النص المفهرس
صفحات 321-340
[لقمان: ١٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وقال بعضهم : إنَّ الله سبحانه وتعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء ، ومن المنهيات ثلاثة أشياء ؛ فذكر العدل ؛ وهو الإنصاف والمساواة في الأقوال والأفعال ، وذكر في مقابلته الفحشاء ؛ وهي ما قَبُح من الأقوال والأفعال ، وذكر الإحسان ؛ وهو أن تعفو عمَّن ظلمك ، وتحسن إلى مَنْ أساء إليك ، وذكر في مقابلته المنكر ؛ وهو أن تنكر إحسان من أحسن إليك ، وذكر إيتاء ذي القربى ؛ والمراد به : صلة القرابة والتودُّد إليهم والشفقة عليهم ، وذكر في مقابلته البغي ؛ وهو أن يتكبَّر عليهم أو يظلمهم حقوقهم. انتهى من ((الخازن)). قال النسفي : وهذه الآية سببُ إسلام عثمان بن مظعون ؛ فإنَّه قال : ما كنت أسلمت إلا حياءً منه عليه الصلاة والسلام لكثرة ما يعرض عليَّ الإسلام ، ولم يستقرَّ الإيمانُ في قلبي حتى نزلت هذه الآية ؛ وأنا عنده ، فاستقرَّ الإيمان في قلبي ، فقرأتها على الوليد بن المغيرة ، فقال: والله ؛ إنَّ له لحلاوة ، وإنَّ عليه لَطَلاَوَة ، وإنَّ أعلاه لمثمر ، وإنَّ أسفله لمُغْدِق ، وما هو بقول البشر . وقال أبو جهل : إنَّ إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق . وقال ابن مسعود : هي أجمع آية في القرآن للخير والشر . ولهذا يقرؤُها كلُّ خطيب على المنبر في آخر كل خطبة ؛ لتكون عِظَةً جامعة لكلِّ مأمور ؛ ولكل مَنْهِيٍّ . انتهى . ( وَ) أدَّبه القرآن بمثل ( قَوْلِهِ ) تعالى في سورة لقمان (﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَّا أَصَابَكٌ﴾ ) ؛ أي على الذي أصابك أي : في عبادتك وغيرها ؛ من الأمر بالمعروف وغيره ، سواء كان بواسطة العباد ؛ كأَذِيَّتِهِم ، أَوْ لا ؛ كالمرض. انتهى (( خطيب)). ﴿﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾) المذكور (﴿مِنْ عَزْعِ الْأُمُورِ﴾) ؛ أي : مما عزمه الله من الأمور ، أي قطعه قطع إيجاب ؛ مصدرٌ أُطلِقَ للمفعول . ٣٢١ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأَمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. وَقَوْلِهِ : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ قال الخازن : يعني : إقامة الصلاة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والصبر على الأذى ؛ من الأمور الواجبة التي أمر الله بها . وهذه الآية من وصية لقمان لابنه ؛ إذ قال له : يا بني ؛ أَقم الصلاة ، وأُمُر بالمعروف ، وَانْهَ عن المنكر . كما قصَّه الله تعالى في كتابه الكريم . وكلُّ ما قصَّه الله تعالى من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو إرشاد لنبينا وَّه ولأُمَّته ، فكأنَّه مما أمر به ابتداءً ؛ فلا تتوهَّم أنها ليست في حقِّه . ( وَ) أدَّبه بمثل ( قَوْلِهِ) تعالى في سورة الشورى (﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ﴾) فلم ينتصر، ( ﴿وَغَفَرَ﴾): تجاوز (﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾) الصبر والغفران منه (﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ) ؛ أي : معزوماتها ؛ بمعنى : المطلوبات شرعاً ، أي : من الأمور التي ندب إليها ، أو مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه ، ولا يترخَّص في تركه . وفي القرطبي: ﴿ وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ﴾ أي: صبر على الأذى ، وغفر: ترك الانتصار لوجه الله ؛ وهذا فيمن ظلمه مسلم . ويحكى أنَّ رجلاً سبَّ رجلاً في مجلس الحسن رحمه الله تعالى ، فكان المسبوب يكظم ، ويعرق فيمسح العرق ، ثم قام فتلا هذه الآية ، فقال الحسن : عَقِلَهَا والله وفهمها ؛ إذ ضَيَّعها الجاهلون !! وبالجملة فالعفو مندوب إليه ، ثمَّ قد ينعكس في بعض الأحوال ؛ فيرجع ترك العفو مندوباً إليه ، وذلك إذا احتيج إلى كفِّ زيادة البغي وقطع مادَّة الأذى . وعن النَّبِيّ وَِّ ما يدلُّ عليه ؛ وهو أنَّ زينب أسمعت عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها بحضرته ، فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: (( دُونَكِ فَأَنْتُصِرِي)». خرَّجه مسلم في (( صحيحه )) بمعناه ، انتهى . ( وَ) أَذَّبَه بمثل ( قَوْلِهِ) تعالى في سورة المائدة (﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ ) ؛ ٣٢٢ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة : ١٣] . [وَقَوْلِهِ ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ ء * [النور] . ٢٢ أي : فاعف عن زلاَتهم يا محمد ، واصفح عن جرمهم ومؤاخذتهم . وهذا الأمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب منسوخ بآية السيف ؛ وهي قوله ﴿ قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [٢٩/ التوبة] . قاله قتادة . وقيل : إنها غير منسوخة ؛ بل نزلت في قوم كان بينهم وبين النَّبِيّ وَِّ عهدٌ ؛ فغدروا ونقضوا ذلك العهد، فأظهر الله تعالى نبيّه وَ ﴿ على ذلك، وأنزل هذه الآية؛ ولم تنسخ ! وذلك أنَّه يجوز أن يعفوَ عن غَذْرَةٍ فعلوها ما لم يَنْصِبوا حرباً ؛ وما لم يمتنعوا من أداء الجزية والصَّغَار . وعلى هذا القول بأنها غير منسوخة يكون معنى الآية : فاعف عن مؤمنيهم ، أو عمَّن تاب منهم ، ولا تؤاخذهم بما سلف منهم قبل ذلك . (﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) ؛ يعني : إذا