النص المفهرس
صفحات 401-420
وَلاَ تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ وَلاَ تُنْثَى فَلَتَاتُهُ. مُتَعَادِلِينَ، بَلْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَىُ ، مُتَوَاضِعِينَ ، ( وَلاَ تُؤْبَنُ) - بضم التاء وسكون الهمزة ، ويجوز إبدالها واواً وفتح الموحدة المخففة وتشدَّد أيضاً ، وآخره نون - من الأَبْن - بفتح الهمزة - وهو العيب ؛ أي : لا تعاب ( فِيْهِ) أي: في مجلسه ◌ََّ ( الحُرَمُ) - بضم الحاء وفتح الراء ، وبضمِّها - جمع حُزْمة ؛ وهي : ما يحترم ويحمى من أهل الرجل . والمعنى : لا تُعابُ فيه حُرَم الناس بقذف ؛ ولا غيبة ونحوها ، بل مجلسه مصونٌ عن كلِّ قولٍ قبيح . ( وَلاَ تُنْثَىْ) - بضمِّ أوَّله وسكون النون، وفتح المثلثة - من ((نَثًا الحديث)): حدَّث به وأشاعَهُ ، أي : لا تُشاع ولا تذاع ( فَلَتَاتُهُ) - بفتح الفاء واللام - أي : هَفَواتُ مجلسه ، فالضمير للمجلس ، والفَلَتات جمع فَلتة ؛ وهي : الهفوة ، فإذا حصل من بعض حاضريه هفوةٌ لا تُشاع ولا تذاع ، ولا تنقل عن المجلس ، بل تستر على صاحبها إذا صدرت منه ؛ على خلاف عادته وطبعه . هذا ما يعطيه ظاهرُ العبارة !! والأَوْلى جعل النفي منصباً على الفَلَتَاتِ نفسِها ، لا وصفها ؛ من الإشاعة والإذاعة . فالمعنى : لا فَلَتَاتٌ فيه أصلاً ، فلم يكن شيء منها في مجلسه مَّۇ ، وليس منها ما يصدرُ من أجلاف العرب ؛ كقول بعضهم (( أعطني من مال الله ؛ لا من مال أبيك وجَدِّك)) ، بل ذاك دأبهم وعادَاتُهم . ( مُتَعَادِلِيْنَ ) أي: كانوا متعادلين ، فهو خبر (( كان)) مقدَّرة. والمعنى أَنَّهم كانوا متساوين ، فلا يتكبَّر بعضهم على بعض ، ولا يفتخر عليه بِحَسَب أو نَسَب . ( بَلْ كَانُوا يَتَفَاضَلُوْنَ ) أي: يفضل بعضهم على بعض ( فِيْهِ) أي : في مجلسه ◌َ﴿ ﴿بِالتَّقْوَى) علماً وعملاً، ( مُتَواضِعِيْنَ) حالٌ من الواو في ٤٠١ يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَمْضِي لَهُ وَقْتٌ فِي غَيْرِ عَمَلٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ فِيمَا لاَ بُدَّلَهُ مِنْ صَلاَحِ نَفْسِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً . (( يتفاضلون)) أي: حالَ كونِهم متواضعين ( يُؤَقِّرُونَ) أي : يعظُّمون ( فِيْهِ ) أي : في مجلسه وََّ (الكَبِيْرَ) - بفتح الكاف ـ (يَرْحَمُوْنَ فِيْهِ الصَّغِيْرَ ) - بفتح الصَّاد وكسرها - لما ورد: ((لَيْسَ مِنَّا مَن لَّمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيْرَنَا)) رواه الترمذي في (( جامعه ))؛ عن أنس . (وَيُؤْثِرُوْنَ ذَا الحَاجَةِ ) أي: يقدِّمونه على أنفسهم في تقريبه للنبي ◌َّ ليقضيَ حاجته منه . ( وَيَحْفَظُوْنَ الغَرِيْبَ ) . يحتمل أنَّ المراد الغريبُ من الناس - كما هو المتبادر - فالمعنى يحفظونَ حقّه وإكرامَه لغُرْبته ، ويحتمل أنّ المراد الغريب من المسائل ، فالمعنى يحفظونه بالضبط والإتقان ؛ خوفاً من الضياع . ( وَ) في كتاب ((الإحياء)) و (( كشف الغمة)) للشعراني: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ لاَ يَمْضِيْ لَهُ وَقْتٌ فِي غَيْرِ عَمَلٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ فِيْمَا لاَ بُلَّ لهُ مِنْ صَلاَحِ نَفْسِهِ ). وهذا مستفادٌ مما سبق في الحديث أنَّه جزَّأ دخولَه ثلاثةً أجزاء : جزءًاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه ، كما جزَّأ خروجه ثلاثة أجزاء : لله ؛ وهو وقت الصلاة والتعليم ، وجزءاً لنفسه ؛ وهو ما تدعو إليه ضرورته ، وجزءاً للناس ؛ وهو السعي في حوائجهم . ( وَ) أخرج مسلمٌ - واللفظ له؛ من حديث طويل - والترمذيُّ ؛ عن أنس بن مالكِ قال : ( كَانَ) رسول الله (ِّرُ أَحْسَنَ ) - ورواية الترمذي: مِن أحسن - ( أُلنَّاسِ خُلْقاً) - بضمتين - لحيازته جميع المحاسن والمكارم وتكاملها فيه . ولِما اجتمعَ فيه ٤٠٢ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ اَلْبِشْرِ ، سَهْلَ الْخُلُقِ . وَعَرَّفُوا (حُسْنَ الْخُلُقِ) بِأَنَّهُ: مُخَالطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ ، وَالْبِشْرُ، وَاَللَّطَافَةُ، وَتَحَقُّلُ الأَذَى، وَالإِشْفَاقُ عَلَيْهِمْ، وَأَلْحِلْمُ(١)، وَالصَّبْرُ، وَتَرْكُ النََّّفُّعِ وَالاسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَجَنُّبُ الْغِلْظَةِ وَالْغَضَبِ وَالْمُؤَاخَذَةِ . من خصال الكمال وصفاتِ الجلال والجمال ما لا يَحْصُرُهُ حَدٌّ ، ولا يحيطُ به عدّ ؛ أثنى الله عليه به فى كتابه بقوله ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَلَقِ عَظِيمٍ (١)﴾ [القلم] . