛ تشفِّياً لقتل
حمزة أباها في بدر .
ونُسب التمثيلُ لأبي سفيان؟! لأنَّ فِعْل أهلِ الرجل كفعله ، لا سيَّما النساءُ .
وقد مُثِّل بجماعة غيرِ حمزةَ ، فممَّن مُثِّل به أنسُ بن النَّضر ، وعبد الله بن جحش
بل قال البغوي في (( تفسيره )): لم يبقَ أحدٌ من قتلى أحد إِلاَّ مُثِّل به ؛ غيرُ حنظلة بن
راهب ، فإنَّ أباه عامراً الراهبَ كان مع أبي سفيان ؛ فتركوا حنظلةَ لذلك.
( فَعَفَا ) أي : مع هذا كلِّه الذي صدر عنه عفا (عَنْهُ) ما سبق منه في حال
كفره ، لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله .
( وَلَ طَفَهُ فِي القَوْلِ)؛ إذ خاطبه، ( وَقَالَ: ((وَيْحَكَ) ((ويح)) كلمة ترجُّم
لمن وقع في هَلَكة لا يستحقها، وقيل: ((ويح)) بابُ رحمة، و(( ويل)) باب
هَلَكَة، و(( ويس)) استصغار ( يَا أَبَا سُفْيَانَ ) أي : أتعجَّبُ لَكَ مِع عَقْلك ودهائك
وظهورِ حقيقة الإسلام؛ أَن لا تسلم ( أَلَمْ يَأْنِ )؛ من (( أَنَى يَأَني))؛ أي : جاء
أناه، أي : ألم يقرب الوقتُ (لَكَ أَنْ تَعْلَمَ ) علما يقيناً ( أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ))؟!)
أي : توخِّد الله ، وتُصدِّقَ به فتسلم إسلاماً صحيحاً .
( فَقَالَ ) أي أبو سفيان (: بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمِّيْ) أي: أفديك بهما ( مَا أَحْلَمَكَ! )
صيغة تعجّب؛ من الحلم !! وكذا ما بعده صيغُ تعجب ( وَأَوْصَلَكَ ) لرحمك !
( وَأَكْرَمَكَ !! ) أي: ما أكثر كَرَمك على من أساءَ إليك؛ وخالَف عليك، إذ
خاطبتني بلطف مع ما قاسَيْتَه مِنِّي ، ثم أجابه مصدِّقاً ؛ فقال : لقد ظننتُ أن ◌َّوكان
مع الله إله غيره ؛ لقد أغنى شيئاً بعد !!.
٥٠٥

وَقَالَ أَلِإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي ((اٌلْتَّهْذِيبِ)): ( قَدْ جَمَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَىْ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَالَ الأَخْلاَقِ ، وَمَحَاسِنَ الشِّيَمِ ،
وَآتَاهُ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَمَا فِيهِ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ؛ وَهُوَ أَمِّيٌّ لاَ
يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ ، وَلاَ مُعَلِّمَ لَهُ مِنَ الْبَشَرِ ، وَآتَاهُ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ
أُلْعَالَمِينَ، وَأَخْتَارَهُ عَلَى جَمِيعِ
فقال له رسول الله وَله: ((وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ؛ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي
رَسُولُ اللهِ؟!)). فقال: بأبي أنتَ وأمِّي؛ أَمَّا هُذه ففي النَّس منها شيءٌ !! فقال له
العبَّاسُ: ويحك؛ أسلمْ وأشهد أن لاَّ إله إلا الله، وأَنَّ محمداً رسول الله قبل أن
يُضْرَب عنقُك . فشهد شهادة الحق وأسلم . والحديث مذكور بتمامه في السير ،
وأمرُ أبي سفيان رضي الله عنه مشهورٌ .
(وَقَالَ ) الحافظُ الحُجَّة ( الإِمَامُ) وليُّ الله تعالى شيخُ الإسلام أبو زكريا
يحيى بن شرف محيي الدين ( أُلنَّوَوِيُّ ) تغمَّده الله برحمته ورضوانه . آمين
(فِي ) كتاب ( ((التَّهْذِيْبِ)))؛ أي: ((تهذيب الأسماء واللغات)) الَّذي
لا يستغني عنه طالبُ علم (: قَدْ جَمَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ لَهُ بَِّ كَمَالَ الأَخْلاَقِ )
أي: الأخلاق الكاملة المتفرِّقةَ في الناس، جمع الله تعالى لنبيه وَّ منها كمالَها
وأعلاها، ( وَمَحَاسِنَ الشِّيَم ) - بالشين المعجمة والمثناة التحتية ؛ جمع شيمة ،
كسِذْرة وسِدَر - وهي : الغريزة والطبيعة والجِلَّة التي خُلق الإنسان عليها ؛ أي
علَّمه الله تعالى جميعَ محاسن الأخلاق والطرق الحميدة ، وجَمَع له السيرة الفاضلة
والسياسة التامَّة .
( وَآتَاهُ) أي: أعطاه ( عِلْمَ الأَوَّلِيْنَ وَالآخِرِيْنَ، وَمَا فِيْهِ النَّجَاةُ وَأَلْفَوْزُ ) في
الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا ، ( وَهُوَ أُمِّيٌّ ) منسوب إلى بطن الأم ؛
( لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ، وَلاَ مُعَلِّمَ لَهُ مِنَ الْبَشَرِ !! ) ؛ نشأ في بلاد الجهل والصحاري
يتيماً لا أبَ له ولا أُمَّ .
