النص المفهرس
صفحات 301-320
وطولهنَّ، ثمَّ يصلي ثلاثاً ، قالت عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : قلتُ : يا رسول الله؛ أَتَنَامُ قَبْلَ أنْ تُوِرَ؟! فقال: ((يَا عَائِشَةُ؛ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَمَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي)). رواه الشَّيخان ، وأبو داود ، والتِّرمذي، والنَّسائي. وإنَّما كان لا ينامُ قلبه! لأَنَّ القلب إِذَا قويَتْ فيه الحياةُ لا ينامُ إِذَا نَمَ البَدَنُ ، وكمال هذه الحالة كان لِنَبِيِّنا محمد ◌َّ، ولباقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فهو من خصائصه عَلى الأُمَمِ ؛ لا على الأَنبياء ؛ بنصِّ حديثه المارِّ ! والفَرقُ بيننا وبينهم : أنَّ النَّوَمَ يتضمَّن أَمرين : راحة البَدَنِ، وهو الَّذي شاركونا فيه . والثَّاني : غَفْلة القَلْبِ، وقلوبُهُمْ مستيقظة إذَا ناموا ؛ سليمة من أضْغَاثِ الأَحْلامِ ، مشتغلة في تلقُّفِ الوحي والتَّفكر في المصالح ؛ على مِثْلِ حالٍ غيرهمْ إذَا كان يَقْظَاناً ، ولذا كانَتْ رؤياهُمْ وحياً ، ولا ينقض النَّومُ وضوءهم . ويحصلُ لمن أَحْيَا اللهُ قلبَهُ بمحبّتِهِ واتباع رسوله من ذلك الحال الَّذي كماله للمصطفى جزءٌ بحسب نصيبه مِنْ مَحَبَّتِهِ عليه الصلاة والسَّلام ، ولكِنَّهم ؛ ولو شَارَكُوا الأَنبياءَ في جُزْءٍ مَا مِنْ ذَلِكَ؛ لَيْسُوا كَهُمْ! لانتقاض وضوئهم ، ورؤياهُمْ ليست وَحْياً بإجماع . وقد جمع العلماء بين هذا الحديثِ وبين حديثِ نومِهِ عليه الصَّلاة والسلام في الوادي ؛ حيث كانوا قافلين من سَفَرِ عن صلاة الصُّبح حتَّى طلعت الشَّمس وَحَمِيَتْ حتَّى أَنْقَظَهُ عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بالتَّكْبير !! كما أخرجه البخاري ومسلم ؛ عن عمران بن حصين رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما ؛ فقال النَّووي : له جوابان : أحدهما : أنَّ القلب إنَّما يدرك الحسِّيَّاتِ المتعلّقة به ؛ كالحدث والألمِ ونحوهما ، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين ؛ لأنَّها نائمةٌ والقلب يَقْظَان . الثاني : أنَّه كان له حالان ؛ حال كان قلبُه لا ينام ؛ وهو الأغلب ، وحال ينام ٣٠١ فيه قلبُهُ ؛ وهو نادِرٌ، فصادف هذا - أي : قصَّة النَّوم عن الصلاة - قال : والصَّحيحُ المعتمدُ هو الأَوَّل، والثاني ضعيف ، بل شاذٌّ؛ لمخالفته لصريح (( وَلا يَنَامُ قَلْبِي)) الشَّاملِ لسائِرِ الأَحوال؛ إذِ الفعلُ المنفي يفيد العموم. قال في ((فتح الباري)) : وهو كما قال . ولا يقال : القلب ؛ وإنْ كان لا يدرك ما يتعلَّق بالعين من رؤية الفَجر مثلاً ؛ لكنَّه يدرك إذَا كان يقظاناً مرور الوقت الطَّويل، فَإِنَّ من ابتداء طلوع الفَجر إلى أَنْ حَميت الشَّمس مدَّةً طويلةً لا تخفى على مَنْ لم يكن مستغرقاً !! لأنَّا نقول : يحتمل أن يقال: كان قلبه وَّه إذ ذاكَ مستغرقاً بالوحي، ولا يلزم من ذلك وصفُه بالنَّوم، كما كان يستغرقُ وَ ﴿ حالة إلقاء الوحي؛ فكان يستغرق بحيث يؤخذ عن النَّاس إذَا نزل عليه في اليَقَظة ، وتكون الحكمة في ذلك الاستغراق : بيانَ التشريعِ بالفعل ؛ لأَنَّه أوْقَعُ في النَّفس ، كما في قصّة سهوه في الصَّلاة حين سلِّم من ركعتين ... وغير ذلك . وقريب من هذا جوابُ ابن المنير : أنَّ القَلْبَ قد يحصل له السَّهو في اليقظةِ لمصلحة التّشريع ، ففي النَّوم بطريق الأَوْلى ، أو على السَّواء ؛ حيث فرضنا أنَّ نومه ويقظته سيَّان . وقال ابن العربي في ((القبس)): النَّبِيُّ وَّ كيفما اختلفت حالُه من نوم أو يقظةٍ في حقِّ وتحقيق ، ومع الملائكة في كل طريق ، إن نسي ؛ فبآكدَ من المنْسيِّ اشْتَغَلَ ، وإنْ نَامَ ؛ فَبِقَلْبِهِ وَنَفْسِهِ عَلى الله أقبل ، ولهذا قالت الصَّحابةُ الكرام رضوان الله عليهم: كان ◌َّ﴿ إذا نام لا نُوقِظُهُ حتَّى يستيقظ، لأَنَّا لا ندري ما يَحْدُث له !! أي : من الوحي ؛ كانوا يخافون من إيقاظه قطعَ الوحي ، فلا يوقظونه لاحتمال ذلك . قال ابن العربي: فَنَومُه عن الصَّلاة أو نسيانه شيئاً منها لَمْ يكن عَنْ آفةٍ ، وإنَّما كان بالتَّصرُّف من حالة إلى حالة مثلها ؛ لتكون لنا سُنَّةٌ . انتهى . أي : كما قال ٣٠٢ وَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَمُ حَتَّى يَنْفُخَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلَِّ . وَ﴿: ((لَوْ أَنَّ الله أَرَادَ أَلاَّ تَنَامُوا عَنْهَا لَمْ تَنَامُوا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ ؛ فَهَكَذَا لِمِنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ)) . رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ( وَلِذَلِكَ) المذكور من كونه تَنَامُ عيناه ولا ينام قَلْبُهُ (كَانَ بِّهِ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ) ؛ من النَّّخِ: وهو إرسالُ الهَواءِ من الفَمِ بقوَّةٍ ، والمرادُ هنا ما يخرجُ من النائم حينَ استغراقِه في نومِهِ ، وبيَّنَ به أنَّ النَّفْخَ يَعْتَري بعض النائمين ؛ دون بعض ، وأَنَّه ليس بمذموم ولا مستهجن . ( ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ) ، لفظ التُّرمذي ؛ عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: أَنَّهِِّ نَامِ حتَّى نفخ، وكان إذا نام نَفَّخَ، فأتاه بلال فآذنه بالصَّلاة ، فقام وصلَّى ؛ ولم يتوضَّأ !! أي : لأنَّ نومه لا ينقض وضوءه مطلقاً؛ ليقظة قَلْبِهِ ، فلو خرج منه حَدَثٌ لأحسَّ به !! وأَمَّا رواية: أَنَّه توضَّأ ! فَإِمَّا للتجديد ، أو وجود ناقض غير النَّوم . وفي البخاري؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: نامِِّ حَتَّى نفخ ، وكنا نعرفه إذَا نام بنفخِهِ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت: نام ◌ََّ حتَّى استثقل ، ورأيته ينفخ . ولأَحمد عنها: ما نام قبل العشاء، ولا سَمَر بعدها. انتهى ((زرقاني)). ٣٠٣ أَلْبَابُ الْخَامِسُ فِي صِفَةِ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمِهِ، وَعِشْرَتِهِ مَعَ نِسَائِهِ ، وَأَمَانَتِهِ ، وَصِدْقِهِ ، وَحَيَائِهِ ، وَمِزَاحِهِ، وَتَوَاضُعِهِ، وَجُلُوسِهِ، وَكَرَمِهِ ، وشَجَاعَتِهِ وَفِيهِ سِتَةُ فُصُولٍ ( البَابُ الخَامِسُ ) مِنَ الكتاب المشتمل على ثمانية أبوابٍ ، ومقدِّمة ، وخاتمة (فِي) بيان ما ورد في (صِفَةٍ خُلُقِ رَسُوْلِ اللهِوَِّ ). الخُلُق - بضم الخاءِ واللَّم، - وقد تُسَكَّن -: الطبع والسجيّة ، وهو اسم للأوصاف الباطنة ؛ بخلاف الخَلْقِ - بفتح الخاء وَسُكُونِ اللام - !! فَإِنَّه اسم للصفات الظَّاهرة ؛ وتعلُّق الكَمالِ بالصِّفاتِ الباطنة أكثر من تعلُّقُه بِالصِّفاتِ الظَّاهرة . وعرَّف الإمام حجَّة الإسلام الغزاليّ الخُلُقَ - بضمتين - بأَنَّه : هيئةٌ لِلنَّفَس تصدرُ عنها الأفعال بسهولة ، فإنْ كانت تلك الأفعال جميلة ؛ سمِّيت الهيئة خُلُقاً حسناً ، وإلاَّ! سُمِّيت خُلُقاً سيئاً . (وَحِلْمِهِ) - بكسر الحاء - قال في (( الشِّفاء)) للقاضي عياض: هو حالة توقُّر وثباتٍ عند الأسباب المحركات ، ( وَعِشْرَتِهِ ) - بكسر العين المهملة - : اسم من المعاشرة والتعاشر، وهي المخالطة ( مَعَ نِسَائِهِ )، وغيرهنَّ، (وَأَمَانَتِهِ ) في كلِّ شيء يحفظه ؛ قولاً أو فعلاً أو غير ذلك ممَّا يجعل عنده ، وكونه موثوقاً به في أموال النَّاس وأحوالهم ، ( وَصِدْقِهِ) ؛ وهو مطابقة خبره للواقع . ( وَحَيَائِهِ) قال القاضي عياض في ((الشفاء)): الحياءُ رِقَّةٌ تعتري وجهَ الإنسانِ عند فعل ما يتوقع كراهته ، أو ما يكون تركه خيراً من فعلِهِ . ٣٠٤ (وَمِزَاحِهِ) - بكسر أوَّله - مصدر ((مازَحَه))؛ وهو الانبساط مع الغير من غير إيذاء لَهُ ؛ فيتولَّد منه الضَّحك . ( وَتَوَاضُعِهِ ) - بضمِّ الضَّاد المعجمة - ؛ هضم النَّس، قال الخَفَاجي : التَّواضع إظهارُ أنَّه وضيع وهو أشرف النَّاس ؛ فالصيغة للتَّكلف في الأَصل . قال ملا علي قاري : وهو من الملكات المورّثة للمحبّة الرَّبَّانيّة والمودَّة الإنسانيَّة ؛ ولا يبلغ أحدٌ حقيقةَ التَّواضع إلاَّ عند لمعان نورِ المُشَاهَدَةِ في قلبه ، فعند ذلك تذوب النَّفَس ؛ وفي ذوبانها صفاؤها من غشِّ الكِبْرِ والعجب ؛ فتلين وتنطبعُ للحقِّ والخلق ؛ بمحو آثارها وسكون وَهْجها وغَلَيانها ، فالتواضعُ الحقيقيُّ هو : ما كان ناشئاً عن شهود عَظَمته تعالى، وتجلِّي صفته عزَّ وجلَّ . رَأَى بِأَنَّ القَدْرَ فَوْقَ مَا صَنَعْ مَا المُتَوَاضِعُ الَّذِي إِذَا اتَّضَغْ تَكُونُ نَفْسُهُ لَدَيْهِ أَوْضَعَا لَكِنَّهُ الَّذِي إِذَا مَا اتَّضَعَا مَا كَانَ عَنْ تَصَنُّحٍ مِنْ وَاضِعٍ وَمَا الحَقِيْقِيُّ مِنَ التَّوَاضُعِ وَعَنْ تَجَلِّي وَصْفِهِ القَدِيْمِ بَلْ عَنْ شُهُودِ هَيْبَةِ العَظِيْمِ ( وَجُلُؤْسِهِ ) ؛ من كونه على شِبْهِ الحبوة، وإلى القبلة، وجلوسه مع أصحابه ، ونحو ذلك، ( وَكَرَمِهِ ) ؛ الكَرَم - بفتح أوَّلَيه - قال القاضي عياض : هو الإنفاق بطيب نفس فيما يعظُمُ خطره ونفعه . انتهى . فلا يطلق على ما يحقر قدره ويقُّ نفعه . (وَشَجَاعَتِهِ ) - مُثَلَّث الشين -: مصدر (( شَجُعَ)) - بالضم - شجاعة ؛ وهي - كما قال الشامي - : انقياد النفس مع قوَّة غَضَبِيَّة ومَلَكَة يصدر عنها انقيادها في إقدامها ، متدرِّةٍ على ما ينبغي ، في زمن ينبغي ، وحال ينبغي . انتهى . والشُّجاع - بالضم - : الشديدُ القلب عند البأس ، المستهين بالحروب . ( وَفِيْهِ ) ؛ أي : هذا الباب فيه ( سِنَّةُ فُصُوْلٍ ) سيأتي بيانها . ٣٠٥ اَلْفَضْلُ الأَوَّلُ فِي صِفَةٍ خُلُقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمِهِ ( الفَصْلُ الأَوَّلُ ) من الباب الخامس (فِي) بيان ما ورد في ( صِفَةٍ خُلُقِهِ وَِّ ) . في ((النهاية)): الخُلْق - بالضَّمِ والسكون، وبضمَّتين - : السجيَّةُ والطبيعة ، والمروءة والدين . وحقيقته : أنَّه صورة الإنسان الباطنة ؛ وهي نفسه وأوصافُها ومعانيها المختصّة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ، ولهما أوصاف حَسَنة وقبيحة ، والثواب والعقاب يتعلَّقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلَّقان بأوصاف الصورة الظاهرة ، ولهذا تكرَّرت الأحاديثُ في مدح حسن الخلق في غير موضع . انتهى . واخْتُلف : هل حسن الخلق غريزةٌ طبيعية ، أو مكتسبة اختيارية !؟ . فقيل بالأوَّل؛ لخبر البخاري: (( إنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُم أَخْلاَقَكُمْ كَمَا قَسَمَ أَرْزَاقَكُمْ » . وقيل: بعضه مكتسب ؛ لما صحَّ في خبر الأشجِّ: ((إنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللهُ: الحِلْمُ، والأَنَاةُ )) قال: يا رسول الله ؛ قديماً كان فيَّ أو حديثاً؟! قال: (( قَدِيْماً)). قال : الحمد لله الذي جَبَلَنِي على خُلُقَيْنِ يُحِبُّهما . قال ابن حجر الهيتمي - رحمه الله تعالى - : فترديد السؤال عليه وتقريرُه يشعر بأنَّ منه ما هو جِبِلِّيٌّ ، ومنه ما هو مكتسب ؛ وهذا هو الحق . ومِن ثمَّ قال القرطبيُّ : هو جِبِلَّةٌ في نوع الإنسان ؛ وهم متفاوتون فيه ، فمن غلبه حسنه ؛ فهو المحمود ، وإلاَّ! أُمِرَ بالمجاهدة حتى يصير حسناً ، وبالرياضة حتی یزید حسنه . ٣٠٦ ٠٠ ٠٠ . . قلت : الأَظهر أنَّ الأخلاق كلَّها باعتبار أصلها جِبِلٌيَّةٌ ؛ قابلةٌ للزيادة والنقصان في الكميّة والكيفيَّة والرياضات الناشئة عن الأمور العلمية والعملية ، كما تدلُّ عليه الأخبار النبوية . منها حديث: ((إِنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ)) . رواه البخاري في (( تاريخه))، والحاكم ، والبيهقي ، وأحمد ؛ عن أبي هريرة . وأخرجه البزَّار بلفظ: «مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ ». ومنها ما في ((مسلم))؛ عن علي كرَّم الله وجهه في ((دعاء الافتتاح)): (( وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّ أَنْتَ )). ومنها ما صحَّ عنه ◌َِّ: ((اللَّهُمَّ؛ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي)). فالمراد : زيادة تحسين الخلق على ما هو الظاهر ؛ على طِبْق ﴿ رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا [طه] . ومنها حديث: ((حُسْنُ الخُلُقِ نِصْفُ الدِّيْنِ )) رواه الديلمي ؛ عن أنس . ومنها حديث: (( إنَّ مِنْ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقاً » . رواه البخاري ؛ عن ابن عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما. انتهى. ذكره العلامة ملا علي القاري في ((جمع الوسائل)). (وَحِلْمِهِ) وَّرِ وهو: ضبط النّفْس والطبع عند هيجان الغضب وعدم إظهاره؛ قاله الخفاجي على (( الشفاء )). وفي ((الابتهاج )) للبلغيثي: واعلم أنَّ الحلم من أصحِّ السَّمَات على محمود الصفات ، وهو يُدرَكُ بالتخلُّق وحمل النفس عليه ؛ فهو مكتسب ، كما يدلُّ عليه الحديث: ((إنَّمَا العِلْمُ بالتّعَلُّمِ ، وإِنَّما الحِلْمُ بالتَّحَلُّمِ » . وقال عليٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه: مَنْ حَلُم ساد ، ومَنْ تَفَهَّمَ ازداد . وللحلم عشرة أسباب : ١ - رحمة الجُهَّال، و٢ - القدرة على المعفوِّ عنه، ٣٠٧ و٣ - الترفُّع شرفاً وعلوَّ هِمَّة، و٤ - الاستهانة أَنَفَةً وعجباً، و٥ - الحياء ، و٦ - الفضل، و٧ - الاستكفاف ؛ أي : جعل السكوت والصبر سبباً لكفِّ الجاهل، و٨ - خوف العقوبة ؛ إمَّا لضعف نفسٍ ، أو لرأيٍ وحزم ، و٩ - رعاية نعمة أو حرمة، و١٠ - توقُّع الفرصة ؛ دهاءً ومكراً . فإن خلا الحلم عن هذه الأسباب كلِّها ؛ كان ذُلاًّ . وكلُّ واحد منها يحمل على عدم الانتقام في الحال أو دواماً . فمن رحمة الجُهَّال : قول أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لرجل شتمه : يا هذا؛ لا تغرق في سَبِّنا، وَدَعْ للصُّلح موضعاً ، فإنَّا لا نكافىء مَنْ عصى الله تعالی فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه . وقول الشافعي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وقد شتمه رجل : إن كنتُ كما قلتَ غفر الله لي ، وإلاَّ !! غفر الله لك . وفي القدرة على المعفو عنه: ما جاء عن النَّبِيّ ◌َِّ: ((إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً عَلَى القُدْرَةِ عَلَيْهِ)) . وقيل : أحسن المكارم عفو المقتدر ، وجود المفتقر . ومن الترفُّع : قول ابن هبيرة وقد أَغْرَض عن رجل سَبَّه وقال له ((إيّاك أعني)): وأنا عنك أُعْرِض . ولبعضهم : أَوَكُلَّمَا طَنَّ الذُّبابُ زَجَرْتُهُ إِنَّ الذُّبابَ إِذَنْ عَلَيَّ كَرِيْمُ ولعمرو بن علي : فَخَيْرٌ مِنْ إِجَابَتِهِ السُّكُوتُ إِذَا نَطَقَ السَّفِيهُ فَلاَ تُجِبْهُ. عَبِيْتُ عَنِ الجوَابِ وَمَا عَبِيْتُ سَكَّتُ عَنِ السَّفِيْهِ فَظَنَّ أَنِّي وفي الصفح لأجل الحياء قيل : احتمالُ أذى السفيه أيسرُ من التحلِّي بحليته . ٣٠٨ ٠٠ ومن الفضل قول الإسكندر لما قيل له : فلان وفلان يتنقَّصانك ؛ فلو عاقبتهما ! قال : هما بعد العقوبة أَعذرُ في تنقُّصي . ومن الاستكفاف قولُ ضرار بن القعقاع - وقد قال له رجل : والله لئن قلت لي كلمة لتسمعنَّ عشراً - ؛ فقال ضرار : والله لو