النص المفهرس
صفحات 441-460
( وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرَقِّصُ اَلْحَسَنَ أَوِ
اُلْحُسَيْنَ؛ وَيَقُولُ: ((حُزُقَّةٌ .. حُزُقَّة، تَرَقَّ عَيْنَ بَقَّة)).
( أُلْحُزُقَّةُ) : الضَّعِيفُ الَّذِي يُقَارِبُ خَطْوَهُ مِنْ ضَعْفٍ ، فَكَانَ
يَرْقَى حَتَّى يَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَبْنُ الأَثِيرِ : ذَكَرَهَا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَاعَبَةِ وَالتَّْنِيسِ لَهُ .
وَ( تَرَقَّ) بِمَعْنَى : أَصْعَدْ .
وَ(عَيْنُ بَقَّةٍ ): كِنَايَةٌ عَنْ صِغَرِ الْعَيْنِ ) أَنْتُهَى.
( وَفِي الحَدِيْثِ أَنَّ الشَِّيَّ ◌َّهِ كَانَ يُرَقِّصُ) - بالتثقيل - ( الحَسَنَ، أَو الحُسَيْنَ )
- بالشكِّ - (وَيَقُوْلُ) في حالِ ترقيصهما - (: ((حُزُقَّةٌ) - بالتنوين
والرفع - ( حُزُفَّةٌ) - ينبغي أن يقرأ بالوقف على الهاء لأجل السَّجع - ( تَرَقَّ) -
بتشديد القاف ؛ أي : اصعد - ( عَيْنَ بَقَّه ))) - بالوقف على الهاء .
( الحُزِقَّه ) بوزن عُثِلَّه (: الضَّعِيْفُ الَّذِي يُقَارِبُ خَطْوَهُ مِنْ ضَعْفٍ ) في بدنه ،
وقيل : القصيرُ العظيم البطن ، ( فَكَانَ ) الغلامُ ( يَرْقَى حَتَّى يَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِ
السَّبِيِّ ◌ََِّ ).
(قَالَ) العلاَّمة الحافظُ مجدُ الدين ( أَبْنُ الأَثِيْرِ ) أبو السعادات : مبارك بن
أبي الكرم ؛ محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري ،
المولود سنة : ٥٤٤ ، المتوفى سنة : ٦٠٦ رحمه الله تعالى .
قال في ((كتاب النهاية )): ( ذَكَرَهَا) ، أي: هذه الكلمات ( لَهُ ) أي : للغلام
(عَلَى سَبِيْلِ المُدَاعَبَةِ ) : الملاعبة ( وَالتَّنِيْسِ لَهُ .
وَتَرَقَّ ) : فعل أمر ( بِمِعْنَىْ إِصْعَذْ ) ؛ من الصعود، أي : العلوِّ (وَعَيْنُ بَقَّةٍ :
كِتَابَةٌ عَنْ صِغَرِ العَيْنِ. أَنْتَهَى ) أي: كلام ((لسان العرب)) ملخصاً .
٤٤١
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ فِي
أَخْلاَقِهِمْ، وَيَتَلَّفُ أَهْلَ الشَّرَفِ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ يُكْرِمُ ذَوِي
رَحِمِهِ ، وَيَصِلُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُ بَنِي هَاشِمٍ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ لُطْفَأَ بِالْعَبَّاسِ .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للعارف الشعراني كـ ((الإحياء)) للإمام الغزالي
رحمه الله تعالى: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِّهِ يُكْرِمُ أَهْلَ الفَضْلِ فِي أَخْلاَقِهِمْ، وَيَتَلَّفُ أَهْلَ
الشَّرَفِ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ). روى الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ من حديث عليٍّ
الطويل ؛ في صفته بََّ: وكان من سيرته إيثارُ أهل الفضل بإذنه ، وقَسْمُه على قدر
فضلهم في الدين ، وفيه : ويؤلّفُهم ولا يُنَفِّرُهُمْ، ويكرم كريمَ كلِّ قوم ، ويولِّيْه
عليهم ... الحديث المتقدِّم .
وللطبرانيِّ ؛ من حديث جرير في قصة إسلامه : فألقى إليَّ كساءً ، ثم أقبل على
أصحابه ؛ ثم قال: ((إِذَا أَتَاكُمْ كَرْيمُ قَوْمِ ؛ فَأَكْرِمُوهُ)) . ورواه الحاكمُ ؛ من حديث
معبدٍ بن خالدٍ الأنصاري نحوه ؛ وقال : صحيح الإسناد .
( وَكَانَ يُكْرِمُ ذَوِيْ رَحِمِهِ وَيَصِلُهُمْ) ؛ أي: يحسن إليهم ويعطفُ عليهم ، وإن
بَعُدوا عنه، أو أساءوا إليه ( مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُمْ) أي: يَخُصُّهم ويُقَدِّمُهم ( عَلَى مَنْ
هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ ) من الناس ؛ عدلاً منه، وإعطاءً لكل ذي حقِّ حقَّه ، وهذا أيضاً من
حُسن العهد .
( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي؛ ورمز برمز الخطيب: (كَانَ وَّرِ يُكْرِمُ
بَنِيْ هَاشٍِ ) .
( وَ) في ((كنوز الحقائق)) أيضاً؛ ورمز له ابن عساكر: (كَانَ وَلَّهِ مِنْ أَشَدِّ
النَّاسِ لُطْفاً بِأَلعَبَّاسِ ).
٤٤٢
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجِلُّ الْعَبَّاسَ إِجْلَاَلَ اَلْوَلَدِ لِلْوَالِدِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلاَمِ .
وروى الحاكم في (( الفضائل))، وكذا ابن حِبَّان في ((صحيحه)) ؛ عن عمر بنِ
الخطّاب رضي الله تعالى عنه أَنَّه ◌َّرَ كان يرى للعبَّاسِ ما يرى الولدُ لوالده؛ يعظِّمُه
ويفخِّمُه ويَبَرُّ قسمه . قال المناوي :
وأصل هذا أنَّ عمر لما أراد أن يستسقي عام الرَّمَادة خطب ؛ فقال : أيُّها
النَّاس؛ إنَّ رسول الله وَّه كان يرى للعبَّاس ما يرى الولد لوالده، فأقتدوا
برسول الله وَله! وأَتَّخِذُوا العبّاس وسيلةً إلى الله تعالى، فما بَرِحوا حتَّى سقاهم الله
تعالى .
