النص المفهرس

صفحات 281-300

وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِطْهَرَةٌ مِنْ فَخَّارٍ يَتَوَضَّأُ
وَيَشْرَبُ مِنْهَا، وَكَانَ النَّاسُ يُرْسِلُونَ أَوْلاَدَهُمْ الصِّغَارَ الَّذِينَ عَقَلُوا
فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ يُدْفَعُونَ، فَإِذَا وَجَدُوا فِي
الْمَطْهَرَةِ مَاءٌ شَرِبُوا مِنْهُ، وَمَسَحُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَأَجْسَامِهِمْ ،
يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ .. [جَاءَهُ] خَدَمُ أَهْلِ
اٌلْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا أَلْمَاءُ ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءِ . . إِلاَّ غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للشَّعراني: (كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِنَّهِ مِطْهَرَةٌ) - بكسر
الميم وفتحها - : إناء يُتطهّر به ويُتوضّأ به ، كالإبريق ونحوه .
( مِنْ فَخَّارٍ ) : الطين المشوي ، وقبل الطبخ هو خزف وصلصال ؛ ( يَتَوَضَّأ )
منها بَّرُ (وَيَشْرَبُ مِنْهَا) أي : المطهرة.
( وَكَانَ النَّاسُ) أي: أهل المدينة ( يُرْسِلُوْنَ أَوْلاَدَهُمْ الصَّغَارَ الَّذِيْنَ عَقَلُوْا ) ؛
ولم يبلغوا الحلم، ( فَيَدْخُلُوْنَ عَلَيْهِ ◌ِِّ) بلا استئذان، (فَلاَ يُدْفَعُوْنَ ) - بضمٌ
أوَّله - أي: لا يُرَدُّون عن الدخول عليه وََّ، (فَإِذَا وَجَدُوْا ) ؛ أي : الصِّبيان ( فِي
المَظْهَرَةِ مَاءً شَرِبُوْا مِنْهُ ، وَمَسَحُوْا عَلَىْ وُجُوْهِهِمْ، وَأَجْسَامِهِمْ ) من فضل وَضُوئه ؛
( يَبْتَغُوْنَ بِذَلِكَ ) الشُّربِ ومسحِ أجسامهم ( البَرَكَةَ ) ، أي : حصول البركة .
وفيه التبرك بآثارە چ !
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، ومسلم ؛ عن أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال :
( كَانَ) رسولُ اللهِ (وَّةِ إِذَا صَلَّىُ الغَدَاةَ) أي: الصبح ([جَاءَهُ] خَدَمُ أهْلِ
المَدِيْنَةِ بِآنِيِّهِمْ فِيْهَا المَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءٍ إِلَّ غَمَسَ يَدَهُ فِيْهِ ) ؛ للتبرُّك بيده الشَّريفة .
وفيه : بروزه للنَّاس، وقربُه منهم ليصل كلُّ ذي حقٌّ لحقٌّه ، وليعلِّمَ الجاهل
ويقتدي بأفعاله ، وكذا ينبغي للأَئمة بعده .
٢٨١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ فَيُؤْتَى بِأَلْمَاءِ
فَيَشْرَبَهُ، يَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ .
( وَ) أخرج الطَّبراني في ((الأوسط))، وأبو نُعيم في ((الحلية))؛ عن ابن عمر
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهما قال: ( كَانَ ) رسولُ اللهِ (بِّهِ يَبْعَثُ إِلَى المَطَاهِرِ ) جمع
مطهرة : كل إناء يُتَطَهَّر به ، والمراد هنا نحو الحِياض والفساقي والبرك المعدَّة
للوضوء .
( فَيُؤْتَىْ) إليه ( بِالمَاءِ ) منها، ( فَيَشْرَبُهُ) ، وكان يفعل ذلك ( يَرْجُوْ بَرَكَةَ
أَبْدِي المُسْلِمِيْنَ ) أي : يؤمل حصول بركة أيدي الَّذين تطهّروا من ذلك الماء .
وهذا فضل عظيم ، وفخر جسيم للمتطهِّرين ، فياله من شرفٍ ما أعظمه !! ،
كيف وقد نصَّ اللهُ في التَّنزيلِ على محبتهم صريحاً حيث قال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
(٣٢٢)﴾ [البقرة] !!.
وهذا يحمل من له أدنى عقل على المحافظة على إدَامةِ الوضوءِ ، ومن ثَمَّ صرَّح
بعضُ أجلاَءِ الشَّافعيّة بتأكُّد ندبه ، وأمَّا الصوفية فعندهم إدامة الوُضوءِ واجبة ، لأَنَّه
يرى نور على أعضائه ، واللهُ أعلم ؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى .
٢٨٢

الْفَصْلُ السَّادِسُ
فِي صِفَةِ نَوْمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ فِي (الْمَوَاهِبِ)): (كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ،
( الْفَصْلِ السَّادِسُ )
من الباب الرابع
( فِي ) بيان ما ورد في ( صِفَةِ نَوْمِهِ ) ؛
من كونه على اليمين أو غيره ، وقَدْره ، ووقته ، وما يرقد عليه ، وما كان
يفعله (وَّر) قَبْلَ النَّوم وبعده ، وغير ذلك.
والثّوم : غشيةٌ ثقيلة تهجم على القَلْبِ فتقطعه عن المعرفة بالأشياء ، فهو آفة ،
ومن ثمَّ قيل (( إنَّ النَّوم أخو الموتِ )).
وأمَّا السَّنَةُ! ففي الرَّأس ، والنُّعاس ! في العين ، وقيل : السِّنةُ هي النُّعاس ،
وقيل : السُّنةُ : ريح النوم يبدو في الوجه ؛ ثمَّ ينبعث إلى القلب ، فيحصل النُّعاس
ثمَّ النَّوم ، والله أعلم .
ثمَّ اعلم أنَّ تعريف النَّوم بما ذكر بالنّسبة إلينا دونه ◌َّر؛ فإنَّ تنام عينه ولا ينام
قلبه ! كما في (( الصَّحيح)) وسيأتي .
( قَالَ ) العلاَّمة القُسْطُلاَّنِيُّ في ((المَوَاهِبِ))) ؛ في النوع الرَّابع من المقصد
الثَّالث :
( كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ) بعد صلاةٍ العشاء وما يَتَّصلُ بها ،
فالأولية نِسْبِيَّة .
وفي ((الصحيح))؛ عن أبي برزة: كان ◌َ له يكره النَّوم قبل العشاء، والحديث
بعدها .
٢٨٣