قلت لي عشراً ما سمعت كلمة واحدة . وفي خوف العقوبة : قيل : الحلم حجاب الآفات . وفي رعاية النعمة قيل : أكرم الشِّيَم أرعاها للذِّمم . وفي توقُّع الفرصة قيل : غضب الأحمق في قوله ، وغضب العاقل في فعله . وقيل : تُعَاقِبُ أَيْدِيْنَا وَيَخْلُمُ رَأْيُنَا وَنَشْتُمُ بِالأَفْعَالِ لاَ بِالْتَّكَلُّمِ ومن المشهورين بالحلم : الأحنف بن قيس ، ويضرب به المثل في الحلم ، واسمه: ((الضَّخَّاك)) وقيل: ((صخر)). وهو من الموصوفين ببشاعة الصورة . وهو من كبار التابعين ، وكان يقول : إنِّي تعلَّمتُ الحلم من خالي قيس بن عاصم المِنْقَرِي . وقيسٌ هذا صحابي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . ومن حلمه : ما حدَّث به الأحنف قال : كنَّا عند خالي قيس بن عاصم ، فأُتِيَ بوَلد له قتيل ؛ فقال: ادفنوه ؛ وعَظَّمَ الله أجرَ أمِّه فيه . وما رأيناه تغيَّر ولا حلَّ حبوته لذلك ، فقالوا له : إنَّ أَخاك قد قتله . فقال متمثِّلاً : إِحْدَى يَدَيَّ أَصَابَتْنِيْ وَلَمْ تُرِدِ أَقُولُ لِلْنَقْسِ تَأْسَاءً وَتَعْزِيَةً هَذَا أَخِي حِيْنَ أَدْعُوهُ وَذَا وَلَدِي كِلاَهُمَا خَلَفٌ مِنْ فَقْدِ صَاحِبِهِ ومن حلم الأحنف : ما روي أنَّ عمرو بن الأهتم جعل لرجل ألف درهم على أن يُسَفِّه الأَحنف ؛ فأقبل الرجل عليه فسبَّه سبّاً ذَرِيعاً ؛ والأحتف ساكت . فرجع الرجل يعَضُّ أنامله ، ويقول : وَاسَوْأَتَاه ؛ ما منعه من جوابي إلاَّ هواني عليه . ٣٠٩ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي («الشِّفَا)): ( قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ : ... وفعل به آخر مثل ذلك وأطال في شتمه ، إلى أن أراد الأحنف القيام إلى غدائه . فقال للرجل : يا هذا ؛ إنَّ غداءنا قد حضر فقم بنا إليه . وكان الأحنف يقول : ما عاداني أحد إلاَّ أخذتُ في أمره بإحدى ثلاث خصال : إن كان أعلى منِّي ؛ عرفتُ له قدره ، أو دوني ؛ رفعتُ عنه قدري ، أو نظيري ؛ تفضَّلت عليه . انتهى . وهذا كلام في غاية الحكمة ، وقد نظمه الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى : وَإِنْ عَظُمَتْ مِنْهُ عَلَيَّ الجَرَائِمُ سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ مُذْنِبٍ شَرِيفٌ وَمَشْرُوفٌ ومِثْلٌ مُقَاوِمُ فَمَا النَّاسُ إِلَّ وَاحِدٌ مِنْ ثَلاَثَةٍ وَأَتْبَعُ فِيهِ الحَقَّ وَالحَشُّ لاَزِمُ فَأَمَّا الَّذِي فَوقِي فَأَعْرِفُ قَدْرَهُ وَأَمَّا الَّذِي دُونِي فِحِلْمِي تَكَرُّماً أَصُونُ بِهِ عِرْضِي وَإِنْ لاَمَ لاَئِمُ تَفَضَّلْتُ إِنَّ الفَضْلَ بِالفَخْرِ حَاكِمُ وَأَمَّا الّذِي مِثْلِي فَإِنْ زَلَّ أَوْ هَفَا انتهى كلام «الابتهاج » . ( قَالَ القَاضِي ) التقيُّ النقيُّ الورع ( عِيَاضُ ) بن موسى اليَخْصُبي الأندلسي السبتي - وقد تقدَّمت ترجمتهُ تغمَّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته آمين - ( فِي ) كتاب ((الشفا) بتعريف حقوق المصطفى)» وَّر؛ في الباب الثاني منه ؛ في الفصل الثالث : ( قَالَ ) أبو عبد الله ( وَهَبُ بْنُ مُنَبِّهِ) - بضمِّ الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشدَّدة ؛ بزِنَةِ اسم الفاعل - ابن كامل اليماني الصنعاني التابعي المشهور بمعرفة الكتب القديمة . اتّفقوا على توثيقه وعبادته ، روى له أصحاب الكتب الستة . توفي سنة : - ١١٦ - ست عشرة ومائة هجرية، وعمره ثمانون سنة، وقد تقدَّمت ترجمته، وله ترجمة طويلة في كتاب (( الميزان)) رحمه الله تعالى . ٣١٠ قَرَأْتُ فِي أَحَدٍ وَسَبْعِينَ كِتَاباً، فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلاً، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْياً . ( قَرَأْتُ فِي أَحَدٍ وَسَبْعِيْنَ كِتَاباً ) من الكتب القديمة ؛ إذ كان خَبِرَهَا - وفي ((معارف)) ابن قتيبة : قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتاباً - ( فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَرْجَحُ النَّاسِ) - أي: الخلق - ( عَقْلاً) يعني: أَنَّ عقله أزيد من عقول الناس جميعاً . وقد اختلف في ماهِيَّ العقل اختلافاً طويلاً يطول استقصاؤه ، والحقُّ أنَّه نور روحانيٌّ به تُدرِكُ النُّفوسُ العلومَ الضروريةَ والنظرية . وابتداءُ وجودِهِ ؛ عند اجتنان الولد في بطن أمِّه ، ثم لا زال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ . ومحلُّه : القلب عند جمهور أهل الشرع ؛ كالأئمة الثلاثة ؛ لقوله تعالى ﴿لَمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [١٧٩ / الأعراف]، ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُمْ قَلْبُ ﴾ [٣٧/ق] وقوله وَّهِ: ((أَلاَ وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّه، وإِذَا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ)) والدِّماغُ تابع له ؛ إذ هو من جملة الجسد . وقال عليٍّ : العقلُ في القلب، والرحمةُ في الكبد ، والرأفة في الطحال ، والنَّفَس في الرئة . رواه البخاري في (( الأدب