( وَ) أخرج الحاكمُ في ( المناقب ) ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما
- وقال: صحيحٌ، وأقرَّه الذهبي - أنَّه (كَانَ بِّهَ يُجِلُّ الْعَبَّاسَ) عمَّه ( إِجْلَاَلَ أُلْوَلَدِ
لِلْوَالِدِ )؛ لأنَّه في مقام الأب، لكونهما من أصل واحد، ولذا كان ◌َله يقولُ:
((إِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْؤُ أَبِيْهِ)) أي : فهو كصِنْوِ النخلة في كونها من أصلٍ واحد ، فهو
بمنزلة الوالد في التعظيم والتوقير والإكرام .
وتمام الحديث ؛ كما في (( المستدرك)): خاصَّةٌ خصَّ اللهُ بِهَا العَبَّاسَ مِنْ بَيْنِ
النَّاسِ » .
( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ وَِّ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلاَمِ) ((مَنْ)) تفيدُ العموم ،
أي : كلَّ أحدٍ لَقِيَه ؛ صغيراً أو كبيراً من المسلمين ! إلاَّ في مواضع لا يستحبُّ
السَّلام فيها ، وأما الكَفَرة ! فلا يسلّم عليهم ، وجوَّز بعضهم ابتداءَهم بالسَّلام
أيضاً ؛ قاله الخفاجي .
وهذه السُّنَّةَ أَفضلُ من الفريضة ، لما فيه من التواضع والتسبُّب لأداء الواجب .
وهذا رواه الترمذيُّ ؛ من حديث هند بن أبي هالة : يسوقُ أصحابَه ويبدأُ مَن
لَقِيَه بِالسَّلامِ .
٤٤٣
وَإِذا أَخَذَ بِيَدِهِ .. سَايَرَهُ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَذَّعَ رَجُلاً .. أَخَذَ بِيَدِهِ ، فَلاَ
يَنْزِعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ، وَيَقُولُ: ((أَسْتَودِعُ اللهَ
دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ)) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَهُوَ يُصَلِّي .. إِلَّ
( وَإِذَا أَخَذَ بِيَدِهِ سَايَرَهُ حَتَّى يَكُوْنَ ذَلِكَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ ) .
روى ابن ماجه ؛ من حديث أنس رضي الله عنه: كان إذا لقيَ الرَّجُل فكلَّمَه لم
يصرف وجهَه حتَّى يكون هو المنصرِفَ . وقد مرَّت أحاديث نحو هذا .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والترمذيُّ، في ((الدعوات))، والنسائي ، وابن
ماجه، والحاكم في ((الحج))، وأخرجه أيضاً الضياءُ في ((المختارة))؛ من طريق
الترمذيّ ؛ كلُّهم عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال :
( كَانَ) رسول الله (وََّ إِذا وَذَّعَ رَجُلاً أَخَذَ بِيَدِهِ فَلاَ يَنْزِعُهَا ) ؛ أي : يتركها
( حَتَّى يَكُوْنَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِيْ يَدَعُ يَدَهُ، وَيَقُوْلُ) مودِّعاً له: ( ((أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِيْنَكَ
وَأَمَانَتَكَ ) قال الشرف المناوي رحمه الله تعالى في (( أماليه)) :
الأمانة هنا : ما يخلِّفُه الإنسان في البلد التي سافر منها . انتهى ؛ نقله عنه
حفيدُه المناوي في (( شرح الجامع الصغير)).
( وَخَوَاتِيْمَ عَمَلِكَ)))، لأن العبرة في العمل بخواتيمه ؛ أي : أَكِلُ كُلَّ ذلك
منك إلى الله تعالى، وأتبرًّا من حفظه، وأتخلَّى من حراسته ، وأتوَّل عليه
سبحانه ، فإنَّه وفيٍّ حفيظ ؛ إذا استودع شيئاً حفظه، ومَن توقَّل عليه كَفَاه ولا قوَّة
إِلاَّ بالله .
( وَ) في ((كشف الغمة)) كـ ((الإحياء)) و((الشفاء)): (كَانَ وَّ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ
أَحَدٌ)؛ أي: لا يجلس متوجِّهاً إليه، والمرادُ لا يجلس عنده ◌َِّ (وَهُوَ يُصَلِّيْ إِلاَّ
٤٤٤
خَفَّفَ صَلاَتَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((أَلَكَ حَاجَةٌ؟ ))، فَإِذَا فَرَغَ .. عَادَ
إِلَى صَلاَتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُ كُلَّ دَاخِلٍ عَلَيْهِ ، حَتَّى رُبَّمَا بَسَطَ
ثَوْبَهُ لِمَنْ لَيْسَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَلَاَ رَضَاعٌ ، يُجْلِسُهُ عَلَيْهِ .
خفَّفَ صَلاَتَهُ)، أي: أسرع فيها ( وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: ((أَلَكَ حَاجَةٌ)) ؟! فَإِذَا
فَرَغَ ) ◌َِّ من كلامه وقضاءِ حاجته (عَادَ إِلَى صَلاَتِهِ ) الَّتي كان فيها .
قال العراقيُّ في (( تخريج أحاديث الإحياء )): لم أجد له أصلاً . انتهى .
ولذا قيل ((لو أورد حديث ((الصحيحين)): ((إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ
أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ؛ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي؛ كَرَاهَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّهِ)) ؛
كان أظهرَ ، فإنَّه متفق عليه، وهو في معنى حديث ((الإحياء ))؛ قاله الخفاجي .
قال في ((شرح الإحياء)): قلتُ: لكن روى الإمام أحمدُ في ((مسنده))؛ عن
رجل من الصحابة قال: كان ممَّا يقول للخادم: ((أَلَكَ حَاجَةٌ؟! )).
وهذا يدلُّ إذا جاءه الخادم ووجده في الصلاة كان يُخَفّفُ ؛ ويقبل عليه بالسؤال
عن الحاجة ، وهو من جملة مكارم الأخلاق ، إذ لا يأتيه في ذلك الوقت إلاَّ
لحاجة ، فإذا طَوَّل في الصلاة فقد أوقعه في الانتظار . انتهى .
( وَ) في ((كشف الغمَّة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ بَّهِ يُكْرِمُ كُلَّ دَاخِلٍ عَلَيْهِ )
بالقيام له، ويلاطفه ؛ كقيامه ويطهر لسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه ؛ قاله
الخفاجي .
( حَتَّى رُبَّمَا بَسَطَ)؛ أي: فرش ( ثَوْبَهُ لِمَنْ لَيْسَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَلاَ رَضَاعٌ ؛
يُجْلِسُهُ عَلَيْهِ ) ؛ إكراماً له ، وتأليفاً لقلبه .