عفوت عنهم فإنَّك تحسن إليهم ؛ والله يحب المحسنين . ( وَ) أذَّبَه بمثل ( قَوْلِهِ ) تعالى في سورة النور (﴿وَلْيَعْفُواْ﴾)؛ أي: أولو الفضل، (﴿ وَلْيَصْفَحُوَأْ﴾ ) عن الخائضين في الإفك ؛ أي : ليُعرضوا عن لومهم ، فإنَّ العفو أن يُتجاوزَ عن الجاني ، والصفح أن يتناسى جرمه . ﴿﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمُّ﴾) على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى مَنْ أساء إليكم !! ( ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ) ؛ مع كمال قدرته ، فتخلَّقوا بأخلاقه . نزلت في شأن أبي بكر الصديق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حين حلف أن لا ينفق على مِسْطَحِ ابن خالته ؛ لخوضه في الإفك على عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ، وكان مسكيناً بدرياً مهاجراً ، ولما قرأها النَّبِيّ وٍَّ على أبي بكر ؛ قال : بلى أحبُّ أن يغفر ٣٢٣ ١ وَقَوْلِهِ ﴿آدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيدٌ (ب) [فصلت] . الله لي ، وردّ إلى مسطح ما كان ينفقه عليه . وفي الآية أدلّة على فضل أبي بكر الصِّدِّيق ، لأنَّ الفضل المذكور في الآية ذكره تعالى في معرض المدح ، وذكره بلفظ الجمع في قوله ﴿ أُوْلُواْالْفَضْلِ﴾، وقوله ﴿ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ . وهذا يدلُّ على علوّ شأنه ومرتبته ؛ منها : أنَّه احتمل الأذى من ذوي القربى ، ورجَّع عليه ما كان ينفقه عليه ، وهذا من أشدِّ الجهاد ؛ لأنَّه جهاد النَّفْس . ومنها : أنَّه تعالى قال في حقِّ رَسُولِ اللهِوَِّ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ ، وقال في حقِّ أبي بكر: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ فدلَّ أنَّ أبا بكر كان ثاني اثنين لرَسُولِ اللهِ وَلِ فِي جميع الأخلاق ؛ قاله الخازن . وهذه الآية وإنْ نزلت في أبي بكر ؛ فالنبيُّ ◌َّ﴿ داخلٌ في عمومها ؛ كما في سائر الخطابات ، فلا يَرِدُ على المصنّفُ أنَّ هذه الآية ليست في حقه وَّ! ( وَ) أَذَّبَهُ بمثل ( قَوْلِهِ) تعالى في سورة فُصِّلت : (﴿ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَ السَّيْئَةُ آدَفَعْ﴾ ) السيئةَ (﴿يِأَلَّتِى﴾) أي: بالخصلة التي (هِىَ أَحْسَنُ﴾) ؛ كالغضب بالصبر ، والجهل بالحلم ، والإساءة بالعفو ؛ قاله في (( الجلالين)). وقال النسفي : يعني أنَّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما ؛ فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أُختها إذا اعترضتك حسنتان ، فادفع بها السيئة التي تَرِدُ عليك من بعض أعدائك ؛ كما لو أساء إليك رجل إساءةً ؛ فالحسنة : أن تعفو عنه ، والتي هي أحسن : أن تحسن إليه مكان إساءته إليك ، ومثل أن يذمَّك ؛ فتمدحه ، أو يقتل ولدك ؛ فتفتدي ولدَه من يد عدوّه. (﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ﴾ ) ؛ أي : فيصير عدوُّك كالصديق القريب في محبَّته إذا فعلت ذلك . ٣٢٤ وَقَوْلِهِ ﴿ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِّ ... ( وَ) أدَّبَه بمثل ( قَوْلِهِ) تعالى في سورة آل عمران (﴿ وَالْكَظِمِينَ اٌلْغَيْظَ﴾ ) ؛ كظم الغيظ: هو أن يمتلىء غيظاً فيردّه في جوفه ؛ ولا يظهره بقول ولا فعل ، ويصبر عليه ويسكت عنه . ومعنى الآية : أنَّهم يكفُّون غيظهم عن الإمضاء مع القدرة ، ويردُّون غيظهم في أجوافهم . وهذا الوصفُ من أقسام الصبر والحلم . عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه: أن رَسُوْلَ اللهِ وَلَ قال: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظاً ؛ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْفِذَهُ؛ دَعَاهُ الله تَعَالَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ ؛ حَتَّى يُخَيَِّهُ فِي أيِّ الْحُورِ شَاءَ)) . أخرجه الترمذيُّ ، وأبو داود . وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما: (( مَنْ كَظَمَ غَيْظاً ؛ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ ؛ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ أَمْناً وَإِيماناً )) . وأخرج الشيخان ؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال: قالَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ الشَّدِيْدُ بِالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ ». وروي عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أنَّ خادماً لها غاظها ، فقالت : لله درُّ التقوى ؛ ما تركت لذي غيظٍ شفاء !! . ﴿﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ ) ممَّن ظلمهم ؛ أي : التاركين عقوبتهم . يعني : إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه ، فتكون الآية على العموم . روي أنَّهِ وَ ◌ّه قال: ((يُنَادِي مُنَادٍ يَومَ القِيَامَةِ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ أُجُورُهُمْ عَلَى اللهِ؟! فَلاَ يَقُومُ إِلاَّ مَنْ عَفَا )). وعن ابن عيينة أنَّه رواه للرَّشيد وقد غضب على رجل ؛ فَخَلاَه . وروي أنه بَ ◌ّه قال: ((إنَّ هَؤُلاءِ فِي أُمَّتِي قَلِيلٌ؛ إِلَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ، وَقَدْ كَانُوا كَثِيراً فِي الأُمَمِ التي مَضَتْ )) . وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون منقطعاً؛ وهو ظاهر ، وأن يكون