المفرد)) ، والبيهقي بسند جيد . وذهب الحنفية وابن المَاحِشُون وأكثر الفلاسفة : إلى أنَّه في الدِّماغ ؛ لأنه إذا فسد فسد العقل . وأُجيب : بأنَّ الله أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ ؛ مع أنَّه ليس فيه! ولا امتناع في هذا. انتهى من شرح الزرقاني على ((المواهب)). ( وَأَفْضَلُهُمْ رَأْياً ) ؛ أي : تدبيراً ناشئاً من العقل الكامل الذي ينظر في بدء الأمر ودُبُرِهِ ، وأَوَّلِه وآخره . وقد كان ◌َ﴿ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشرٌ سواه ، ولهذا ٣١١ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَىُ : فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْقِضَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّ كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الدُّنْيَا ) . كانت معارفه عظيمة ، وخصائصه جسيمة ؛ حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبه لديه ، وَكَلَّت الأفكار في معرفة بعض ما أَطْلَعَه الله عليه ، وكيف لا يعطى ذلك ؛ وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكَرَّم ما وهبه الله من أسرار إلهيته، ومعرفة ربوبيَّه، وتحقُّق عبوديته !!. قاله الزرقاني على ((المواهب)). وهذا الذي قاله وَهْبٌ ((من أنَّه ◌ِّرِ مُنَوَّه بذكره في الكتب القديمة)) يعضده قوله تعالى ﴿النَّبِّ الْأُنِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ الثَّوْرَةِ وَاَلْإِنِيلِ ﴾ [١٥٧ / الأعراف] . ( وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ) ؛ عن وهب أيضاً : ( فَوَجَدْتُ فِي جَمِيْعِهَا ) ؛ أي : في جميع الكتب التي قرأها ( أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ لَمْ يُعْطِ جَمِيْعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الذُّنْيَا إِلَى أَنْقِضَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبٍ عَقْلِهِ نَّهِ إِلَّ كَحَبَّةٍ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الذُّنْيَا ) . رواه أبو نعيم في ((الحلية))، وابن عساكر. يعني: أنَّ عقله وَّر كجميع رمال الدنيا، وعقل جميع الناس كحبّة منها . وهذا على طريق التمثيل ؛ لأن عقولهم لا تقاس بعقله ◌َّي، كما ضرب الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام مثلاً بماء في منقار عصفور من ماء البحر بالنسبة لسائره ؛ فشبَّه به علمَ الله تعالى وعِلمَ ما عداه . وقد أُورِدَ على كونه أفضل الناس رأياً : أنَّه ورد ما يخالفه في كثير من الوقائع الثابتة في الحديث ، ورجوعه عن رأيه إلى رأي غيره ؛ كما في قصة بدر ورجوعه إلى رأي الحُبَابِ بن المنذر ؛ حيث نزل النَّبِيِّ ◌َّه بأدنى ماء من مياه بدر ، فقال له الحباب : أهذا منزل أنزلكه الله ؛ فلا تتقدَّم ولا تتأخّر عنه، أو هو الرأي والمكيدة؟! فقال: ((بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْمَكِيْدَةُ »، فقال : ليس هذا بمنزل ؛ بل الرأي أن نسير حتى نأتي أدنى ماءٍ من مياه بدر ، ٣١٢ فننزل ، ثمَّ نُغَوِّرُ ما وراءه ، ونبني عليه حوضاً ونملؤه ، ثم نقاتل ؛ ونشرب ولا يشربون. فقال: ((أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ)) ورجع ◌َلِّ لما قاله ؛ وكذا في قصة أسارى بدر والفداء ، وكذا في قصة تأبير النخل ، ونحوه مما لا حاجة للتطويل بذكره هنا ! وأجاب التجاني : بأنَّ رجحان رأيه على مَنْ سواه مخصوصٌ بما أمضاه من سنن الشرع ؛ واجتهاداته في أمور الدين ، فلا ينافي رجوعه في آراء الدنيا لغيره ؛ كما صرَّح به في قصة التأبير، إذ قال: ((إنَّما أنَا بَشَرٌ مثلُكُمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ مِنْ دِينِكُمْ؛ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِىءٍ وَأُصِيبُ)) وهذا نصٌّ فيما ذكر . ورُدَّ بأنَّ مختار أهل الأصول: أنَّه وَ لَه كان متعبَّداً فيما لا وحيَ فيه بانتظار الوحي ، ثم بالاجتهاد بعد وقت الانتظار . وقيل : له الاجتهاد مطلقاً في الأمور الشرعية والدنيوية . وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي ، وهو المنقول عن أبي یوسف وغيره . واختلف في جواز خطئه في اجتهاده ؛ فذهب الإمام الرازيُّ وغيره إلى أنَّه لا يجوز. وفي ((التوضيح)): يجوز؛ لكن لا يقرَّر عليه . وعدم الإقرار بالإجماع ؛ لوجوب اتِباعه المقتضي لعصمته ، وجوازُ الخطأ عقلاً لا مانع منه ؛ بمقتضى البشرية. وقوَّةُ عقلِهِ وَل﴿ وكمالُ حَدْسِه وسدادُ رأيه لا ينافيه ؛ لأنه من لوازم الطبيعة البشرية ، وإذا جاز سهوه في صلاته ومناجاته ؛ ففي غيرها بالأولى ! فقول التجاني (( إنَّ جميع أموره الدينية صوابٌ)) خلافُ المختار عند علماء الأصول . وحينئذ فمعنى كونه أفضل الناس رأيا واجتهادا مع جواز الخطأ أحيانا : أنَّ رأيه لو خُلِّيَ ونفسه؛ أَصَابَ ، مع رجحان رأيه بعدم التقرير عليه إذا خالف الأولى. وآراؤه وَّةِ كلُّها صوابٌ بعد التقرير عليها، وقبله لا . إلا على قول مَنْ يقول: (( كل مجتهد مصيب)). ٣١٣ وَذَكَرَ الْقُسْطُلاَّنِيُّ فِي (( أَلْمَوَاهِبِ))، عَنْ ((عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ)): ( اكَلُبُّ وَأَلْعَقْلُ مِنَّهُ جُزْءٍ؛ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ: وَمَنْ تَأَمَّلَ حُسْنَ تَدْبِيرِهِ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ والحاصل : أنَّ كون رأيه أفضلُ الآراء لا ينافي رجوعه لغيره ومشاورته له ، فإِنَّ العبرة بما وقع عليه القرار ؛ لا ببادىء الرأي ! فافهم ! انتهى . قاله جميعَه الشهاب الخَفَاجِيُّ في كتابه ((نسيم الرياض)) شرح ((الشفاء)) للقاضي عياض رحمهم الله تعالى أجمعين . آمين . (وَذَكَرَ ) الشهاب ( القُسْطُلاَنِيُّ) رحمه الله تعالى (فِي) كتاب ((المَوَاهِبِ ) اللَّدُنَّة )»؛ نقلاً (عَنْ) كتاب ((عَوَارِفِ المَعَارِفِ))) للعلاّمة العارف بالله تعالى عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السُّهْرُ وَرْدِيّ - بضمِّ السين المهملة ، وسكون الهاء ، وضمِّ الراء، وفتح الواو، وسكون الراء الثانية، ودال مهملة - نسبة إلى ((سُهْرُوَرْد)): بلد عند ((زنجان)»، الإمام الورع الزاهد الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى . ولد سنة : - ٥٣٩ - تسع وثلاثين وخمسمائة ، وأخذ عن الكيلاني وغيره ، وسمع الحديث من جماعة ، وقرأ الفقه والخلاف ، ثم لازم الخلوة والصوم والذكر ، ثم تكلَّم على الناس لمَّا أسنَّ ، ووصل إلى الله به خلق كثير ، وتاب على يديه كثير من العصاة ، وَكُفَّ وأُقْعِدَ ؛ وما أخلَّ بذكر ولا حضور جمع ! ولازم الحج ؛ فكانت مِحَفَّتُهُ تُحمل على الأعناق من العراق إلى البيت الحرام . ومات ببغداد مستهلَّ مُحرَّم الحرام سنة : - ٦٣٢ - اثنتين وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى : ( اللُّبُّ وَالعَقْلُ مِائَةُ جُزْءٍ؛ تِسْعَةٌ وَتِسْعُوْنَ فِي النَّبِيِّ وَِّ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرٍ المُؤْمِنِيْنَ ) من أُمَّته وغيرهم . ( قَالَ ) - أي: صاحب ((العوارف)) - (: وَمَنْ تَأَمَّلَ حُسْنَ تَدْبِيرِهِ لِلْعَرَبِ الَّذِيْنَ ٣١٤ هُمْ كَالْوَحْشِ الشَّارِدِ ، مَعَ الطَّبْعِ الْمُتَنَافِرِ الْمُتَبَاعِدِ ، وَكَيْفَ سَاسَهُمْ وَأَحْتَمَلَ جَفَاهُمْ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَّاهُمْ إِلَى أَنِ أَنْقَادُوا إِلَيْهِ ، وَأَجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَاتَلُوا دُونَهُ أَهْلِيهِمْ وَآبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَأَخْتَارُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهَجَرُوا فِي رِضَاهُ أَوْطَانَهُمْ وَأَحِبَّاءَهُمْ، مِنْ غَيْرِ مُمَارَسَةٍ سَبَقَتْ لَهُ ، وَلاَ مُطَالَعَةٍ كُتُبٍ يَتَعَلَّمُ مِنْهَا سِيَرَ الْمَاضِينَ .. تَحَقَّقَ لَهُ أَنَّهُ أَعْقَلُ أَلْعَالَمِينَ . وَلَمَّا كَانَ عَقْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ أَوْسَعَ أَلْعُقُولِ .. لَاَ جَرَمَ أَنَّسَعَتْ أَخْلاَقُ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ أَتِّسَاعاً ، لاَ يَضِيقُ عَنْ شَيْءٍ ) . همْ كَالْوَحْشِ الشَّارِدِ ) النافر النادِّ (مَعَ الطَّبْعِ الْمُتْنَافِرِ الْمُتَبَاعِدِ، وَ) تأمَّل ( كَيْفَ سَاسَهُمْ) : مَلَكَهُمْ بحسن تصرُّفه فيهم واستجلاب قلوبهم ، ( وَأَحْتَمَلَ جَفَاهُمْ ) : غِلْظَتَهم وفظاظتهم، ( وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ، إِلَىْ أَنِ أَنْقَادُوْا إِلَيْهِ، وَأَجْتَمَعُوْا عَلَيْهِ ، وَقَاتَلُوْا دُوْنَهُ أَهْلِيْهِمْ وَآبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَاخْتَارُوْهُ عَلَىْ أَنْفُسِهِمْ، وَهَجَرُوا فِي رِضَاهُ أَوْطَانَهُمْ ) - جمع وطن: مكانهم ومقرَّهم - ( وَأَحِبَّاءَهُمْ؛ مِنْ غَيْرِ مُمَارَسَةٍ سَبَقَتْ لَهُ ، وَلاَ مُطَالَعَةٍ كُتُبٍ ؛ يَتَعَلَّمُ مِنْهَا سِيَرَ المَاضِيْنَ: تَحَقَّقَ لَهُ أَنَّهُ أَعْقَلُ العَالَمِيْنَ ) ؛ جواب قوله: ((ومَنْ تَأَمَل ... الخ)). (وَلَمَّا كَانَ عَقْلُهُ عَلَيْهِ [الصَّلاة] والسَّلاَمُ أَوْسَعَ العُقُوْلِ؛ لاَ جَرَمَ ) - أي : حقّاً، و (( لا جرم)) في الأصل بمعنى: لا بُدَّ ولا محالة، ثم كثرت فحوّلت إلى معنى القسم ، وصارت بمعنى حقّاً ؛ ولذا تجاب باللام ، نحو : لا جرم لأفعلنَّ كذا ؛ قاله الفَرّاء . كما في ((المصباح)» ۔. ( أَتَّسَعَتْ أَخْلاَقُ نَفْسِهِ الكَرِيْمَةِ أَتِّسَاعاً لاَ يَضِيْقُ عَنْ شَيءٍ ) ؛ إذ كان مجبولاً على الأخلاق الكريمة في أصل خِلقته الزكيَّة النقيّة ، ولم يحصل له ذلك برياضة ؛ بل بجود إلهي ، ولهذا لم تزل تشرقُ أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى ، والمقام الأسنى . ٣١٥ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ . قَالَ الإِمَامُ الْغَزَالِيُّ وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمالُ العقل ، لأنَّ به تُقْتَبَسُ الفضائل ، وتُجْتَنَبُ الرذائل ، فإنَّ العقل لسان الروح وترجمان البصيرة ، والبصيرة للروح بمثابة القلب ، والعقلُ بمثابة اللسان . قال بعضهم : لكلِّ شيء جوهر ، وجوهر الإنسان العقل ، وجوهر العقل الصبر على المكاره . وقد روى الإمام أحمد في (( مسنده )) ، ومسلم في ( صحيحه))، وأبو داود في (( سننه))؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أنَّها قالت : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ خُلُقُهُ القُرْآنُ ) ؛ يغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه . قال ابن الأثير : أي كان متمسِّكاً بآدابه وأوامره ونواهيه ، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن . وقال البيضاوي : أي خلقه كان جميعَ ما حصل في القرآن ، فإنَّ كلَّ ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه قد تحلَّى به ، وكلَّ ما استهْجَنَهَ ونهى عنه تجنّبَّه وتخلَّى عنه، فكان القرآن بيانَ خُلُقِهِ . وفي ((الديباج)): معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأذُّبُ بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبُّره وحسن تلاوته . انتهى . وهي متقاربة. انتهى ((مناوي)). ( قَالَ ) حُجَّة الإسلام ( الإِمَامُ) أبو حامد : محمد بن محمد بن محمد ( الغَزَالِيُّ) - بتخفيف اللام في المشهور - ولد سنة : - ٤٥٠ - خمسين وأربعمائة . واشتغل في مبدأ أمره بـ ((طوس))، ثمَّ قدم (( نيسابور))، واختلف إلى دروس إمام الحرمين ، وجدَّ في الاشتغال حتى تخرَّج في مدة قريبة ، وصار من الأعيان في زمن أستاذه ، وكان أستاذه يتبجَّحُ به ، ولم يزل ملازماً له إلى أن توفي ، فخرج من (( نيسابور )) . ٣١٦ فِي («الإِحْيَاءِ)) : ( قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَام : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَخْلاَقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟! قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ: كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ . ولقي الوزير نظام الملك ، فأكرمه وعظَّمه ، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأَفاضل ؛ فجرى بينه وبينهم الجدالُ والمناظرةُ فظهر عليهم ، واشتهر اسمه ، وفوَّض إليه تدريس النظامية ، وأُعجِبَ به أهلُ العراق ، وارتفعت عندهم منزلته . ثم ترك جميع ما كان عليه ، وتصوَّف وسَلَك طريق الزهد والانقطاع ، واجتهد في العبادة، وزيارة المشاهد المعظَّمة ، ووزَّع أوقاته على وظائف الخير ؛ من ختم القرآن ، ومجالسة أهل القلوب ، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى ، فتوفي سنة : - ٥٠٥ - خمس وخمسائة هجرية رحمه الله تعالى . ( فِي) كتابه ((الإِحْيَاءِ)))؛ أي: ((إحياء علوم الدين)): ( قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ ) بن عامر الأنصاري المدني ؛ ابن عمِّ أنس بن مالك . روى عن أبيه، وعائشة ، وعنه : زُرَارَةُ بن أوفى ، والحسن ، وجميل بن همال. قال النسائي: ثقةٌ. وذكر البخاري أنَّه قتل بأرض ((بكران)) على أحسن أحواله . روى له البخاريُّ حديثاً واحداً : ( دَخَلْتُ عَلَىْ عَائِشَةَ)؛ الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَعَنْ أَبِهَا ) أبي بكر، ( فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَخْلاَقِ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ؟ فَقَالَتْ: أَمَا تَقْرَأُ القُرْآنَ ؟! قُلْتُ: بَلَى ) أقرأ القرآن، ( قَالَتْ: كَانَ خُلُقُ رَسُوْلِ اللهِ وَِّ القُرْآنَ ) ؛ أي : ما دلَّ عليه القرآن ؛ من أوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده . قال العارف الشُّهر وَرْدي في (( عوارف المعارف)): ولا يبعد أنَّ قول عائشة ((كان خلقه القرآن)» فيه رمزٌ غامض، وإيماءٌ إلى الأخلاق الرَّبَّانيَّة ؛ فاحتشمت الحضرةَ الإلهية أن تقول (( كان مُتخلِّقاً بأخلاق الله))؛ فعبّرت عن هذا المعنى بقولها ٣١٧ وَإِنَّمَا أَدَّبَهُ الْقُرْآنُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ((كان خلقه القرآن))؛ استحياءً من سُبُحَات الجلال ، وستراً للحال بلطيف المقال ، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها . انتهى . فكما أَنَّ معاني القرآن لا تتناهى ؛ فكذلك أوصافه الجميلة الدَّالَّة على خلقه العظيم لا تتناهى ؛ إذ في كلِّ حالة من أحواله يتجدَّد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَّم وما يفيضه الله عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى !! فإذن : التعرُّض لحصر جزئيَّات أخلاقه الحميدة تعرُّض لما ليس من مقدور الإنسان ، ولا مِن ممكنات عاداته . انتهى؛ من (( المواهب)). وقال في (( الإحياء )): ( وَإِنَّمَا أَذَبَهُ القُرْآنُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى) في سورة الأعراف (﴿خُذِ الْعَفْوَ ﴾ ) من أخلاق الناس وأعمالهم ؛ من غير تجسُّس ، وذلك مثل قبول الاعتذار منهم ، وترك البحث عن الأشياء ، والعفو : المساهلةُ في كلِّ شيء ﴿﴿وَأَمُّنْ يَلْعُرْفِ﴾) المعروف ؛ يعني: وأُمر بكلِّ ما أمرك الله به، وهو كلُّ ما عرفته بالوحي من الله عزَّ وجلَّ، وكل ما يعرف في الشرع حسنه ، ( ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ﴾). الْجَهلِين وقد نظم هذا المعنى من قال : أُمِرْتَ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينْ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِعُرْفٍ كَمَا فَمُسْتَحْسَنٌ مِنْ ذَوِي الجَاهِ لِيْنْ وَلِنْ فِي الكَلَامِ لِكُلِّ الأَنَامْ والجاهلون في الآية !! إن فُسِّروا بضعفاء الإسلام وجفاة الأعراب ؛ كانت الآية محكمة ، لأنَّ المراد بالإعراض عنهم أنْ لا يُعَنِّفَهم ، ولا يقابلهم بمقتضى غِلْظَتهم في القول والفعل . وإن فُسِّروا بالكفار؟ كانت الآية منسوخة بآية السيف ، ويكون المراد بالإعراض عنهم تركَهم على ما هم عليه . وقد أشار القرطبي للقولين . ٣١٨ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ويؤيد القول الأول : ما رواه البخاري من أنَّ عُبَيْنَةَ بن حصن استأذن له الحُرُّ بن قيس على عمر بن الخطاب في الدخول ، فدخل عليه ، وقال له : يا ابن الخطاب ؛ ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل . فغضب عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، فقال له الحُرُّ : يا أمير المؤمنين ؛ إنَّ الله عز وجل قال لنبيه وَّرِ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ [الأعراف] وإنَّ هذا من الجاهلين . فما جاوزها عمر رَضِيَ ٩٩ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ اللهُ تَعَالَى عَنْه ؛ وكان وقَّافاً عند كتاب الله تعالى . فهذا يدلُّ على أنَّها غيرُ منسوخة ، وهو الذي يتبادر إليه كلام صاحب ((الجلالين)). قال جعفر الصادق : ليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ؛ روي أنَّ النَّبِيّ وَليه لما نزلت هذه الآية سأل جبريل عن تأويلها؟! فقال له : حتى أسأل العالم بها ، ثم ذهب وأتاه ، فقال : يا محمد ؛ إنَّ الله يأمرك أن تصل مَنْ قطعك ، وتعطيَ مَنْ حرمك ، وتعفو عمَّن ظلمك . قال السيوطي : رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ؛ في (( تفاسيرهم))، وابن أبي الدنيا في (( مكارم الأخلاق))، ووصله ابن مردويه من حديث جابر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وعزاه الشيخ قاسم الحنفي للبخاري ؛ عن عبد الله بن الزبير في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُ بِاَلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ [ ﴾ أنَّه قال : ١٩٩ ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس . وله في رواية أخرى تعليقاً ؛ عن عبد الله قال: أمر الله تعالى نبيه هلال أن يأخذ العفو من أقوال الناس، أو من أخلاق الناس. انتهى ؛ قاله الخفاجي . ( وَ) أذَّبَه القرآن بمثل (قَوْلِهِ) تعالى في سورة النحل (﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ﴾) - أي: فيما أنزله تبياناً لكل شيء وهدىّ وبشرى - ( ﴿يَأْمُرُ﴾) - آثر صيغة الاستقبال فيه وفي ما بعده لإفادة التجدُّد والاستمرار - ( ﴿بِأَلْعَدْلِ﴾) ؛ أي : التوحيد ، أو الإنصاف . وفي ((البيضاوي)) : أي بالتوسُّط في الأمور ؛ ٣١٩ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيّ: [النحل : ٩٠]. اعتقاداً؛ كالتوحيد المتوسّط بين التعطيل والتشريك ، والقول بالكسب المتوسط بين مَخْضٍ الجبر والقدر ، وعملاً ؛ كالتعبُّدِ بأداء الواجبات المتوسّط بين البطالة والترهُّب ، وخُلُقاً ؛ كالجود المتوسِّط بين البخل والتبذير . انتهى . ( ﴿وَاَلْإِحْسَنِ﴾) قال ابن عباس : العدل : شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان : أداء الفرائض . وفي رواية عنه ؛ قال : العدل : خلع الأنداد ، والإحسان : أن تعبد الله كأنَّك تراه ، وأن تحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك ؛ إن كان مؤمناً تحبُّ أن يزداد إيماناً ، وإن كان كافراً تحبُّ أن يكون أخاك في الإسلام . انتهى . (﴿ وَإِيتَآَيٍ﴾): إعطاء (﴿ذِى الْقُرْبَ﴾) القرابة، خصَّه بالذكر ! اهتماماً به ؛ فإن إيتاءه صدقة وصلة، وفي الحديث: ((إنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَاباً صِلَةُ الرَّحِمِ)) . قال في ((الخازن)): يعني ويأمر بصلة الرحم ؛ وهم القرابة الأَذْنَون والأبعدون منك ، فيُستَحبُّ أن تصلَهم من فضل ما رزقك الله تعالى ، فإنْ لم يكن لك فضل ! فدعاء حسن ، وتودُّد . انتهى . ( ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآِ﴾): الزنا (﴿وَالْمُنكَرِ﴾)؛ شرعاً من الكفر والمعاصي، ( ﴿وَاَلْبَغِيَّ﴾): الظلم ، خصَّه بالذكر للناس !! اهتماماً، كما بدأ بالفحشاء كذلك ، ولم يذكر متعلِّقات العدل والإحسان والبغي !! ليَعُمَّ جميع ما يعدل فيه ويحسن به وإليه ، ويبغى فيه ؛ قاله الجمل . قال بعضهم : إنَّ أعجل المعاصي البغي ، ولو أنَّ جبلين بغى أحدهما على الآخر لدُكَّ الباغي . ٣٢٠