( وَآتَاهُ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِيْنَ، وَأَخْتَارَهُ) أي : اصطفاه ( عَلَىْ جَمِيْعِ
٥٠٦

اُلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ، وَأَعْطَاهُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ كُلُّهَا؛ فَأَبَى أَنْ
يَأْخُذَهَا، وَأَخْتَارَ الْآخِرَةَ عَلَيْهَا، وَكَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]) أَنْتُهَى.
الأَوَّلِيْنَ وَالْآخِرِيْنَ ، وَأَعْطَاهُ مَفَاتِيْحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ كُلِّهَا ) حقيقة، ( فَأَبَى أَنْ
يَأْخُذَهَا ) ، ولو أخذها لصرفها في مرضاة الله تعالى .
( وَ) لكنه ( أَخْتَارَ الآخِرَةَ عَلَيْهَا ) لتَأْسِيَ به أَمَّتُه في الهرب من الدنيا والتقلُّل
منها .
( وَكَانَ) في أخلاقه ( كَمَا وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى) في كتابه في سورة التوبة ( ﴿لَقَدْ
جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾) - بضم الفاء ؛ أي : منكم، وقرىء ﴿ مِنْ
أَنْفَسِكُم﴾(١) - بفتح الفاء ؛ من النفاسة ، أي من أشرفكم - (﴿عَزِيزُ﴾) - أي:
شديد - (﴿عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ﴾) - أي: عنتكم أي: مشقَّتكم ولقاؤكم المكروه -
(﴿ حَرِيصُ عَلَيْكُم﴾) - أن تهتدوا - (﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ ﴾) - شديد
الرحمة (﴿ رَّحِيمٌ﴾) يريد لهم الخير ( أُنْتَهَى) أي كلام الإمام النووي رحمه الله
تعالى .
(١) هي قراءة شاذة .
٥٠٧

الْفَصْلُ الثَّانِي
فِي صِفَةٍ عِشْرَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ نِسَائِهِ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَلاَ بِنِسَائِهِ .. أَلْيَنَ
النَّاسِ ، وَأَكْرَمَ النَّاسِ ، ضَخَاكاً بَشَّاماً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ .
( الفَصْلُ الثَّانِي ) ،
من الباب الخامس
( فِي ) بيان ما ورد في
(صِفَّةٍ عِشْرَتِهِ وَِّ مَعَ نِسَائِهِ )
أي : أزواجه (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ) ، وقد كان حَسَن العشرة معهُنَّ .
أخرج ابن سعد في ((طبقاته))، وابن عساكر في (( تاريخه))، وقال العزيزي :
إنه حديث حسن لغيره ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تعالى عنها قالت :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ إِذَاَ خَلاَ بِنِسَائِهِ أَلْيَنَ النَّاسِ، وَأَكْرَمَ النَّاسِ ) في القول
والخلق، ( ضَخَّاكاً بَشَاماً) أي: كثير التبُم، وهو تفسيرٌ لضَخَاك ، فيستحبُّ للزوج
فعلُ ذلك مع زوجته ؛ اقتداءً به ◌ِّه، إذ كان يلاطفُهُنَّ ويتنزل معهنَّ، حتَّى إِنَّه سابَقَ
عائشة رضي الله تعالى عنها يوماً فسبقته؛ كما رواه الترمذي في ((العلل)) عنها .
قال ابن القيِّم : وكان مِن تلطُفه بهنَّ أنَّه إذا دخل عليهنَّ بالليل سلَّم تسليماً
لا يوقظ النائم ، ويُسمِع اليقظان ؛ ذكره مسلم .
( وَ) أخرج ابن عساكر في ((تاريخه))، والحسنُ بن سفيان في ((مسنده))،
والطبرانيُّ ، والبزَّارُ : كلُّهم ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسولُ الله (وَ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ) زاد الطبراني : مع صبي . وزاد
البزَّار : مع نسائه .
٥٠٨

قَالَ الْمُنَاوِيُّ: (أَيْ: مِنْ أَمْزَحِهِمْ إِذَا خَلاَ بِنَحْوٍ أَهْلِهِ ) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةِ نِسَاءَهُ حَدِيثاً ، فَقَالَتِ أَمْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : كَأَنَّ
اُلْحَدِيثَ حَدِيثُ خُرَافَةً .
٠
( قَالَ المُنَاوِيُّ) في (( فيض القدير؛ شرح الجامع الصغير)) : ( أَيْ : مِنْ
أَمْزَحِهِمْ إِذا خَلاَ بِنَحْوِ أَهْلِهِ ) . والفكاهة : المزاحة ، ورجل فَكِهٌ ؛ ذكره
الزمخشري .
وفي حديث عائشةَ رضي الله تعالى عنها : إِنِّي لطَّختُ وجهَ سودة بخزيرة .