متَّصلاً ؛ لما في القِلَّة من معنى العدم ؛ كأنَّه قيل: إنَّ هؤلاء في أُمَّتي لا يوجدون إلَّ مَنْ عصم الله؛ فإنه يوجد في أُمَّتي. قاله الجمل على ((الجلالين)). ٣٢٥ ](١) [آل عمران]. وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٣٤ وَقَوْلِهِ: ﴿ أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الَّنِّ ﴿﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾) بهذه الأفعال ؛ أي : يثيبهم . ( وَ) أَدَّبَه القرآن بمثل ( قَوْلِهِ) تعالى في سورة الحجرات ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (أَجْتِبُواْ كَثِيراً مِّنَ اَلَّنِّ﴾ ). قيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَ لٍّ كان إذا غزا أو سافر ضمَّ الرجلَ المحتاجَ إلى رجلين موسِرَيْن ؛ يخدمهما ويتقدَّمهما إلى المنزل ؛ فيهِّىءُ لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب ، فضمَّ سلمان إلى رجلين في بعض أسفاره ، فتقدَّم سلمان إلى المنزل ؛ فغلبته عيناه ، فنام ؛ ولم يهِّىء لهما شيئاً ، فلما قدما قالا له : ما صنعت شيئاً ؟! قال : لا ؛ غلبتني عيناي ، قالا له : انطلق إلى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فاطلب لنا منه طعاماً؛ فجاء سلمان إلى رَسُولِ اللهِ نَّهِ وسأل طعاماً ، فقال رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: انطلق إلى أُسامة بن زيد؛ وقل له: ((إنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ طَعَامٍ وَإِدَامٍ فَلْيُعْطِكَ)). وكان أسامةُ خازنَ طعام رَسُولِ اللهِوَ ◌ّر وعلى رحله، فأتاه ، فقال : ما عندي شيء . فرجع سلمان إليهما فأخبرهما ، فقالا : كان عند أسامة ؛ ولكن بخل ! فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة ؛ فلم يجد عندهم شيئاً ، فلما رجع ؛ قالوا : لو بعثناك إلى بئرٍ سمحةٍ لغار ماؤها !! ثم انطلقا يتجسَّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رَسُوْلُ اللهِنَّهِ، فلما جاءا إلى رَسُولِ اللهِ يََّ قال لهما: (( مَا لِيْ أَرَى خُضْرَةَ اللَّحْمِ فِي أَفْوَاهِكُمَا!؟)). قالا: والله يا رسول الله؛ ما تناولنا يومنا هذا لحماً! قال: ((ظَلَمْتُمَا بِأَكْلِ لَحْمٍ سَلْمَانَ وَأُسَامَةً !! )) فأنزل الله عزَّ وجلَّ ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِرًا مِّنَ الَِّنِ﴾ يعني : أن يظن بأهل الخير سوءاً ؛ فنهى الله المؤمنَ أن يظنَّ بأخيه المؤمن شرّاً . وقيل : هو أن يسمع من أخيه المسلم كلاماً لا يريد به سوءاً ، أو يدخل مدخلاً لا يريد به سوءاً ؛ (١) الشواهد الثلاث التي مضت من إضافة الشارح . ٣٢٦ . فيراه أخوه المسلم ؛ فيظنَّ به سوءاً ، لأنَّ بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحاً ؛ وفي نفس الأمر لا يكون كذلك !! لجواز أن يكون فاعله ساهياً ؛ ويكون الرَّائي مخطئاً !! . فأمَّا أهلُ السوء والفِسْقِ المتجاهرون بذلك ! فلنا أنْ نظنَّ فيهم مثل الذي يظهر منهم . انتهى (( خازن)). وفي القرطبي : قال علماؤنا : الظُّ في الآية هو التُّهمة، ومَحَلُّ التحذير والنهي إنَّما هو تهمة لا سبب لها يوجبها ؛ كمَن يُتَّهَم بالفاحشة ، أو بِشُرْبِ الخمر ؛ ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك . ودليل كون الظنِّ هنا بمعنى التهمة: قوله بعد هذا ﴿ وَلَا تَجَسُواْ﴾؛ وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداءً ؛ فيريد أن يتجسَّس خبر ذلك ويبحث عنه ، ويتبصَّر ويتسمَّع ، ليتحقَّق ما وقع له من تلك التهمة ، فنهى النَِّيّ ◌َِّهِ . وإن شئت قلت : والذي يُميِِّ الظُّنون التي يجب اجتنابها عمَّا سواها : أنَّ كلَّ ما لم تعرف له أَمَارَةٌ صحيحة وسبب ظاهر ؛ كان حراماً واجبَ الاجتناب ، وذلك إذا كان المظنون به ممَّن شوهد منه الستر والصلاح ، وأونِسَتْ منه الأمانة في الظاهر ، فِظَنُّ الفسادِ بِهِ والخيانة محرَّم ، بخلاف مَنْ أشهره الناس بتعاطي الريبة والتجاهر بالخبائث !! وعن النَّبِيّ ◌َّهَ: (( حَرُمَ مِنَ المُسْلِمِ دَمُهُ، وعِرْضُهُ، وَأَنْ يُظَنَّبِهِ ظَنُّ السُّوءِ)) . وعن الحسن : كُنَّ في زمنٍ : الظنُّ فيه بالنَّاس حرام ، وأنت اليوم : اعمل ، واسكت ، وظنَّ بالناس ما شئت . انتهى . وإنْهامُ ((الكثير )) الإيجاب الاحتياط والتأمُّل في كلِّ ظنِّ؛ حتى يعلم أنَّه من أيِّ قبيل !؟ فإنَّ من الظَّنِّ ما يجب اتِّباعه ؛ كالظنِّ فيما لا قاطع فيه من العمليَّات ، وحسنِ ٣٢٧ إِنَّ بَعْضَ اُلِّنِّ إِثْرٌ وَلَا تَجَّسُواْ. الظنِّ باللهِ تعالى . ومنه ما يحرم ؛ كالظنِّ في الإلهيَّات والنبوَّات ، وحيث يخالفه قاطعٌ ، وظنِّ السوء بالمؤمنين . ومنه ما يباح ؛ كالظن في الأمور المعاشية . انتهى ((أبو السعود)). (﴿ إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِنْ﴾ ) ؛ أي: مؤثِم، وهو كثير، كظنِّ السوء بأهل الخير من المؤمنين ؛ وهم كثير ، بخلافه بالفُسَّاق منهم ! فلا إثم فيه في نحو ما يظهر منهم ، كما تقدَّم . قال سفيان الثَّوريُّ : الظنُّ ظنَّان : أحدهما : إثم ؛ وهو أن يظنَّ ويتكلَّم به ، والآخر : ليس بإثم ؛ وهو أن يظنَّ ولا يتكلم به . وقيل : الظنُّ أنواع ؛ فمنه واجبٌ ، ومأمورٌ به ؛ وهو الظنُّ الحسن باللهِ عزَّ وجلَّ ، ومنه مندوب إليه ؛ وهو الظنُّ الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة ، ومنه حرام محظور ؛ وهو سوء