روى الحاكم وصحّح إسناده ؛ من حديث أنس رضي الله عنه : دخل جرير بن
عبد الله على النبي رَليه .. وفيه: فأخذ بُرْدَته فألقاها إليه؛ فقال: ((إِجْلِسْ عَلَيْهَا
٤٤٥
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْثِرُ الدَّاخِلَ عَلَيْهِ بِالْوِسَادَةِ أَلْتِي تَكُونُ تَحْتَهُ
يا جَرِيرُ ... )) الحديث. وفيه: « إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيْمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ » .
والطبراني في ((الكبير)) من حديث جرير : فَأَلقى إليَّ كساءه.
ولأبي نعيم في ((الحلية)) فبسط إليَّ رداءه .
وأمَّا مَن بَيْنَه وبينَهَ قرابةٌ !!.
فروى الخرائِطيُّ في ((مكارم الأخلاق)) عن محمد بن عمير بن وهب (( خالٍ
النبيِ نَِّ)) أنَّ عميراً - يعني أباه - جاء والنبيُّ ◌َّ قاعدٌ فبسط له رداءه ، فقال:
أجلسُ على ردائك؛ يا رسول الله !! قال: (( نَعَمْ، فَإِنَّما الخالُ وَالِدٌ)). وإسناده
ضعيف .
ويروى عن القاسم ؛ عن عائشة رضي الله عنها أنَّ الأسود بن وهب (( خالَ
النبي (وََّ)) استأذن عليه؛ فقال: ((يَا خَالُ؛ أُدْخُلْ)) فبسط له رداءَه . وكذا وقع
لأُمِّه وأخيه وأبيه من الرضاعة ؛ كما هو مذكور في السير. انتهى. ((شرح
الإحياء)).
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) و((الإحياء)): (كَانَ) رسول الله (بِّهِ يُؤْثِرُ الدَّاخِلَ
عَلَيْهِ ) أي : يقدِّمُه على نفسه ، ويُفرده ( بِالوِسَادَةِ أَلَّتِيْ تَكُوْنُ تَحْتَهُ ) ؛ وهي فراشٌ
يجلس عليه ، وكانت محشوَّة بالليف ؛ كما في البخاري .
وقال عدُّ بن حاتم: دخلتُ على النبيِنَّرِ فقال: ((مَنِ الرَّجُلُ؟!)).
فقلت : عديُّ بن حاتِم . فقام وانطلق بي إلى بيته ، فوالله ؛ إنَّه لعامِدٌ بي إذ لقيته
امرأةٌ ضعيفة كبيرةٌ ، واستوقفته ؛ فوقف لها طويلاً تكلِّمُه في حاجتها . فقلت في
نفسي : والله ما هذا بِمَلِك !! ثمَّ مضى حتَّى دخل بيته ؛ فتناول وسادة كبيرة من أَدَمِ
محشوَّة ليفاً فقَذَفها إليَّ؛ وقال لي: (( اجْلِسْ عَلَىْ هُذِهِ )) . فقلتُ بل أنتَ فأجلس
عليها ؛ فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه .
فانظر لمكارم الأخلاق !! فقلت ((والله؛ ما هذا بمَلِك)) !!
٤٤٦
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا .. عَزَمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْبَلَ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: (( أُفِّ))
وهذا يدلُّ على أن الوسادة فراشٌ لا مِخَدَّة ؛ قاله الشهاب الخفاجي على
(( الشفا)) رحمه الله تعالى .
( فَإِنْ أَبَى) - أي: امتنع - ( أَنْ يَقْبَلَهَا) أي: الوسادة حياءً من رسول الله وَيهل
( عَزَمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْبَلَ ) ؛ أي : أقسم عليه أن يجلس على وسادته بأن يقول له (( باللهِ
اجْلِسْ أَنْتَ )) .
قال في ((التهذيب)): يقال ((عزمتُ عليك لتفعلن كذا))؛ أي: أقسمت انتهى.
وهو مأخوذ من العزم ؛ وهو التصميم في الأمر. انتهى ((خفاجي)).
(وَ) أخرج البخاريُّ؛ ومسلمٌ، وأبو داود والترمذيُّ في (( الجامع))
و((الشمائل)).
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُوْلَ اُللهِ وَارِ) - زاد
في رواية أحمد: في السفر والحضر - ( عَشْرَ سِنِيْنَ ) - بسكون الشين ، ويجوز
فتحُها - وفي مسلم : تسع سنين - وحُملت على التَّحديد والأولى - وهي أكثر الروايات -
على التقريب إلغاءً للكسر، فَخِدْمَتُه إنَّما كانت أثناء السَّنَة الأُولى من الهجرة -.
( فَمَا قَالَ لِيْ أُتَّ ) ؛ بضمِّ الهمزة وتشديد الفاء مكسورةً بلا تنوين ، وبه ،
ومفتوحةً بلا تنوين .
فهذه ثلاثُ لغات قُرىء بها في السَّبْع(١) ، وذكر فيها بعضُهم عشر لغات .
(١) وهي؛ ١ - أُفِّ: أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي.
٢ - أُفِّ: نافع وحفص .
٣ - أُفَّ: ابن كثير وابن عامر .
٤٤٧
قَطُ، وَمَا قَال لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: ((لِمَ صَنَعْتَهُ؟))، وَلاَ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ:
(( لِمَ تَرَكْتَهُ؟ )).
وقذ ذكر أبو الحسن الكرمانيُ فيها تسعاً وثلاثين لغةً ، وزاد ابن عطيّة واحدةً ؛
فأكملها أربعين .
ونظمها السيوطيُّ في أبيات فأجاد، وقد ذكر لغاتِها مفصَّلةً في (( التصريح شرح
التوضيح)) للشيخ خالد الأزهري . فراجعه .
وهي كلمةُ تبرُم ومَلَال ، تقال لكلِّ ما يُتَضَجَّر منه ، ويستوي فيه الواحد والمثنَّى
والجمع، والمذكَّر والمؤنث، قال تعالى ﴿فَلَا تَقُل ◌َُّمَا أُنٍ﴾ [٢٣/ الإسراء].
( قَطُّ ) - بفتح القاف وتشديد الطاء - مضمومةٌ في أشهر لغاتها ، وهي ظرفٌ
بمعنىُ الزَّمن الماضي ، فالمعنى: فيما مضى من عُمْري ، ورُبَّما يستعمل بمعنى
(( دائماً))، لكنه قد يتَّفقُ له فعل شيء ليس على الوجه الذي أراده منه المصطفى ،
ففي رواية أبي نعيم : فما سَبَّني قَطُّ، وما ضربني ضربةً ، ولا انتهرني ، ولا عبس
في وجهي ، ولا أمرني بأمر فَتَوانيتُ فيه ؛ فعاتبني عليه ، فإن عاتبني أحدٌ قال :
(( دَعُوهُ ، وَلَوْ قُدِّرَ شَيْءٌ كانَ » .
