النص المفهرس

صفحات 481-500

فَإِذَا سَكَتَ .. تَكَلَّمُوا، لاَ يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ
عِنْدَهُ .. أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَقَلِهِمْ ، يَضْحَكُ
مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ
عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ .
وبالجملة فشَّه حالَ جلسائه عند تكلُّمه بحال مَن ينزل على رأسهم الطير في
السكوت والسكون ؛ مهابة له وإجلالاً ، لا لِكْبرٍ ولا لسوء خلق فيه . حاشاه الله من
ذلك .
( فَإِذا سَكَتَ تَكَلَّمُوْا) ، أي : فلا يبتدرونه بالكلام ، ولا يتكلَّمون مع كلامه،
بل لا يتكلمون إلاَّ بعد سكوته. وفي بعض النسخ (( فإذا سكت سَكُتُوا)) أي:
لاقتدائهم به وتخلُّقهم بأخلاقه .
( لاَ يَتَنَازَعُوْنَ عِنْدَهُ الحَدِيْثَ ) ؛ أي : لا يختصمون عنده في الحديث .
( وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوْا لَهُ) أي: استمعوا لكلام المتكلِّم عنده ( حَتَّى يَفْرُغَ)
من كلامه ، فلا يتكلّم عنده اثنان معاً ، ولا يقطع بعضُهم على بعض كلامَه ، لأنَّه
خلافُ الأدب .
( حَدِيْثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيْثُ أَوَّلِهِمْ ) ؛ أي : لا يتحدَّث أوَّلاً إلاَّ مَن جاءَ أوَّلاً ، ثم
مَن بعده ... وهكذا على الترتيب .
( يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُوْنَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُوْنَ مِنْهُ ) ؛ أي : موافقةً لهم
وتأنيساً وجبراً لقلوبهم .
(وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيْبِ عَلَى الجَفْوَةِ) - بفتح الجيم - أي: الغلظة وسوء الأدب ( فِي
مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ ) كما كان يصدرُ من جُفاة الأعراب .
فالصبرُ على أذى النَّاس وجفوتِهم من أعظم أنواع الصبر، فقد وَرَد: ((إنَّ
المُؤْمِنَ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ يَعْتَزِلُهُمْ)) .
٤٨١

حَتَّى أَنْ كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ، وَيَقُولُ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ
يَطْلُبُهَا .. فَأَرْفُدُوهُ)).
وَلاَ يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلاَّ مِنْ مُكَافِىءٍ ،
وقد كان ◌َ له أعلى النَّاس في ذلك مقاماً، فقد أتاه ذو الخُوَيْصِرة التميمي؛
فقال: يا رسول الله؛ - رَله - اِعْدِلْ. فقال: ((وَيْحَكَ؛ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ !!
فَقَدْ خِبْثَ وَخَسِرْتَ إِنْ لمْ أَعْدِلْ)) . فقال عمر : يا رسول الله ؛ ائذن لي أضربْ
عنقه . فقال: ((دَعْهُ)). رواه البيهقيُّ؛ عن أبي سعيد .
والمعنى أنَّه وَّرَ كان يصبرُ للغريب إذا جفاه في مقالِهِ وسؤاله، ( حَتَّى أَنْ)
أي: أنَّه؛ أي: الحال والشأن، ((أنْ)) مخفَّفة من الثقيلة ([ كَانَ أَصْحَابِهُ](١)
لِيَسْتَجْلِبُونَهُمْ) أي: الغرباء إلى مجلسه وَّه ليستفيدوا مِن مسألتهم ما لا يستفيدونه
عند عدم وجودهم ، لأنَّهم يهابون سؤاله ، والغرباء لا يهابونَ ؛ فيسألونَه عما بدا
لهم ، فيجيبهم ويصبرُ على مبالغتهم في السؤال .
( وَيَقُوْلُ)؛ أي: النبي ◌َّ لأصحابه (: ((إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يَطْلُبُهَا
فَأَرْفُدُؤْهُ))) - بوصل الهمزة وضمِّ الفاء، و[ أَرفِدوه ] بقطع الهمزة وكسر الفاء ؛ فإنْ
كان من الرَّفد ؛ وهو العطاء ؛ فالهمزة للوصل ، وإن كان من الإرفاد ؛ بمعنى :
الإعانة !! فمعناه : أعينوه على حاجته وساعدوه حتَّى يصل إليها .
( وَلاَ يَقْبَلُ الثَّنَاءَ) ؛ أي : المدح من أحد ( إِلاَّ) إذا كان ( مِنْ مُكَافِىءٍ)
- بالهمزة - أي: مُجَازٍ على إنعام وقع من النبي وَّل إليه؛ فإذا قال شخصٌ: إنَّه ◌َِه
من أهل الكرم والجود ؛ وليس مثلَه موجود ! فإن كان ذلك واقعاً منه مكافأةً على
إحسانٍ صَدَر من النبيِ نَّهَ إليه قَبَلَ ثناءَهُ عليه، وإلاَّ لم يقبل منه ، بل يُعرض عنه ؛
ولا يلتفت إليه، لأنَّ الله ذَمَّ مَن يُحبُّ أن يُحْمَد بما لم يفعل في قوله تعالى ﴿لَا
تَحْسَبَنَّالَّذِينَ يَفْرَهُونَ بِمَآ أَنَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَالَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [١٨٨/آل عمران] ... الآية .
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من (( وسائل الوصول)).
٤٨٢

وَلاَ يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْىٍ ، أَوْ فِيَامٍ .
وَأَمَّا حِلْمُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْلَمَ النَّاسِ ، وَأَرْغَبَهُمْ فِي الْعَفْوِ مَعَ
الْقُدْرَةِ ، حَتَّى أُنِيَ بِقَلَائِدَ مِنَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ ،
( وَلاَ يَقْطَعُ) وَ (عَلَى أَحَدٍ حَدِيْثَهُ) أي : حديث ذلك الأحد ؛ لا حديث
نفسه وَّر، فالضمير المجرور في ((حديثه)) عائدٌ على ((الأحد)) أي: لا يقطع كلامَ
أحدٍ يتكلّم عنده ؛ بل يستمعُ له حتَّى يفرغَ منه .
( حَتَّى يَجُوْزَ ) - بجيم وزاي - ؛ من المجاوزة ، أي : حتى يتجاوز الحدَّ، أو
الحقّ .
وفي نسخة من (( الشمائل)): حتَّى يجورَ - بالجيم والراء -؛ من الجَوْر . أي :
حتَّى يَجُور في الحق بأن يميل عنه ( فَيَقْطَعُهُ) حينئذ ( بِنَهْي أَوْ قِيَامٍ ) فيقطع عليه
الصلاة والسلام حديثَ ذلك الأحد ؛ إذا جاوز الحدَّ: إما ١ - بنهي لُه عن الحديث
إن أفاد؛ بأن لَّم يكن معانداً ، أو ٢ - قيامٍ من المجلس ؛ إن كان معانداً .
ولذلك كان بعضُ الصالحين إذا اغتابَ أحدٌ في مجلسه ينهاه ؛ إن أفاد النهيُ ،
وإلاَّ! قام من مجلسه .
وفي هذا الحديث ما لا يخفى من نهايةٍ كماله وَّهُ ورِفقه، ولُطفه ، وحلمه ،
وصبره ، وصفحه ، ورأفته ، ورحمته ، وعظيم أخلاقه ..
(وَأَمَّا حِلْمُ رَسُوْلِ اللهِّهِ فَقَدْ ) ذكره بقوله :
( كَانَ) رسولُ الهِ (وََّ أَحْلَمَ اَلنَّاسِ ) ؛ أي : أكثرهم حلماً .
( وَ) كان (أَرْغَبَهُمْ فِي العَفْوِ مَعَ القُدْرَةِ ) على الانتقام .
( حَتَّى أُتِيَ ) - بصيغة المجهول - ( بِقَلاَئِدَ) - جمع: قلادة - وهي: ما يجعل
في العنق ( مِنْ ذَهَبٍ ؛ أَوْ فِضَّةٍ ) أي : القلائد مصوغة منهما ؛ وهو الحليُّ ( فَقَسَمَهَا
بَيِّنَ أَصْحَابِهِ ) بما أراه الله تعالى .
٤٨٣

فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، قَالَ: ((وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ عَلَيْكَ
بَعْدِي؟!)»، فَلَمَّا وَلَّى .. قَالَ: « رُدُّوهُ عَلَيَّ رُوَيْداً » .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ لِلنَّاسِ يَوْمَ [حُنَيْنِ](١)،
مِنْ فِضَّةٍ فِي ثَوْبٍ بِلاَلٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَعْدِلْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَيْحَكَ؛ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا
لَمْ أَعْدِلْ ؟! فَقَدْ خِبْتُ إِذاً وَخَسِرْتُ إِنْ كُنْتُ لاَ أَعْدِلُ )).
( فَقَالَ أَعْرَائِيٌّ ) مِن سُكَّان الباديةِ الأعراب الجُفاة (: مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ) ، حيث
أعطىْ رَّر بعضاً وترك بعضاً، أو أكثرَ لبعضٍ وأقلَّ لآخرين .
( قَالَ ) أي: النبي ◌َّهِ (: ((وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ عَلَيْكَ بَعْدِي))؟! فَلَمَّا وَلَّى )
أي: الأعرابي ( قال: ((رُدُؤْهُ عَلَيَّ رُوَيْداً))) - أي: من غير استعجال ، فحَلِم
عليه ، وعفا عنه مع غلظة كلامه ، وأمر بردِّه على إمهال !! لئلا يرتاع .
قال العراقيُّ : رواه أبو الشيخ ؛ من حديث ابن عمر بإسناد جيد . انتهى .
ورواه أيضاً الحاكم ؛ من حديث ابن عمر، وفيه زيادةٌ في آخره. انتهى (( شرح
الإحياء)) .
( وَ) أخرج الإمام أحمدُ، والبخاريُّ، ومسلم، وغيرهم - كما قاله في
((شرح الإحياء )) - عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَهِ يَقْبِضُ) - مبنياً للفاعل - أي: يعطي ( لِلنَّاسِ يَوْمَ [ حُنَيْنٍ ]
مِنْ فِضَّةٍ ) كانت ( فِي ثَوْبٍ بِلاَلٍ؛ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ أَعْدِلْ . فَقَالَ
رَسُوْلُ اللهِوَّةِ: ((وَيْحَكَ؛ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ !! فَقَدْ خِبْتُ إِذاً وَخَسِرْتُ )
- روي بفتح التاء في ((خبت)) و (( خسرت))، وبضمِّها فيهما - ومعنى الضمِّ ظاهر ،
وتقديرُ الفتح : خبتَ أنتَ أيُّها التابع؛ ( إنْ كُنْتُ لاَ أَعْدِلُ))) . لكونك تابعاً ومقتدياً
(١) في ((وسائل الوصول)): خَيْبَرَ .
٤٨٤

فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقُهُ؟ فَإِنَّهُ مُنَافِقٌ .
فَقَالَ: ((مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي )) .
وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ
اُلأَنْصَارِ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ تَعَالَى.
بمن لا يعدلُ، والفتحُ أشهر ؛ قاله في ((شرح مسلم)).
( فَقَامَ عُمَرُ ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه ( فَقَالَ: أَلاَ أَضْرِبُ عُثْقَهُ ؛ فَإِنَّهُ
مُنَافِقٌ !! ) وفي روايات أُخَر أنَّ المستأذِن في قتله خالد بن الوليد . وليس فيهما
تعارض !! بل كلُّ واحدٍ منهما أستأذن فيه ؛ قاله في ((شرح مسلم)).
(فَقَالَ) أي: النبيِ نَِّ (: ((مَعَاذَ اللهِ؛ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّيْ أَقْتُلُ
أَصْحَابِي))) فحَلُم ◌َِّ على القائل وصبر؛ لِمَا علم من جزيل ثواب الصابر، واللهُ
يأجُرُ بغير حساب .
( وَ) في ((الإحياء)): (فَسَمَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِهِ) يوم حُنَيْن (قِسْمَةً ) آثر ناساً فيها
ليتأَلَّفَهم . (فَقَال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ) ؛ سمَّاه الواقديُّ بأنه مُعْتب بن قشير المنافق .
(: هَذِهِ قِسْمَةٌ) ما عُدل فيها، و ( مَا أُرِيْدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ تَعَالَى !! ).
قال في (( شرح مسلم )) : قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى : حكمُ الشرع أنَّ
مَن سَبَّ النبيِنَّهِ كَفَر ، وقُتِل. ولم يذكر في هذا الحديث أنَّ هذا الرجل قُتِل !
قال المازري : يحتمل أن يكون لم يُفهم منه الطعن في النبوة ، وإنَّما نَسَبهُ إلى
ترك العدل في القسمة .
والمعاصي ضربان : كبائر وصغائر؛ فهو ◌َّ معصومٌ من الكبائر بالإجماع .
واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر !! ومَن جوَّزها منع من إضافتها إلى الأنبياء ؛
على طريق التنقيص . وحينئذ فلعلَّه وَلِّ لم يعاقِب هذا القائل، لأنه لم يثبت عليه
ذلك ، وإنَّما نقله عنه واحدٌ ، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم !
قال القاضي : هذا التأويل باطلٌ يدفعه قولُه (( اعدل ؛ يا محمد ، واتق الله ؛
٤٨٥

فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَأَحْمَزَّ وَجْهُهُ وَقَالَ :
(( رَحِمَ اللهُ أَخِي مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ )).
وَبَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَتِهِ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ ، فَقَالَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَزْرِمُوهُ))؛ أَيْ: لاَ تَقْطَعُوا عَلَيْهِ أَلْبَوْلَ .
يا محمد)»، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ؛ حتَّى استأذن عُمر وخالدٌ
النبيَّ بَّه في قتله؛ فقال: ((مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ )) !
فهذه هي العلَّةُ . وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه ، وسمع منهم
في غير موطن ما كَرِهه ؛ لكنَّه صبر ! استبقاءً لانقيادهم وتأليفاً لغيرهم ؛ لئلا يتحدَّث
النَّس أَنَّه يقتل أصحابه ؛ فينفروا ، وقد رأى هذا الصنف في جماعتهم وَعَدُّوه من
جملتهم .
( فَذُكِرَ ذَلِكَ ) القولُ ( لِلْتَِّّ وَ فَأَحْمَرَّ وَجْهُهُ) ، وغضب غضباً شديداً ؛
لنسبته إلى الجور ، وقد جَبَل الله تعالى النفس على التألُم بما يُفعَل بها ، والتألُم
سببٌ للانتقام من المؤلِم ، ولهذا شقَّ عليه هذا القولُ، لكنه لكمالٍ حِلْمِهِ وَّ تَحَمَّله
من فاعله ؛ فلم ينتقم منه .
(وَقَالَ: ((رَحِمَ اللهُ أَخِيْ مُؤْسَى) بنَ عمران الإسرائيليّ؛ (قَدْ أُؤْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ
هَذا فَصَبَرَ ))) أي : آذاه قومُه بأشدَّ مما أُوذيت به فصبر على إيذائهم .
قال العراقي : متفقٌ عليه ؛ من حديث ابن مسعود . ورواه الإمام أحمدُ أيضاً
عنه. انتهى ((شرح الإحياء)).
( وَ) في ((الإحياء)): (بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي المَسْجِدِ ) النََّوي (بِحَضْرَتِهِ) وَالـ
( فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) أي: قصدوا منعَه عن ذلك؛ (فَقَالَ بَّهِ: ((لاَ تَزْرِمُوْهُ)) )
- بضم التاء الفوقية وسكون الزاي ـ ( أَيْ: لاَ تَقْطَعُوْا عَلَيْهِ أَلْبَوْلَ ) فَإِنَّه يضرُ البائل .
قال ذلك شفقةً عليه .
٤٨٦

ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَأَلْبَوْلِ
وَأَلْخَلاَءِ)) . وَفِي رِوَايَةٍ: ((قَرِّبُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا)) .
وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئاً، فَأَعْطَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ
لَهُ: «آحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ ».
قَالَ الأَعْرَابِيُّ: لاَ ، وَلاَ أَجْمَلْتَ .
فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَامُوا إِلَيْهِ . فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُقُّوا .
ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ، وَأَرْسَلَ إِلَى الأَعْرَابِيِّ وَزَادَهُ شَيْئاً ،
( ثُمَّ قَالَ لَهُ : ((إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ القَذَرِ وَأَلْبَوْلِ وَالخَلاَءِ))) ؛
أي : الغائط .
( وَفِي رِوَايَةٍ: ((قَرِّبُوْا وَلاَ تُنَفِّرُوا)) ). قال العراقي: متَّفق عليه ؛ من حديث
أنس رضي الله تعالى عنه. انتهى ((شرح الإحياء)).
( وَ) في ((الإحياء)) أيضاً: (جَاءَ أَغْرَابِيٌّ) لم يُسَمَّ ( يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئاً) ؛ أي :
من مطالب الدنيا ( فَأَعْطَاهُ نَِّ، ثُمَّ قَالَ: ((آحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟!))) - بهمزة ممدودة
وسكونٍ حاء ؛ لاجتماع همزة الأفعال وهمزة الاستفهام التقريري وهو حمل
المخاطب على الإقرار بأنه أحسن إليه وأنعم عليه .
( قَالَ الأَعْرَابِيُّ : لاَ) أي : لا أعطيتني كثيراً ، ولا قليلاً ( وَلاَ أَجْمَلْتَ ) أي :
ولا أتيت بالجميل ، أو ولا أوصلتني جميلاً حيث لا أحسنت جزيلاً . وقيل :
ما أجملتَ ما أكثرتَ ، وهو أَوَّل ؛ قاله ملا علي قاري .
( فَغَضِبَ الْمُسْلِمُوْنَ) من كلامه وجُرْأته عليه وَلَ (وَقَامُوْا إِلَيْهِ) ليضربوه
ويجازوه بما يستحقُه. (فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُفُوْا ) أي : امتنعوا عنه .
وهذا من حِلْمِهِ وَِّ وشفقته تألُّفاً له ؛ ليحسن إسلامه.
( ثُمَّ قَامَ) من مجلسه، ( وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ، وَأَرْسَلَ إِلَى الأَعْرَابِيِّ وَزَادَهُ شَيْئاً) على
٤٨٧

ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((آحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟)).
قَالَ : نَعَمْ ، فَجَزَاكَ اللهُ مِنْ أَهْلِ وَعَشِيرَةٍ خَيْراً .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَفِي
نَفْسٍ أَصْحَابِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَحْبَيْتَ فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ مَا قُلْتَ بَيْنَ
يَدَيَّ حَتَّى يَذْهَبَ مِنْ صُدُورِهِمْ مَا فِيهَا عَلَيْكَ )) .
قَالَ : نَعَمْ .
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَوِ الْعَشِيُّ .. جَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
ما أعطاه أَوَّلاً، ( ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((آحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟)) قَالَ: نَعَمْ) أحسنتَ إليَّ
( فَجَزَاكَ اللهُ) على إحسانك إليَّ ولُطْفِكَ بي ( مِنْ أَهْلِ وَعَشِيْرَةٍ خَيْراً. فَقَالَ لَهُ
الشَِّيُّ ◌َّهِ: (( إِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ) آنفاً ( وَفِي نَفْسِ أَصْحَابِيْ شيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ
أَحْبَيْتَ ) - أي: أردتَ إزالة ذلك ــ ( فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ) أي : عندهم ( مَا قُلْتَ بَيْنَ
يَدَيَّ ) أي : من المديح ليكون كفَّارة لذلك القبيح ، وعلَّق قوله على محبَّته وإرادته ؛
لطفاً منه بَ ﴿ أَيَّ لطف، مع أنَّه ذنب عظيم ينبغي التنصُّل منه .
وفيه من الشفقة بالأمّة ما لا يخفى ( حَتَّى يَذْهَبَ ) ؛ أي : بقولك لهم ذلك
( مِنْ صُدُورِهِمْ مَا فِيْهَا ) أي : الغضب والألم الذي في قلوبهم ( عَلَيْكَ ))) بسبب
ما قلته أوّلاً .
( قَالَ : نَعَمْ ) أي : أقول لهم ذلك .
( فَلَمَّا كَانَ أُلغَدُ ) المرادُ بالغد صبيحةُ اليوم الذي بعدَ اليوم الذي كلَّمه فيه
النبيُّ ◌َّرِ، والغداة من طلوع الفجر إلى الزوال .
( أَوْ ) قال ( العَشِيُّ) - بفتح فكسر ؛ فتشديد - وهو : ما بعد الزوال إلى
الغروب ، والشكُّ هنا من الراوي .
( جَاءَ) أي: الأعرابي إلى مجلس النبيِّ لَّهِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ) لأصحابه
٤٨٨