وَيَسْتَيْقِظُ فِي أَوَّلِ النَّصْفِ الثَّانِي، فَيَقُومُ فَيَسْتَاكُ ، فَيَوَضَّأُ ، وَلَمْ يَكُنْ
يَأْخُذُ مِنَ النَّوْمِ فَوْقَ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْهُ ، وَلاَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنَ الْقَدْرِ
الْمُحْتَاجِ مِنْهُ،
وروى الشَّيخان، وابن ماجه ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت : كان ينام
أوَّل اللَيل ويُخيي آخره . وسيأتي .
( وَيَسْتَيْقِظُ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي ) غالباً، وفي ((الصَّحيحين)) وغيرهما؛ عن عائشة
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كان يقوم إذا سمع الصَّارخ . قال الحافظ ابن حجر : أي : الدِّيك.
ووقع في (( مسند الطَّيالسي)) في هذا الحديث : والصَّارخ : الدِّيك ،
والصَّرخة: الصَّيحة الشَّديدة . وجرت العادة أنَّ الدِّيك يصيح عند نِصْفِ اللَّيلِ
غالباً ، قاله محمد بن نصر ، قال ابن التين : وهو موافق لقول ابن عباس نصف الليل
أو قبله بقليل أو بعده .
وقال ابن بطَّال : الصَّارخ يصرخ عند ثلثِ اللَّل ، فكان يتحرَّى الوقت الَّذي
يُنادى فيه : هل من سائِلٍ كذا !؟
وفي ((البخاري))؛ عن أنس: كان لا تشاء أن تراه من اللَّيْل مصلِّياً إلاَّ رأيتَه ،
ولا نائماً إلا رأيتَه . قال الحافظ: أي : أنَّ صلاته ونومه كان يختلف باللَّيل ، ولا
يرتِّب وقتاً معيَّناً ، بل بحسب ما تيسّر له القيام ، ولا يعارضه حديث عائشة رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهَا؛ لأنَّها أخبرت عمَّا الطَّلَعَتْ عليْهِ ، فَإِنَّ صلاة اللَّيلِ كانت تقع منه غالباً في
البَيْتِ . وخَبَرُ أنس محمولٌ على ما وراء ذلك . انتهى .
وحاصله أنَّ كلاً من عائشة وأنس أخبر بما اطّلع عليه.
( فَقُوْمُ فَيَسْتَاكُ ) ؛ كما روى أحمد ؛ عن ابن عمر: كان لا ينام إلاَّ وَالسُّواكُ
عِنْدَ رَأْسِه ، فإذا استيقظ بدأ بِالسِّواك . ولابن عساكر ؛ عن أبي هريرة : كان لا ينام
حتى يَسْتَنَّ ؛ ( فَيَتَوَضَّأُ ) ، كما في حديث ابن عباسٍ وغيره .
( وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنَ النَّوْمِ فَوْقَ القَدْرِ المُخْتَاجِ إِلَيْهِ وَلاَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنَ
اُلْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ مِنْهُ ) ؛ فَتَنَزَعَ فيه الأَمْرَان .
٢٨٤