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (وَِّ دَائِمَ الِشْرِ) - بكسر الموخَّدة وسكون الشين - أي: طلاقةِ الوجه وبشاشتِهِ ظاهراً مع الناس ، فلا ينافي أنَّه كان متواصل الأحزان باطنا ؛ اهتماما بأهوال الآخرة ؛ خوفا على أُمَّته . ( سَهْلَ الخُلُقِ ) - بضمَّتين - أي: لِيِّنَهُ ليس بصعبه ، ولا خَشِنه ، فلا يصدر عنه ما يكون فيه إيذاءٌ لغيره بغير حقِّ . قال الباجوريُّ في ((حاشية الشمائل)): (وَعَرَّفُوا حُسْنَ الخُلُقِ بِأَنَّهُ مُخَالَطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيْلِ ) ؛ قولا وفعلا، ( وَأَلِشْرُ): طلاقةُ الوجه، ( وَاَللَّطَّافَةُ ) : اللِّين ( وَتَحَمُّلُ الأَذَىْ ) منهم ؛ ( وَالإِشْفَاقُ) أي: الخوف (عَلَيْهِمْ) ممَّا قَدْ يَضُرُّهم ، ([ وَأُلحِلْمُ]) - بكسر الحاء - وهو: ضبطُ النفس والطبع عند هيجان الغضب. وفي معناه مَن قال: (( هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى)). ( وَالصَّبْرُ ) عليهم، ( وَتَرْكُ التَّرَفُعِ) عليهم، ( وَ) ترك ( الاسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ) في إِعراضهم ، (وَتَجَئُّبُ الْغِلْظَةِ) ؛ أي : الخشونة في القول ، (وَ) تجنُّب (الغَضَبِ) أي : أسبابه المهيِّجة له، ( وَ) تجنُّب ( المُؤَاخَذَةِ ) عن مستحِقٌّها بجناية . (١) في ((وسائل الوصول)): التَّحَمُّلُ. ٤٠٣ وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفّاً ، وَأَوْسَعَ النَّاسِ صَدْراً، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً ، وَأَوْفَاهُمْ ذِمَّةً، وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً. مَنْ رَآهُ بَدِيهَةٌ .. هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً . . أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ . ( وَ) في ((الإحياء))؛ (عَنْ عَلِيٍّ) رضي الله تعالى عنه و ( كَزَّمَ اللهُ وَجْهَهُ) في الجنة قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفّاً) أي: بَذْلاً للمعروف، ( وَأَوْسَعَ النَّاسِ صَدْراً ) أي : قلباً قد وَسِعَ الناسَ بَسْطُهُ وخُلُقه، ( وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةٌ ) - بفتحتين أي: بفتح فسكون - أي: لسانا، أي كان لسانُهُ وَِّ أصدقَ الألسنة ، إذ هو أفصح الخلق ، وأعذبُهم كلاماً ، وأسرعُهُم أداءَ ، وأحلاهم مَنْطِقاً . كان حُسْنُ كلامه يأخذ بمجامع القلوب . ( وَأَوْفَاهُمْ ذِمَّةً ) أي : عهداً ( وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيْكَةً ) أي : طبيعة، فهو مع الناس على غايةٍ من السلامة والمطاوعة ، وقلَّة الخلاف والنفور ، ( وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً ) - بكسر العين المهملة - : اختلاطاً وصحبة . ( مَنْ رَآهُ بَدِيْهَةً) أي : فجأة من غير قصد ( هَابَهُ) أي : أخذتْه الهيبةُ لما كان يظهر عليه من عُظُم الجلالة والمهابة والوقار . ( وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ) ، لكمال حُسْنِ عشرته وباهر عظيم تألُّفه . ( يَقُوْلُ نَاعِتُهُ) أي واصفُه (: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) ◌َّر، للزوم هذا الوصف له وظهوره عند مَن له أدنى بصيرة ، فلما لم يَخْفَ كان كلُّ واصف ملزوماً بأن هذا القول يصدرُ عنه ؛ وإن لم يصدر عنه التصريحُ به غفلةً وذهولاً . فالرؤية هنا عِلْميَّةٌ ، أي : لم أعلم به مماثلاً في وصفٍ من أوصاف الكمال . قال العراقي : رواه الترمذي وقال : ليس إسناده بمتَّصلٍ ، أي : وفيه مخالفة يسيرة لما في الترمذي . ٤٠٤ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ النَّاسِ ، وَأَوْرَعَ النَّاسِ ، ( وَ) في ((كشف الغمَّة)) للإمام الشعراني رحمه الله تعالى : (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ يََّ أَعْلَمَ النَّاسِ وَأَوْرَعَ النَّاسِ ) الورع : هو اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات ، فتركُه الريبة في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الأحكام إلى يقينِ الحِلِّ هو الورعُ المحمود ، العميمُ النفع ، العظيم الجدوى في الدنيا والأخرى . قال في ((منهل الوُرَّاد » : الورِعُ عامٌ وخاصٌّ ، فالعامُّ : هو التوزُّع عما يوجب الفسق ، وذلك ما يحرِّمهُ الفقهاء . وأما ورع الخاصَّة ! فهو على ثلاثٍ درجات . الأولى: ورع الصالحين المشار إليه بقوله ◌َّ: ((دَعْ ما يَرِيْبُكَ إِلى ما لاَيَرِيْبُكَ)) وهو الحذر عما يطرُق إليه احتمال التحريم ، وإن أَفتى المفتي بِحلِّه بناء على الظاهر ، لأنَّ مطمحَ الفقيه إلى ظاهر الأمر ، كمن أساء معاشرةَ زوجته حتَّى تبرِئَه من المهر ، فيفتي المفتي الفقيهُ أن الإبراءَ صحيحٌ ، مع أنَّه لا يحلُّ للمُبْرَىءِ المهرُ بينه وبين الله تعالى . الثانية: ورع المتقين المشار إليه بقوله بَّهُ: ((لاَ يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِيْنَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَراً مِمَّا بِهِ بَأْسٌ )) . قال المناوي : أن يتركَ فضول الحلال ؛ حذراً من الوقوع في الحرام . ومن هذا القبيل تركُ النظر إلى تجمُّل أهل الدنيا ، فإنَّه يحرِّك داعية الرغبة فيها . الثالثة : ورع الصديقين ؛ وهو صحّة اليقين وكمال التعلُّق بربِّ العالمين ، وعكوف الهمَّة عليه ، وهذه رتبةُ قومٍ عَدُّوا كلَّ ما لم يكن لله عَدُّوه حراماً ، فاجتنبوا كلَّ ما لا يُراد بتناوله القوَّة على طاعة الله تعالى . وهؤلاء قد ذهب معظمُهم ، لايكاد يوجد أحد منهم . ٤٠٥ وَأَزْهَدَ النَّاسِ ، فالفالحُ في زماننا : مَن كان ورعه ورعَ العدول غير مشدِّدٍ على نفسه بقوله (( أموالُ الدنيا كلها حرام لكثرة الأيدي الغاصبة والمعاملات الفاسدة )) . أي : فهذا