الظنِّ باللهِ عزَّ وجل ، وسوء الظن بالأخ المسلم : انتهى (خازن)). ( ﴿ وَلَا تَجَسُواْ﴾) - حذف منه إحدى التائين -: لا تَتَبَّعُوا عوراتِ المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها . وفي ((القرطبي)) : معنى الآية : خذوا ما ظهر ولا تَتَبَّعُوا عورات المسلمين ؛ أي : لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ؛ حتى يطَّلع عليه ؛ بعد أَنْ ستره الله . وفي ((كتاب أبي داود)) عن معاوية قال: سمعت رَسُوْلَ اللهِ وَ لَه يقول: ((إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَورَاتِ المُسْلِمِينَ أَفْسَدْتَهُمْ ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ)). فقال أبو الدرداء : كلمةً سمعها معاويةُ من رَسُولِ اللهِ نَّ فنفعه الله بها . وعن المقدام بن معد يكرب ؛ عن أبي أُمَامَةَ؛ عن النَّبِّ ◌َّه قال: ((إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيْبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُم » . انتهى. وفي ((الخازن)): أخرج الشيخان ؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ ٣٢٨ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]). رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قال: ((إِيَّاكُمُ والظَّنَّ !! فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَنَفَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إْوَانً؛ كَمَا أَمَرَكُمْ، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ؛ لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنا! التَّقْوَى هَا هُنَا! التَّقْوَى ها هُنَا ! - ويشير إلى صدره - . بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ ؛ دَمُهُ ، وَعِرْضُهُ ، وَمَالُهُ . إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ )) . وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما قال: صعد رَسُوْلُ اللهِ وَ لّ المنبر؛ فنادى بصوت رفيع: ((يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيْمَانُ إِلَى قَلْبِهِ ؛ لاَ تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ ، وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ، وَلاَ تَشَبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَورَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ ؛ وَلَوْ فِي جَوْفٍ رَحْلِهِ )) . قال نافع : ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة ؛ فقال : ما أعظمَكِ وأعظمَ حُرمَتَك ! والمؤمن أعظمُ حرمة عند الله منك !! أخرجه الترمذي ؛ وقال : حديث حسن غريب . وعن زيد بن وهب قال : أُتيَ ابن مسعود فقيل له : هذا فلان تقطر لحيته خمراً !! . فقال عبد الله: إنَّا قد نُهينا عن التجسُّس، ولكن إن يظهر لنا شيءٌ نأخذ به . أخرجه أبو داود . وله ؛ عن عقبة بن عامر: أنَّ رَسُوْلَ اللهِنَ ◌ّه قال: «مَنْ رَأَى عَورَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْزُودَةً » . وأخرج مسلم ؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ أنَّ النَّبِيّ ◌َّ قال: ((لاَ يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدَاً فِي الدُّنْيَا إِلَّ سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ)) . انتهى. ﴿ ﴿ وَلَ يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ) ؛ لا يذكره بشيء يكرهه ؛ وإن كان فيه ! . ٣٢٩ وعن ابن عبّاس : الغِيبة إدام كلام الناس . وفي ((القرطبي)): نهى عزَّ وجلَّ عن الغِيبة ؛ وهي أن تذكر الرجل بما فيه ، فإن ذكرته بما ليس فيه ! فهو البهتان ، ثبت معناه في ((صحيح مسلم)) ؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قال: ((أتَذْرُونَ ما الغِيْبَةُ؟!)) قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)) ، قَالَ: أَفَرَّأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ!؟ فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ فِيْهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ أَغْتَبْتَهُ! وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ !! فَقَدْ بَهَنَّهُ )). يقال: اغتابه اغتياباً: إذا وقع فيه. والاسم: ((الغيبة))؛ وهي : ذكر العيب بظهر الغيب . قال الحسن : الغيبة ثلاثةُ أوجه كلُّها في كتاب الله تعالى : الغيبة ، والإِفك ، والبهتان ؛ فأمَّا الغيبة ! فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه . وأمَّا الإفك ! فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه . وأمَّا البهتان ! فهو أن تقول فيه ما ليس فيه . ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر ، وأنَّ على مَن اغتاب أحداً التوبةُ إلى الله عزَّ وجلَّ . وهل يَسْتَحِلُّ المغتابَ !؟ فيه فقالت فرقة : ليس عليه استحلاله ، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه . واحتجَّت بأنَّه لم يأخذ من ماله ، ولا أصاب من بدنه ما ينقصه ، فليس ذلك مظلمة يستحلُّها منه ، وإنَّما المظلمة : ما يكون في المال والبدن . وقالت فرقة : هي مظلمة ؛ وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه . ٣٣٠ وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّأْدِيِّبَاتِ فِي الْقُرْآنِ لاَ تَنْحَصِرُ . وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَقْصُودُ الأَوَّلُ بِالْتَأْدِيبِ وَالتَّهْذِيبِ ، ثُمَّ مِنْهُ يُشْرِقُ النُّورُ عَلَىْ كَافَّةِ الْخَلْقِ ؛ فَإِنَّهُ أُدِّبَ بِالْقُرْآنِ فَتَأَذَّبَ بِهِ ، واحتجَّت بحديث يروى عن الحسن قال: ((كفارة الغيبةِ أن تستغفر لمَن اغتبته )) . وقالت فرقة : هي مظلمة ؛ وعليه الاستحلال منها . واحتجَّت بقول النَّبِيِّ ◌ََّ: ((مَنْ كَانَتْ لأَخِيْهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ ؛ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِي يَومٌّ لَيْسَ فِيْهِ هُنَاكَ دِيْنَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ لمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ! أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَزِيْدَ عَلَى سَيَّاتِهِ )) . أخرجه البخاري ؛ من حديث أبي هريرة . وغير ذلك من الأحاديث . وليس من هذا الباب غيبةُ الفاسق المُعلن به المتجاهر !! فإِنَّ في الخبر: (( مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلاَ غِيْبَةً لَهُ)). وقال ◌َ: ((اذْكُرُوا الفَاجِرَ بِمَا فِيْهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ )) . فالغيبة إذن في المرء الذي يستر نفسه . وروي عن الحسن أنَّه قال : ثلاثةٌ ليست لهم حرمة ؛ ١ - صاحب الهوى ، و٢ - الفاسق المُعْلِن، و٣ - والإمام الجائر. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى. ( وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّْدِيَاتِ فِي القُرْآنِ) - وهي كثيرة - (لاَ تَنْحَصِرُ، وَهُوَ إِلَلـ المَقْصُوْدُ الأَوَّلُ بِالتَّأْدِيْبِ وَالتَّهْذِيْبِ ) في هذه الآيات وأمثالها ، (ثُمَّ مِنْهُ يُشْرِقُ التُّوْرُ) ؛ أي : نور العلم والأخلاق والهداية والإيمان ( عَلَى كَافَّةِ الخَلْقِ )؛ إِذْ جميعُ الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه وَّه، واقتبس الناس منها كلٌّ على قدر حظِّه ونصيبه الذي قُسِمَ له من الوهَّابِ، (فَإِنَّهُ) وَ ( أُدَّبَ بِالقُرْآنِ ) - بالبناء للمفعول -، أي : أدَّبه الله بالقرآن أي : بما دلَّ عليه القرآن ( فَتَأَذَّبَ بِهِ ) . في (( أدب الإملاء)) لابن السمعاني من حديث ابن مسعود رفعه: ((أَذَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيِي، ثُمَّ أَمَرَنِي بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ ؛ فَقَالَ ﴿ خُذِ الْعَفْوَوَأْمُنْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية. ٣٣١ وَأَدَّبَ الْخَلْقَ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ » . ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ اللهُ تَعَالَى خُلُقَهُ . . أَثْتَى عَلَيْهِ فَقَالَ وأخرج القشيري نحوه في ((التحبير))؛ قاله في شرح ((الإحياء)). ( وَأَذَبَ الخَلْقَ بِهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ بِّهُ: (( بُعِثْتُ لأُتُمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ )) ) . قال ابن عبد البرِّ : يدخل فيه الصلاح والخير كلُّه والدين والفضل ، والمروءة والإحسان والعدل ، فبُعِثَ ليتمِّمَهُ . وقال الباجيُّ : كانت العرب أحسنَ الناس أخلاقاً بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلُّوا بالكفر عن كثير منها؛ فبُعِثَ وََّ ليتمِّمَ محاسن الأخلاق ؛ ببيان ما ضلُّوا عنه ، وبما قضى به في شرعه . انتهى . والحديث المذكور ! قال العراقي : رواه الإمام أحمد ، والحاكم ، والبيهقيُّ ؛ من حديث أبي هريرة . قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . ورواه مالك في ((الموطأ))؛ بلاغاً عن النَّبِيِّ نَّهِ بلفظ: ((إِنَّمَا يُعِثْتُ)). وقال ابن عبد البرِّ : هو متصلٌ من وجوه صحاح ؛ عن أبي هريرة مرفوعاً ؛ منها ما أخرجه أحمد في ((مسنده))، والخرائطي في أوَّل ((مكارم الأخلاق)) ؛ من طريق محمد بن عجلان ؛ عن القعقاع بن حكيم ؛ عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مرفوعاً بلفظ: ((صَالِحَ الأَخْلاَقِ )» ورجاله رجال الصحيح . وللطبراني في ((الأوسط)) بسند ضعيف؛ عن جابر مرفوعاً بلفظ: ((إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بِتَمَامِ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ ، وَكَمَالِ مَحَاسِنِ الأَفْعَالِ » . ( ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ اللهُ تَعَالَىْ خُلُقَهُ) - بضمِّ أوَّليه - ؛ أي : بما جمع فيه من صفات الكمال مما لا يحيط به حٌّ، ولا يحصره عدِّ (أَثْنَى عَلَيْهِ ) في كتابه الكريم؛ (فَقَالَ ٣٣٢ تَعَالَى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. تعَالَىْ ) مقسماً ﴿نَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْظُرُونَ (بَ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾) ؛ لاجتماع مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال فيك . وقالت عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : ما كان أحدٌ أحسنَ خُلُقاً من رَسُولِ اللهِ لَّمَ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته؛ إلا قال: ((لَبَّيْك)). فلذلك أنزل الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. رواه ابن مردويه، وأبو نعيم بسند واهٍ . وكلمة ((على)) للاستعلاء ؛ فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق ، ومستولٍ عليها ؛ بمعنى