( وَمَا قَالَ لِشَيءٍ صَنَعْتُهُ) ؛ أي: مما لا ينبغي صنعُه ، أو على وجه لا يليق
فعله : ((لِمَ صَنَعْتَهُ))) أي: لأي شيء صنعتَه، (وَلاَ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: ((لِمَ
تَرَكْتَهُ))) ؛ أي لشدَّة وثوقه ويقينه بالقضاء والقدر ، ولذلك زاد في رواية : ولكن
يقول: ((قَدَّرَ الله، وَمَا شَاءَ فَعَلَ)) و(( لَوْ قَدَّرَ اللهُ كَانَ)) و ((لو قُضِيَ لَكَانَ)).
فَكَان يشهد أنَّ الفعل من الله؛ ولا فعل لأنسٍ في الحقيقة؛ فلا فاعل إِلاَّ اللهُ،
والخلق الآن وسائطُ ، فالغضب على المخلوقِ في شيءٍ فَعَله أو تَرَكه ينافي كمالَ
التوحيد ؛ كما هو مقرَّر في علم التوحيد ؛ من وحدة الأفعال .
وفي ذلك بيانُ كمالٍ خُلُقْه وصبره ، وحسن عشرته ، وعظيم حلمه وصفحه ،
وترك العقاب على ما فات ، وصون اللِّسان عن الزجر والذمِّ للمخلوقات ، وتأليفُ
٤٤٨
وَعَنْهُ أَيْضاً قَالَ : خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْنُ
ثَمَانٍ سِنِينَ - خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ - فَمَا لَآَمَنِي عَلَى شَيْءٍ قَطُ ، فَإِنْ لَمَنِي
لَئِمٌّ مِنْ أَهْلِهِ .. قَالَ: (( دَعُوهُ ، فَإِنَّهُ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ .. كَانَ)).
وَفِي ((أَلْمَصَابِيحِ)) : عَنْ
خاطِر الخادم بترك معاتبته على كِلاَ الحالات .
وهذا كلُّه في الأُمور المتعلّقة بحظُّ الإنسان . وأمَّا ما يتعلَّق باللهِ من الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر !! فلا يتسامح فيه ، لأنه إذا انتهك شيءٌ من محارم الله
اشتدَّ غضبه . وهذا يقتضي أنَّ أنَساً لم ينتهك شيئاً من محارم الله ، ولم يرتكب
ما يوجب المؤاخذة شَرْعاً في مِدَّة خدمتِهِ له ◌َّد .
ففي ذلك مَنقبةٌ عظيمة لأنس ؛ وفضيلةٌ تامَّة لحُسن أدبه في خدمته ؛ مع صغر
سِنِّه، لكنها كلَّها مستفادةٌ من بركة ملازمته للحضرة النبويّة والطلعة البهيَّة بَّر.
( وَ) في ((المصابيح)) للإمام البَغَوي - وقد تقدَّمتْ تُرجمته؛ في أوَّل الكتاب
رحمه الله تعالى - ؛ ( عَنْهُ) ؛ أي: عن أنس بنمالك رضي الله تعالى عنه ( أَيْضاً )
مفعولٌ مطلقٌ ؛ من ((آض؛ إذا رجع )) أي : ارجع إلى الرواية عن أنس رجوعاً.
( قَالَ: خَدَمْتُ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ وَأَنَا أَبْنُ ثَمَانٍ سِنِيْنَ؛ خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِيْنَ ).
قال الحافظ ابن حجر : في معظم الرواياتِ عشر سنين ، وفي روايةٍ لمسلم :
واللهِ ؛ لقد خدمتُه تسعَ سنين ، فقال النووي : لعل ابتداءَ خدمة أنس في أثناء
السَّنَة !! ففي رواية التسع لم يجبر الكسر واعتبر السنينَ الكوامل ، وفي رواية العشر
جَبَرها واعتبرها سَنَة كاملة. انتهى ؛ نقله في ((جمع الوسائل)).
( فَمَا لاَمَنِيْ عَلَى شَيْءٍ قَطُّ ) أتي فيه على يدي، (فَإِنْ لَآَمَنِيْ لَائِمٌ مِنْ أَهْلِهِ ؛
قَالَ : ((دَعُوْهُ ، فَإِنَّهُ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ)) ) .
قال في ((المشكاة)): رواه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) بتغيير يسير.
( وَفِي ((أَلْمَصَابِيْح))) - وهو في ((صحيح مسلم))؛ و ((سنن أبي داود)) - ( عَنْ
٤٤٩
أَنَسِ أَيْضاً : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً ،
فَأَرْسَلَنِي يَوْماً لِحَاجَةٍ ؛ فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ - وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا
أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ
وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ ؛ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَبَضَ
بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: (( يَا أُنَيَسُ ؛
أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ )) ، قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ
أنَس أَيْضاً) قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُّقاً) ينبغي إسقاط ((من))
لأنَّهَ وَلِّ أحسنُ النَّاسِ خُلُقاً إجماعاً، فكان الأولى تركُها لإيهامها خلافَ ذلك ؛ وإن
قيل في الجواب عن ذلك : إنها لا تنافيه !! .
لأن الأحسن المتعدِّد بعضه أحسن من بعض، أو لأن (( كان)) للدوام
والاستمرار ، فإذا كان دائماً من أحسن الناس خُلُقاً كانَ أحسنَ النَّاسِ خُلُقاً .
قال ملا علي القاري : وكأنَّ مرادَهم أنَّ سائر الخلق ؛ ولو حَسُن خُلُقهم أحياناً
ساء خلقهم زماناً ، بخلاف حُسْن خُلُقه عليه الصلاة والسلام ، فإنه كان على
الدوام ، ومع عموم النَّاس ؛ لا مع خصوص الناس، قال تعالى ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
[القلم] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾
D
عَظِيمٍ
[١٥٩/ آل عمران] انتهى كلام القاري والباجوري أيضاً .
( فَأرْسَلَنِيْ يَوْماً لِحَاجَةٍ؛ فَقُلْتُ: وَاللهِ؛ لاَ أَذْهَبُ ) بحسب الظاهر ، ( وَفي
نَفْسِيْ) باطناً ( أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُوْلُ اللهِوَّهِ، فَخَرَجْتُ) من عنده ( حَتَّى أَمُرَّ
عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُوْنَ فِي السُّوْقِ؛ فَإِذَا رَسُوْلُ اللهِوَلِّ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِن ) جهة
( وَرَائي ) ؛ أي : خلفي .