وَكَانَ يَنَامُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَن ؛ ذَاكِراً اللهَ تَعَالَى حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ، غَيْرَ
مُمْتَلِىءٍ أَلْبَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ .
قَالَ: وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَنَامُ عَلَى أَلْفِرَاشِ تَارَةً ، وَعَلَىُ
النَّطَّعِ تَارَةٌ ، وَعَلَى الْحَصِيرِ تَارَةً ، وَعَلَى الأَرْضِ تَارَةً .
وَكَانَ فِرَاشُهُ أَدَماً ؛ حَشْوُهُ لِيفٌ، وَكَانَ لَهُ مِسْحٌ يَنَامُ عَلَيْهِ )
انتھی .
( وَكَانَ يَنَامُ عَلَىْ جَنْبِهِ الأَيْمَنِ ) ؛ لأَنَّه كان يحبُّ الثَّيَامُنَ في شأنِهِ كُلِّهِ ، ومن
جملته النَّوم ، وليرشد أمَّتَهُ إِلى النَّوم على الجانب الأيمن ؛ ( ذَاكِراً اللهَ تَعَالَى حَتَّى
تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ ) بأَنْ يَأْخُذَهُ النَّوم ، ( غَيْرَ مُمْتَلِىْءٍ البَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ) لضرره
بالبدن وتثقيله النَّوم .
( قَالَ ) ؛ أي : القُسْطُلَّنِيُّ بعد ذلك بأسطر: ( وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ)
- كما علم من مجموع الأحاديث ــ ( يَنَامُ عَلَى الفِرَاشِ تَارَةً، وَعَلَى النِطْعِ) - بفتح
النُّون وكسرها مع فتح الطَّاء وسكونها - : ما اتُّخِذَ من جلد، والجمعَ : أَنْطَاعِ
ونُطُوع ( تَارَةً ، وَعَلَىُ الحَصِيْرِ تَارَةٌ) ؛ كما في حديث عمر ، (وَعَلَى الأَرْضِ تَارَةٌ )
أخرى .
( وَكَانَ فِرَاشُهُ)؛ كما في ((الصحيحين)) والتِّرمذيّ ؛ عن عائشة قالت: إِنَّما
كَانَ فِراشُ رَسُولِ اللهِ لّهِ الَّذِي ينامُ عليه ( أَدَماً) - بفتحَتين - : جلداً مدبوغاً ؛ أَو
أَحمَر ، أو مُطْلَقَ الجِلْدِ ؛ جمعُ أديمٍ ، وصف به المفرد !! لأَنَّهُ أَجزاءٌ من الجلد
مجتمعةٌ، فهو نظير قوله تعالى ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [٧٦/ الإنسان]، فوصف المفرد
بالجمع؛ إذ ((أمشاج)): أخلاط؛ جمع ((مَشِيج)) (حَشْوُهُ لِيفٌ) من النَّخْلِ .
( وَكَانَ ) ؛ كما رواه التِّرمذيُّ؛ عن حفصة ــ ( لَهُ مِسْحٌ) - بكسر فسكون - :
فراش خشن غليظٌ ( يَامُ عَلَيْهِ ) ؛ من شعرٍ أو صُوفٍ . وتقدَّم هذا في فراشه .
( أَنْتَهَى) المقصودُ نقله من كلام ((المواهب)).
٢٨٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي آخِرَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَسْتَنَّ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلاَ نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ ..
إِلاَّ تَسَوَّكَ .
( وَ) أخرج الشَّيخان في ((كتاب الصلاة)) وابن ماجه؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهَا قالت: ( كَانَ) رسولُ اللهِ (بَّهِ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ) بعد صلاة العشاء إِلى
تمامٍ نصفه الأَوَّلِ ؛ لأَنَّ كره النَّوم قبلها .
( وَيُحْيِيْ آخِرَهُ) ؛ لأَنَّ ذلك أعدلُ النَّوم وأَنفعُه للبدن والأعضاء والقوَّة، فإنَّه
ينام أوَّله ليعطي القوّة حظّها من الرَّاحة، ويستيقظ آخره ليعطيها حظّها من الرِّياضة
والعبادة ، وذلك غاية صلاح القلب والبدن والدِّين .
( وَ) أخرج ابن عساكر في ((تاريخه)) - قال العزيزي: وهو حديثٌ حسنٌ
لغيره - ؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال :
( كَانَ ) رسولُ اللهِ (وَّهِ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَسْتَنَّ ) من الاستنان ؛ وهو تنظيفُ الأسنانِ
بدَلْكها بالسواك. ورواه أيضاً أبو نعيم في (( المعرفة)) بلفظ : ما نام ليلة حتى
يَسْتَنَّ .
( وَ) أخرج أبو داود، وابن أبي شيبة، والطَّراني في ((الأوسط)) - قال
العزيزي : وهو حديث حسن لغيره - ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت :
( كَانَ) رسولُ اللهِ (وَّةِ لاَ يَزْقُدُ)؛ أي: لا ينام ( مِنْ لَيْلٍ وَلاَ نَهَارٍ) ((من))
بمعنى ((في)) كما في قوله ﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ بَّوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [٩/ الجمعة]،
(فَيَسْتَيَقِظُ) - بالرفع - عطف على ((يرقد ))، وليس جواباً للنَّفي !! وإنَّما جوابه
قوله ( إِلاَّ تَسَوَّكَ ). وتمام الحديث: قبل أن يتوضَّأ . انتهى . وهذا السِّواك غيرُ سنَّة
الاستياك للوضوء !! قاله الحفني على ((الجامع)).
٢٨٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنَامُ .. إِلَّ وَالسِّوَاكُ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَإِذَا
أُسْتَيْقَظَ .. بَدَأَ بِالسِّوَاكِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ فِي اللَّيْلِ مِرَاراً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ . . وَضَعَ يَدَهُ أَلْيُمْنَى
تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ؛ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ ))
( ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ) .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، ومحمد بن نصر في ((كتاب الصلاة)) - قال العزيزي:
وهو حسن لغيره - ؛ عن ابن عمر بن الخطّاب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما قال :
( كَانَ) رسولُ اللهِ (ِِّ لاَ يَنَامُ إِلَّ وَالسِّوَاكُ عِنْدَ رَأْسِهِ)؛ لِيَسْهُل تناوله، (فَإِذَا
أَسْتَيْقَظَ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ ) ؛ أي : عقب استيقاظه ، لشدَّة حرصهِ عليه ؛ فيندب ذلك ،
وهذا غير الاستياك عند إرادة الوضوء ! !
( وَكَانَ) رسولُ اللهِ (وَّهَ يَسْتَاكُ فِي اللَّيْلِ مِرَاراً ) . لمْ أقف على تخريجه .
( وَ) أخرج أبو داود، والنَّسائي في ((اليوم واللَّيلة)) كلاهما؛ عن حفصَة أمّ
المؤمنين ، ورواه الترمذي ؛ عن حذيفة ؛ لكن بدون التَّثليث ؛ وحسَّنه :
( كَانَ) رسولُ اللهِ (تَِّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ ) - في رواية بدل: ينام - ( وَضَعَ يَدَهُ
اليُّمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ) الأَيمن - وفي رواية: رأسه - ( ثُمَّ يَقُولُ :
(( اللَّهُمَّ؛ قِيْ عَذَابَكَ ) ؛ أي : أجرني منه ( يَوْمَ تَبْعَثُ ) ؛ أي : تحيي - وفي
رواية: تجمع - ( عِبَادَكَ))) من القُبور إلى النُّشور للحساب يوم القيامة ، فلا تبعثني
كريه المنظر ؛ على وجهي غَبَرَةٌ ، ترهقها قترة . يقول ذلك الدُّعاء ( ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ) ؛
أي : يكرِّره ثلاثاً .
والظَّاهر حصولُ أصلِ السُّنَّةِ بمرَّة ، وكمالُها باستكمال الثَّلاثِ ، وإنَّما قال ذلك
مع عصمته ◌َّ !! تواضعاً للهِ وإجلالاً له، وتعليماً لأُمَّته أن يقولوا ذلك عِنْدَ النَّومِ،
٢٨٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ .. وَضَعَيَدَهُ تَحْتَ
خَدِّهِ ، ثُمَّيَقُولُ: ((بِأَسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا، وَبِأَسْمِكَ أَمُوتُ)).
وَإِذَا أُسْتَيْقَظَ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِالَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)).
لاحتمال أنَّه آخر العمر ؛ فيكون خاتمةَ عملهم ذكرُ الله ، مع الاعتراف بالتَّقصير
الموجب للفوز والرِّضا .
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، ومسلم ، والنَّسائي؛ عن البراء بن عازب.
وأحمد ، والبخاري ، والأربعة ؛ عن حذيفة بن اليمان . وأحمد ، والشَّيخان ؛ عن
أبي ذر الغفاري رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال :
( كَانَ بِّهِ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) - بفتح الميم والجيم ، وحكي كسرها - أي :
استقرَّ فيه لينام ( مِنَ اللَّيْلِ) ((من)): للتبعيض، أو بمعنى ((في ))، وقيِّد باللَّيل ؛
لأنَّه الأَغلب، وإلاَّ! فمثله النَّهار ! ! ( وَضَعَ يَدَهُ) ؛ يعني : اليمنى (تَحْتَ خَدِّهِ )
الأيمن، ( ثُمَّ يَقُولُ: ((بِأَسْمِكَ)؛ أي: بذكر اسمك (اللَّهُمَّ أَحْيَا) ، قال
الشَّيخ : بالبناء للفاعل ، ( وَبِأَسْمِكَ أَمُوْتُ)) ) ؛ أي: وعليه أموت .
وقال الحفني : باسمك ، لفظ (( اسم)) مقحم ؛ أي : بك ، أي : بقدرتك
أَحْيَا ، أي : أتيقظ ، وبك أموت . أي : أنام. انتهى.
( وَإِذَا أَسْتَيْقَظَ) من نومه؛ ( قَالَ: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا ) ؛
أي : أيقظنا بعد ما أنامنا ، أطلقَ الموتَ على النَّوم !! لأنَّه يزول معه العقل
والحركة ، ومن ثَمَّ قالوا : النَّوم موت خفيف ، والموت نومٌ ثقيلٌ : وقالوا : النَّوم
أخو الموت .
والمعنى : الحمد لله الَّذي ردَّ أنفسنا بعد قبضِها عن التَّصرُّف بالنَّوم ؛ شكراً لنيل
نعمة التصرُّف في الطَّاعات بالانتباه من النَّوم الَّذي هو أخو الموت ، وزوال المانع
عن التَّقرُّب بالعبادات .
( وَإِلَيْهِ النُّشُوْرُ ))): الإحياءُ للبعثِ ، أو المرجع في نيل الثَّواب ممَّا نكسب في
٢٨٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ :
(( بِأَسْمِ اللهِ وَضَعْتُ جَنْبِي، اَللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَخْسَأْ
شَيْطَانِي ، وَفُكَّ رِهَانِي ، وَثَقِّلْ مِيزَانِ ،
حياتِنا هذه ، وفيه إشارة بإعادة اليقظة بعد النَّوم إلى البعث بعد الموت .
وحكمة الدُّعاء عند النَّوم : أنْ يكون خاتمة عمله العبادة ، فالدُّعاء هو العبادة
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [٦٠/ غافر].
وحكمة الدُّعاء عند الانتباه : أنْ يكون أوَّل ما يستيقظ يعبد الله بدعائه وذكره
وتوحيده ؛ قاله المناوي .
( وَ) أخرج أبو داود في ((الأدب))، والحاكم بإسناد حسن؛ عن أبي الأزهر
- ويقال: أبو زهير - الأنماري الشَّامي قال :
( كَانَ ) رسولُ اللهِ (وَّةِ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ؛ قَالَ: (( بِأَسْمِ اللّهِ) - وفي
رواية: ((بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)) - (وَضَعْتُ جَنِيْ)؛ أي: بِإِقدارِكَ إِيَّايَ وضَعتُ جَنْبِي ؛
ففيه الإيمان بالقدر، وفي رواية أنَّه قال : (( باسْمِكَ اللَّهُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ
أَرْفَعُهُ » .
( اللَّهُمَّ، أَغْفِرْ لِي ذَنْبِيْ، وَأَخْسَأُ شَيْطَانِيْ ) ؛ أي : اجعله خاسئاً ، أي :
مطروداً ، وهو بوصل الهمزة ، يقال: خَسَأْتُ الكَلْبَ؛ أي: طَرَدْتُهُ، و(( خَسِىءَ))
يَتَعَذَّى ، ولا يتعدى .
( وَفُكَّ رِهَانِيْ ) ؛ أي : نَفْسي المرهونة في سجن المخالفة ، أي : خَلِّصني من
عقال ما اقْتَرَفَتْ نفسي من الأعمال الَّتي لا ترتضيها بالعفو عنها. و((الرِّهَان))
كَـ ((سِهَام)).
الرَّهْنُ : وهو ما يُجْعَل وثيقةً بالدَّينِ ، والمراد هنا : نفس الإنسان ، لأَنَّها
٢١ ﴾ [الطور] .
مرهونةٌ بعملها ﴿ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ
( وَثَقِّلْ مِيْزَانِيْ) يوم توزن الأعمال؛ وهذا تشريعٌ للأُمَّة، وإلاَّ! فالأنبياءُ
٢٨٩

وَأَجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الأَعْلَى)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ .. قَرَأَ ( قل يا أيها
الكافرون ) حَتّى يَخْتِمَهَا .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ .. جَمَعَ كَفَّيْهِ فَنَفَثَ فِيهِمَا ...
لا سيّات لهم ، ولا توزن لهم أعمال !
( وَأَجْعَلْنِيْ فِي النَّدِيِّ) - بفتح النُّون وكسر الدَّال وتشديد الياء ؛ كما في
((الأذكار)) -: هم القوم المجتمعون في مجلس ، ومنه : النَّادي ؛ لمكان
الاجتماع ؛ أي: الملأ ( الأَعْلَى))) من الملائكة .
وهذا دعاءٌ يجمع خير الدنيا والآخرة ، فتأكَّد المواظبة عليه كلَّما أريد النَّوم ،
وهو من أَجَلِّ الأدعية المشروعة عنده ؛ على كثرتها !
( وَ) أخرج الطَّبراني في ((الكبير))؛ عَن عبّاد بن عبَّاد - بتشديد الباء مع فتح
العين المهملة فيهما - ابن أخضر المازني المصري ، قال العلقمي : بجانبه علامة
الحسن .
قال : ( كَانَ ) رسولُ اللهِ (تَّهِ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) من اللَّيل؛ (قَرَأَ ﴿قُلْ يَكَأَيُهَا
اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾)؛ أي: سورتها ( حَتَى يَخْتِمَهَا)، ثمَّ ينامُ على خاتمتها ؛
لأَنَّها براءة من الشِّرك ، كما جاء به معلَّلاً في خبر آخر .
( وَ) أخرج الإمام مالك، والإمام أحمد، والشَّيخان ، وأبو داود ، والتِّرمذي
في (( الجامع)) و((الشَّمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ :
كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَوَى) - بالقصر، وقد يُمدُّ - أي: وصل (إِلَى فِرَاشِهِ)
وأراد النَّوم فيه ( كُلَّ لَيْلَةٍ ؛ جَمَعَ كَفَّيْهِ ) ، أي : ضمَّ إحداهما للأُخرى،
( فَنَفَثَ ) ؛ أي : نفخ ( فِيْهِمَا ) نفخاً لطيفاً بلا ريقٍ ؛ على ما يَلُوحُ من ظواهر
٢٩٠