((إِنَّ هَذَا الأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ ، فَزِدْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ ذَلِكَ ،
أَكَذَلِكَ؟ )). قَالَ : نَعَمْ، فَجَزَاكَ اللهُ مِنْ أَهْلِ وَعَشِيرَةٍ خَيْراً.
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ هَذَا الأَعْرَابِيِّ كَمَثَلِ
رَجُلِ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ فَتَّبَعَهَا النَّاسُ؛ فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّ نُفُوراً
فَنَادَاهُمْ صَاحِبُ النَّاقَةِ : خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي ، فَإِّي أَرْفَقُ بِهَا
وَأَعْلَمُ ، فَتَوَجَّهَ لَهَا صَاحِبُ النَّاقَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَأَخَذَ لَهَا مِنْ قُمَام
الأَرْضِ
الحاضرين عنده (: ((إنَّ هَذَا الأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ) لي أوَّلاً مما سمعتموه ، ( فَزِدْنَاهُ )
على عطائه الأوَّل ( فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ [ ذَلِكَ ]) أي: بجملة ما أعطيناه له ،
( أَكَذَلِكَ)) ؟! ) استفهامُ تقريرٍ متوجِّهٌ من النبي ◌َّ للأعرابيِّ، أي : الأمر كذلك من
أَنَّك رضيت .
( قَالَ ، نَعَمْ: فَجَزَاكَ الهُ مِنْ أَهْلِ وَعَشِيْرَةٍ خَيْراً. فَقَالَ بَّهُ: ((إِنَّ مَثَلِيْ وَمَثَلَ
هَذَا الأَعْرَابِيِّ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ ) أي : نفرتْ منه وذهبت في
الأرض ( فَاتَبَعَهَا النَّاسُ)؛ من الاتِّباع، أو من الإثْبَاع، أي مضوا وجَرَوا خلفها
لِيُمْسِكوها (فَلَمْ يَزِيْدُوهَا إِلَّ نُفُوراً) أي: لم يحصل باتباع النَّاس لها إلاَّ زيادة هَرَبها
ونفورها لخوفها منهم .
( فَنَادَاهُمْ صَاحِبُ النَّاقَةِ ) أَنْ : (خَلُّوْا بَيْنِيْ وَبَيْنَ نَاقَتِيْ، فَإِّي أَرْفَقُ بِهَا وَأَعْلَمُ )
أي : أنا أشفقُ عليها وأعلم بحالها وطبعها وطريق أخذها منكم .
( فَتَوَجَّهَ لَهَا صَاحِبُ النَّاقَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا ) ؛ أي : جاءها من أمامها .
( فَأَخَذَ لَهَا مِنْ قُمَامِ الأَرْضِ ) القمام - بضمِّ القاف وتخفيف الميم - جمع قمامة
ككُناسة ؛ لفظاً ومعنىَ. والمرادُ بها هنا: النباتُ الَّذي ترعاهُ الدوابُ كحشيش
وتِبْن، شَبَّهه بالقُمَام ! لِحِسَّته ، ولأنَّه مما يُطرَح ؛ كالقمامة ، فاستعير له اسمها
لمشاركته صفته .
٤٨٩

فَرَدَّهَا هَوْناً هَوْناً حَتَّى جَاءَتْ وَأَسْتَنَاخَتْ وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا وَأَسْتَوَى
عَلَيْهَا، وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ فَقَتَلْتُمُوُهُ دَخَلَ
النَّارَ )).
( فَرَدَّهَا هَوْناً هَوْناً) هو اسم صوت لدعاء الناقة ( حَتَّى جَاءَتْ) فيه مقدَّرٌ ؛
أي : فدنت منه لتأكلَ ما بيده من الحشيش ، فأمسكها ورَدَّها حتَّى أتى بها مَحِلَّه ،
(وَأَسْتَنَاخَتْ ) أي : بركت ومكثت عندَه؛ من ناخ الجمل ونَوَّخه إذا برَّكه .
( وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا) أي : ربط عليها قَتَبها، فالرَّحل للإبل كالسَّرج للفرس.
( وَأَسْتَوَى عَلَيْهَا) أي: على ظهرها، أي: ركبها . يقال: استوى على الدابّة
إذا علا على ظهرها وركبها ، ( وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ ) أي : لو
لم أكفُّكم وأمنعكم عنه حين قال لي الرَّجل مقالَتَه السيَِّة (فَقَتَلْتُمُوْهُ دَخَلَ النَّارَ))؛)
عقوبةً له بإساءته على النبي ◌َّر .
وشبَّه المالَ لِخسَّة الدُّنيا عنده بالقمامة، وشَبَّه نفسه بالرَّجل ، وشبّه الأعرابيّ
بدَابَّة شاردة عن ربِّها ، وشبَّه الصحابةَ لما غضبوا وقاموا له بالناس التابعين لها الذين
نَفَّروها عن ربِّها، وشبَّه قوله ((كُفُوا عَنْهُ)) بقوله (( خَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَها )) .
وَفي قوله (( فَإِّي أَرْفَقُ بِهَا مِنْكُمْ)) بَيَانٌ لأنَّه أعظمُهم رفقاً وأقواهم شفقةً على
خلق الله تعالى ، وهو تشبيهٌ في أعلى طبقاتِ البلاغة لتضمُّنه هذه المعانيَ اللطيفة .
قيل : ويحتمل أنَّ الرجل إنَّما قال أوَّلاً ما قال لِيَطَّلع على حلمه وَّةِ، لأنه سمع
صفاتِهِ من أهل الكتاب والنبي وَّ عَلِم بذلك.
وقيل: إنَّ جزمَه بدخول النَّار لكفره بما قاله للنبي ◌َّهِ . والنبيُّ تلطّف به حتَّى
آمن ونجا من النار . فتأمل !!
وهذا الحديث رواه البزَّار ، وأبو الشيخ بسند ضعيف ؛ عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه، وابنُ حبَّان في «صحيحه))، وابن الجوزي في ((الوفا)) عنه .
ومما يناسب المقام ويلائم المرام : ما رُوي عن خوَّات بن جبير من الصحابة
٤٩٠

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ ، فَجَذَبَهُ أَغْرَابِيٌّ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً
شَدِيدَةً حَتَّى أَثَّرَتْ حَاشِيَةُ الْبُرْدِ عَلَى صَفْحَةِ عَاتِقِهِ ،
الكرام أَنَّه قال: نزلتُ مع رسول الله بَّهِ بمرِّ الظهران فإذا نسوةٌ يتحدَّثن،
فأعجبني ، فأخرجت حُلَّة من عَيْبَتي فلبستها؛ وجلست إليهنَّ، فمَزَّ رسول الله وَيه
فهِيْتُهُ . فقلتُ : يا رسول الله ؛ جملٌ لي شَرُود وأنا أبتغي له قيداً !! فمضى وتبعتُه ،
فألقى عليَّ رداءه ودَخَل الأراك ؛ فقضى حاجتَه وتوضَّأ، ثُمَّ جاء ؛ فقال :
((يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؛ مَا فَعَلَ شِرَادُ جَمَلِكَ؟ )). ثمَّ ارتحلنا، فجعل كلَّما لَحِقَني؛
قال: ((السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؛ مَا فَعَلَ شِرَادُ جَمَلِكَ)) . فتعجَّتُ المدينة
وتركتُ مجالسته والمسجدَ ، فطال ذلك عليَّ فتحيَّنتُ خُلُوَّ المسجد ، ثُمَّ دخلتُ
فطفقت أُصلِّي . فخرج من بعض حُجَرِهِ فصلَّى ركعتين خفَّفهما وطوَّلتُ ؛ رجاءَ أن
يذهب عنّي. فقال: ((طَوِّلْ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مَا شِئْتَ؛ فَلَسْتُ بِبَارِحٍ حَتَّى تَنْصَرِفَ )).
فقلتُ: واللهِ؛ لأعتذِرنَّ إليه. فانصرفتُ، فقال: (( السَّلام عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ ؛
ما فَعَلَ شِرَادُ الجمَلِ » . فقلتُ: والذي بعثك بالحقِّ ؛ ما شرد ذلك الجمل منذ
أسلمت !! فقال: ((رحِمَكَ اللهُ)) ((مرَّتين))، أو ((ثلاثاً)) ثم لَمْ يَعُدْ .
( وَ) أخرج أبو داود والبيهقِيُّ؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ)
- وأخرجه الشيخان أيضاً ؛ عن أنس، وقد تقدَّم - ( قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَلَهُ وَعَلَيْهِ
بُرْدٌ غَلِيْظُ الحَاشِيَةِ ) البُرْد والبُرْدة : كساء أسود مريَّع، أو شملةٌ مخطّطة ،
والحاشية ، جانب الثوب .
(فَجَذَبَهُ) - بتقديم الذال المعجمة على الموحّدة - وفي رواية: فجبذه ـ بتقديم
الموحّدة - وهما لغتان صحيحتان ( أَغْرَابِيٌّ) لم يُسَمَّ ( بِرِدَائِهِ ) ، هذا يقتضي أَنَّه كان
عليه بردٌ ورداءٌ فوقه ؛ وإن الجذب وقع بهما ( جَبْذَةً شَدِيْدَةٌ ) أي : دفعة عنيفةً
( حَتَّى أَنَّرَتْ) - بتشديد المثلثة ؛ مبنيٌّ للفاعل - أي: أظهرت أثراً وعلامة (حَاشِيَةُ
البُرْدِ عَلَى صَفْحَةِ عَاتِقِهِ ) الصفحة : الجانب ؛ أو العَرْض . والعاتق : ما بين العنق
٤٩١