مشدِّدٌ على نفسه ، بل يراجع القلبَ مسترشداً بقوله وَ طيار: (( الإِثْمُ مَا حَاكَ في الصَّدْرِ وَتَرَدَّدَ في الْقَلْبِ)). وقوله ◌َّةِ: (( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )). إذ الإنسان غيرُ متعبَّدٍ بما هو في نفس الأمر حلالٌ ، بل بما هو في اعتقاده أنَّه حلال إلاَّ إن بان له شيءٌ ظاهر في تحريمه . وهذا بابٌ واسعٌ . وقد أجاد بالتفصيل فيه الإمام الغزاليُّ جزاه الله خيراً عن الإسلام ، ورزقنا التوفيق وحسن الختام . ( وَأَزْهَدَ النَّاسِ ) الزهد : هو تركُ فضول الحلال . أو هو بغض الدنيا والإعراضُ عنها ، وقيل : هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة . وقال سيدنا الحبيبُ عبد الله بن عَلَوي الحدَّادُ في (( النصائح)»: حقيقةُ الزهد خروجُ حبِّ الدنيا والرغبة فيها من القلب ، وهَوَانُ الدنيا على العبد ؛ حتَّى يكون إدبارُها وقلَّةُ الشيء منها أحبَّ إليه من ضدِّه ! وهذا من حيث الباطنُ ، وفي الظاهر يكون منزوياً عنها ومتجافياً ؛ اختياراً ؛ مع القدرة عليها ويكون مقتصراً من سائر أمتعتها - مأكلاً؛ وملبساً ؛ ومسكناً وغير ذلك ــ على ما لابدَّ منه دون النعم والتمتع بشهواتها ، انتهى . وقال في ((منهل الوُرَّاد )): الزهدُ خلاف الرغبة: لغةً، يقال ((زهد في الشيء وعنه))؛ أي : لم يرغب فيه . وحقيقةً : انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خيرٌ منه ، وفضل الزهد شهير، قال الله تعالى ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ= أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْخَيَوْقِ الدُّنْيَا﴾ الآية إلى قوله ﴿ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى [١٣] [١٣١ - ١٣٢/ طه]. والزهد على قسمين : زهد في الدنيا : لأنها تلهي عن الله ، وعن خدمته ، وعن الأعمال الصالحة ؛ مع أنها لا تصفو لصاحبها ، بل لا يزال صاحبها في عَنَاء ومحن وبلاء . ٤٠٦ وَأَكْرَمَ النَّاسِ ، وَأَعْدَلَ النَّاسِ ، وَأَحْلَمَ النَّاسِ، وَأَعَفَّ النَّاسِ ، لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ أَمْرَأَةٍ لاَ يَمْلِكُ رِقُّهَا، أَوْ عِصْمَةَ نَكَاحِهَا، أَوْ تَكُونُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وزهد فيما في أيدي الناس قال ◌َ له: ((ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَأَزْهَدْ فِيْما فِي أَبْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ » . ثم إن للزهدِ درجاتٍ : فزهدٌ في الحرام والشبهة ؛ وهو في معنى التقوى ، وزهدٌ فيما زاد على الحاجة . ومن فوائد الزهد أنَّ فيه فراغاً للروح والبدن بالطاعة ، والرغبة فيها ، والتجنُّب عن الشبهات . انتهى ملخصاً من ((منهل الوراد )). ( وَأَكْرَمَ النَّاسِ ) روى البخاريُّ ومسلمٌ ؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه : كان ◌َّ﴿ أحسن النَّاس، وأشجعَ الناس ، وأجودَ النَّاس. وسيأتي قريباً. ( وَ) كان ◌َِّ ( أَعْدَلَ النَّاسِ) قد تقدَّم في حديث عليِّ الطويل قولهُ ((وصار ما عنده في الحقِّ سواءً ... الحديث)). ومعنى ((أعدل الناس)) أي: أكثرهم عدلاً. ( وَ) كان ◌َِّ (أَحْلَمَ النَّاسِ) . قال العراقي: رواه أبو الشيخ في (( كتاب الأخلاق))؛ من رواية عبد الرحمن بن أبزى: كان رسول الله وَلقول من أحلم الناس ... الحديث . وهو مرسل . انتهى. وسيأتي حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سَعْنَة ، من أحبار اليهود. قال الواسطي لما سئل: لأي شيء كان رسول الله وَّهِ أحلمَ النَّاس؟! قال : لأنه خُلِق روحُه أوَّلاً ؛ فوقع له صحّة التمكين والاستقرار . ( وَ) كان ◌َِّ (أَعَفَّ النَّاسِ) أي: أكثرهم عِقَّة، وهي - بالكسر - حصولُ حالةٍ للنفس يمتنع بها عن غلبة الشهوة ، ولذلك قال : ( لَمْ تَمَنَّ يَدُهُ يَدَ أَمْرَأَةٍ لاَ يَمْلِكُ رِقَّهَا، أَوْ عِصْمَةَ نِكَاحِهَا، أَوْ تَكُوْنُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ ◌َِّ). ٤٠٧ وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ . قال العراقي: رواه الشيخان؛ من حديث عائشةً: ما مَسَّتْ يدُ رسول الله وَله يدَ امرأة إلاَّ امرأة يملِكُها . انتهى . وأخرجه الترمذيُّ ، والنسائي ، وابن ماجه ، وأبو داود بألفاظ مختلفة ؛ عن عائشة رضي الله عنها . والمفهوم من هذه الأحاديث أنَّه وَّهِ لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ قَطُ يدَ امرأة غيرِ زوجاته ، وما ملكت يمينُهُ ؛ لا في مبايعة ولا في غيرها ، وإذا هو لم يفعل ذلك مع عصمته وانتفاءِ الرِّيبة في حقِّه ، فغيره أولى بذلك؛ قاله في ((شرح الإحياء)). ( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث طويل ؛ ( عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً ) رضي الله تعالى عنه : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ أَحْسَنَ النَّاسِ ) صورةً وسيْرةً . ( وَأَجْوَدَ النَّاسِ ) بكلِّ ما ينفع ، كما أنَّه أكملُهم في سائر الأوصاف ، فكان جودُهُ يجمع أنواع الجود ؛ من بذل العلم والمال ، وبذل نفسه لله في إظهار دينه ، وهداية عباده ، وإيصال النفع إليهم بكلِّ طريق ؛ من إطعام جائعهم ، ووعظ جاهلهم ، وقضاء