( قَالَ )؛ أي أنس (: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ ) وَّهِ ( وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: ((يَا أُنَيْسُ )
تصغير أنس (؛ أَذَهَبْتَ ) - بالاستفهام ــ ( حَيْثُ أَمَرْتُكَ))؟! ) أي : المكان الذي
أمرتك وأرسلتك إليه لقضاء الحاجة المذكورة . قال: ( قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ )
٤٥٠
يَا رَسُولَ اللهِ . وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَائِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَّةِ ، فَأَدْرَكَهُ أَغْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ
بِرِدَائِهِ(١) جَبْذَةٌ شَدِيدَةٌ رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ فِي نَحْرِ الأَعْرَابِيِّ، حَتَّى نَظَرْتُ
إِلَى صَفْحَةِ عَائِقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ فِيهِ حَاشِيَةُ
الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ .
ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ؛
الآن ( يَا رَسُولَ اللهِ ) لقضاء حاجتك التي أرسلتني لها .
( وَ) أخرج البخاريُّ في ((الخمس)) و((اللباس)) و ((الأدب))، ومسلم
كلاهما ( عَنْ أَنَسِ أَيْضاً ؛ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِيْ مَعَ النَّبِيِّنَّهِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) - بضمِّ
الموحّدة وسكون الراء - : نوع من الثياب . وفي رواية مسلم : رِداء ( نَجْرَانِيٌّ)
- بنون مفتوحة فجيم ساكنة فراءٌ مفتوحة ؛ فألف فنون - نسبة إلى نجران : بلدة بين
الحجاز واليمن ، وهي إليه أقربُ ؛ فلذا يقال بلدةٌ باليمن، ( غَلِيْظُ الحَاشِيَةِ ) أي :
الجانب ( فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ ) . قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على تسميته . انتهى .
وسياق الحديث - كما قيل - يقتضي أنَّه من المسلمين المؤلّفة قلوبُهم ،
( فَجَبَذَهُ) - بتقديم الباء على الذال المعجمة - ([ بِدَائِهِ ] جَبْذَةٌ شَدِيْدَةً رَجَعَ ) بسببها
( نَبِيُّ اللّهِ) وَّهِ (فِي نَحْرِ الأَعْرَابِيِّ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةٍ ) : جانب (عَاتِقٍ
رَسُوْلِ اللهِ وََّ ): ما بين العنقِ والكتف، أو موضع الرداء من المنكب (قَدْ أَثَّرَتْ
فِيْهِ حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ ) .
وفي رواية مسلم : وانشقَّ البُرْد وذهبت حاشيته في عنقه .
(ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدٌ) . قيل: [قبل] تحريم ندائه باسمه، أو لقرب عهد
الأعرابي بالإسلام ؛ فلم يتفقَّه في الدين ، وفي طبعه الغلظة والجفا ، وإلاَّ فطلبه
(١) ساقطة من الأصل. وأثبتناها من ((وسائل الوصول)).
٤٥١
مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَيْنَاً لَيْناً ، لَيْسَ بِفَظُّ وَلاَ غَلِيظٍ .
وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ :
٠
العطاء من مال الله يدلُّ على أنَّه مسلم .
( مُزْلِيْ) - ولمسلم: أَعطني - ( مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ !! فَلْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُوْلُ
اللهِ وَهُ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ) . وهو تحميلُ بعيريه ؛ كما سيأتي في
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه .
وفي هذا بيانُ حلمه عليه الصلاة والسلام ، وصبره على الأذى في النفس
والمال ، والتجاوز عن جفاء مَن يريد تألُّفه على الإسلام .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كَانَ اَل
هَيْناً ) ؛ أي : سهلاً ( ليْناً ) في أخلاقه ، وكلاهما بالتَّشديد والتخفيف .
قال ابن الأعرابي : العرب تمدح بالهَيْن اللين مخفّف ، وتذُ بالهيِّن الليِّن
مشدَّد. وفي الحديث ((المُسْلِمُونَ هَيْنُونَ لَيْنُونَ)) جعله مدحاً لهم .
وقال غيرُ ابن الأعرابي: هما بمعنى واحد ؛ قاله في (( شرح القاموس)).
وقال في (( المصباح)): وأكثر ما جاء المدح بالتخفيف . انتهى .
( لَيْسَ بِفَظُّ) أي : ليس بسيءِ الخُلُق ، ( وَلاَ غَلِيْظٍ ) قلبُه بحيث يكون جافيَ
الطبع قاسيَ القلب، قال تعالى ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾
[١٥٩/ آل عمران]. رواه الترمذي في (( الشمائل)) في حديث الحسن الطويل ، وفيه :
سهل الخلق لين الجانب ، ليس بفظٍّ ولا غليظ ... الحديث .
( وَ) روى الترمذيُّ في ((جامعه)) و ((شمائله)) برجال ثقات؛ (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ
المُؤْمِنِيْنَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّهَا قَالَتْ) - وقد سئلت عن خُلُقْهِ وَ لَ قالت - :
٤٥٢
لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشاً، وَلاَ مُتَفَخِّشاً ، وَلاَ
صَخَّاباً فِي الأَسْوَاقِ ،
( لَمْ يَكُنْ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ فَاحِشاً ) ؛ أي : ذا فحشٍ طبعاً ؛ في أقواله وأفعاله
وصفاته . والفحش : ما خرج عن مقداره حتَّى يستقبح ، واستعماله في القول
أكثر .
( وَلاَ مُتَفَخِّشاً) أي : متكلِّفاً الفحش في أقواله وأفعاله وصفاته ، فالمقصودُ
نفيُ الفحش عنه وَ ل# طبعاً وتكلُّفاً ، إذ لا يلزم من نفي الفحش من جهة الطبع نفيُه من
جهة التطبُّع، وكذا عكسه فمِنْ ثَمَّ تَسَلَّط النفيُ على كلٍّ منهما . فهذا من بديع
الكلام .
وفي البخاري في ((الصفة النبوية)) و((الأدب))، ومسلم في (( الفضائل))،
والترمذيُّ في (( البر)) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاصي رضي الله عنهما قال:
لم يكن النبي ◌َّ فاحشاً ولا متفحّشاً ... الحديث. فتواردُ عبد الله بن عمرو مع
عائشة على نفي الصفَتين دليلٌ ظاهر على أنَّ ذلك جِبِلَّتُه مع الأهل والأجانب .