ولطَّخت سودةُ وجهَ عائشة؛ فجعل يضحك . رواه الزُّبير بن بكّار في (( كتاب
الفكاهة)) ، وأبو يعلى بإسناده . قال الحافظ العراقيُّ: جيِّد .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) (عَنْ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛
قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ساعاتٍ ذات ليلة، فـ(( ذات))
صفةُ موصوفٍ محذوف . أو لفظ (( ذات)) مقحمٌ ، فهو مزيد للتأكيد ( نِسَاءَهُ ) أي :
أزواجه ( حَدِيْئاً) أي : كلاماً عجيباً ، أو تحديثاً غريباً ، فالمراد على الأوّل
ما يُتَحدَّثُ به ، وعلى الثاني المصدر .
( فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ؛ كَأَنَّ) - بتشديد النون - هذا ( الحَدِيْثَ حَدِيْثُ خُرَافَةً !! )
- بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الراء - ولا تدخله ((أل)) لأنَّه معرفةٌ؛ لكونه عَلَماً على
رَجُل ، نعم إنْ أُريد به الخرافاتُ الموضوعة من حديث الليل عُرِّف .
ولم تُرِد المرأةُ ما يراد من هذا اللفظ ؛ وهو الكذب المستملح ، لأنها عالمةٌ بأنَّه
لا يجري على لسانه إلاَّ الصدق . وإنَّما أرادت التشبيه في الاستملاح فقط، لأن
حديثَ خرافة يراد به الموصوفُ بصفتين : الكذب ، والاستملاح . فالتشبيهُ في
إحداهما؛ لا في كلتيهما. انتهى ((باجوري)). ولكنَّهَ وَّ لَمَّا علم أَنَّ كلاً منهما
مُوهِمٌ ؛ وقالت تلك المرأة ما قالت بيَّن المراد ؛
٥٠٩

فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةُ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلاً مِنْ عُذْرَةَ ، أَسَرَتْهُ
الْجُِّ
( فَقَالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةُ ؟! ))) خاطبهُنَّ خطابَ الذكور تعظيماً لشأنهِنَّ ،
فكَأَنَّهنَّ قلن : لا ندري ، فقال :
( ((إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلاً مِنْ عُذْرَةَ) - بضمِّ العين المهملة وسكون الذال
المعجمة -: قبيلة من اليمن ( أَسَرَتْهُ ) أي : اختطفته ( الجِنُّ ) .
قال العلاَّمة الشيخ ابن حجر الهيتمي في ((التحفة شرح المنهاج )): الجنُّ أجسامٌ
هوائيَّةٌ ؛ أو نارية أي : يغلبُ عليها ذلك ، فهم مركَّبون من العناصرِ الأربعة
كالملائكة ؛ على قول ، وقيل : أرواحٌ مجرَّدة . وقيل : نفوس بشريّة مفارقة عن
أبدانها ، وعلى كلِّ فلهم عقولٌ وفهم ، ويقدرون على التشكِّل بأشكال مختلفة ،
وعلى الأعمال الشاقَّة في أسرع زمن .
وصحَّ خبر أَنَّهم ثلاثة أصناف : ذوو أجنحة يطيرون بها ، وحيَّات ، وآخرون
يَحِلُون ويَظْعَنُون .
ونُوزع في قُدْرتهم على التشكل باستلزامه رفعَ الثَّقة بشيءٍ !! فإنَّ مَن رأى ؛ ولو
ولده ؛ يحتمل أنَّه جِنِّيٌّ تشكَّلَ به .
وَيُرَدُّ : بأنَّ الله تكفَّل لهذه الأمَّة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤذِي لمثل ذلك
المترتب عليه الرِّيبةُ في الدين ، ورفع الثقة بعالم وغيره ، فاستحال شرعاً الاستلزام
المذكور .
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ومَن زعم أَنَّه رآهم رُدَّت شهادتُه وعُزِّر،
لمخالفته القرآن .
وكأنّ المصنّف أخذ منه قولَه (( مَنْ منع التفضيل بين الأنبياء عُزِّر ، لمخالفته
القرآن)) !! وحَمَل بعضُهم كلامَ الشافعي على زاعم رؤيةِ صُوَرهم الَّتي خُلِقُوا
عليها .
٥١٠

ولمَّا عرَّفَ البيضاويُّ الجنَّ في تفسير ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾ [١/ الجزا بنحو ما مرَّ؛ قال:
وفيه دليلٌ على أنَّهَ بِّهِ ما رآهم، ولم يقرأ عليهم !! وإنَّما اتفق حضورهم في بعض
أوقات قراءته ؛ فسمعوها ، فأخبره الله تعالى بذلك . انتهى .
وكأنَّه لم يطلَّع على الأحاديث الصحيحة الكثيرةِ؛ المصرِّحة برؤيته وَّ لهم،
وقراءته عليهم ، وسؤالهم منه الزادَ لهم ولدوابِّهم على كيفيَّات مختلفةٍ !!
ولا يسقط عنا ما كُلِّفنا به من نحو إقامة الجمعة ؛ أو فروض الكفايات
بفعلهم!؟ لما مرَّ أنَّهم - وإن أُرسل إليهم ◌َِّ وكُلِّفوا بشرعه إجماعاً ضرورياً؛ فِيَكْفُر
منكره - لهم تكاليف اختُصُّوا بها ؛ لا نعلم تفاصيلها .