حوائجهم ، وتحمُّل أثقالهم . وكان جودُه ◌َ﴿ كلُّه لله تعالى ، وفي ابتغاء مرضاته . ( وَأَشْجَعَ النَّاسِ ) أي : أقواهم قلباً ، وأجرأهم في حال البأس ، فكان الشجاعُ منهم الَّذي يلوذُ بجانبه عند التحام الحرب، وما وَلَّى قطُّ منهزماً ، ولا تُحُدِّثَ عنه بفرار ، وقد ثبتت أشجعيتُه بالتواتر النقلي . قال السيوطي : بل يؤخذ ذلك من النصِّ القرآني كقوله ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ الْكُفَّارَ﴾ [٧٣/ التوبة] فكلَّفه وهو فرد جهادَ الكلِّ؛ و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ٤٠٨ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْأَفَ النَّاسِ بِلنَّاسِ ، وَأَنْفَعَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَخَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَرَ النَّاسِ عَلَىْ أَقْذَارِ النَّاسِ . وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وُسْعَهَا﴾ [٢٨٦/ البقرة] ولا ضير في كون المراد هو ومن معه ، إذ غايته أنه قوبل بالجمع ، وذلك مفيدٌ للمقصود . انتهى ((مناوي)) . ( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ وَّرِ أَرْأَفَ النَّاسِ بِالنَّاسِ، وَأَنْفَعَ النَّاسِ لِلنَّاسِ ، وَخَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ ) هذا من المعلوم . قال في ((شرح الإحياء)): روينا في الجزء الأول من ((فوائد أبي الدحداح)) ؛ من حديث علي رضي الله تعالى عنه - في صفة النبي ◌َّ -: كان أرحمَ النَّاس بالناس . الحديث. بطوله . انتهى . ( وَ) أخرج ابن سعد في ((الطبقات))؛ عن إسماعيل بن عيَّاش بن سليم العنسي الشامي مرسلاً ؛ قال في العزيزي : وهو صحيح . قال : ( كَانَ بِِّ أَصْبَرَ النَّاسِ ) أي : أكثرهم صبراً (عَلَى أَقْذَارِ النَّاسِ ) ؛ أي : ما يكون من قبيح فعلهم وسيِّء قولهم ، لأنه لانشراح صدره يتّسعُ لِمَا تضيق عنه صدور العامَّة ، فكانت مساوىءُ أخلاقهم ومدانىءُ أفعالهم وسوء مسيرهم وقبحُ سِيْرَتهم في جنب سعة صدره ؛ كقطرة دم في قاموس اليَمِّ ، وفيه شرف الصبر . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل)) بسنده (عَنْ ) أبي زيد (خَارَجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ ) بن الضَّحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النَّجَّار الأنصاري النَّجَّاري المدني التابعي . كان إماماً بارعاً في العلم ، اتفقوا على توثيقه وجلالته ، أدرك عثمان ، وسمع أباه زيداً وعمَّه يزيد ، وأمَّ العلاء الأنصاريَّة ، وأسامة بن زيد . ٤٠٩ قَالَ : دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ روى عنه سالم بن عبد الله والزُّهريُّ ويزيد بن عبد الله بن قسيط ، وأبو الزناد وآخرون . وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين هم: ١ - سعيد بن المسيب ، و٢ - عروة بن الزبير، و٣ - القاسم بن محمد ، و٤ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، و٥ - خارجة بن زيد ، و٦ - سليمان بن يسار . وفي السابع ثلاثة أقوال ؛ فقيل : ٧ - سالم بن عبد الله بن عمر ، وقيل : ٧ - أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وقيل : ٧ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام . وعلى هذا جَمَعَهم الشاعر في قوله : فَقِسْمَتُهُ ضِيزىُ عَن الحقِّ خَارِجَهْ أَلاَ كُلُّ مَن لَّ يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ سَعِيْدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُزْوَةُ قَاسِمٌ توفي بالمدينة المنورة سنة : مائة ، وقيل : سنة تسع وتسعين ، وهو ابن سبعين سنة - بتقديم السين - . خرَّج له الجماعةُ رحمه الله تعالى . ( قَالَ دَخَلَ نَفَرٌ ) - بفتحتين - : جماعةُ الرجال من ثلاثة إلى عشرة ، وهو اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه ؛ بل من معناه ؛ وهو رجل . (عَلَىْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) بن الضحاك الأنصاريِّ . الصحابيِّ المشهور المدني. الفرضي الكاتب (( كاتب الوحي والمصحف والمراسلات)). أحد الأربعة الذين حفظوا القرآن على عهد المصطفى الرَله](١)، وأحد الثلاثة (١) المشهور أنَّهم ثمانية . وفيهم يقول القائل : لقد حفظ القرآن عهدَ نبيَّنا أبيٍّ ، أبو الدردا ، معاذ ، عبادة ثمانيةٌ عن جادة الحقِّ ما مانوا وزَيْدٌ، أبو زيد ، عليٍّ ، وعثمان ٤١٠ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ ؟ الذين جمعوا المصحف . أعلمُ الصحابة بالفرائض، وكان عمره حين قدم رسولُ الله ◌ِوَّرِ المدينةَ إحدى عشرة سنة ، وحفظ ستة عشر سورة قبل قدوم المصطفى وَه المدينة مهاجراً . واستصغره النبيُّ ◌َّه يوم بدر فردَه، وشهد أحداً، وقيل : لم يشهدها ، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله الله . وكان يكتب لأبي بكر وعمر بن الخطاب في خلافتهما ، وكان عمر يستخلفه إذا حجَّ ، وكان معه حين قدم الشام ، وهو الذي تولَّى قسمة غنائم اليرموك ، وكان عثمان يستخلفه إذا حجَّ ، وكان من الراسخين في العلم ، وكان على بيت المال لعثمان . وأحواله كثيرة مشهورة . روي له عن رسول الله وَ ل اثنان وتسعون حديثاً؛ اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاريُّ بأربعة ، ومسلمٌ بحديث . روى عنه جماعات من الصحابة ؛ منهم : ابن عمر ، وابن عَبَّاس ، وأنس ، وأبو هريرة . وخلائق من كبار التابعين ، منهم ابن المسيب ، وسليمان وعطاء : إِبْنَا يسار . وتوفي بالمدينة المنورة سنة : أربع وخمسين . وقيل غير ذلك . ولما دفن قال الحبر ابن عباس : هذا ذهابُ العلماء ! دُفِنَ اليوم علمٌ كثير . ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . فَقَالُوْا لَهُ: حدِّثْنَا أَحَادِيْثَ رَسُوْلِ اللهِوَّر)، كأنهم سألوه أن يحدِّثهم أحاديث الشمائل فاستعظم التحديث فيها ؛ فلذلك ( قَالَ : مَاذَا أُحَدِّثْكُمْ ) كأنَّ شمائله لا يحاط بها ، وإن انتهى بها المحدِّث إلى أقصى الغاية ، ولذلك لم يتعاطَ أكابر ٤١١ كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ أَلْوَحْيُ . . بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا .. ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذا ذَكَرْنَا أَلَآَخِرَةَ .. ذَكَرَهَا مَعَنَا ، وَإِذا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ . الشعراءِ كأبي تمَّام ونحوه مدحَه وذكرَ شمائله ، لعلمهم باستغنائه عن ذلك ، واستشعارهم من أنفسهم العجزَ عن الوفاء بحقِّه فيه ، فهو الحقيق بقول القائل : بِأَحْسَنِ مَا يُثْنَى عَلَيْهِ يُعَابُ تَجَاوَزَ قَدْرَ المَدْحِ حَتَّى كَأَنَّهُ فكلُّ عُلوٍّ في حقِّه تقصيرٌ ، فلا يمكن أحدٌ الإحاطةَ بها ، بل ولا ببعضها من حيثُ الحقيقة والكمال ، فالاستفهام تعجّبٌ أفادهم به ردُّ ما وقع في خاطرهم من طلب الإحاطة بها ، لكن لمَّا كان من المقرَّر أنَّ ما لا يدرك كلُّه لا يترك كلُّه أفادَهم بعضاً منها على وجهٍ يدلُّ على غاية ضبطه وإتقانه لمروِيِّه ؛ فقال : ( كُنْتُ جَارَهُ) أي: فأنا أعرفُ بأحواله وأخبر بأسراره، ( فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ) ؛ أي : لكتابة الوحي غالباً ، كما يدلُّ عليه قوله ( فَكَتَبَُّهُ ) أي : الوحي (لَهُ)، فهو من جملة كَتَبة الوحي، بل هو أجلُّهم(١) وهم تسعة ؛ ١ - زيد المذكور ، ٢ - وعثمان، ٣ - وعلي، ٤ - وأُبَيٌّ، ٥ - ومعاوية، ٦ - وخالد بن سعيد، و٧ - حنظلة بن الربيع، و٨ - والعلاء بن الحضرمي ، و٩ - أبان بن سعيد . ( فَكُنَّا) معاشر الصحابة (إِذا ذَكَرْنَا الذُّنْيَا ) ذماً أو مدحاً ، لكونها مزرعة الآخرة ومحلُّ الاعتبار لأرباب المعرفة ؛ ( ذَكَرَهَا مَعَنَا ) أي : ذكر الأمور المتعلّقة بالدنيا المعِيْنَة على أمور الآخرة ، كالجهاد وما يتعلَّق به ؛ من المشاورة في أموره . (وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا ) ، وبيَّن لنا تفاصيلَ أحوالها ، وما يترتَّب عليها من الأمورِ المرغِّبة والمرهِّبة وغيرها . ( وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ) ، أي : ضرره ونفعه، وآداب أكله ، وبيان أنواعه من (١) في مضمار الكتابة ، وإلا فلا خلاف أن عثمان وعليا أفضل منه !. ٤١٢ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلَّ هَذَا أُحدِّئُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ !. وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحْيَاناً ، وَيَذْكُرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَيَضْحَكُونَ ، فَيَتَبَسَّمُ هُوَ إِذَا ضَحِكُوا، وَلاَ يَزْجُرُهُمْ إِلَّ عَنْ حَرَامٍ . المأكولات والمشروبات والفواكه وسائرِ المستلذَّات ( ذَكَرَهُ مَعَنَا ) ، وَأَفَادَ ما في كلِّ واحد من الحِكَم المتعلّقة به ، وما يتعلق به من منفعته ومضرَّته ؛ كما يعرف من الطبِّ النبوي ، وإنما ذكر معهم الدنيا والطعام !! لأنه قد يقترن به فوائدُ علميّة وأَدَبية ، على أن فيه بيانَ جوازٍ تحدُّث الكبير مع أصحابه في المباحات . ( فَكُلُّ ) - الروايةُ بالرفع ، لكنه لا يمتنع جوازُ النصب ؛ على أنه مفعول مقدَّم ((أُحَدِّثكم)) ، بل هو أولى لاستغنائه عن الحذف -. ( هَذَا أُحَدِّئُكُمْ عَنْ رَسُوْلِ الله ◌ِِّ؟! ) لتتفقَّهوا في الدين فتُرفعوا إلى درجات المقربين !! وإنما ذكر هذا ليؤكد به اهتمامه بالحديث . ( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ يَتَنَاشَدُوْنَ الشِّعْرَ ) ؛ أي يرادُ بعضُهم بعضاً الأشعار الجائزة . والتّناشد والمناشدة مرادَّةُ البعض على بعض شِعْراً ( بَيْنَ يَدَيْهِ أَحْيَاناً ) فيسمعُهم ، ( وَيَذْكُرُوْنَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ ) ، وهي الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الإسلام . (وَيَضْحَكُوْنَ؛ فَيَبَتَمُ هُوَ إِذَا ضَحِكُوْا) ولا يزيد على ذلك، ( وَلاَ يَزْجُرُهُمْ إِلاَّ عَنْ حَرَامٍ ) . ويؤخذُ منه حِلُّ إنشاد الشعر، واستماعُه ؛ إذا كان لا فُحْشَ فيه ، وإن اشتمل على ذكر أيَّام الجاهلية ، ووقائعهم في حروبهم ، ومكارمهم ونحو ذلك . وهذا الحديث رواه الترمذي في ((الشمائل))؛ عن جابر بن سَمُرة دون قوله (( ولا يزجرهم إلا عن حرام» . وروى مسلمٌ بعضاً منه . ورواه البيهقيُّ في ((الدلائل))؛ كلاهما عن جابر بن سَمُرة رضي الله تعالى عنه ٤١٣ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّماً وَضَحِكاً فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ، وَتَعَجّباً مِمَّا تَحَدَّثُوا بِهِ، وَخَلْطَاً لِنَفْسِهِ بِهِمْ . وَلَرُبَّمَا ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ . باختلافٍ في الألفاظ . ( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَشُماً وَضَحِكاً فِي وُجُوْهِ أَصْحَابِهِ وَتَعَجُباً مِمَّا تَحَدَّثُوْا بِهِ ، وَخَلْطَاً لِنَفْسِهِ بِهِمْ ) . روى الترمذيُّ ؛ من حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء : ما رأيت أحداً أكثرَ تبسُّماً من رسول الله ◌َلاتر . وفي ((الصحيحين)) ؛ من حديث جرير : ولا رآني إلاَّ تَبَسَّم . وللترمذي في (( الشمائل))؛ من حديث علي : يضحك مما يضحكون منه ، ویتعجّب مما يتعَجَّبون منه . ولمسلم ؛ من حديث جابر بن سمرة : كانوا يتحدَّثون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبَسَّم . ( وَلَرُبَّمَا ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ) ؛ أي : أضراسه . وقيل : أربع آخرٍ الأسنان ، كلٌّ منهم يسمى (( ضرس العقل)) ، لأنه لا ينبت إلاَّ بعد البلوغ . وقيل : أنيابه . وقيل : ضواحكه . وفي ((القاموس)): هي أقصى الأسنان ، أو الأنياب ، أو التي على الأنياب ؛ أو الأضراس . قيل : ضحكه إلى أن يبدوَ آخرُ أسنانه بعيدٌ من شيمته ، فلذا قيل : المرادُ المبالغة فی کون ضحكه هذا فوق ما كان يصدر . ويؤيده قولُ الجوهريِّ (( حتَّى بدت نواجذه )) إذا استغرب منه ، وقد جاء ذلك في المتفق عليه ؛ من حديث ابن مسعود في قصَّةِ ((آخر مَن يخرج من النار)). وفي قصّة الحَبْرِ الَّذي قال ((إنَّ الله يضع السماوات على إصبع)). ومن حديث أبي هريرة ٤١٤ وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ الثَّبَسُمَ ؛ أَقْتِدَاءَ بِهِ ، وَتَوْقِيراً لَهُ . قَالُوا: وَقَدْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ يَوْماً؛ وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغيِّرُ اللَّوْنِ يُنْكِرُهُ أَصْحَابُهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ ، فَقَالُوا: لاَ تَفْعَلْ يَا أَغْرَابِيُّ ، فَإِنَّا نُكِرُ لَوْنَهُ. فَقَالَ: دَعُونِي، فَوَأَلَّذِي بَعَثَهُ بِأَلْحَقِّ نَبًِّ؛ لاَ أَدَعُهُ حَتَّى يَتَبَسَّمَ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسِيحَ - يَعْنِي: الدَّجَّالَ - يَأْتِي النَّاسَ بالثَِّيدِ وَقَدْ هَلَكُوا جُوعاً .. أَفَتَرَى لِي - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي - أَنْ أَكُفَّ عَنْ ثَرِيدِهِ تَعَقُّفاً وَتَنَزُّهاً حَتَّى أَهْلِكَ هُزَالاً، أَمْ أَضْرِبَ فِي ثَرِيدِهِ حَتَّى إِذَا تَضَلَّعْتُ شِبَعاً . . آمَنْتُ بِاللهِ وَكَفَرْتُ بِهِ ؟! قَالُوا: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قصة (( المجامع في رمضان )) وغير ذلك . وفي كلِّ ذلك دليلٌ على أنَّ الضحك في مواطن التعجُّب ؛ سيما ما هو في مثل تعجّبِه وَّهَ لا يكره، ولا يَخرِمُ المروءة؛ إذا لم يجاوز به الحدَّ المعتاد. ( وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ النَّبَهُمَ ؛ أَقْنِدَاءً بِهِ ، وَتَوْقِيْراً لَهُ) . رواه الترمذيُّ في (( الشمائل)) ؛ من حديث هند بن أبي هالة في أثناء حديثه الطويل . ( قَالُوا: وَقَدْ جَاءَهُ أَعْرَائِيٌّ)؛ أي: من سُكَّان البادية ( يَوْماً وَهُوَ بَّهِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ يُتْكِرُهُ أَصْحَابُهُ ، فَأَرَادَ ) ذلك الأعرابيُّ ( أَنْ يَسْأَلَهُ) في شيءٍ ، ( فَقَالُوا: لاَ تَفْعَلْ يَا أَعْرَابِيُّ ؛ فَإِنَّا نُنْكِرُ لَوْنَهُ. فَقَالَ: دَعُوْنِيْ ؛ فَوَأَلَّذِيْ بَعَثَهُ بِالحَقِّ نَبِياً ؛ لاَ أَدَعُهُ حَتَّى يَتَبَّئَمَ . فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ بَلَغَنَا أَنَّ المَسِيْحَ - يَعْنِيْ الدَّجَّالَ - يَأْتِي النَّاسَ بِالثَّرِيْدِ؛ وَقَدْ هَلَكُوْا جُوْعاً !! أَفَتَرَى لِيْ - بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمِّيْ - أَنْ أَكُفَّ عَنْ ثَرِيْدِهِ تَعَفُّفَاً وَتَنْزُّهاً حَتَّى أَهْلِكَ هُزَالاً، أَمْ أَضْرِبَ) بيدي (فِي ثَرِيْدِهِ حَتَّى إِذَا تَضَلَّعْتُ ) أي: امتلأتُ ( شِبَعاً آمَنْتُ بِاللهِ) وحدَه ، ( وَكَفَرْتُ بِهِ؟!) - يعني الدجال -. (قَالُوا: فَضَحِكَ رَسُوْلُ الهِ نَِّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. ثُمَّ قَالَ: ((لاَ ، بَلْ يُغْنِيْكَ ٤١٥ ثُمَّ قَالَ: ((لاَ، بَلْ يُغْنِيكَ اللهُ بِمَا أَغْنَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ)). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَلَطَّفُ بِخَوَاطِرِ أَصْحَابِهِ ، وَيَتَفَقَّدُ مَنِ أَنْقَطَعَ مِنْهُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ ، وَكَثِيراً مَا يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: ((لَعَلَّكَ يَا أَخِي وَجَدْتَ مِنِّي، أَوْ مِنْ إِخْوَانِنَا شَيْئاً)). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَقَدَ الرَّجُلَ مِنْ إِخْوَانِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ .. سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ غَائِباً .. دَعَا لَهُ، وإِنْ كَانَ شَاهِداً .. زَارَهُ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضاً .. عَادَهُ . اللهُ بِمَا أَغْنَى بِهِ المُؤْمِنِيْنَ ))). قال العراقي : وهو حديثٌ منكر ، لم أقف له على أصل ! . ويُرُدُّه قولُه وَّر في المتفق عليه؛ من حديث المغيرة بن شعبةً ؛ حين سأله : إنَّهم يقولون: إنَّه معه جبلُ خبز ونهرُ ماء !!: قال: (( هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ » . وفي رواية لمسلم : يقولون معه جبالٌ من خبز ولحم ... الحديث !! نعم ، في حديث حذيفةَ وأبي مسعود المتفق عليهما : أنَّ معه ماءً وناراً ... الحديث . ( وَ) في ((كشف الغمَّة)) للشعراني رحمه الله: (كَانَ نَّهُ يَتَطَّفُ بِخَوَاطِرٍ أَصْحَابِهِ ، وَيَتَفَقَّدُ مَنِ أَنْقَطَعَ مِنْهُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ ) بالسُّؤال عنه ، فإن كان غائباً ؛ دعا له ، وإن كان مريضاً ؛ عاده - كما سيأتي - . ( وَكَثِيْراً مَا يَقُوْلُ لأَحَدِهِمْ: ((لَعَلَّكَ يَا أَخِيْ وَجَدْتَ مِنِّيْ، أَوْ مِنْ إِخْوَانِنَا شَيْئاً )) ) يغضبك ؟ !! ( وَ) أخرج أبو يعلى - بإسناد ضعيف - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله ( وَّةٍ إِذَا فَقَدَ) - بالبناء للفاعل - ( الرَّجُلَ مِنْ إِخْوَانِهِ ) - أي : لم يره - ( ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ سَأَلَ عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ غَائِباً ) ، أي : مسافراً ( دَعَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ شَاهِداً ) أي: حاضراً بالبلد (زَارَهُ، وَإِنْ كَانَ مَرِيْضاً عَادَهُ ) ، لأن الإمام ٤١٦ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْبِلُ عَلَىْ أَصْحَابِهِ بِالْمُبَاسَطَةِ ؛ حَتَّى يَظُنَّ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنَ اُلْبَشَاشَةِ؛ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ . وَعَنْ عَمْرٍو بنِ الْعَاصِي عليه النَّظرُ في حال رعيَّه ، وإصلاح شأنهم وتدبير أمرهم . وأُخذ منه أَنَّه ينبغي للعالم إذا غاب بعض الطلبة فوقَ المعتاد أن يسأل عنه ، فإن لم يُخْبَر عنه بشيء أرسل إليه ، أو قصد منزلَه بنفسه وهو أفضلُ ، فإن كان مريضاً عاده ، أو في غمِّ خفَّفه عليه ، أو في أمر يحتاج لمعونة أعانه ، أو مسافراً تفقَّد أهله ، وتعرّض لحوائجهم ووصلَهم بما أمكن ، وإلاَّ تودّد إليه ودعا له . ( وَ) في (( كشف الغُمَّة)) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كَانَ بَِّ يُقْبِلُ عَلَىْ أَصْحَابِهِ بِالمُبَاسَطَةِ ) بالكلام وطلاقة الوجه وإظهار التودُّد لهم ، ( حَتَّى يَظُنَّ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيْعِ أَصْحَابِهِ ) . وسيأتي ما يؤيِّدُه ويشهدُ له ؛ من حديث عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه . ( وَ) في ((كشف الغمَّة)) أيضاً: ( كَانَ بَِّ يُعْطِيْ كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيْبَهُ ) ؛ أي : حظّه ( مِنَ البَشَاشَةِ ) أي : طلاقة الوجه والإقبال عليه ، ( حَتَّى يَظُنَّ ) ؛ أي : جليسه ( أَنَّهُ أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ ) وَّر، لما يرى من ملاطفته له ومؤانسته ، وذلك مِن كمال خُلُقِه ◌ِ . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسنده؛ (عَنْ ) أبي عبد الله - ويقال: أبو محمد _ ( عَمْرِو بْنِ أَلْعَاصِي ) - الجمهور على كتابته بالياء ؛ وهو الفصيح عند أهل العربية . ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه ؛ أو أكثرها بحذف الياء ، وهي لغةٌ . ٤١٧ ٠ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَىْ أَشَرِّ الْقَوْمِ يَتَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ ، أسلم عام خيبر أوَّل سنةٍ سبع ، وقيل : أسلم في صفر سنة ثمان ؛ قبل الفتح بستَّة أشهر ، وقيل غير ذلك . وقدم على رسول الله مَّه هو وخالد بن الوليد وعثمانُ بن طلحة فأسلموا ، ثمَّ أمّره رسول الله بَّر في غزوة ذات السلاسل على جيش هم ثلاثمائة ، فلما دخل بلادهم استمدَّه فأَمَدَّه بجيش من المهاجرين الأَوَّلين ؛ فيهم أبو بكر وعمر ، وأميرُهم أبو عبيدة بن الجَرَّاح رضي الله عنهم ، وقال لأبي عبيدة : لا تختلفا . وكان عمروٌ مِن دهاة العرب وأبطالهم ، وكان قصيراً وذا رأي . وكانت وفاته ليلةَ عيد الفطر سنة : ثلاث وأربعين بمصر ؛ وهو وال عليها ودفن بها ؛ وعمره سبعون سنة . وصلَّى عليه ابنُه عبد الله . رُوي له عن رسول الله وَله سبعة وثلاثون حديثاً؛ اتفقا على ثلاثة ، ولمسلم حديثان ، وللبخاريِّ بعضُ حديث . روى عنه أبو عثمان النَّهدي ، وقيسُ بن أبي حازم ، وعروةُ بن الزُّبير وغيرُهم ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَهَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ) على حدِّ (( رأيتُه بعيني )). (وَحَدِيْثِهِ). الإِقبالُ بالحديث معناه : جعل الكلام مع المخاطب وقصدُه به ؛ فهو معنويٌّ والأوَّل حسي (عَلَى أَشَرِّ القَوْمِ ) الكثيرُ حذف الهمزة من (( أشر))، واستعمالُه بها لغةٌ رديئة؛ أو قليلة. قال في (( الكافية)) لابن مالك: وَغَالِباً أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرّ عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ ( يَتَلَّفُهُمْ) أي : الأشرّ ، وإنَّما أتى بضمير الجمع !! لأنَّه جمعٌ في المعنى ، ( بِذَلِكَ ) الإِقبال المفهوم من الفعل ، وإنَّما كان يتألَّفهم بذلك !! ليثبتوا على الإسلام ، أو لاتقاءِ شرِّهم ، فاتقاء الشرِّ بالإِقبال على أهله والتبسُّم في وجههم جائزٌ، وأمَّا الثناء عليهم !! فلا يجوزُ ، لأنَّه كَذِب صريحٌ . ٤١٨ فَكَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي خَيْرُ الْقَوْمِ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنَا خَيْرٌ، أَوْ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالَ: ((أَبُوبَكْرٍ)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنَا خَيْرٌ، أَمْ عُمَرُ؟! فَقَالَ: ((عُمَرُ)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنَا خَيْرٌ، أَمْ عُثْمَانُ؟ فَقَالَ: ((عُثْمَانُ)). فَلَمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَقَنِي .. فَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ . ولا ينافي هذا استواء صحبه في الإِقبال عليهم - على ما سبق - !! لأن ذلك حيثُ لا ضرورة تحوجُ إلى التخصيص، وتخصيص الأشرِّ بالإِقبال عليه لضرورة تأليفه. ومن فوائده أيضاً : حفظ من هو خيرٌ عن العُجْب والكبر . ( فَكَانَ ) ؛ لعظم تألُّفُه وحسن معاشرته وكريم أخلاقه ( يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيْثِهِ عَلَيَّ) - بتشديد الياء - ، ( حَتَّى ظَنَنْتُ ) من كثرة إقباله ( أَنِّيْ خَيْرُ اَلْقَوْمِ ) . وسبب ذلك أنه كان حديث عهد بالإسلام ، ومن رؤساء قومه . قال الحافظ العراقيُّ : وَيُكْرِمُ الْكِرَامَ إِذْ يَأْتُونَا يُجَالِسُ الفَقِيْرَ وَاَلْمِسْكِيْنَا لَيْسَ مُوَاجِهاً بِشَيْءٍ يَكْرَهُه جَلِيْسَهُ بَلْ بِالرِّضَا يُشَافِهُهْ ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ) أي : بناءً على ظنِّه وتردُّده في بعض أكابر الصحب . ( أَنَا خَيْرٌ، أَوْ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالَ: ((أَبُو بَكْرٍ )) . فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ أَنَّا خَيْرٌ ، أَمْ عُمَرُ؟ فَقَالَ: (( عُمَرُ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَنَا خَيْرٌ، أَمْ عُثْمَانُ ؟ فَقَالَ : ((عُثْمَانُ)). فَلَمَّا سَأَلِتُ رَسُوْلَ اللهِ وَِّ فَصَدَقَنِيْ ) - بتخفيف الدال - أي : أجابني بالصدق من غير مراعاةٍ ومداراةٍ ؛ ( فَلَوَدِدْتُ ) - بكسر الدال واللام للقسم - أي : أحببت وتمنَّيْت ( أَنِّيْ لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ) ، وإِنَّما وَدَّ ذلك !! لأنه قبل السؤال كان يظنُّ إقباله عليه لخيريَّته ، فلما سأله بان له أن إقباله عليه إنَّما هو للتألُّف ، فندم لذلك . ٤١٩ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى كَأَنَّ مَجْلِسَهُ وَسَمْعَهُ وَحَدِيثَهُ وَلَطِيفَ مَحَاسِنِهِ وَتَوَجُهَهُ لِلْجَالِسِ إِلَيْهِ. وَمَجْلِسُهُ مَعَ ذَلِكَ مَجْلِسُ حَيَاءٍ وَتَوَاضُعِ وَأَمَانَةٍ . قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ اُلْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوّلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفيه أنَّه ينبغي للشخص أن لا يسأل عن شيء إلاَّ بعد تحقَّق أمره والتثبت فيه ، لأنَّه ربَّما ظهر خطؤه فيفتضح حاله . ( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ نَّهِ يُعْطِيْ كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيْبَهُ مِنْ وَجْهِهِ ) ؛ بالإقبال عليه ، ( حَتَّى كَأَنَّ) - بالتشديد - ( مَجْلِسَهُ وَسَمْعَهُ) بالإِصغاء ، ( وَحَدِيْثَهُ وَلَطِيْفَ مَحَاسِهِ وَتَوَجُهَهُ) ؛ كلُّ ذلك ( لِلْجَالِسِ إِلَيْهِ، وَمَجْلِسُهُ مَعَ ذَلِكَ مَجْلِسُ حَيَاءٍ وَتَوَاضِعٍ وَأَمَانَةٍ ) . قال في ((شرح الإحياء)): رواه الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ في حديث عليٍّ الطويل . وفيه : ويُعطي كلَّ جلسائه نصيبه ؛ لا يَحسِب جليسُه أَنَّ أحداً أكرمُ عليه منه ، وفيه : ومجلسُه مجلسُ حِلمٍ وحَيَاءٍ وصبر وأمانة . ( قَالَ ) الله (تَعَالَى) ممتنّاً عليه في كتابه العزيز (﴿فَمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾) [١٥٩/ آل عمران] ((ما)) زائدة للتأكيد ، أي : فبرحمةٍ . وقيل : نَكرةٌ موصوفة ، و((رحمة)) بدل من ((ما)) (﴿لِنتَ لَهُّ﴾) - أي: سهلت أخلاقَك لهم - ( ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًا﴾) - أي: سيِّءَ الخلق - (﴿غَلِظَ الْقَلْبِ﴾ ) - أي: قاسيه على الخلق - (﴿لَأَ نَفَضُّواْ﴾) - أي: تفرقوا - (﴿مِنْ حَوْلِكٌ﴾) ولم ينتفعوا بقولك. والمعنى : أنَّك لو كنت فظاً غليظَ القلب انفضوا عنك ، أي : تفرَّقوا ولم يجتمعوا عليك ، ولكن بلينٍ جانبك لهم ؛ وشفقتك عليهم تؤلّف قلوبهم ، وتزيد محبّتهم . وهذا امتنان عليه بما جَبَله الله عليه من الأخلاق الحسنة . ٤٢٠