ثُمَّ قَالَ : يا مُحَمَّدُ ؛ أَحْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي
عِنْدَكَ ، فَإِنَّكَ لاَ تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ وَلاَ مِنْ مَالِ أَبِيَكَ .
فَسَكَتَ النَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: ((الْمَالُ مَالُ اللهِ،
وَأَنَا عَبْدُهُ)) ، ثُمَّ قَالَ: (( وَيُقَادُ مِنْكَ يَا أَعْرَابِيُّ مَا فَعَلْتَ بِي)) . قَالَ :
لاَ. قَالَ: ((لِمَ؟))، قَالَ: لَأَنَّكَ لاَ تُكَافِئُ بِالسَّيَّةِ السَّيِّئَةَ.
فَضَحِكَ النَِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
والكتف ، أو موضع الرداء من المنكب . وهو يؤنَّث ويذكَّر، وفي رواية أَنَّ البُرْدَ
انشقَّ، ولم يتأثَّر ◌َِّ من سوء أدبه .
( ثُمَّ قَالَ ) أي : الأعرابيُّ على عادة أجلاف العرب (: يَا مُحمَّدُ؛ أَحْمِلْ لِيْ )
- بفتح الهمزة - أي: أعطني ما أحملُ (عَلَى بَعِيْرَيَّ) بالتثنية مضافاً إلى ياءِ المتكلم
( هَذَيْنِ) أي: حَمِّلْهُما لي طعاماً ( مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ ، فَإِنَّك لاَ تَحْمِلُ لِيْ )
أي : لا تعطيني ( مِنْ مَالِكَ ، وَلاَ مِنْ مَالٍ أَبِكَ !!
فَسَكَتَ النَّبِيُّ وََّ) حلماً وكرماً، ( ثُمَّ قَالَ: ((المَالُ مَالُ اللهِ؛ وَأَنَا عَبْدُهُ)))
أي : أتصرفُ في ماله بإذنه، وأُعطي من يأمرني بإعطائه، فردَّ ◌َلَّ بألطف ردِّ .
( ثُمَّ قَالَ) أي: النبيُّ نَّهِ (: ((وَيُقَادُ مِنْكَ ) ؛ من القَوَد وهو القصاص ، وهو
هنا مجازٌ عن مطلق المجازاة ، أي : أَتْجازى على تركِ أدبك ( يَا أَعْرَابِيُّ ) ، يشير به
إلى أنَّه معذور لما فيه من غلظ الأعراب وهم أهل البادية ( مَا فَعَلْتَ بِيْ ))) من جذب
بُرْدي بأن يفعل به مثله ، أو یعزَّر بما يليق به .
( قَالَ ) أي الأعرابي (: لاَ) أي: لا يقاد مني. ( قَالَ: ((لِمَ))؟!) أي : لأي
شيء لا يُقاد منك؟ ( قال: ((لأَنَّكَ لاَ تُكَافِىءُ) بهمزة أي: لا تجازي ( بِالسَّيَِّةِ
السَّيَِّةَ) ، بل تجازي بالسيئة الحسنةَ ، وفيه مشاكلةٌ ، لأنَّ الجزاءَ ليس بسيئة .
( فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َ) سروراً بما رآه من حُسْن ظنّه به، وأنَّه لم يفعل ذلك بقصد
التنقيص منه ، وتطميناً لقلبه إذ أبدى المسرّة بمقالته ، وهذا يقتضي أنَّه كان مسلماً
غير أنَّ فيه جفاءَ البادية .
٤٩٢

ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرٌ وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرٌ .
وَرَوَىُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبْنُ حِبَّانَ
( ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ لَهُ عَلَى بَعِيْرٍ شَعِيْرٌ ، وَعَلَى آلآخَرِ تَمْرٌ ) .
وفيه من حِلْمِه ◌َلّهِ وتحمُّله الأذى وعدم التضجُّر ما لا يخفى، وهو إرشادٌ لأمَّته
لاسيَّما مَن يتولَّى منهم أُمور المسلمين .
(وَرَوَى الطََّرَانِيُّ)؛ كما في ((المواهب)) و((الشفاء))، (وَأَبْنُ حِبَّنَ)
الحافظُ العلامةُ :
أبو حاتم محمد بن حِبَّان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي الدارمي البُسْتي
- بضم الباءِ الموخَّدة وإسكان السين وفوقية - نسبةً إلى ((بُسْت)): بلد كبير من بلاد
الغور بطرف خراسان ، الشافعي الإمام الكبير .
صاحب التصانيف ، كان على قضاءِ سمرقند زماناً ، وكان من فقهاء الدِّين
وحُفَّاظ الآثار ، عالماً بالطبِّ والنجوم وفنون العلم .
قال الحاكم : كان ابن حبان من أوعية العلم ؛ في الفقه ، واللُّغة ، والحديث ،
والوعظ ، ومن عقلاء الرجال . انتهى
سمع أبا عبد الرحمن النَّسائي ، والحسن بن سفيان ، وأبا يعلى الموصلي ،
وأبا بكر بن خزيمة ، وأمماً لا يحصون من مصر إلى خراسان .
حدَّث عنه الحاكم وغيره، وصنّ التصانيف؛ منها (( المسند الصحيح))
المسمَّى بـ « التقاسیم والأنواع )» في خمس مجلدات کبار ، وترتيبه مخترعٌ لیس على
الأبواب ؛ ولا على المسانيد والكشف منه عَسِرٌ جدّاً، وهو موجود بتمامه؛ بخلاف
((صحيح ابن خزيمة )) فقد عُدِم أكثره ؛ كما قاله السَّخَاويُّ .
ومن مؤلَّفاته ((التاريخ))، و((كتاب الضعفاء)). وتوفي بـ (( بست)) سنة :
أربع وخمسين وثلاثمائة ؛ وهو في عشر الثمانين . وقد قيل : إنَّ أصحَّ مَن صنّ في
الصحيح بعد الشيخين ابنُ خزيمة ؛ فابنُ حِبَّان رحمهم الله .
٤٩٣