ولا ينافي هذا إجراءُ غيرٍ واحد عليهم بعض الأحكام ؛ كانعقاد الجمعة بهم
معنا ، وصحَّة إمامتهم لنا .
والجمهور على أنَّ مؤمنيهم يثابون ويدخلون الجنة .
وقولُ أبي حنيفة واللَّيث ((لا يدخلونها ، وثوابهم النجاة من النار)) !! بالغوا في
رَدِّه ، على أَنَّه نُقُل عن أبي حنيفة أَنَّه أخذ دخولَهم من قوله تعالى ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسُ
﴾ [الرحمن] انتهى كلام ((التحفة)).
قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ
وفي كتاب (( شفاء الأسقام فيما يتعلق بالجنِّ من الأحكام)) للشيخ العلامة
المحقّق الفهَّامة : محمد بن عمر الحشيبري المتوفى سنة : إحدى وخمسين وألف
هجرية رحمه الله تعالى :
الجنُّ والشياطينُ جنسٌ واحد ، أبوهم إبليس ؛ وهم ذريته ، فالجنُّ المؤمنون
والشياطينُ الكافرون. قال تعالى حكاية عنهم ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ - وهم الجن - وَمِنَّا
اُلْقَسِطُونَ﴾ الكافرون الجائرون؛ وهم الشياطين ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَزَّوْا - قصدوا -
رَشَدًا
﴿﴾. وأما القاسطون الجائرون بالكفر ﴿ وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ
خَطَبَا ﴾ [الجن] .
٥١١

وسُمُّوا جِنّاً !! لاستتارهم عن أعين الناس غالباً، وسُمُّوا ((شياطيناً)) !!
لبُعدهم عن رحمة الله تعالى ، ومنه بِثْرٌ شَطُون ؛ إذا كانت بعيدةَ العمق .
وسُمِّي إبليس !! لأنَّه أُبلس من رحمة الله عزَّ وجلَّ ، أي : يئس ، والمبلس :
الكئيب الحزين الآيس؛ كما في (( التهذيب)) للنووي . وفيهم أهل السُّنَّة ،
والمبتدعة ؛ حتَّى الشيعة والرافضة ، والمرجئة والقدرية . وغير ذلك على مذاهب
الإِنس الذي يسكنون معهم في بلادهم ، ولهم ملوكٌ كبار ، وأسماء ملوك يخضعون
لها ، ويطيعون للإقسام عليهم بها ، وقد يخضعون لأسماء من أسماء الله تعالى
القاهرة، ويُستَخْدَمون بها مُسَخَّرين ، ولذلك صفاتٌ وهيئات معروفة عند المُعَزِّمين
الذين يفتتنون بذلك ، وقد يصيبُهم منهم مصائب ؛ نسأل الله العافية ، ولهم سُلْطة
على بعض المسلمين ، ويتولَّجُون في باطن الحيوانات ، وينفذون من منافذِها
الضيقة ؛ نفوذ الهوى المستنشق .
وفي الحديث الصحيح في البخاري ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن أَبْنِ آدَمَ مَجْرَى
الدَّم )». قال الشُّرَّاحُ أي: يدخل فيه. لما تقرَّر أَنَّه جسمٌ لطيف، وحَمْلُ الحديث
على الحقيقة ؛ أخذاً بظاهره أَوْلىُ مِنْ حمله على المجاز ؛ وهو الوسوسة . انتهى .
ومِن لازمِ دخولهم في الإنس المَرَضُ والصَّرَعُ ، وتشويه الخِلقة لبعض
المسلمين ، ولغة الجنِّ كلٌّ منهم على لغة مَن يسكنونَ بلده ، ومذاهبُهم على مذاهب
الإنس الذين يسكنون بلدهم ، ولهم الأعمار الطويلة ؛ فلا يموتون إلاَّ بالصعقة ،
فإنهم كأبيهم إبليس من المُنْظَرين . وقيل : إن المسلم منهم يموتُ قبل الصعقة ؛
والكافر منهم لا يموت إلا بموت إبليس .
قال العلامة شيخُ الإسلام محمد بن أبي بكر الأشخر رحمه الله تعالى :
الجزُّ مكلَّفون ، لا على حدٍّ تكليفنا وتفصيله ، فمِن ثَمَّ يجبُ الحجُّ على مَن
أمكنه الطيرانُ منهم ، بخلاف من أمكنه ذلك خرقَ عادةٍ من الأنس ، فعلى هذا يُسجَدُ
لتلاوته ، ويقتدى به ، وتحصُل فضيلةُ الصفِّ ، ويَتمُّ به عدد الجمعة ، ويكفي
٥١٢

فِي الْجَاهِلِيَّةِ ،
تجهيزُ ميتنا ، ويُقبَل خبره وشهادته ؛ ولو في النكاح ، على خلافٍ في جميع ذلك .
نعم ؛ الأصحُّ من وجهين حرمةُ مناكحتهم .
والرضاع مبنيٌّ على ذلك ؛ فإن حرَّمنا المناكحة لم يُحَرِّم ، وإن جوَّزناها حَرَّم ،
وهو أحد احتمالين للبلقيني رحمه الله تعالى في (( تدريبه )) انتهى .
ولو أولج جنيٌّ ذَكَرَه في إنسية ؛ أو أنسيٍّ في جِنَِّّة أجنبَ المولج والمولَج فيه .