( وَلاَ صَخَّاباً) - بالصاد المهملة المشدّدة - أي: لم يكن ذا صخب (فِي
الأَسْوَاقِ ) ، فصيغة (( فعال )) - بالتشديد - للنَّب؛ كتَمَّارِ ولبَّان ، فيفيد التركيبُ
حينئذ نفي الصَّخَب من أصله ؛ على حدٍّ قوله تعالى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ
[فصلت] أي : بذي ظلم .
وليس صيغة (( فعَّال)) للمبالغة !! لئلا يفيد التركيب حينئذ نفيَ كثرة الصخب
فقط ، فالمعنى : ولا صيّاحاً في الأسواق ، وإذا لم يكن في الأسواق كذلك فغيرُها
أَولى .
وقد جاء سَخَّاباً - بالسين المهملة أيضاً ؛ على ما ذكره ميرك - من السَّخَب
بفتحتين؛ كالصخب ، و((في )) ظرفية ، والأسواق جمع سُوق ؛ سمِّيت بذلك !!
لسَوْق الأرزاق إليها ، أو لقيام النَّاس فيها على سُؤْقهم .
٤٥٣
وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيَّةِ السَّيَّةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ .
وَ( الصَّخَبُ ) : شِدَّةُ الصَّوْتِ .
وَفِي ((أَلْإِحْيَاءِ )):
( وَلاَ يَجْزِيْ ) - بفتح الياء التحتية من غير همزة في آخره ؛ بِنَةَ ((يَرْمِي)) أي:
لا يكافِىءُ ( بِالسَّيَّةِ ) التي يفعلها الغير معه ( السَّيَّةَ) التي يفعلها هو مع الغير ؛
مجازاةً له ، فالباء للمقابلة .
وتسميةُ الَّتي يفعلها هو مع الغير مجازاة له ((سيئةً)) !! من باب المشاكلة ؛ كما
في قوله تعالى ﴿وَجَزَُّواْ سِيْئَةٍ سَِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [٤٠/ الشورى]، وإشارةٌ إلىْ أَنَّ الأَوْلىُ العفوُ
والإصلاح، ولذلك قال تعالى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾ [٤٠/ الشورى] .
( وَلَكِنْ ) استدراكٌ لدفع ما قد يُتَوهَّمُ أَنَّه تَرَك الجزاء عجزاً؛ أو مع بقاءِ
الغضب !! فصرَّحت عائشة رضي الله تعالى عنها بأنَّه مع القدرة ؛ فقالت :
( يَعْفُؤْ ) أي : يعامل الجاني معاملةَ العافي ، بأن لا يظهر له شيئاً مما تقتضيه الجناية ،
( وَيَصْفَحُ ): يظهر له أَنَّه لم يطلع على شيء من ذلك ، أو المراد يعفو بباطنه ؛
ويصفح يعرض بظاهره ، وذلك منه طبعاً وامتثالاً ، لقوله تعالى ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَأَصْفَحْ﴾ [١٣/ المائدة] وأصله من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء؛ كأنه لم يره .
وحسبُك من عفوه وصفحه عن أعدائه الَّذين حاربوه ، وبالغوا في إيذائه حتَّى
كسروا رَبَّاعِيَتَه وشُوا وجهه !. وما من حليم ؛ إلاَّ وقد عُرفت له زَلَّةٍ أَوْ هفوة
تَخْدُش في كمال حلمه؛ إلاَّ المصطفى ◌َِّ، فلا يزيدُه الجهلُ عليه وشدَّة إيذائه إلاَّ
عفواً وصَفْحاً انتهى (( باجوري )» . قال :
( وَالصَّخَبُ) - محرَّكاً - (: شِدَّة الصَوْتِ ) يقال : صخِب كفرح؛ فهو صَخَّاب
وهي صَخَّابة . انتهى
( وَفِي ((الإِحْيَاءِ))) أي: كتاب ((إحياء علوم الدين)) للإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
٤٥٤
قَدْ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى فِي ((التَّوْرَاةِ)) قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ فَقَالَ: ﴿مَحَمَّدٌ
رَسُولُ اللهِ عَبْدِيَ الْمُخْتَارُ؛ لاَ فَظُّ، وَلاَ غَلِيظٌ، وَلاَ صَخَّابٌ فِي
اُلأَسْوَاقِ ، وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ،
( قَدْ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَىْ فِي ((الثَّوْرَاةِ ))) الَّذي أُنزل على موسى - على نبيّنا وعليه
الصلاة والسلام - ( قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ) بمُدَّة طويلة في السّفر الأوَّل؛ (فَقَالَ { مُحَمَّدٌ
رَسُوْلُ اللهِ عَبْدِيَ المُخْتَارُ) ؛ أي : اخترته من بين عبادي ، (لاَ فَظِّ ) - بفتح الفاء
وتشديد الظاء المعجمة - وهو من الرجال : سيِّءُ الخُلُق، (وَلاَ غَلِيْظٌ ) ؛ هو:
الجافي الطبع القاسي القلب ، ولا ينافيه قوله تعالى ﴿ وَأَغْلُظْ عَلَيَّهِمْ﴾ [٧٣/ التوبة] !!
لأنَّ النفيَ بالنسبة للمؤمنين ؛ والأمر بالنسبة للكفار والمنافقين ، كما هو مصرَّح به
في الآية . أو النفي محمولٌ على طبعه ؛ والأمرُ محمولٌ على المعالجة .
قال العلامة ملا علي قاري رحمه الله تعالى :
وفيه نكتة لطيفة ؛ وهي : أنَّه كانت صفة الجمال من الرحمة واللِّينِ غالبةً عليه
حتَّى احتاج بمعالجة الأمر إليه . انتهى .
( وَلاَ صَخَّابٌ ) ؛ من الصَّخَب - بالصاد والسين والخاء المعجمة - محرَّكةٌ ؛ هو
الضَّجَر واضطراب الأصوات للخِصام . وقيل : غير ذلك .
( فِي الأَسْوَاقِ ) لأنَّه ليس ممَّن ينافس في الدنيا وجمعِها ؛ حتَّى يحضر الأسواق
لذلك ؛ فذكرها إنَّما هو لكونها محلَّ ارتفاع الأصوات لذلك ؛ لا لإثبات الصَّخب
في غيرها ، أو لأنَّه إذا انتفى فيها أنتفى في غيرها بالأَوْلى .
والمراد بالمبالغة هنا أصلُ الفعل . وقد تقدَّم قريباً الكلامُ على ذلك .