وَالْحَاكِمُ وَاَلْبَيْهَقِيُّ
( وَ) أبو عبد الله ( الحَاكِمُ) النِّيسابوريُّ ، وأبو نعيم الأصفهاني ، وأبو الشيخ
ابن حيان؛ في كتاب (( الأخلاق النبوية)).
( وَ) الإمام الحافظ العلاَّمة؛ الكبير الشهير شيخ السُّنَّةَ: أحمد بن الحسين بن
علي بن عبد الله بن موسى ؛ أبو بكر ( البَيْهَقِيُّ) نسبة إلى (( بيهق)): قرى مجتمعة
بنواحي نيسابور ؛ على عشرين فرسخاً منها . الخُسْرَوْجِرْدِي الشافعي ، الفقيه
الحافظ الأصولي ، الديِّن الورع ، واحد زمانه في الحفظ ، وفردُ أقرانه في الإتقان
والضبط ، من كبار أصحاب الحاكم ؛ ويزيد عليه بأنواعٍ من العلوم .
كتب الحديث وحفظه وضبطه من صباه ، وتفقَّه وبرع ، وأخذ في الأصول ،
وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز .
ثم صنَّفَّ . وتآليفه تقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد .
جمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث ، ووجه الجمع بين
الأحاديث ، وكان على سيرة العلماء ؛ قانعاً باليسير ، متجمِّلاً في زهده وورعه .
وعن إمام الحرمين أبي المعالي ؛ قال : ما مِن شافعي إلاَّ وللشافعي عليه مِنَّةٌ إلاَّ
أبا بكر البيهقي ، فإنَّ له المنةَ على الشافعي ؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه .
ولد سنة : أربع وثمانين وثلثمائة في شعبان ، وسمع أبا عبد الله الحاكم ،
وأبا طاهر بن محمش، وأبا بكر بن فُؤْرَك، وأبا عليٍّ الرُّوْذْباري ،
وأبا عبد الرحمن السُّلَمي ، وخلقاً بخراسان ، وعدَّة ببغداد، وطائفة بمكّة ،
وجماعة بالكوفة .
ويورك له في علمه ؛ لحسن قصده وقوَّة فهمه وحفظه .
وصنَّ التصانيف المفيدة؛ منها (( السنن الكبرى)) في عشر مجلدات ضخام ،
((والسنن الصغرى)) في مجلدين، و((دلائل النبوة)) و((شعب الإيمان)) و((مناقب
الشافعي)) و((الدعوات الكبير)) وكتاب ((الأسماء والصفات))، وكتاب
٤٩٤

عَنْ زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ - وَهُوَ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أَجَلُّ أَحْبَارِ
اَلْيَهُودِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا - أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَاَمَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ
((الخلافيات)) وكتاب (( معرفة السنن والآثار)) أي : معرفة الشافعي بها ، وكتاب
((المدخل إلى السنن الكبرى))، وكتاب ((البعث والنشور)) و((الأربعون الكبرى))
و((الأربعون الصغرى))، وجزء في الرؤية، وجزء في حياة ((الأنبياء))، ومناقب
الإمام أحمد .
وكانت وفاته في عاشر جمادى الأولى سنة : ثمان وخمسين وأربعمائة .
وحمل تابوته إلى بيهق ؛ ودفن بها بِخُسْرَوْجِرد ، وهي من قراها الصغرى
رحمة الله تعالى عليه . آمين .
( عَنْ زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ) - بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة وفتح النون ؛ كما
قيَّده بذلك الحافظ عبد الغني ، والدار قطني . و[سَعْيَة ]- بالمثناة التحتية بدل النون - ؛
ثبت في «الشفاء)) وهو الَّذي ذكره ابن اسحاق ، وحكى ابن عبد البر وغيرُه الوجهين قال
ابن عبد البر: والنونُ أكثر، واقتصر الجمهور على النون . قال الذَّهبيُّ: وهو أصحُ .
- ( وَهُوَ - كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: أَجَلُّ) - بجيم ولام ؛ كذا في
النسخ !! والذي في ((تهذيب النووي)): أحد - بحاء ودال مهملتين - ( أَخْبَارِ أُليَهُوْدِ
الَّذِيْنَ أَسْلَمُوْا)، وأكثرهم علماً ومالاً، أسلم وحَسُن إسلامه، وشهد معه ◌َّ مشاهدَ
كثيرةً ، وتوفي في غزوة تبوك ؛ مقبلاً إلى المدينة . انتهى .
والمصنّف تبع القُسطلاَّني في ((المواهب)). قال الزرقاني: فكأنَّه غَيَّر (( أحد))
بـ ((أجل)) !! لأن قولَه ((أكثرهم علماً ومالاً)» يفيد أنَّه أجلُّهم ، ثم يَرِدُ على هذا ابنُ
سَلاَم ، إذ ظاهر الأحاديث أنَّه أجل المسلمينَ من اليهود ، إلاَّ أن تكون الجَلاَلَةُ
باعتبار مجموعِ العلم والمالِ . ( أَنَّهُ قَالَ :
لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَاَمَاتِ النَُّوَّةِ شَيْءٌ) ، وفي رواية - عند ابن سعد -: ما بقي شيء
٤٩٥

إِلاَّ وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ ،
إِلاَّ أَثْنَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا (١) مِنْهُ: ١ - يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ ، ٢- وَلاَ تَزِيدُهُ
شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلاَّ حِلْماً. فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ لِأَنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ
حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ ، فَأَبْتَعْتُ مِنْهُ تَمْراً إِلَى أَجْلِ ،
من نَعتِ محمَّد في (( التوراة )) ( إِلاَّ وَقَدْ عَرَفْتُهُ) أي : شاهدته ، ويروى : عرفتُها .
باعتبار أَنَّ الشيءَ بمعنى العلامة. (فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ وََّ حِيْنَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ
إِلاَّ أَثْنَيَّنِ ) في رواية: إلاَّ خصْلَتَيْنِ ( لَمْ [ أَخبُرْهُمَا ]) - بفتح الهمزة وإسكان
الخاء المهملة وضمِّ الباء الموحدة - أي: لم أعلمهما ( مِنْهُ) على حقيقتهما ، إذ
علمُهما لا يكون بالمشاهدة ؛ بل بالاختبار :
[ الأولى]: (يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ) مقابل الحلم من الغضب والانتقام ممَّن
آذاه . قال الشاعر :
أَلاَ لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِيْنَا
فالمراد أنَّ حلمَه يغلب حِدَّته ، كقوله : ((سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)) . فليس
الجهلُ هنا مقابلَ العلم ، وهو : عدمُ إدراك الشيء ، أو إدراكُه على خلاف ما هو
عليه !! كما توهَّمه مَن لم يعرف لغةً العرب . حيث قال لو كان له جهلٌ ؛ نحو
(٢) وهذه إحدى الخصلتين .
﴾ [المؤمنون]
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ
( وَ) الثانية (لاَ تَزِيْدُهُ شِدَّةُ الجَهْلِ ) أي: جهل غيره - أي: سفاهته ــ (عَلَيْهِ )
وأَذِيَّتِه ( إِلاَّ حِلْماً)، فكلَّما زادت واشتدَّت زاد حلمه بَِّ (فَكُنْتُ أَتَلَطَّفَ ) :
أتخشع وأترفَّق ( لَهُ) ؛ توضُّلاً ( لأَنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ ، فَأَبْتَعْتُ ) أي :
اشتريت ( مِنْهُ تَمْراً إِلَى أَجَلٍ )(٣). وفي رواية أبي نعيم: وأعطاه زيدُ بن سعنة قبل
(١) في ((وسائل الوصول)): أَجدْهُمَا .
(٢) يعني لو كان هناك خالق . فليس فيه التفاضل على بابه من أن شيئين اشتركا .... فتنبه .
(٣) أي: سَلَماً.
٤٩٦