وَقَرَأَ فِيهمَا ( قل هو الله أحد ) ، وَ: ( قل أعوذ برب الفلق ) ، وَ:
( قل أعوذ برب الناس )، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا أُسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ
بهمَا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ ؛ يَصْنَعُ ذَلِكَ
الأَحاديث ، وإن اختلف أهل اللُّغَةِ في أنَّ النَّفْثَ بريق أو بدونه ! ! فيكون النَّفْثُ أقَلَّ
من الثّفْلِ؛ لأَنَّ الَّفْل لا يكون إلاَّ ومعه شيء من الرِّيق، وكان ◌َِّ ينفثُ مخالفةً
لِلْتَهودِ لأَنَّهم يقرؤون ولا ينفئون .
(وَقَرَأَ فِيْهِمَا) وفي رواية ((فقرأ)) - بالفاء -. مقتضى الرِّواية الأُولى: أنَّ
تقديم النَّفث على القراءة وعكسه سيَّان ؛ حيث كانا بعد جمع الكفَّين . ومقتضى
الرّواية الثّانية : أنَّ النَّث يكون قبل القراءة ، وبه جزم بعضهم ، وعلَّل ذلك بمخالفة
السَّحرة ؛ فَإِنَّهم ينفئون بعد القراءة .
(﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ (جَ﴾)، (وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِبَ﴾) ( وَ﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴾) ؛ أي: قرأ السُّور الثَّلاث بكمالها، (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا) ؛ أي :
بكفَّيه ( مَا أُسْتَطَاعَ ) مسحه - فالعائد محذوف - ( مِنْ جَسَدِهِ ) ؛ وهو ما تَصل إلَيْهِ
يده من بدنه .
وظاهره أنَّ المسحَ فوق الثَّوب ( يَبْدَأُ بِهِمَا )؛ أي: بكفَّيِه ( رَأْسَهُ) . فصله !!
لأَنَّ بيان لجملة ((مسح))، أو بدل منه، أو استئناف (وَوَجْهَهُ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ
جَسَدِهِ) ؛ الجسد أخص من الجسم ؛ لأنَّه لا يقال إلاَّ لبدن الإنسان والملائكة
والجن ، كما ذكره في (( البارع )) وغيره .
ولا يرد قوله تعالى ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ [٨٨/ طه]؛ لأَنَّ إطلاق
الجَسَدِ فيه على سبيل المجازِ لتشبيهِهِ بالعاقل !! وأمَّا الجسم ؛ فيشمل سائر
الحیوانات والجمادات . انتھی « باجوري )) .
وكان ( يَصْنَعُ ذَلِكَ ) ؛ أي: المذكور ؛ من جمع الكفَّين والنَّفث فيهما والقراءة
٢٩١

ثَلاَثَ مَرَّاتٍ . وَكَانَ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأُ: ( بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وَ:
( الزُّمَرَ ) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ: ( ألم تنزيل)
السَّجْدَةَ ، وَ : ( تبارك الذي بيده الملك ).
والمسح ( ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ) ، كما هوْ كمال السُّنَّةِ ، وأمَّا أصلها ؛ فيحصل بمرَّة ، كما
يفيده رواية أخرى .
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والتُّرمذي، والحاكم، وقال التِّرمذي: حسن
غريبٌ ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت :
( كَانَ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ) سورة ( بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ)، ويقال لها سورة ((الإسراء)).
( وَ) يقرأ سورة (الزُّمَرِ)، قال الطيبي: ((حتَّى)) غايةٌ لِقَوله: ((لا ينام))،
ويَحْتمل كون المعنى : إذا دخل وقت النَّوم لا ينام حتَّى يقرأ ، وكونه لا ينام مطلقاً
حتَّى يقرأ ؛ يعني : لم يكن عادته النَّوم قبل قراءتهما ، فتقع القراءة قبل دخول وقت
النوم ؛ أيَّ وقت كان !! ولو قيل: كان يقرؤهما باللَّيل ! لم يفد ذلك . انتهى .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والتِّرمذي في ((فضائل القرآن))، والنَّسائي في
((اليوم والليلة))، والحاكم في ((التفسير))؛ وقال: على شرطهما؛ كلهم عن
جابر بن عبد الله رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما قال :
( كَانَ) رسولُ اللهِ (وَِّ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ ﴿الّ
السَّجْدَةَ، وَ﴿ تَبَرَكَ
تَنزِيلُ﴾
الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [١/ الملك]) فيه التَّقرير المذكور فيما قبله.
وعن العِزْباض بن سارية: كان ◌َّه يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد، وقال: ((إنَّ
فِيهِنَّ آيَةً أفضَلُ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ )). رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ؛
وحسَّنه ، والنَّسائي، ورواه ابن الضُّرَيْس ؛ عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً ، وزاد :
قال يحيى: فنراها الآية الَّتي في آخر ((الحشر)). وقال ابن كثير: الآية هي قوله
﴾ [الحديد] .
٣
تعالى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَخِرُ وَلَّهِرُ وَالْبَالِنِّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيُ
٢٩٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ إِذَا أَرَادَتْ إِحْدَاهُنَّ أَنْ تَنَامَ ..
أَنْ تَحْمَدَ ثَلَاثاً وَثَلاَثِينَ، وَتُسَبِّحَ ثَلاَثاً وَثَلاَئِينَ، وَتُكَبِّرَ ثَلاَئاً وَثَلاَئِينَ.
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ ..
والمسبِّحات ست : الحديد ، والحشر ، والصفّ ، والجمعة ، والتغابن ،
و﴿ سَبِعٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
﴾ [الأعلى] .
( وَ) في ((الجامع الصَّغير)) وقَال : أخرجه ابن منده ؛ عن حابس قال:
( كَانَ) رسولُ اللهِ (وَِّ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ إِذَا أَرَادَتْ إِحْدَاهُنَّ أَنْ تَنَامَ ) ؛ ظاهره شمول
نومِ اللَّيلِ والنَّهَارِ ،
( أَنْ تَحْمَدَ ) - بفتح الميم - ؛ أي: تحمد الله تعالى ( ثَلاَئاً وَثَلاَثِيْنَ ) ؛ أي :
تقول ((الحمد لله))، وتكرِّرها ثلاثاً وثلاثين مرَّة .
( وَتُسَبِّحَ ثَلاَثًاً وَثَلاَثِيْنَ)؛ أي: تقول (( سبحان الله))؛ وتكرِّرها ثلاثاً وثلاثين
مرَّة .
( وَتُكَبِّرَ ثَلاَثًاً وَثَلاَئِيْنَ)؛ أي: تقول ((الله أكبر))، وتكرِّره كذلك ، وهي
((الباقيات الصَّالحات)» في قول تُرجمان القُرآن الحَبْر : عبد الله بن عباس .
فَيُنْدَبُ ذلك عند إرادة النَّومِ ندباً مؤكّداً للنِّساء ، ومثلهن الرِّجال ، فتخصيصهنَّ
بالذِّکر لیس لإخراج غیرهن !
( وَ) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذي في (( الجامع))
و(( الشَّمائل))، والنَّسائي: كلهم؛ (عَنْ أَنَسٍ ) أي: ابن مالك ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ كَانَ إِذَا أَوَىُ إِلَىْ فِرَاشِهِ ) أي : دخل فيه .
قال الإمام النَّويُّ في آخر ((باب الحج)) من (( شرح مسلم))؛ نقلاً عن القاضي
عياض : يقال : آوى وأوى - بالمدِّ والقصْر في الفعل الَّلازم والمتعدِّي جميعاً - لكن
٢٩٣

قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لاَ
كَافِيَ لَهُ وَلاَ مُؤْوِيَ لَهُ)) .
القَصْر في الَّلازم أشهر وأفصح، والمدُّ في المُتَعَدِّي أشهر وأفصح . انتهى .
قلتُ: وبالأَفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين، قال تعالى: ﴿أَرَوَيْتَ إِذْ
أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [٦٣/ الكهف]. وقال تعالى في المتعدِّي ﴿ وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقَ﴾
[٥٠/ المؤمنون] . انتهى .
( قَالَ: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانًا)، إنَّما ذكرهما هنا !! لأَنَّ الحياة
لا تتمُّ إلَّ بهما ؛ كالنَّوم، فالثَّلاثة من واد واحدٍ ، وأيضاً النَّوم فرع الشِّبع والرِّيّ ،
وفراغ الخاطر من المهمَّات ، والأَمْنِ من الشرورِ والآفاتِ ؛ فلذلك ذكر ما بعده
أيضاً بقوله :
( وَكَفَانَا ) ؛ أي : دفع عنَّا شَرَّ خلقه، ( وَآوَانَا ) ؛ في كِنَّ نَسْكُنُ فيه يَقِينا الحرّ
والبردَ ، ونحرس فيه متاعَنَا، ونحجب به عِيالَنَا ، وهو بالمدِّ ، ويجوز القصْرُ ،
وعلَّل الحمد مبيّناً لسببه الحامل عليه ؛ إذ لا يُعرف قدر النِّعمة إلاَّ بضدِّها ؛ بقوله :
( فَكَمْ مِمَّنْ لاَ كَافِيَ لَهُ) - بدون همز - ( وَلاَ مُؤْوِيَ لَهُ !! ) - بميم مضمومة ،
فهمزة ساكنة، فواو مكسورة؛ اسم فاعل من ((آوى)) بالمدِّ - أي: كثير من خلق الله
لا يكفيهم الله شرَّ الأشرارِ ، ولا يجعل لهم مسكناً ؛ بل تركهم يتأذّون في الصَّحاري
بالبرد والحرِّ؛ قاله المناوي على (( الجامع)).
وقال الباجوري : والمعنى : فكم من الخَلْقِ ؛ أي : كثير منهم لا كافي لهم ولا
مؤوي لهم على الوجه الأكمل عادة ، فالله تعالى كافٍ لجميع خلقهِ ومُؤْوٍ لهم ؛ ولو
من بعض الوجوهِ ، وإنْ كان لا يكفيهم ولا يُؤْويهم من بعض آخر ! فلا يكفيهم شرَّ
أعدائهم ؛ بل يسلّطهم عليهم ، ولا يؤويهم إلى مأوى ، بل يتركُهُمْ يتَأَذَّونَ ببرد
الصَّحاري وحرِّها .
وفي الحديث إشارة إلى عموم الأَكْلِ والشُّربِ لشُمولِ الرَّزق ، كما يقتضيه قوله
تعالى ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [٦/ الأنعام] . ..
٢٩٤

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ ..
وأمَّا الكِفاية مِنْ شرِّ الأَعداءِ - مثلاً - والمأوى !! فالله تعالى يخصُّ بهما مَن شاء
من عبادِه ؛ فَإِنَّ كثيراً منهم مَنْ يتسلَّط عليه أَعداؤه ، وكثير منهم ليس له مأوى ! إمَّا
مطلقاً ، أو مأوىّ صالحاً . انتهى .
وروى البخاريُّ وغيره ؛ عن حذيفةَ ؛ ومسلم ؛ عن البراءِ :
كان ◌َ﴿ إذا استيقظ؛ قال: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَ وَإِلَيْهِ
النُورُ )).
وروى أبو داود ، عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت : كان إذا استيقَظَ من
اللَّيْلِ؛ قال : ((لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي ،
وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْماً، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِيَ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي ، وَهَبْ لِي مِنْ
لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ )).
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه؛ عن ربيعة بن كعب؛ أنَّه سمع رَسُوْلَ اللهِ وَل
إذا قام من اللَّيل يصلِّي يقول: ((الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ القَوِيِّ))، ثُمَّ يقول :
(( سُبْحَانَ اللهِ وَ بِحَمْدِهِ القَوِيِّ » .
وأمَّا ما كان يقوله إِذَا أَصْبَح وإِذَا أَمْسَى ! ! فكثيرٌ أُلَّفَتْ فيه تآليفُ كثيرةٌ ، يقال
لها « عمل اليوم واللَّيلة)) والله أعلم .
( وَ) أخرج النَّسائي في ((عمل اليوم والليلة))، والحاكم في ((باب الدعاء))،
وقال: على شرطهما، وأقرَّه الذَّهبيُّ، وقال الحافظ العراقي في ((أماليه)): حديث
صحيح ، وأخرجه ابن حبَّان أيضاً: كلهم ؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛
قَالَتْ :
كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا تَضَوَّرَ) - بالتَّشديد - ؛ أي : تَلوَّى وتقلَّب ظهراً لِبَطْنٍ ؛
وقال الحفني: أي: استيقظ ( مِنَ اللَّيْلِ). ((من)) تبعيضيَّة، أو بمعنى ((في))؛
٢٩٥