أنَّه متمكِّنٌ من الجري على مقتضاها ؛ ببذل المعروف ، واحتمال الأذى ، وعدم الانتقام ، فأشبه في تمكُّنه من ذلك : المستعلي على الشيء المستقرَّ عليه ؛ فهو استعارة تَبَعِيَّة لجريانها في الحرف . قال الحليمي: إِنَّمَا وَصَفَ خُلُقَهُ بالعُظْم ؛ مع أنَّ الغالب وصف الخلق بالِكَرَم ! لأنَّ كرم الخُلُق يراد به السماحة والدَّماثة ؛ ولم يكن خُلُقُهُ مَّ مقصوراً على ذلك ؛ بل كان رحيماً بالمؤمنين ؛ رفيقاً بهم ، شديداً على الكُفَّار ؛ غليظاً عليهم ، مَهِيْباً في صدور الأعداء ؛ منصوراً بالرُّعب منهم على مسيرة شهر ، فكان وصفه بالعظم أولى ؛ ليشمل الإنعام والانتقام . وقال الجنيد : وإنَّما كان خُلُقُه ◌َ﴿ عظيماً !! لأنَّه لم يكن له همَّة سوى الله تعالى، وقد وصف الله تعالى نبيَّه ◌َّ بكمالٍ عظيمٍ يرجع إلى قوَّته العِلْمِية فقال ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء] ، ووصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوَّته العَمَلِيَّة ؛ فقال ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، فدلَّ مجموع هاتين الآيتين على أنَّ روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمةٌ عالية الدرجة ؛ كأنَّها لقوَّتها وشدَّة كمالها من جنس أرواح الملائكة ؛ إذ أعطاهم الله تعالى قوَّة في العمل لا تصلُ إليها البشر ، وفي العلم ما يَصِلُون به إلى معرفة حقائق الأمور من اللوح المحفوظ ، أو الإلهام والعلم الضروري بمعرفة الأمور على ما هي به في ٣٣٣ ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ : ( وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَحَفَّ الإِسْلاَمَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ)). وَمِنْ ذَلِكَ : حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ ، ذَلِكَ: حُسْنُ المُعَاشَرَةِ ، الواقع ، وكذلك كان ◌َله . ( ثُمَّ قَالَ ) الإمام أبو حامد ( الغَزَالِيُّ) في كتاب ((إحياء علوم الدين)): ( وَعَنْ) أبي عبد الرحمن (مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس بن عائذ - بالمعجمة - ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي الجشمي المدني ، الفقيه الفاضل الصالح . أسلم معاذ المذكور ؛ وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وشَهِدَ العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار ، ثم شهد بدراً ، وأُحُداً ، والخندق ، والمشاهدَ كلَّها مع رَسُولِ اللهِ وَّه، وآخِى رَسُوْلُ اللهِ نَّ بينه وبين عبد الله بن مسعود . روي له عن رَسُولِ اللهِ وَ له مائة حديث وسبعة وخمسون حديثاً؛ اتَّقا على حديثين ، وانفرد البخاري بثلاثة ، ومسلم بحديث . روى عنه ابن عمر ، وابن عباس ، وابن عمرو بن العاصي ، وأبو قتادة ، وجابر ، وأنس ، وأبو أمامة ، وأبو ثعلبة ، وعبد الرحمن بن سمرة ، وآخرون من الصحابة والتابعين . وتوفي شهيداً في طاعون عمواس سنة : ثماني عشرة ؛ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقيل : أربع وثلاثين. وقيل: ثمان وثلاثين. رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (عَنِ الَِّّ ◌َّهِ؛ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ حَفَّ الإِسْلاَمَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ وَمَحَاسِنٍ الأَعْمَالِ » وَمِنْ ذَلِكَ) ؛ أي: محاسن الأعمال : (حُسْنُ المُعَاشَرَةِ ) مع الناس إذا خالطهم ؛ ولم يكن بدٌّ من مخالطتهم . وكلُّ مخالط ففي مخالطته أدب ، والأدب على قدر حقُّه ، وحقُّه على قدر رابطته التي بها وقعت المخالطة . ٣٣٤ وَكَرَمُ الصَّنِيعَةِ ، والرابطة: ١ - إما القرابة؛ وهي أخصُّها. أو ٢ - أُخوَّة الإسلام ؛ وهي أعمُّها . وينطوي في معنى الأُخوَّة الصداقةُ، والصحبة. وإمَّا ٣ - الجوار . وإمَّا ٤ - صحبة السفر والمكتب والدرس . ولكلٍّ واحد من هذه الروابط درجات ؛ فالقرابة لها حقٌّ ؛ ولكن حقَّ الرَّحِم المَخْرَمِ آكَدُ ، وللمَحْرَم حقٌّ ؛ ولكن حقَّ الوالدين آكدُ . وكذلك حقُّ الجار ؛ ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده ، ويظهر التفاوت عند النسبة ، حتى أنَّ البلديَّ في بلاد الغُرْبَةِ يجري مجرى القريب في الوطن ؛ لاختصاصه بحق الجوار في البلد . وكذلك حقُّ المسلم يتأكَّد بتأكُّد المعرفة . وللمعارف درجات ، فليس حقُّ الذي عرف بالمشاهدة كحق الذي عرف بالسماع ، بل آكد منه ! والمعرفة بعد وقوعها تتأكَّد بالاختلاط . وكذلك الصحبةُ تتفاوت درجاتها ؛ فحقُّ الصحبة في الدرس والمكتب آكدُ من حقٌّ صحبة السفر . وكذلك الصداقة تتفاوت ، فإنَّها إذا قويت! صارت أُخُوَّةً؛ فإن ازدادت ! صارت محبّةً . وتفاوت درجات الصداقة لا تخفى بحكم المشاهدة والتجربة . وكلُّ ذلك مفضَّلٌ في كتاب (( إحياء علوم الدين)) للإمام الغزالي شكر الله مسعاه ، وجعل الجنّةً متقلَّبه ومثواه . آمين . فينبغي أن يخالق الجميعَ بخلق حسن ، ويعامل كلاّ منهم بحسب طريقته ؛ فإنَّه إنْ أراد لقاء الجاهل بالعلم ، والأميِّ بالفقه ، والعَبِيِّ بالبيان ؛ آذى غيره وتأذًى بنفسه . ( وَ) من محاسن الأعمال: ( كَرَمُ الصَّنِيْعَةِ ) ؛ أي : حسنها . قال في (( المصباح)) : الصنيعة : ما اصطنعته من خير . انتهى . ٣٣٥ وَلِينُ الْجَانِبِ، وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلاَمِ ، وفي ((القاموس مع الشرح)): والصنيع : الإحسان