وفرض ذلك أن يتحقَّق ما ذكر ، إذ لا جنابةَ مع الشكِّ . انتهى .
والجنُّ مكلَّفون بالإيمان بالله تعالى ، وترك الإشراك به ؛ من ابتداء خلقهم ،
لا مثل الإنس بعدَ البلوغ .
وأمَّا التزام أحكام الشرائع !! فالذي أُرسل إليهم عموماً هو نبيّنا محمد وَّر ،
فهم مكلَّفون بالتزام شريعته وَّر. قال مقاتل رحمه الله تعالى: لم يبعث نبيٌّ قبل نبينا
إلى الإنس والجنِّ جميعاً، فعلى هذا لا يلزمهم اتباع شريعةٍ نَبِيٍّ قبلَه ، وإنما يلزمهم
التوحيد ، وتركُ الإشراك بالله تعالى .
والصحيح : أنَّ الرسل من الإنس إلى الإنس ، وفي زمن كلِّ رسول كانت النُّذر
من الجن تسمَعُ كلام الرُّسُل وتبلِّغُه قومَها ؛ منذرين لهم ، فيعملون بما يسمعون .
وليس للجنِّ رُسُل منهم يوحَى إليهم ، وإنَّما يعملون بما أَنذرهم قومُهم بما
يسمعون من رسل الإنس . انتهى. ملخصاً من (( شفاء الأسقام فيما يتعلق بالجنِّ من
الأحكام )) تأليف الشيخ العلامة المحقق محمد بن عمر الحشيبري رحمه الله تعالى .
فائدة: الجنُّ على مراتب، فالأصل ((جنِّيٍّ))، فإن خالط الإنسان قيل ((عامر))
ومَن تعرَّض منهم للصبيان قيل ((أرواح))، ومن زاد في الخبث قيل (( شيطان))،
فإن زاد على ذلك قيل ((مارد))، فإنْ زادَ على ذلك قيل ((عفريت)). انتهى كذا
وجدتُ معزوًّا لكتاب (( توشیح )) السيوطي رحمه الله .
( فِي) أيَّام ( الجَاهِلِيَّةِ) هي: الحالةُ الَّتي كانت عليها العرب قبل بعثته وَ لِّ من
٥١٣

فَمَكَثَ فِيهِمْ دَهْراً ، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الإِنْسِ ، فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى
مِنَ الأَعَاجِيبِ ، فَقَالَ النَّاسُ : (حَدِيثُ خُرَافَةَ))).
الجهل بالله تعالى ورسوله وشرائع الإسلام ، وكان اختطافُ الجنِّ للإنس كثيراً إذ
ذاك .
( فَمَكُثَ ) - بضمِّ الكاف وفتحها - أي: لبث ( فِيْهِمْ) أي : معهم ( دَهْراً )
أي : زمناً طويلاً ( ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الإِنْسِ ) - بكسر الهمزة وسكون النون - أي :
البشر ، الواحدُ إنسيٍّ، والجمع : أناسيّ وأَنَاسِيَة ؛ كصَيَارِفَة .
( فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَىْ مِنَ الأَعاجِيْبِ ) ؛ جمع : أعجوبة ، أي الأشياء
التي يُتَعجَّب منها .
والتعجُّب : انفعال النفس لزيادة وصف في المتعجّب منه. إمَّا لاستحسانه
والرِّضا عنه، وإمَّا لذَمِّه وإنكاره ، فهو على وجهين: الأول : فيما يحمده الفاعل .
والثاني : في ما يكرهه . انتهى « باجوري )) .
فكان خرافةُ يخبر الناس بما رأى ؛ فيكذّبُونه فيما أخبرهم به ، مع أن الرجل كان
صادقاً ؛ لا كاذباً .
( فَقَالَ النَّاسُ : حَدِيْثُ خَرَافَةً))) أي : قالوا ذلك فيما سمعوه من الأحاديث
العجيبة والحكايات الغريبة ؛ الَّتي يستملِحُونها ويكذِّبُونها ؛ لبعدها عن الوقوع .
وغرضه ◌َّهُ من مسامرةِ نسائه تفريحُ قلوبِهِنَّ، وحسنُ العشرة معهن ، فيسنُ
ذلك ، لأنه من باب حُسْن المعاشرة ، وفي الحثِّ عليه أَحاديثُ كثيرة مشهورة .
والنهيُّ الواردُ عن الكلام بعد العشاءِ !! محمولٌ على ما لا يعني من الكلام
الدُّنيويِّ .
قال في ((المنهاج )): ويكره النومُ قبلها والحديثُ بعدَها؛ إلاَّ في خير .
انتهى .
٥١٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يُقَبِّلُ عُرْفَ أَبْتَتِهِ فَاطِمَةَ
الزَّهْرَاءِ ، وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يُقَبِّلُهَا فِي فَمِهَا أَيْضاً .
وَ( أَلْعُرْفُ ): أَعْلَىُ الرَّأْسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الرَّقَبَةِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ،
وَكَانَ حَسَنَ الْمُعَاشَرَةِ .
وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ : كُنْتُ إِذَا هَوِيتُ
( وَ) أخرج ابن عساكر في ((تاريخه)) - وهو حديثٌ ضعيف؛ كما في
العزيزي - عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ( كَانَ بِّرَ كَثِيْراً مَا يُقَبِّلُ عُرْفَ ) - بضم
العين وإسكان الراء - ( أَبْنَتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ) أي : أعلى رأسها ؛ قاله المناوي
( وَكَانَ وَِّ كَثِيْراً ما يَقَبِّلُهَا فِي فَمِهَا أَيْضاً) . زاد أبو داود بسند ضعيف :
ويمصُّ لسانَها .
( وَأَلْعُرْفُ) - بالضمِّ - ( أَعْلَىُ الرَّأْسِ ) مأخوذٌ من عُرف الدِّيك؛ وهو : اللحمة
المستطيلة في أَعلى رأسه. انتهى. (وَيُطْلَقُ) أي: العرف (عَلَىْ الرَّقَبَةِ ).
قال في العزيزي : قال الشيخُ: العرف - بالمهملة والفاء -: الرقبة ؛ أخذاً من
مَعْرَفة الفرس ؛ أي : منبت شعره من رقبته . انتهى .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للعارف الشعراني: (كَانَ بََّ مَعَ أَصْحَابِهِ ) كواحد
منهم ؛ لا يتميَّزُ عنهم بشيءٍ ، لمزيد تواضعه وحسن عشرته .
( وَ) كان مع (أَزْوَاجِهِ ) ؛ جمع : زوج ، أي امرأة ، لأن اللغة الفصحى:
((زوج)) - بلا هاء، وبها جاء القرآن في نحو ﴿وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [١٩/ الأعراف] حتَّى بالَغَ
الأصمعيُّ ؛ فقال: لا تكاد العرب تقول ((زوجه )) بالهاء .
وقوله ( كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ) فيه تغليبُ الذكور ، ( وَكَانَ حَسَنَ المُعَاشَرَةِ ) مع
أصحابه وأزواجه ، وأهلٍ بيته وسائر النّاس على اختلاف طبقاتهم .
( وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ تَقُوْلُ: كُنْتُ إِذَا هَوِيْتُ ) أي : أردت
٥١٥

شَيْئاً .. تَابَعَنِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ . وَكُنْتُ إِذَا شَرِبْتُ مِنَ الإِنَاءِ ..
أَخَذَهُ فَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى مَوْضِعٍ فَمِي وَشَرِبَ ، وَكَانَ يَنْهَشُ فَضْلَتِي مِنَ اللَّحْمِ
الَّذِي عَلَى الْعَظْمِ ، وَكَانَ يَنَّكِىءُ فِي حِجْرِي وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
وَحَدَّثَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ أُمِّ زَرْع؛ وَهُوَ : أَنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ أمْرَأَةً تَعَاهَدْنَ
وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لاَ يَكْتُمْنَ مِنَّ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئاً ،
( شَيْئاً تَابَعَنِيْ) أي: وافقني (َِّ عَلَيْهِ ) إشارة إلى مزيد حُبِّه لها .
( وَكُنْتُ إِذَا شَرِبْتُ مِنَ الإِنَاءِ أَخَذَهُ؛ فَوَضَعَ ثَمَهُ عَلَىْ مَوْضِعِ فَمِيْ وَشَرِبَ ) .
رواه مسلم من حديثها .
( وَكَانَ يَنْهَشرُ فَضْلَتِيْ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي عَلَى العَظْمِ ) رواه مسلم أيضاً من حديثها
بلفظ : وإذا تعرَّقتُ عَزْقاً أخذه فوضعَ فمه على موضع فَمِي .
( وكَانَ يَتَّكِىْءُ فِي حِجْرِيْ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) رواه الشيخان ؛ من حديثها .
( وَحَدَّثَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا؛ رَسُوْلَ اللهِ نَّهِ بِحَدِيْثٍ أُمِّ زَرْعٍ) ؛ كما
رواه الشيخان، والترمذيُّ في ((الشمائل))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها .
وَأْمُ زرع هي واحدةٌ من النساء اللَّتي ذكرهن بقوله :
(وَهُوَ: أَنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ) - بسكون الشين - (أمْرَأَةً) ؛ قيل : كلُّهن من بعض
قرى اليمن ، أو قرى مكَّة ، ولم يعرف منهن سوى أسماء ثمانية سَرَدَها الخطيبُ
البغدادي في كتاب (( المبهمات))؛ وقال: إنَّه لا يَعرف أحدٌ أسماءًهن إلاَّ من تلك
الطريق ، وإنَّه غريب جدّاً .
( تَعَاهَدْنَ )؛ أي أَلزمْنَ أنفسَهُنَّ عهداً، ( وَتَعَاقَدْنَ) عطفُ تفسير ( أَنْ
لاَ يَكْتُمْنَ ) أي : لا يخفين ( مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئاً) ؛ سواء كان مدحاً ، أو
ذَمَّاً ، بل يُظهرن ذلك ويَصْدُقن .
٥١٦

فَوَصَفَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ زَوْجَهَا ،
( فَوَصَفَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ زَوْجَهَا ) ؛
فقالت الأولى : زوجي لحم جَمَلٍ غثٌّ . على رأس جبل وعر؛ لا سهلٌ
فيرتقى ، ولا سمينٌ فينتقل .