( وَلاَ يَجْزِيْ) بوزن: يَرْمي ( بِالسَّيِّئَةِ السَّيَِّةَ) - بالنصب -، ولما كان ذلك
موهِماً أَنَّه ترك الجزاء عجزاً ؛ استدركه بقوله :
٤٥٥
وَلَكِنْ يَعْفُر وَيَصْفَحُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَابَةَ، وَمُلْكُهُ
بِالشَّامِ ، يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ ، هُوَ وَمَنْ مَعَهُ دُعَةٌ لِلْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ،
يَتَوَضَّأُ عَلَى أَطْرَافِهِ﴾
( وَلْكِنْ يَعْفُوْ) بباطنه، ( وَيَصْفَحُ) : يعرض بظاهره ، امتثالاً لقوله تعالى
﴿ فَاعْفُ عَنَّهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ [المائدة].
( مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ) في سوق الليل ؛ محلٌّ معروف هناك، وقد جُعل الآن خزانةً
للكتب العلمية الدينية؛ تابع لوزارة الأوقاف ( وَهِجْرَتُهُ بِطَابَةَ ) ، وهو من أسماء
المدينة المنورة ، (وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ) ، المراد به الإقليم المعروفُ ، وقد صارت
المملكة الإسلامية كلُّها عاصمتُها دمشقُ الشام في زمن سيِّدنا معاويةَ بنِ أبي سفيان
رضي الله تعالى عنهما ، ثم مِن بعده خلفاء بني أمية .
( يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ ) أي : يستعمل الإزار ؛ كما هو عادةُ العرب .
( هُوَ وَمَنْ مَعَه ) من أصحابه ( دُعَاةٌ ) ؛ جمع داع - بالدال المهملة - أي :
يدعون النَّاس. وفي ((الإحياء)) - بالراء -: رُعَاةٌ ( لِلْقُرْآنِ وَأَلِعِلْم ) أي : حملةٌ
لهما، وحَفَظة يرعَوْنَهما حقَّ الرِّعاية بالحفظ والفهم والعمل بما فيه .
( يَتَوَضَّأُ عَلَى أَطْرَافِهِ }) أي : يغسل أطرافه عند الوضوء .
قال في (( شرح الإحياء)): أخرج البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) عن عطاء بن يسار؛
قال : لقيتُ عبد الله بن عَمْرو بن العاصي ؛ فقلت له : أخبرني عن صفة
رسول الله وَّر في ((التوراة))، فقال: أجلْ واللهِ؛ إنَّه لموصوفٌ في (( التوراة))
ببعض صفتِه في القرآن: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ؛ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيْراً وَحِرْزاً
لِلْأُمِِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظُّ وَلاَ غَلِيْظِ ،
وَلَاَ صَخِبٍ بِالأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ...
الحديث، وفي لفظ له : وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ ، وفيه : ولكنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ)).
رواه البخاريُّ عن محمَّد بن سِنان عن فُلَيح .
٤٥٦
وَكَذلِكَ نَعْتُهُ فِي (( الإِنْجِيلِ)).
ورواه البيهقي نحو ذلك ؛ من حديث عبد الله بن سَلَام وكعبِ الأحبار . وفيه :
وَلَكِنْ يَعْفُر وَيَغْفِرُ وَيَتَجَاوَزُ .
ومن طريق محمّد بن ثابت بن شرحبيل عن أمِّ الدرداء أَنَّها سألت كعباً عن
صفته بَّ في ((التوراة))؛ فقال: نجده « مُحمَّدٌ رَسُولُ اللهِ اسمُهُ اَلْمُتَوَكِّلُ، لَيْسَ
بِفَظُّ وَلاَ غَلِيْظٍ ، وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ)» ... الحديث.
ورواه من طريق المسيّب ؛ عن نافع؛ عن كعب: قال الله عزَّ وجلَّ لمحمَّدٍ وَهُ
((عَبْدِي الْمُتَوَكِّلُ الْمُخْتَارُ؛ لَيْسَ بِفَظُّ وَلاَ غَلِيْظِ ، وَلَّ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ ،
وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيَّةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُر وَيَصْفَحُ )) .
وأخرجه البيهقيُّ ؛ من طريق عُمَر بن الحكم بن رافع بن سنان عن بعض عُمُومته
وآبائِهِ : أَنَّه كانت عندهم وَرَقة يتوارثُونها عن الجاهلية حتَّى جاءَ الله بالإسلام ،
وفيها: ((لِأُمَّةٌ تَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَبُّونَ أَْرَافَهُمْ، وَيَتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ)) ...
الحديث .
( وَكَذَلِكَ نَعْتُهُ فِي ((أَلإِنْجِيْلِ))) من جهة بعثته ومُهَاجرته وما خصَّه الله من
أوصافه . أخرج البيهقيُّ في ((الدلائل))؛ من طريق العيزار بن حُرَيث؛ عن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت :
إِنَّ رسولَ اللهِّهِ مكتوبٌ في ((الإنجيل)): ((لاَ فَظُّ وَلاَ غَلِيْظٌ، وَلاَ صَخَّابٌ
بِالأسْوَاقِ ؛ وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيَّة مِثْلَهَا، بَلْ يَعْفُر وَيَصْفَحُ )).
وقد ذكر ذلك صاحب (( الشفاء)) وغيرُه، وأوسعَ شُرَّاحه الكلامَ فيه .
وروى الترمذيُّ في (( الشمائل))؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها :
لَمْ يكن فاحشاً ولا متفَكِّشاً، ولا سَخَّاباً في الأسواق ، ولا يجزي السيّئة
بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ! وقد تقدَّم .
٤٥٧
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَجْفُو عَلَىْ أَحَدٍ ، وَلَوْ فَعَلَ مَعَهُ مَا
يُوجِبُ الْجَفَاءَ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ
إِلَيْهِ ، وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذاَ آذَاهُ أَحَدٌ .. يُعْرِضُ عَنْهُ ، وَيَقُولُ :
(( رَحِمَ اللهُ أَخِي مُوسى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ )).
( وَ) في (( كشف الغُّمَّة )) للإمام الشعراني رحمه الله تعالى:
( كَانَ وَّهِ لاَ يَجْفُوْ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ فَعَلَ مَعَهُ مَا يُؤْجِبُ الجَفَاءَ ) .
روى أبو داود، والترمذيُّ في ((الشمائل))، والنسائي في (( اليوم والليلة))؛
من حديث أنس رضي الله عنه : قلَّما يواجه رجلاً بشيءٍ يكرهُه . وفيه ضعف .
وللشيخين ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّ رجلاً استأذن
عليه وَّهُ؛ فقال: ((بِئْسَ أَخُو العشيْرَةِ)). فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ القَوْلَ ...
الحَدِيْثَ .. وسَيَأْتِي .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ وَّلِ يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ إِلَيْهِ ؛
وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ ) . متَّفق عليه ؛ من حديث كعب بن مالك في قصَّة الثلاثة الذين
خُلِّفُوا، وفيه : طفق المُخَلَّفون يعتذرون إليه ؛ فقبل منهم علانيتهم ...