والمعروف، واليد يرمي بها إلى كل إنسان . وقيل : هو كلُّ ما اصطنع من خير ؛ كالصنيعة . انتهى . ( وَلِيْنُ الجَانِبِ )؛ هو كناية عن التواضع. قال رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ » . قال العراقيُّ : رواه أبو داود ، وابن ماجه ؛ واللفظ له ؛ من حديث عياض بن حمار ، ورجاله رجال الصحيح . ( وَبَذْلُ المَعْرُوْفِ ) ؛ هو اسم عامٌ جامع للخير كلِّه، وبذلُه: إعطاؤه . وقيل: المراد به القرض . عن علي بن أبي طالب قال: قال رَسُوْلُ اللهِ بَّهَ: ((إِصْنَعَ المَعْرُوفَ إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ ؛ وَإِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ، فَإِنْ أَصَبْتَ أَهْلَهُ ! أَصَبْتَ أَهْلَهُ ، وَإِنْ لَّمْ تُصِبْ أَهْلَهُ !؟ كُنْتَ أَنْتَ أَهْلَهُ)). ذكره الدار قطني في (( العلل))؛ وهو ضعيف . ورواه ابن النجار في ((تاريخه))، ورواه الخطيب؛ عن ابن عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما. وأخرج البيهقيُّ من طريق علي بن موسى الرضا ؛ عن آبائه؛ عن النِّيّ ◌َِل أنَّه قال: ((رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الدِّينِ: التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ، وَاصْطِنَاعُ المَعْرُوفِ إِلَى كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ )) . ( وَ) من محاسن الأعمال : ( إِطْعَامُ الطَّعَام)؛ وهو من شعب الإيمان ؛ ففي ((الصحيحين)) أنَّ رجلاً سأل رَسُوْلَ اللهِ وَالَ: أَيُّ الإسلام خير؟! قال: (( تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). ( وَإِفْشَاءُ السَّلاَم ) ؛ أي : إشاعته وإكثاره ، وبذله لكلِّ مسلم ؛ مَنْ عرفت ومَنْ لم تعرف . ويَكون قبل الكلام؛ ففي الحديث أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّر قال: ((مَنْ بَدَأَ بالكَلاَمِ قَبْلَ السَّلاَمِ فَلاَ تُجِيْبُوهُ؛ حَتَّى يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ» . ذكره في ٣٣٦ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ الْمُسْلِمِ ؛ بَرَأْ كَانَ أَوْ فَاجِراً ، ((الإحياء)). قال العراقي: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وأبو نعيم في (( اليوم والليلة)) واللفظ له ؛ من حديث ابن عمر بسند فيه لين . وأخرج البخاريُّ في (( الأدب المفرد))؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أنَّ رجلاً مرَّ على النَّبِيّ ◌َّ وهو في مجلس ؛ فقال : السلام عليكم ، فقال: ((عَشْرُ حَسَنَاتٍ)). قال: ثُمَّ مرَّ رجل آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله، فقال: ((عِشْرُونَ حَسَنَةٌ)). قال: فمرَّ رجل آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: (( ثَلاَثُونَ حَسَنَةً ». وأخرج أبو داود ؛ عن معاذ بن أنس الجُهَنِي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أنَّ رجلاً أتى إلى مجلس فيه رَسُوْلُ اللهِنَّه؛ فقال: السلام عليكم، فردَّ عليه وقال : ((عَشْرُ حَسَنَاتٍ )). ثمَّ جاء رجل آخر ؛ فقال: السلام عليكم ورحمة الله ، فردَّ عليه وقال : ((عِشْرُونَ حَسَنَةً)). ثم جاء آخر ؛ فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: (( ثَلاَثُونَ)) وجاءه آخر فقال: ومغفرته، فقال: « أَرْبَعُونَ ))، ثُمَّ قال: (( هَكَذَا تَكُونُ الفَضَائِلُ)» ! . ( وَ) من محاسن الأعمال: ( عِيَادَةُ المَرِيْضِ المُسْلِمِ؛ بَرّأَ كَانَ أَوْ فَاجِراً). قال ابن علان في ((شرح ((الأذكار))): أصلها: ((عوادة)) فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، كما في (( صيام))، و((قيام)). وعيادة المريض سنَّةٌ بالإجماع ؛ سواء فيه مَنْ تعرفه وغيره ، والقريب والأجنبي ، وما ورد عند مسلم بلفظ: (( يَجِبُ للْمُسْلِمٍ عَلَى المُسْلِمِ سَبْعٌ)) وذكر منها العيادة وغيرها مما ظاهره الوجوب !! محمول على الندب المتأكّد ؛ كحديث : ((غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ)) . وهي من حقِّ المسلم على المسلم . انتهى . وقال في ((الإحياء)): والمعرفة والإسلام كافٍ في إثبات هذا الحقِّ. ٣٣٧ قال في (( شرحه)): والظاهر أنَّ كلاً منهما شرط ؛ فإذا عُدِم أحدهما ! سقط حقُّ العيادة . انتهى : ومن أدب العائد : تخفيف الجلوس عنده ؛ لئلاّ يملّ المريض منه ؛ فقد روى الدَّيلمي؛ من حديث أبي هريرة: « مِنْ تَمَامِ الْعِيَادَةِ: خِفَّةُ القِيَامِ عِنْدَ المَرِيضِ)). انتهى. ومن أدب العائد : قلَّةُ السؤال عن أحواله ؛ فإنَّ كثرته ربَّما تُضجره . ومنها : إظهار الرِّقَّة والدعاء له بالعافية . قال في ((الإحياء )): وآدابه عند الاستئذان : أن لا يقابل الباب في وقوفه ؛ فإنَّه ربَّما يقع بصره عند فتحه على ما لا يحلُّ له النظر إليه ، بل يقف في طرفٍ منه. وإذا دقَّ الباب يدقُّ برفق ولين؛ لا بإزعاج! ولا يقول: (( أنا))؛ إذا قيل: ((مَنْ بالباب)) !! فقد ورد النهي عن ذلك؛ بل يقول: ((فلان)) باسمه المعروف. ففي الحديث عنه وَّر أنَّه قال: ((من تَمَامِ عِيَادَةِ المَرِيْضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ - أو قال: عَلَى يَدِهِ - ويَسْأَلُهُ كَيْفَ هُوْ؟!، وَتَمَامُ تَحِيَّاتِكُمُ المُصَافَحَةُ » . وفي لفظ: ((وَتَمَامُ تَحِيَِّكُمْ بَيْنَكُمُ المُصَافَحَةُ)). رواه الإمام أحمد، والترمذي وضعَّفه . ورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقيُّ؛ من حديث أبي أمامة بلفظ: (( مِنْ تَمَام)). ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقيُّ بلفظ: (( مِنْ تَمَامِ عِيَادَةٍ أَحَدِكُمْ أَخَاهُ: أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ؛ فَيَسْأَلَهُ كَيْفَ أَصْبَحَ ، كَيْفَ أَمْسَى!؟)) . وعند الطبراني في (( الكبير))؛ من حديث أبي رَهَم: ((وَإِنَّ مِنَ الحَسَنَاتِ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَإِنَّ مِنْ تَمَامِ عِيَادَتِهِ أَنْ تَضَعَ يَدَكَ عَلَيْه؛ وَتَسْأَلَهُ كَيْفَ هُوْ؟!)). ٣٣٨ وَتَشْبِیعُ جَنَازَةِ الْمُسْلِمِ وروى أصحاب ((السنن))، والحاكم؛ من حديث علي: ((مَنْ أَتَى أَخَاهُ المُسْلِمَ عائِداً مَشَى فِي خُرَافَةِ الجَنّةٍ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ ! غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ ، فَإِنْ كَانَ غَدْوَةً! صَلَّى عَلِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ حَتَّى يُمْسِي، وَإِنْ كَانَ مَسَاءً ! صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ حَتَّى يُصْبِحَ )) . وهذا لفظ ابن ماجه ، وصحَّحه الحاكم ، وحسَّنه الترمذي . ولمسلم ؛ من حديث ثوبان: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَزَل فِي خُرَافَة الجَنَّةِ )). وللبيهقي ؛ من حديث علي: (( مَنْ عَادَ مَرِيضاً قَعَدَ فِي خُرَافِ الجَنَّةِ ، فَإِذَا قَامَ مِنْ عندهِ! وُكُلَ بِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ يُصَلُّونَ عَلَيهِ حَتَّى اللَّلِ)). وفي لفظ عنده من حديثه أيضاً : ((مَنْ عَادَ مَرِيضاً مَشَى فِي خُرَافِ الجَنَّةِ ، فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ! اسْتَنْفَعَ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ! وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَيَحْفَظُونَهُ ذَلِكَ اليَومَ )) . ( وَ) من محاسن الأعمال: ( تَشْبِيْعُ جَنَازَةِ المُسْلِمِ) ؛ أي : الذهاب مع الجنازة حتى تدفن . أخرج الشيخان ؛ من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : ((مَنْ تَبَعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الأَجْرِ ، فَإِنْ وَقَفَ حَتَّى تُذْفَنَ ؛ فله قِرَاطانٍ)) ، وأخرج الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه وأبو عوانة وأبو داوود الطيالسي من حديث ثوبان: ((من تبع جنازة حتى يصلي عليها ، كان له من الأجر قيراط ، ومن مشى مع الجنازة حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان ، والقيراط مثل أحد )). وأخرج البخاريُّ ، والنسائي ، وابن حبَّان ؛ من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه: ((مَنْ تَبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً ، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ ؛ كُلُّ قِرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ !! ومَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُذْفَنَ ؛ فَإِنَّه يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ من الأَجْرِ ». ٣٣٩ وَحُسْنُ الْجِوَارِ لِمَنْ جَاوَرْتَ؛ مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً ، والمشيُّ أمامها بقربها أفضل ؛ فإِنَّه شفيع لها ، والشفيعُ يتقدَّم . هذا مذهب الشافعي ، ويدلُّ له حديث ابن عمر : كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهَا ، وأبو بكر ، وعمر . وقال أبو حنيفة : المشيُّ خلفَها أفضل ؛ لما رواه البراء بن عازب ؛ قال : أَمَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ بِاتَّبَاعِ الجَنَازَةِ. وعن أبي هريرة قال: سمعت رَسُوْلَ اللهِ اَل يقول: ((حَقُّ المُسْلِمٍ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ ... )) وذكر منها اتباع الجنازة؛ والاتِّباع لا يقع إلاَّ على التوالي . وآداب تشييع الجنازة : دوام الخشوع ، وترك الحديث ، وملاحظة الميت والاعتبار به ، والتفكّر في الموت والاستعداد له . ( وَ) من محاسن الأعمال: (حُسْنُ الجِوَارِ) ؛ أي : المجاورةِ ( لِمَنْ جَاوَرْتَ؛ مُسْلِماً كَانَ) الجار ؛ ( أَوْ كَافِراً) ؛ لأنَّك مأمورٌ بالإحسان إلى جارك مطلقاً ، إلاَّ أنَّ للمجاورة مراتبَ بعضها ألصق من بعض ؛ على الترتيب المذكور في قوله وََّ: ((الجِيرَانُ ثَلاثَةٌ؛ فَجَارٌ لَهُ حَقِّ وَاحِدٌ؛ وَهُوَ أَدْنَى الجِيرَانِ حَقّاً ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ ، وَجَارٌ لَهُ ثَلاَثَهُ حُقُوقٍ . فَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ؛ فَجَارٌ مُشْرِكٌ لاَ رَحِمٌ! لَهُ حَقُّ الجِوَارِ . وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ! فَجَارٌ مُسْلِمٌ لَهُ حَقُّ الإِسْلاَمِ وَحَقُّ الجِوَارِ . وَأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ! فَجَارٌ مُسْلِمٌ وَذُو رَحِمٍ ؛ لَهُ حَقُّ الإِسْلاَمِ وَحَقُّ الجِوَارِ وَحَقُّ الرَّحِمِ » . رواه الحسن بن يوسف، والبزَّار في ((مسنديهما))، وأبو الشيخ في (( كتاب الثواب))، وأبو نعيم في (( الحلية))؛ من حديث جابر . ورواه ابن عديٍّ؛ من حديث عبد الله بن عمرو وكلاهما ضعيف ، وكذلك رواه الديلميُّ والطبراني ؛ من حديث جابر . وله طرق مثَّصلةٌ ومرسلةٌ ، وفي الكلِّ مقال . ٣٤٠