قالت الثانية : زوجي لا أُثير خبره، إنِّي أخاف أن لا أذره ؛ إن أَذكرْهُ أُذكرْ
عُجَرَهُ وبُجَره .
قالت الثالثة : زوجي العَشَنَّقُ ؛ إن أنطِقْ أُطلَّق ، وإن أسكت أُعلق .
قالت الرابعة : زوجي كَلَيْل تهامة ؛ لا حرٌّ ولا قر ، ولا مخافَةً ولا سآمة .
قالت الخامسة : زوجي إنْ دخل فَهِد ، وإن خرج أسد ، ولا يَسأَل عما عَهِد .
قالت السادسة : زوجي إن أكل لَفّ ، وإن شرب اشتَفّ ، وإن اضطجع التفّ ،
ولا يُولِج الكفَّ ليعلم البَثَّ .
قالت السابعة : زوجي عياياء ، أو غياياء طلبقاء ، كلُّ داء له داءُ ؛ شَجَّكِ ، أو
فَلَّكِ ، أو جمع كُلاَّ لَكِ !!.
قالت الثامنة : زوجي المسنُّ مَسُّ أرنب ، والريحُ ريحُ زرنب .
قالت التاسعة : زوجي رفيعُ العماد ، طويلُ النِّجاد ، عظيم الرماد ، قريب
البيت من النّاد .
قالت العاشرة : زوجي مالك ، وما مالك !! مالك خيرٌ من ذلك، له إبل
كثيراتُ المبارك ؛ قليلات المسارح ، إذا سمعنَ صوت المزهر . أيقَنَّ أنهُنَّ
هَوالك .
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع ... وما أبو زرع !! أَنَاس مِنْ حُلِيٍّ
أُذُنِي ، وملأ من شَخْمٍ عَضُدي ، وبَجَحني فبجَحَتْ إليَّ نفسي ، وجدني في أهل
غُنَيَمة بشَقِّ ؛ فجعلني في أهل صهيل وأَطِيط ودائس ومنق ، فعنده أقول فلا أُقَتَّح
٥١٧

فَكَانَتْ أَحْسَنَهُنَّ وَصْفاً لِزَوْجِهَا وَأَكْثَرَهُنَّ تَعدَاداً لِنِعَمِهِ عَلَيْهَا: زَوْجَةُ
أَبِي زَرْعِ .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ » .
وأرقدُ فأتصبحُ ، وأشربُ فأتقَمَّح :
أُ أبي زرع ؛ فما أمُّ أبي زرع !! عكومها رداح ، وبيتها فساح .
ابنُ أبي زرع ؛ فما ابن أبي زرع !! مضجعه كمَسَلِّ شَطْبَةٍ ، ويُشبعه ذراع الجَفْرة .
بنتُ أبي زرع ؛ فما بنت أبي زرع !! طوع أبيها وطوع أمها ، وملء كسائها
وغيظ جارتها .
جارية أبي زرع ؛ فما جارية أبي زرع !! لا تبثُّ حديثنا تبشيئاً ، ولا تنقث ميرتنا
تنقيئاً . ولا تملأ بيتنا تعشيشاً . قالت :
خرج أبو زرع والأوطابُ تُمْخَض فَلَقِي امرأةً معها ولدان لها ؛ كالفهدين ،
يلعبان من تحت خصرها برمانتين ، فطلَّقني ونكحها .
فنكحتُ بعدَه رجلاً سريّاً ؛ ركب شَريّاً ، وأخذ خطياً ، وأراح علي نِعَما ثرياً ،
وأعطاني من كلِّ رائحة زوجاً ، وقال : كلي أُمَّ زرع وميري أهلَك . فلو جمعتُ كلَّ
شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنيةٍ أبي زرع .
( فَكَانَتْ أَحْسَنَهُنَّ وَصْفاً لِزَوْجِهَا، وَأَكْثَرَهُنَّ تَعْدَاداً لِنِعَمِهِ عَلَيْهَا : زَوْجَةُ
أَبِي زَرْعٍ) التي يضاف إليها الحديث ؛ فيقال ((حديث أم زرع)).
وإنَّما أُضيف إليها !! لأَنَّ معظم الكلام وغاية المرام فيه إنَّما هو بالنسبة إلى
ما يتعلَّق بها ويترتَّب عليها، ولذلك (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ فَقَالَ )
- وفي بعض نسخ (( الشمائل)) : قال عروةُ : قالت عائشة: فلما فرغتُ من ذكر
حديثهِنَّ؛ قال - ( لِيْ رَسُوْلُ اللهِ ◌َّهِ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ))) في الألفة
والوفاء ؛ لا في الفُرقة والجَفاء .
٥١٨

فالتشبيهُ ليس من كلِّ وجه؛ كما يفيد ذلك قولُه ((لَكِ)) ولم يقل ((وعليك)) !!
فإنَّه يفيد أَنَّه لها كأبي زرع لأُمِّ زرع في النفع ؛ لا في الضُرِّ الَّذي حصل بطلاقها .
ويؤخذ من الحديث ندبُ حسن العشرة مع الأهل ، وحِلُّ السَّمَر في خير ؛
كملاطفة حليلته ، وإيناس ضيفه وجوازٍ ذكر المجهول عند المتكلُّم والسَّامع بما
يكره ، فإنَّه ليس غيبة .