الحديث .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للإمام الشعراني رحمه الله تعالى:
( كَانَ) رسول الله (وََّ إِذَا آذَاهُ أَحَدٌ يُعْرِضُ عَنْهُ) ويصفح ، ولا يقابله بالجفا ،
بل يُشفق عليه ؛ ( وَيَقُوْلُ: ((رَحِمَ اللهُ أَخِي مُؤْسَىْ) - بنَ عمران عليه أفضل الصلاة
والسلام - ( قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ )) ) أي : آذاه قومُه بأشدَّ مما أُوذيتُ به مِن
تشديد فرعون وقومِه ، وإبائه عليه ، وقصدِه إهلاكَه ، بل ومِن تعنُّت مَن آمن معه من
بني إسرائيل حتَّى رموه بالأُدْرة ، واتهموه بقتل أخيه هارون عليه السلام لما مات معه
في التِّيه، ولما سَلَك بهم البحر ؛ قالوا: إنَّ صَحْبَنا لا نراهم !! فقال: (( سِيْروا
٤٥٨
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى اللَّعِبَ الْمُبَاحَ فَلاَ يُنْكِرُهُ، وَتُرْفَعُ
عَلَيْهِ الأَصْوَاتُ بِالْكَلاَمِ الْجَافِي، فَيَحْتَمِلُهُ وَلاَ يُؤَاخِذُ .
فإنَّهم على طريق كطريقكم )). قالوا: لا نرضَى حتَّى نراهم. قال: ((اللهم أعنِّي
على أخلاقهم السيّئة)). ففُتحت لهم كُوَّاتٌ في الماء فتراءَوا وتسامعوا .. إلى غير
ذلك من تَعَنَّاتهم معه عليه الصلاة والسلام .
وكلامُه ◌َّر ذلك شفقة عليهم ونصحاً في الدين ؛ لا تهديداً وتثريباً .
وسيأتي هذا الحديثُ مع بيان أنَّه رواه الإمام أحمد ، والشيخان ؛ عن ابن
مسعود رضي الله تعالى عنه .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) و((الإحياء)): ( كَانَ بِّهِ يَرَى اللَّعِبَ الْمُبَاحَ فَلاَ
يُنْكِرُهُ) . وروى البخاريُّ ، ومسلم ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في
لعب الحبشة بين يديه في المسجد، وقال لهم: « دُوْنَكُمْ؛ يَا بَنِي أَرْفَدَةَ)).
( وَتُرْفَعُ عَلَيْهِ الأَصْوَاتُ بِالْكَلاَمِ الجَافِي فَيَحْتَمِلُهُ ؛ وَلاَ يُؤَاخِذُ ) .
قال الحافظ العراقي : روى البخاريُّ ؛ من حديث عبد الله بن الزبير : قَدِم ركب
من بني تميم على النبي ◌ِِّ، فقال أبو بكر : أمِّر القعقاع بن معبدٍ ! وقال عمر : بل
أمر الأقرع بن حابس ! فقال أبو بكر : ما أردتَ إِلَّ خِلافي . فقال عمر : ما أردتُ
خلافَك! فَتَمَارَيَا حتَّى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِمْ﴾ [١/ الحجرات] انتهى.
وروى البخاريُّ ، وابن المنذر ، والطبرانيُّ عن ابن أبي مليكة ؛ قال : كادَ
الخَيِّرانِ أَنْ يَهْلِكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ◌َِّ حين قَدِمَ عليه
ركبٌ من بني تميم ... فساقه . وأخرجه الترمذيُّ من هذا الطريق . انتهى شرح
( الإحياء)).
٤٥٩
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُئِلَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ . . عَدَلَ عَنِ
الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ .
وَمَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ امْرَأَةً وَلاَ خَادِماً
قَعُ وَلاَ غَيْرَهُمَا؛ إِلَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَلْجِهَادِ .
( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغمة)): (كَانَ) رسول الله (وَّةٍ إِذَا سُئِلَ أَنْ
يَدْعُوَ عَلَىْ أَحَدٍ ) مسلم أو كافر ؛ عام أو خاصِّ ( عَدَلَ عَنِ الذُّعَاءِ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ) .
روى الشيخان ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالوا : يا رسول الله ؛ إنَّ
دوساً قد كفرت وأَبت فادع عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال: «اللَّهُمَّ ؛ أَهْدِ
دَوْساً وأُتِ بِهِمْ)) .
ولما آذاه المشركون يوم أُحُد وكَسَروا رَبَاعِيَتَه وشَجُوا وجهه شَقَّ ذلك على
أصحابه ، فقالوا: لو دعيتَ عليهم؟! فقال: ((إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَغَّاناً! وَلَكِنْ بُعِثْتُ
دَاعِياً وَرَحْمَةً !! اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِقَوْمِي - أوْ أَهْدِ قَوْمِي - فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ )) .
( وَ) روى مسلمٌ، والترمذيُّ في ((الشمائل))؛ عن عائشة رضي الله تعالى
عنها قالت: ( مَا ضَرَبَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ بِيَدِه) - لتأكيد النوعيّة؛ نحو ﴿يَطِيرُ
بِجَنَاحَيْهِ﴾ [٣٨/ الأنعام]، إذ الضرب عادة لا يكون إِلا باليد - (أمْرَأَةً) من نسائه،
( وَلاَ خَادِماً) له (قَطُّ) وخصَّهما !! لكثرة وجود سببٍ ضربهما، للابتلاء
بمخاطبتهما ومخالفتهما غالباً ، ( وَلاَ غَيْرَهُمَا ) آدميّ وغيره ؛ أي : ضرباً مؤذِياً .
وضربُه لمركوبه !؟ لم يكن مؤذِياً ، ووكزُ بعيرٍ جابرٍ حتَّى سبق القافلةَ بعدما كان عنها
بعيداً معجزةٌ ، وكذا ضربُهُ لفَرَس طُفيل الأشجعيِّ لَمَّا رآه متخلِّفاً عن الناس ؛
وقال: «اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ فيها))، وقد كان هزيلاً ضعيفاً !! قال طفيل : فلقد رأيتُني
ما أملكُ رأسَها ، ولقد بعتُ من بطنها بآثني عشر ألفاً. رواه النسائي ((ذكره الزرقانيُّ
على (( المواهب)).
( إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ فِي الْجِهَادِ ) فيضربُ إن احتاج إليه، وقد قتل بأُحُد أُبِيَّ بن خَلَف
٤٦٠