فَأَعْطَيْتُهُ الثَّمَنَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحِلِّ الأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ .. أَتَيْتُهُ
فَأَخَذْتُ بِمَجَامِع قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ [عَلَى عُنُقِهِ]، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ ،
ثُمَّ قُلْتُ: أَلاَ تَقْضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي؟! [فَوَاللهِ] إِنَّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ مُطُلٌ . فَقَالَ عُمَرُ : أَيْ عَدُوَّ اللهِ ؛ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ مَا أَسْمَعُ ،
فَوَ اللهِ لَوْلاَ مَا أُحَاذِرُ [فَوْتَهُ] .. لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ. وَرَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ بِسُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ ، وَتَبَشَّمَ.
إسلامه ثمانين مثقالاً ذهباً ، في تمر معلوم إلى أجل معلوم . ( فَأَعْطَيْتُهُ الثَّمَنَ ، فَلَمَّا
كَانَ قَبْلَ مَحِلٌّ ) - بكسر الحاء - أي : وقت ( الأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ ) - وفي رواية
أبي نعيم: بيوم أو يومين - ( أَتَيْتُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعٍ ) جمع مجمع ؛ كمَقْعَد ومَنْزِل :
موضع الاجتماع - كما في (( القاموس)) وغيره - أيّ: بما اجتمع من ( فَمِنْصِهِ وَرِدَائِهِ
[عَلَى عُنُقِهِ]، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيْظٍ ) أي : عابسٍ مقطِّب (ثُمَّ قُلْتُ: أَلاَ
تَقْضِيْنِيْ يَا مُحَمَّدُ ؛ حَقِّي !! [ فَوَ اللهِ ] إِنَّكُمْ يَا بَنِيْ عَبْدِ المُطَّلِبِ مُطُلٌ ) - بضم الميم
والطاء المهملة - جمع : ماطل ؛ أي تمتنعون من أداء الحقِّ ، وتسوِّفون بالوعد ؛
مرَّة بعد أخرى ، ( فَقَالَ عُمَرُ ) - في رواية أبي نعيم : فنظر إليه عمر ؛ وعيناه تدوران
في وجهه ؛ كالفلك المستدير؛ فقال - (: أَيْ؛ عَدُوَّ اللهِ، أَتَقُوْلُ لِرَسُوْلِ اللهِن ◌َّه
مَا أَسْمَعُ) !! زاد أبو نعيم: وتفعلُ به ما أرىُ !! ( فَوَ اللهِ؛ لَوْلاَ مَا أُحَاذِرُ) - بمعنىُ
أحذر ، أي : شيء أخاف ([ فَوْتَهُ ]) من بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه ،
- وفي رواية أبي نعيم : لولا ما أحاذر قومَك ـ ( لَضَرَبْتُ بِسَيْفِيْ رَأْسَكَ !!
وَرَسُولُ اللهِنَِّ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ بِسُكُوْنٍ) ضدّ: الحركة (وَتُؤَدَّةٍ)؛ التأنِّي، فتغاير
مفهوماً؛ لا مَا صَدَقً(١)، (وَتَبَتَمَ) منْ مَقَالهما، لِشِدَّةِ حِلْمِه، ولعله كوشف(٢)
(١) مصطلح منطقي يقابل المفهوم ، غير أن أحدهما للمفرد والآخر للمركب .
(٢) في هذا تأمُّل !! إذ لو كُشف ما في رغبة ابن سعنةً لم تعد ثمَّة فضيلةٌ في هذا الحلم ،
ولبطل موضع الشاهد .
٤٩٧

ثُمَّ قَالَ: «أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ ؛ أَنْ
تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ [آلْأَدَاءِ]، وَأَنْ تَأْمُرَهُ بِحُسْنِ [التَِّاعَةِ]، أَذْهَبْ بِهِ يَا
عُمَرُ؛ فَأَقْضِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعاً مَكَانَ مَا رَؤَّعْتَهُ)) . فَفَعَلَ .
فَقُلْتُ : يَا عُمَرُ ؛ كُلُّ عَلَاَمَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ، إِلاَّ أَثْنَيْنِ لَمْ أَخْتَبِرْهُمَا:
يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ ، وَلاَ يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ [عَلَيْهِ) إِلاَّ حِلْماً، فَقَدِ
اخْتَبَرْتُهُمَا ،
بمراد ابن سعنةً !! وإنَّ عمر لو كُشِفِ له لم يَصْعُب عليه ذلك .
( ثُمَّ قَالَ: (( أَنَا وَهُوَ) - أي: صاحبُ الحقِّ - (كُنَّا أَخْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا ) الذي
قلتَه . ( مِنْكَ يَا عُمَرُ؛ ) وأبدل منه قوله: ( أَنْ تَأْمُرَنِيْ بِحُسْنِ [الأَدَاءِ ]) أي: وفاء
ما عليَّ (وَأَنْ تَأْمُرَهُ بِحُسْنِ [التِبَاعَةِ ])) !! - بالكسر -: المطالبة بالحقِّ.
وفي (( الشفاء )) : تأمرني بحسن القضاءِ ، وتأمره بحسن التقاضي .
ثم قال: ((لَقَدْ بَقِي مِنْ أَجَلِهِ ثَلاَثٌ)) !! انتهى. فتكرَّم ◌َِّ فعَجَّلها قبل الأجل
وزيادة ، فقال :
( ((إِذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ؛ فَقْضِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِيْنَ صَاعاً مَكَانَ مَا رَوَّعْتَّهُ)) ):
فزعته . و(( ما)) مصدرية أي : في مقابلة روعك له .
( فَفَعَلَ ) ذلك عمر . قال زيد: ( فَقُلْتُ: يَا عُمَرُ ؛ كُلُّ عَلَاَمَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ
عَرَفْتُهَا فِيْ وَجْهِ رَسُوْلِ اللهِ نَّهَ حِيْتَمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ؛ إِلَّ أَثْنَيَّنِ لَمْ أَخْتَبِرْهُمَا ) ؛ أي : لم
أعلمهما .
(١ - يَسْبِقُ حِلْمُهُ): ثباته وصفحه وصبره ( جَهْلَهُ): حذَّتَه ؛ فلا ينتقم .
(٢ - وَلاَ يَزْيْدُهُ شِدَّةُ الجَهْلِ [عَلَيْهِ] إلاَّ حِلْماً، فَقَدٍ أُخْتَبَرْتُهُمَا) أي :
٤٩٨

فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً؛ وَبِأَلإِسْلاَمِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي ((الشِّفَا)): ( وَحَسْبُكَ مَا
ذَكَرْنَاهُ مِمَّا فِي (( الصَّحِيحِ)) وَالْمُصَنَّفَاتِ الثَّابِتَةٍ، مِمَّا بَلَغَ مُتَوَاتِراً مَبْلَغَ
اٌلْبِقِينِ : مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مَّقَاسَاةِ قُرَيْشٍ ،
صاحبَهما ، إذ الاختبارُ : الامتحان ، وهو لم يختبر الخَصْلتين . والمذكورُ بخطّ
الشاميِّ: خَبِرْتُهما - بلا ((ألف)) - أي: علمتهما منه بما رأيت من فعله وَل
(فَأَشْهِدُكَ) يا عمرُ؛ (أَنِّيْ قَدْ رَضِيْتُ بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلاَمِ دِيْناً، وَبِمُحَمَّدٍ وَهُ
نَبًِّ ) .
وفي رواية : وما حملني على ما رأيتني صنعتُ يا عمر إلاَّ أنَّي كنتُ رأيت صفاته
التي في ((التوراة )) كلَّها إِلاَّ الحلم ، فاختبرتُ حلمه اليومَ فوجدتُه على ما وُصف في
((التوراة))، وإنِّي أُشهدك أَنَّ هذا التمر وشطرَ مالي في فقراء المسلمين . وأَسلم
أهلُ بيته كلُّهم إلاَّ شيخاً غلبت عليه الشِّقْوة. انتهى ((زرقاني)) رحمه الله تعالى.
( قَالَ ) العلاَّمةُ الإمام ( القَاضِيْ ) أبو الفضلِ : ( عِيَاضُ) بن موسى اليَخْصُِيُّ
الأندلس السَّبتي - سقى الله ثراه صبيب الرحمة والرضوان - ( فِي ) كتابه
( ((الشِّفَاء)) ) الذي هو كاسمه شفاء ، أي : شفاء لما في الصدور .
قال في (( الْبَابِ الثَّانِي مِنْهُ؛ فِي آخِرِ : فَصْلِ الحِلْمِ وَالاحْتِمَالِ » :
( وَحَسْبُكَ) أي : مغنيك وكافيك ( مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا فِي الصَّحِيْحِ) أي : في
الكتب الصحيحة ، ( وَالمُصَنَّفَاتِ الثَّابِتَةِ ) أي : ولو لم تكن من الصحاح الستة !!
أَوْ: ولو لم تكن صحيحة ؛ بل ثابتة حسنة !! فإنَّها حُجَّة بيَّةٌ ؛ أي : كافيك ذلك
مُنْضَمّاً ( مِمَّا بَلَغَ ) أي: ممَّا وصل عندك مجموعُه ( مُتَوَاتِراً) ؛ تواتراً معنوياً ( مَبْلَغَ
اليَقِيْنِ ) أي : مبلغاً يحصلُ به اليقين للمؤمنين في أمر الدين ، ولو قال (( مبلغ
الضروريِّ)) !! كانَ أولىْ .
( مِنْ صَبْرِهِ) بيانٌ لـ ((ما بلغ)) ؛ أي : من تحمُّله ( عَلَىْ مُقَاسَاةٍ قُرَيْشٍ ) أي :
٤٩٩

وَأَذَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُصَابَرَةٍ الشَّدَائِدِ الصَّعْبَةِ مَعَهُمْ، إِلَى أَنْ أَظْفَرَهُ اللهُ
تَعَالَى عَلَيْهِمْ - يَعْنِي: بِفَتْحِ مَّةَ - وَحَكَّمَهُ فِيهِمْ وَهُمْ لاَ يَشُكُونَ فِي
أَسْتِثْصَالِ شَأْفَتِهِمْ، وَإِبَادَةٍ خَضْرَائِهِمْ - أَيْ: إِهْلَاكِ جَمَاعَتِهِمْ - فَمَا
زَادَ عَلَى أَنْ عَفَا
مكابدتهم ومعارضتهم ومخالفتهم ( وَأَذَى الجَاهِلِيَّةِ ) أي : وتأذِّيه من أهل جاهليتهم
وسَفَاهتهم، ( وَمُصَابَرَةِ الشَدَائِدِ) أي: مغالبة المحن ( الصَّعْبَةِ ) أي: الشَّاقَّة
(مَعَهُمْ) في الحروب الواقعة بينه وبينهم ، وهي ؛ وإن كانت سِجَالاً؛ إِلاَّ أنَّه صَبَّ
عليهم العذاب .
فالمصابرةُ : مفاعلة ؛ من الصبر عن شدائد الحروب ، وهم صناديد وأبطال
كان لهم صبرٌ على اصطلاء نارِها، لكنه وَّرَ غَلَبَهم وصابرهم وزاد عليهم.
( إِلَىْ أَنْ أَظْفَرَهُ اللهُ تَعَالَىْ) بهم ، وفي نسخة : أظهره الله ( عَلَيْهِمْ - يَعْنِيْ :
بِفَتْحِ مَكَّةَ - وَحَكَّمَهُ فِيْهِمْ) - بتشديد الكاف -، أي : جعله الله تعالى قاهراً غالباً
لهم ، وهم في قبضةِ تصرُّفه ؛ يحكم فيهم بما يُريد من قتل وأسر وعفو ؛ إن شاء
( وَهُمْ لاَ يَشُكُّوْنَ ) ؛ أي : لا يتردّدُون ، بناءً على زعمهم وقياساً على أنفسهم ( فِي
اُسْتِثْصَالِ)؛ هو : قطع الشيءٍ من أصله وإزالَتُه بالكليّة ( شَأْفَتِهِمْ) - بفتح شين
معجمة ، فسكونِ همزةٍ ، ففاء ؛ تليها هاءُ تاءِ تأنيث ، وتبدل الهمزة ألفاً - أي :
جمعهم وقطع أثرهم .
والشَّأْفَةُ - في الأصل -: قرحة تخرج للإنسان في أسفل القدم ؛ فَتُكْوى فتذهب
فهم يقولون في المثل ((أستأصل اللهُ شأفته)) أي: أذهبه كما أذهبها، (وَإِبَادَةٍ )
- بكسر الهمزة وبالدال المهملة - مصدر بمعنى: الإهلاك ( خَضْرَائِهِمْ) - بفتح الخاء
المعجمة ، وسكون الضَّاد المعجمة ؛ بعدهما راء ، فألف ممدودة - ( أَيْ : إِهْلاَكِ
جَمَاعَتِهِمْ) وتفريق جمعهم .
والمعنى: أنَّه وَّهِ ظَفِرِ بهم في حالٍ تَيَقَّنوا هلاكَهم بأسرهم؛ وذهابهم عن
آخرهم، بحيث لا يبقى منهم باقية ( فَمَا زَادَ) ◌َِ (عَلَى أَنْ عَفَا ) : تجاوز عن
٥٠٠