غاية الأمر : أن عائشةَ رضي الله تعالى عنها ذكرت نساءً مجهولاتٍ ، وذَكَر
بعضُهن عيوبَ أزواجهن المجهولين الذين لا يُعْرَفون بأعيانهم ؛ ولا بأسمائهم ،
ومثل هذا لا يعدُّ غيبة ، على أنَّهم كانوا من أهل الجاهليّة ؛ وهم ملحقون بالحربيِّين
في عدم احترامهم .
وفي الحديث فوائدُ كثيرة . وقد أفرده بالتصنيف أئمّةٌ ؛ منهم القاضي عياض ،
والإمام الرافعي في مؤلف جليل جامع ، وساقه بتمامه في (( تاريخ قزوين)) !.
قال الحافظ ابن حجر: المرفوع من حديث أبي زرع في «الصحيحين)) (( كُنْتُ
لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ » ، وباقيه من قول عائشة رضي الله تعالى عنها .
وجاء خارج ((الصحيحين)) مرفوعاً كلُّه من رواية عبّاد بن منصور عند النسائي ،
وساقه بسياقٍ لا يَقبل التأويل؛ ولفظه: قالت: قال لي رسولُ الله ◌ِوَّةِ: «كُنْتُ لَكِ
كَأَبِي زَرْعِ لِأُمِّ زَرْعٍ )) قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : بأبي أنتَ وأمِّي ، يا رسول
الله مَنْ كَانَ أبو زرعٍ!؟ قال: (( اجْتَمَعَ .... )) فساق الحديث كلَّه .
وكذا جاءَ مرفوعاً عند الزُّبير بن بكَّار، وجاء في بعض طُرُقه الصحيحة :
ثمَّ أَنشأ رسول الله وَّهِ يُحدِّثُ بحديث أمِّ زرع، ويقوِّي رفعَه جميعَه أنَّ التشبيه
المثَّفق على رفعه يقتضي أن يكون النبي ◌َّرَ سَمِعَ القصَّة وعَرَفها فأقرَّها ، فيكون
مرفوعاً كلُّه؛ من هذه الحيثية. انتهى ؛ نَقَله في ((جمع الوسائل)) العلاَّمة الملاعلي
قاري رحمه الله تعالى .
٥١٩

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَرِّبُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
بَنَاتِ الأَنْصَارِ يَلْعَبْنَ مَعَهَا .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيِهَا الْحَبَشَةَ؛ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي
اُلْمَسْجِدِ ، وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ عَلَى مَنْكِبِهِ .
وَرُوِيَ : أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَهَا، فَسَبَقَتْهُ، ثُمَّ سَابَقَهَا
بَعْدَ ذَلِكَ، فَسَبَقَهَا وَقَالَ: ((هَذِهِ بِتِلْكَ)).
( وَ) روى الشيخان: (كَانَ) رسولُ الله (ِ يُسَرِّبُ)؛ من التسريب
- بالمهملة - وهو: الإرسال، والتسريح أي: يرسل (إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا بَنَاتِ الأَنْصَارِ ) واحدةً بعد أخرى ( يَلْعَبْنَ مَعَهَا ) ، لأنَّها كانت صغيرة .
( وَكَانَ بِّهِ يُرِيْهَا الحَبَشَةَ؛ وَهُمْ يَلْعَبُوْنَ ) بحِرَابهم للتدريب على مواقع الحرب
والاستعداد ، ولذا جاز ( فِي المَسْجِدِ ) لأنه من منافع الدين ، ( وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ عَلَى
مَنْكِبِهِ ) ، ولعله أراها لعبهم لتضبطه وتعلَمه فتنقُلَه للناس بَعْدُ .
وهذا رواه البخاري؛ من حديثها، ورواه الترمذي بلفظٍ: قامَ بَّ فإذا حبشةٌ
تزفن والصبيانُ حولَها، فقال: ((يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِيْ ». فجئتُ فوضعت لحيي
على منكب رسول الله وَّر ؛ فجعلتُ أَنْظرُ إليها ما بين المَنكب إلى رأسه ؛ فقال
لي: ((أَمَا شَبِعْتِ .. أَمَا شَبِعْتِ !! )) فجعلتُ أقولُ: لا .. لا. وقال الترمذي:
حديثٌ حسن صحيح غريب .
ولعل رؤيتها للحبشة كان قبل الحجاب !! وقيل : إنَّها كانت تنظرُ إلى لعبهم ؛
لا إلى أجسامهم . وفيه ما فيه !!.
( وَرُوِيَ أَنَّهُ بَّهِ سَابَقَهَا) في سفر ( فَسَبَقَتْهُ) ؛ لِخفَّة جسمها بقلَّة اللَّحم .
( ثُمَّ سَابَقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ) في سفر آخر ؛ وقد سَمِنَت ( فَسَبَقَهَا، وَقَالَ ) مطيّباً
لخاطرها (: ((هَذِهِ بِتِلْكَ))) السَّبْقة. رواه أبو داود بلفظ: سابقْتُهُ في سفر فسبقتُه
علىْ رِجلي، فلما حَمَلتُ اللَّحم سابقته فسبقني. قال: ((هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ)).
٥٢٠