قَالَ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ أَلْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ )).
وَمَعْنَى ( تَضَوَّرَ ) : تَلَوَّى وَتَقَلَّبَ فِي فِرَاشِهِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ .. قَالَ :
(( رَبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ، وَأَهْدِ لِلسَّبِيلِ الأَقْوَمْ)).
( قَالَ: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيْزُ
الغَفَّار ))) ، هذا التسجیع في الدُّعاء لیس مقصوداً له ێ ، فلا بأس به حیث لم یکن
مُتَكَلَّفاً .
( وَمَعْنَى تَضَوَّرَ) - بفتح المثنَّة الفوقيّة والضَّاد المعجمة ، وشدَّة الواو ؛ فراء -
(: تَلَوَّى وَتَقَلَّبَ فِي فِرَاشِهِ)؛ قاله العزيزي على ((الجامع الصغير)).
( وَ) أخرج محمد بن نصر في كتاب ((فضل الصلاة))؛ وقال في
((العزيزي)): حديث حسن لغيره ؛ عن أمّ سلمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، زوج
النَّبِيّ ◌َّ قالت :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا تَعَارَّ) - بفتح المثنَّاة، الفوقيّة، والعين المهملة ،
وشدَّة الرَّاء - أي: انْتُبَهَ ( مِنَ اللَّيْلِ ). والتَّعارُ: الانتباه في اللَّيل مع صوت ؛ من
نحو تسبيح أو استغفار ، وهذا حكمة العدولِ إلَيْهِ عن التعبير بالانتباه ، فَإِنَّ مَنْ هَبَّ
من نومه ذَاكراً لهِ وسأله خيراً أعطاه ، وإنَّما يكون ذلك لِمَنْ تعوَّد الذِّكر واستأنس
به ؛ وغلب علیه حثّی صار حديث نفسه في نومه ويقظته !!
قالوا : وأصلُ الثَّعارِّ: السَّهر والتَّقَلُّب على الفِراش، ثمّ استعمل فيما ذُكِر ،
وقد ورد عند الانتباه أذكارٌ؛ منها: أنَّه كان إذا انْتُبَهَ ( قَالَ: ((رَبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَهْدِ
لِلسَّبِيْلِ الأَقْوَمْ))؛ أي: دُلَّني على الطَّريق الواضح الَّذي هو أقوم الطُرق وأعظمها
استقامةً . وحذف المعمول ! ليُؤْذن بالعموم .
٢٩٦

وَمَعْنَى ( تَعَارَّ) : هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ وَأَسْتَيْقَظَ .
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلِ .. اضْطَجَعَ عَلَى شِقْهِ الأَئِمَنِ ،
وفيه جواز تسجيع الدُّعاء إذا خلا عن تكلُّفُ وقصدٍ ؛ كهذا .
فينبغي المحافظة على قول الذِّكر عند الانتباه من النَّوم ، ولا يتعيَّنُ له لفظ ؛
لكنَّه بالمأثور أَفضل ، ومنه ما ذُكِرَ في هذا الخبر . قاله المناوي .
(وَمَعْنَى تَعَارَّ) - بتشديد الرَّاء -: ( هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ وَأَسْتَيَّقَظَ )، والتَّاء زائدة ؛
قاله في «النّهاية )).
( وَ) أخرج التِّرمذي في ((الشَّمائل))، والإمام أحمد ، وابن حبَّان ،
والحاكم ؛ بأسانيد صحيحة، واللفظ لـ ((الشَّمائل))؛ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) من أكابِر
الصَّخْبِ الكِرامِ .
اسمه : الحارث بن رِبْعِيٍّ - بكسر أَوَّله -، أو: النُّعمان بن رِبْعِيِّ. أو النُّعمان
ابن عمرو ، الأنصاري ، الخزرجي ، السّلمي ، المدني .
فارس رَسُولِ اللهِ نَّهِ؛ حضَرِ المَشَاهِدَ كلَّها إلاَّ بَدْراً؛ ففيها خلف، وليس في
الصَّحب من یکنَّى بكنيته .
مات بالمدينة المنوّرة سنةً : ثمانٍ وثلاثين ، أو : أربع وخمسين ؛ عن سبعين
سنة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كَانَ إِذَا عَرَّسَ ) - بشدِّ الرَّاء وعين وسين مهملاتٍ - أي : نزل وهو
مسافر آخرَ الليل للنَّوم والاستراحة ( بِلَيْلِ ) ؛ أي : في زمن ممتدٍّ منه ، لقوله بعدُ :
((قُبَيلَ الصبح )) ، ( أُضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ) ؛ أي : نام على جنبه الأيمن ،
ووضع رأسه على لبنة ، والشّقُّ - بالكسر - : نصفُ الشَّيء والجانب .
وهذه الحالة ؛ وإنْ كانت تُفْضِي إلى الاستغراق في النَّوم؛ لكنَّه لمّا كان الوقت
متَّسعاً وثق من نفسه بالتَّيقُّظ وعدم فوات الصُّبح .
٢٩٧

وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ .. نَصَبَ ذِرَاعَهُ ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ .
وَمَعْنَى ( التَّعْرِيسِ ) : تُزُولُ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ آخِرَ اللَّيْلِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌّ ..
تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ ،
( وَإِذَاَ عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ) ؛ أي : قبل دخول وقته بقليل (نَصَبَ ذِرَاعَهُ) ؛
أي: اليمين ، (وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِهِ ) ، وفي رواية أحمد وغيره : ووضع رأسه
على كفِّه اليُمنى ، وأقامَ ساعده . وذلك لأَنَّ أعون على الانتباهِ ؛ لئلاً ينامَ طويلاً ؛
فيفوته الصُّبح ، فهو تشريع وتعليم لأُمَّته لِئَلأَّ يثقل نومهم فيفوتهم أوَّل الوَقت ،
فينبغي لمن قارب وقت الصَّلاة أن يتجنب الاستغراق في النَّوم ، فينام على هيئة
تقتضي سرعة يقظته ؛ محافظةً على تحصيل فضيلةٍ أوَّل الوَقتِ؛ اقتداءً بِهِ وَلَّه.
( وَمَعْنَى التَّعْرِيْسِ: نُزُولُ القَوْمِ فِي السَّفَرِ آخِرَ اللَّيْلِ ) لِلنَّوم والاستراحة ، هذا
قول الأكثر ؛ كما في الزُّرقاني .
وقال المناوي : ظنَّ بعضهم أنَّ اللَّيل قَيْدٌ في مسمَّاه ، والأمر بخلافه !! فقد
أطلقوا أن يقالَ: ((عرَّس))؛ إذَا نَزَل المسافر ليستريحَ نزلة ثمَّ يرتحل .
بل قال أبو زيد وغيره : قالوا : عرَّس القوم في المنزل تعريساً ؛ إذا نزلوا أيَّ
وقتٍ كان من ليلٍ أو نهارٍ ، هكذا حكاه عنه بلفظ: (( قالوا)» . انتهى كلام المناوي
على (( الشَّمائل)).
( وَ) أَخرج أبو داود ، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح ؛ عن عائشة رَضِيَ
اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ؛ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ ) ؛
أي : غسل أعضاءه الأربعة بالنِّية، ولمَّا كان الوضوء لُغويّاً وشرْعِيّاً ؛ دَفَع توهُّم
إرادة اللُّغوي الَّذي هو مطلق النَّظافة بقوله: ( وُضُوْءَهُ لِلصَّلاَةِ ) ؛ احترازاً عن
الوضوء اللُّغوي ، فيسنُّ وضوء الجنب للنَّوم ، ويكره تركه .
٢٩٨

وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ وَهُوُ جُنُبٌ .. فَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ
وَيَشْرَبُ .
وحكمةُ الوضوءِ : تخفيفُ الحدثِ ، لا سيَّما إذا قلنا بجواز تفريق الغسل ؛
فينويه ، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاءِ .
ويؤَيِّدِهُ ما رواه ابن أبي شيبة بسند قال فيه ابن حجر : رجاله ثقات ؛ عن شدَّاد
رفعه: ((إِذَا أَجْنَبَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ؛ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ؛ فَإِنَّهُ نِصْفُ غُسْلٍ
الجَنَابَةِ » .
وقيل : حكمته أنَّه أحد الطَّهارتين . وعليه ؛ فيقوم التَّيمم مقامه !! وقد روى
البيهقي - بإسناد قال ابن حجر : هو حسن - عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا :
كان إذا أَجْنَبَ فَأَراد أنْ ينامَ تَوَضَّأَ أو تيمَّم . أي : عند فقد الماء .
وقيل : حكمته أن يَنْشَط إلى العود أو الغسل .
ونقل ابن دقيق العيد عن نَصِّ الشَّافعي أنَّه مثلُ الجنب : الحائضُ بعد الانقطاع ،
ومثلها النُّفساء ؛ وفيه ندب التَّنظيف عند النَّوم . قال ابن الجوزي :
وحكمته أنَّ الملائِكَةَ تبعد عن الوسخ والرِّيح الكريهِ ؛ بخلاف الشَّياطين ! .
( وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ ؛ وَهُوَ جُنُبٌ ؛ غَسَلَ يَدَيْهِ ) ؛ أي : الأَقَلُّ ذلك،
والأكمل أنْ يتوضَّأ؛ كما صرَّح به الفُقَهاء، وغَسْلُ اليدينِ مطلوبٌ عِنْدَ الأكلِ ؛ وإنْ
لم یکن جنباً .
وإنما قُيُدَ بالجُنُبِ! لتأكُّدِ ذلك فيه أكثرَ من غيره. وقد ورد أَنَّه ◌ِِّ كان يتوضَّأُ
أيضاً عند إرادةِ الأَكْلِ إِذا كان جُنُباً ، وقِيسَ بالأَكلِ الشُّربُ .
وكالجُنُبِ في ذلك الحائِضُ والنُّفساء إِذا انقطعَ دمُهما ؛ قاله العزيزي
والحفني .
( ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ) ؛ لأَنَّ أَكْلَ الجُنُبِ بدون ذلك يورثُ الفقر ؛ كما جاء في
٢٩٩

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَمَ وَهُوَ جُنُبٌ .. غَسَلَ
فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ .
خبر الديلمي ؛ عن شدَّاد بن أَوس يرفعُهُ: ((ثَلاَثٌ تُورِثُ الفَقْرَ: أَكْلُ الرَّجُلِ وَهُوَ
جُنُبٌ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ، وَقِيَامُهُ عُرياً بِلاَ مِثْزَرٍ وَسُتْرةٍ ، وَالمَرْأَةُ تَشْتُمُ زَوْجَها فِي
وَجْهِهِ )) .
( وَ) أخرج الشَّيخان، وأَبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه؛ عن عائشةَ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت: ( كَانَ) رسولُ اللهِ (َِّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ ؛
غَسَلَ فَرْجَهُ)، أي: ذَكَرَهُ (وَتَوَضَّأَ) - تمامُهُ - للصَّلاةِ. أي: وضوءَه للصَّلاة؛
أَي: توضَّأ كما يتوضَّأ الصَّلاة، وليس معناه أنَّه توضَّأ لأَداءِ الصَّلاة! وإِنَّما المرادُ أَنَّهُ
توضَّأَ وضوءاً شَرْعِيّاً؛ لا لُغَوياً. انتهى ((مناوي)).
( وَ) أخرج الحاكم في (( التفسير)) - قال العزيزي: وهو حديث صحيح - ؛
عن أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال :
( كَانَ) رسولُ اللهِ (بِّهِ تَنَامُ عَيْنَاهُ) بالتَّثنية ، وبالإفراد ، على أَنَّه مفردٌ مضاف
يَعُمُّ ، روايتان في البخاري .
( وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ) ليعيَ الوحي الذي يأتيه ، بل هو دائم اليقظة، لا يعتريه غَفْلَةٌ ؛
ولا يتطرّقُ إِليه شائبة نومٍ ؛ لمنعهِ من إِشراق الأنوار الإِلْهِيَّةِ الموجبةِ لفيضِ المَطَالِبِ
السَّنِيَّةِ، ولذا كانت رؤياه وَحْياً ، ولا تنتقض طهارتُهُ بالنَّوم ، وكذا الأنبياء ؛
لقوله وَهُ: ((إنَّا مَعْشَرَ الأنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنا؛ وَلاَ تَنَمُ قُلُوبُنَا)) . رواه ابن سعد ؛ عن
عطاء مرسلاً ،
ورواه البخاري وغيره بمعناه ؛ من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ،
ولفظها :
ما كان رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ يزِيدُ في رمضانَ ، ولا في غيرِهِ على إحدى عشرة ركعة ؛
يصلي أربعاً فلا تَسأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطولِهِنَّ ، ثمَّ يصلي أربعاً ؛ فلا تسأل عن حسنهن
٣٠٠