النص المفهرس
صفحات 261-280
وَأَسْتَنْشَقَ ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ، ثُمَّ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا وغسلُ اليدين ومسحُ الوجه والذِّراعين والرَّأس ، وكذا مسح الرِّجلين - كما وقع في رواية - من كفِّ واحدةٍ . قال : ولا صارف عنه . وتُعُقِّبَ ؛ بِأَنَّه لا صارف أَقْوَى من استبعاد ذلك من كفِّ واحدٍ من طريق النَّقْل الشَّرعي والفِعل العُرفي ، إذ مِلْءُ الكَفِّ لا يحصل منه ما ذكر ؛ خصوصاً مع قوله ((فغسل يديه ))! لأَنَّه إذا غسلهما بما في كفِّه لم يبقَ شيء يتمضمض به ، ويفعل منه ما ذكر بعد المضمضة، فالصَّواب أنَّه عطف على (( أخذ )). وكذا قوله ( وَأَسْتَنَّشَقَ؛ وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ) : يحتمل أنَّ المراد بالمسح حقيقته ، وهو : إمرار الماء من غير سيلان له على العضو ، وعليه فالمراد بالوضوء : الوضوء اللُّغوي ، وهو مطلقُ التَّنظيف . ويؤيِّدُهُ عدم ذكر الرِّجلين في هذه الرِّواية . ويحتمل أنَّ المراد به : الغسل الخفيف ، وعليه ، فالمراد بالوضوء : الوضوء الشَّرعي . ويؤيِّده ما في بعض الرِّوايات الصَّحيحة أنَّه غسل الوجه والذّراعين مع ذكر الرِّجلين . ويمكن الجمع بين الرِّوايات على الاحتمال الأوَّل بأنَّ الواقعة تعدَّدت منه رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . (وَرَأْسَهُ) أي: مسح رأسه كلَّه؛ أو بعضه ، وفي رواية: ورجليه ، أي : ومسح رجليه . على الاحتمالين السّابقين - أعني : احتمال إرادة حقيقة المسح وإرادة الغسل الخفيف - وفي رواية : وغسل رجليه . ( ثُمَّ شَرِبَ ) أي : منه ، أي : من فضل ماء وضوئه . وتعبيره بـ (( ثم)) !! لإفادة التَّراخي الرُّتْبِي؛ لأنَّ ما سبق وضوءٌ ، وهذا شُربُ ماءٍ لدفع عطشٍ . ( وَهُوَ قَائِمٌ) حال. (ثُمَّ قَالَ: هَذَا) - أي: ما ذُكر ، والإشارة لما عدا ٢٦١ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ، هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ . وَعَنْ كَبْشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةِ الشُّرب ـ ( وُضُوْءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ ) . أي: بل أراد التَّنْظيفَ على احتمالِ إرادَةِ حقيقةِ المَسْحِ ، أو التَّجديدِ على احتمال إرادة الغسل ، وأما وضوء المحدثِ ! فمعلومٌ بِشرائط معلومةٍ . ( هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّلَهِ فَعَلَ)، أي: رأيت رَسُوْلَ اللهِ وَله فعل مثل هذا، ومن بعض المُشَارِ إليه الشُّرب قائماً، وهذا هو السّبب في إيراد الحديث في هذا الباب. ويؤخذ من الحديث أنَّ الشُّرب من فضلٍ وضوئه مستحبٌّ؛ أخذاً من فعله لَ ◌ّهِ ، كما يدلُّ له فعل عليٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وإنْ كان الشُّرب قائماً لبيان الجواز ؛ فليسَ سنَّة ، بل تركه أَفضلُ ، خلافاً لمن زعم أنَّه سنة . ( وَ) أخرج التِّرمذيُّ في ((الجامع)) و((الشَّمائل)) - وقال : حديث حسن غريب صحيح - وابن ماجه، واللفظ لـ((الشَّمائل)) ( عَنْ كَبْشَةَ) - بفتح الكاف وسكون الموحدة فشين معجمة - بنتِ ثابت بن المنذر بن حرام ، أخت حسَّان لأبيه ، من بني مالك بن النجار ، لها صُحبةٌ وحديثٌ ، ويقال فيها : كُبَيْشَةُ - بالتصغير - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ) - بتشديد الياء - أي: في بيتي ( الشَِّيُّ ◌َّهُ، فَشَرِبَ مِنْ فِي ) ، أي : من فم ( قِرْبَةٍ ) - بكسر القاف - معروفةٌ . ولا ينافي ذلك ١ - ما ورد من نهيه وَ ل﴿ عن الشُّرب من فم السِّقاء - على ما رواه البخاري وغيره ؛ عن أنس - و ٢ - ما ورد من نهيه عن اختناث الأَسْقِيةِ - على ما رواه الشيخان وغيرهما ؛ عن أبي سعيد - وهو أَن يَقْلِبَ رأسَهَا ثمَّ يشرب منه؛ لأنَّ فعله ◌َّهِ للشُّرب من فم القِربةِ لبيان الجواز أو للضَّرورة ، ونهيَه عنه لبيانِ الأَفْضلِ ٢٦٢ مُعَلَّقَةٍ قَائِماً، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ - أَي: قَطَعَتْ فَمَ اَلْقِرْبَةِ لِلَّبَرُّكِ وَالاسْتِشْفَاءِ . وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا . والأكمل ، فهو للتَّنزيه ( مُعَلَّقَةٍ قَائِماً ) ، لبيان الجواز ، أو لعدم إمكان الشُّرب منها قاعداً . ( فَقُمْتُ ) قاصدة ( إِلَى فِيْهَا) أي: إلى فمها، ( فَقَطَعْتُهُ) . قال المصنف : ( أَي : قَطَعَتْ فَمَ القِرْبَةِ لِلْتَبَُّكِ وَالاسْتِشْفَاءِ ) ، أو لعدم الابتذال ، ولا مانع من الجمع . قال النَّووي في (( شرح مسلم)) في تفسير هذا الحديث ؛ ناقلاً عن التِّرمذي : وَقَطْعُهَا فَم القِرْبَةِ لوجهين ، أحدهما : أن تصون موضعاً أصابهُ فمُ رَسُولِ اللهِ وَّ عن أن يبتذل ، ويمسَّه كلُّ أحد . والثاني : أن تحفظه للتَّبرك به والاستشفاء . وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ الَّهي ليس للتَّحريم . انتهى . ( وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ ) القطع للتبرُّك والاستشفاء ( لأُمَّ سُلَيْم) سَهْلة ، وقيل : رَمْلَةِ، وقيلَ : مُلَيْكَة، وقيل: أُنيسَة ، وقيل : رميثة ، وقيل : الرُّمَيْصَاء بنت مِلحان - بكسر الميم - ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصاريَّة ؛ أم أنس بن مالك ، ((خادم رَسُولِ اللهِ وَ لِيرٍ))؛ وكانت أم سُلَيم هذه هي وأختها خالتين لرَسُولِ اللهِ يَّر من جهة الرضاع . وكانت من فاضلات الصَّحابيَّات ، وكانت تحت أبي طلحة . روت عن النَّبِيِ وَّرَ عدَّة أحاديث ، روى عنها : ابْنُها أنس ، وابن عبّاس ، وزيد بن ثابت ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وآخرون . ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا)، وذلك فيما أخرجه التِّرمذي في ((الشَّمائل)) ، وأبو الشَّيخ في ((الأخلاق)) واللفظ له ؛ عن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْه ، قال : ٢٦٣ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنْفُخُ فِي طَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ ، وَلاَ يَتَنَّفَّسُ فِي الإِنَاءِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ .. تَنَفَّسَ ثَلاَثاً، وَيَقُولُ : (( هُوَ أَهْتَأُ ، دخل النَّبِيُّ نَّهِ على أُمَّ سُلَيم؛ فرأى قِرِبة معلَّقة فيها ماء، فَشَرِبَ منها - ولفظ ((الشَّمائل)): فشرب من فم القِربة - وهو قائمٌ، فقامت أُمُ سُلَيمٍ إِلَيها - ولفظ ((الشَّمائل)) إلى رأس القربة - فقطعتها بعد شرب رَسُولِ اللهِ وَ لّ منها، وقالت: لا يشرب منها أحد بعد شُرب رَسُولِ اللهِ مِله . ( وَ) أخرج ابن ماجَهْ والطَّبراني بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَ لاَ يَنْفُحُ فِي طَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ ) . بل إذا كان الطَّعام حاراً صَبَرَ حتَّى يَبْرُدَ ، وإذا كان فيه نَحْوُ ذُبَابَةٍ أخرجها بِنَحوِ أُصبعِهِ أَو عود، ولا ينفخ في الطَّعام لإخراجها أو لتبريده ؛ لأنَّ ذلك مما تعافه الأَنفس، ولَرُبَّما خَرجَ من ريقهِ شيءٌ في الطعام . وذلك تعليمٌ للأمّة ، وإلاَّ! فَنَفَسُهُ الشَّريف وريقُهُ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهِ . ( وَ) كان ( لاَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ)، أي: لا يتنفَّسُ في جوف الإِنَاء؛ لأَنَّه يغير المَاءَ : إمَّا لتغيّر الفَم بالمأْكولِ، وإمَّا لتركِ السِّواك، وإمَّا لأَنَّ النَّفَسَ يصعد ببخار المعدة . ( وَ) أخرج الشيخان والأربعة ، وأحمد ، بألفاظ مختلفة بالزيادة والنَّقَّص ، وهذا لفظ أبي داودَ عن أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، قال : ( كَانَ ) رسولُ اللهِ (ِّوَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ) خارج الإناء ( ثَلاَئاً ) من المرَّات ، كان يسمِّي الله في أَوَّل كلِّ مرَّة ويحمده في آخرها ؛ كما جاء مصرَّحاً به في رواية . ( وَيَقُوْلُ: ((هُوَ) - أي: الشُّرب بثلاث دفعات - (أَهْتَأُ) - بالهمز ؛ من الهناء - وهو: خلوص الشَّيء عن النَّصب والنكد ، وفي رواية بدله : أروى من الرِّي ٢٦٤ وَأَمْرَأُ ، وَأَبْرَأُ )). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ .. تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ، وَرُبَّمَا كَانَ يَشْرَبُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَفْرُغَ . - بكسر الرَّاء - ؛ أي: أكثر رِيّاً . (وَأَمْرَأُ) - بالهمز -: أقمعُ للظَّمأ، وأَقوى على الهضم، ( وَأَبْرَأْ))) - بالهمز - من البراءة، أو البراء، أي: أكثر صحّة للبدن. ( وَ) أخرج التِّرمذي؛ عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، قال : ( كَانَ) رسولُ اللهِ (وَّهَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ ) . وإسناده ضعيفٌ - كما في ((الفتح)) - لكنْ له شواهدُ، وفعله في بعض الأحيان! لجواز النَّقص عن ثلاث. وللتِّر مذيّ بسندٍ ضعيفٍ أيضاً - كما قال الحافظ - عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما : لا تشربوا واحدةً كَشُربِ البَعير ، ولكن اشربوا مثنى وثلاثَ ، وسَمُّوا إذا أنتم شربتم ، واحمدوا إذا أنتم رفعتم . قال التِّرمذي : فيه أنَّه لا بأسَ بالشُّرب في نَفَسَيْنِ ؛ وإنْ كان الأَوْلَى كونه ثلاثاً . وقال العراقيُّ: فيه الاقتصار على مرَّتين إذَا حصلَ الاكتفاءُ بِهِمَا ، لكن ينبغي أن يزيد ثالثة ؛ وإن اكتفى بمرَّتين . وأجاب الحافظ ابن حجر عن الحديثين بأنَّهما ليسا نصّاً في الاقتصار على مرّتين ، بل يحتمل أنَّه أراد مرَّتي التَّنَفُّس الواقعتينِ أثْنَاءَ الشُّربِ، وأسْقَطَ الثَّالثةَ! لأَنَّها بعد الشُّرب ، فهي من ضرورة الواقع . ( وَ) في ((الإحياء)): ( رُبَّمَا كَانَ يَشْرَبُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَفْرُغَ ) . رواه أبو الشَّيخ بسندٍ ضعيف؛ عن زيد بن أرقم أنَّه وَ سَّ كان شربه بنفس واحدٍ . وللحاكم، وصحَّحه؛ عن أبي قتادة مرفوعاً: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَشْرَبْ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ )) . لكنْ قال الزَّين العِراقي: هذَانِ الحديثانِ محمولانٍ على تركِ الَّنَفُسِ في الإناء . ٢٦٥ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ فِي ثَلاَثَةٍ أَنْفَاسٍ ، وَإِذَا أَدْنَى الإِنَاءَ إِلَى فِيهِ .. سَمَّى اللّهَ تَعَالَى، وَإِذَا أَخَّرَهُ .. حَمِدَ اللهَ تَعَالَى. ( يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثًاً ) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ، بَلْ يَنْحَرِفُ عَنْهُ . ( وَ) أخرج الطَّراني في ((الكبير)) و((الأوسط))؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال: ( كَانَ) رسولُ اللهِ (بَّهُ يَشْرَبُ فِي ثَلاَثَةِ أَنْفَاسٍ ، وَإِذَا أَدْنَى ) ؛ أي قَرَّب ( الإِناءَ إِلَىْ فِيْهِ سَمَّى اللّهَ تَعَالَىْ، وَإِذَا أَخَّرَهُ) عن فيه ( حَمِدَ اللهَ تَعَالَىْ. يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثاً ) . أي : ثلاث مرَّات . وروى عبد بن حميد ؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما ؛ قال : رأيت رَسُوْلَ اللهِ وَله يشربُ في ثلاثة أَنفاسِ ، فقلتُ : تشرب الماء في ثلاثةِ أنفاسٍ ؟! فقال: ((هُوَ الشِّفَاءُ، وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ ». وروى البزَّار والطَّبراني؛ عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال : كان رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ إِذا شَرِبَ تنفَّس في الإِناء ثلاثاً؛ يحمد الله على كلِّ نَفَس، ویشکره عند آخرهنَّ . قوله: ((تَنَفَّسَ في الإناء ثلاثاً))؛ معناه: أنَّه يَشْرب ثمَّ يزيله عن فمهِ ويتنفَّس ، ثُمَّ يشرب ؛ ثمَّ يفعل كذلك ، ثمَّ يشربُ ، ثمَّ يفعل كذلك . وروى الطَّراني، وابن السّنِّي؛ عن نوفل بن معاوية أنَّه وَّ كان يَشْرَبُ في ثلاثةِ أَنفاسِ ؛ يُسَمِّي الله في أوَّله ، ويحمد الله في آخره . قال الإمام ابن القيِّم : للتَّسميةِ في الأوَّل والحمدِ في الآخر تأثيرٌ عجيب في نفع الطَّعام والشَّراب ، ودفع مضرَّته . قال الإمام أحمد : إذا جمع الطَّعام أربعاً فقد كمل : ١ - إذا ذُكِرِ الله في أوَّله ، و ٢ - حُمِد في آخره، و ٣ - كثرت عليه الأيدي، و ٤ - كان من حِلٍ . ( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغمة)): (كَانَ) رسولُ اللهِ (ِِّ لاَ يَتْنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ) أي: في جوفه، ( بَلْ يَنْحَرِفُ عَنْهُ) ؛ لأَنَّ يغيِّرِ الماء ، إمَّا لتغيُّر الفم ٢٦٦ وَأَتَوْهُ مَرَّةً بِإِنَاءٍ فِيهِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ ، فَأَبَىْ أَنْ يَشْرَبَهُ ، وَقَالَ : (( شُرْبَتَانِ فِي شُرْبَةٍ، وَإِدَامَانِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ ؟!))، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ أُحَرِّمُهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْفَخْرَ وَأَلْحِسَابَ بِفُضُولِ الدُّنْيَا [غَداً]، وأُحِبُّ التَّوَاضُعَ [لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ]؛ فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ للهِ .. رَفَعَهُ [آللهُ])). بالمَأْكُولِ، وإمَّا لتركِ السِّواكِ، وإمَّ لأَنَّ النَّفَس يصعد بِبُخَارِ المعدة . قال العراقي : روى الحاكم من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : لا يتنفَّسْ أحدكم في الإناء إذا شَرِبَ منه، ولكن إذا أَرادَ أَنْ يتنفّس فَلْيُؤَخِّرَهُ عنه ، ثم يتنفّس . قال : حديث صحيح الإسناد . ( وَأَتَوهُ مَرَّةً بِإِنَاءٍ فِيْهِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ ، فَأَبَىْ أَنْ يَشْرَبَهُ ، وَقَالَ : شُرْبَتَانِ فِي شُرْبَةٍ ، وَإِدَامَانِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ رَِّ: ((لاَ أُحَرِّمُهُ، وَلَكِنِّيْ أَكْرَهُ الفَخْرَ وَالحِسَابَ بِفُضُوْلِ الدُّنْيَا [غَداً]، وأُحِبُّ التَّوَاضُعَ [لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ]؛ فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ اللهِ رَفَعَهُ [اللهم](١))).) قال العراقي: رواه البزَّار من حديث طلحة بن عبيد الله، دون قوله: (( شُرْبَتَانِ فِي شَرْبَةٍ)) ... إلى آخره، وسنده ضعيف. ورواه الطَّبراني في ((الأوسط))، والحاكم في ((المستدرك)) في (( الأطعمة)) من حديث أنس ؛ قال : ◌ُتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِقَعبٍ فِيه ◌َبَنٌ وعسلٌ؛ فَأَبِى أنْ يشربه ، وقال: ((إِدَامَانٍ في إِنَاءٍ !! لاَ آَكُلُهُ وَلاَ أُحَرِّمُهُ)). وقال الحاكم: صحيح. وردَّه الذَّهبيُّ في ((التَّلخيص )» ، وقال : بل منكر واه . وقال الهيثميُّ عقب عزوه للحاكم : فيه عبد الكبير بن شعيب! لم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقاتٌ . وقال الحافظ ابن حجر : في طريق الطَّبراني راوٍ مجهولٌ . ٢٦٧ وَكَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا . وأمَّا قولُهُ: ((مَنْ تَوَاضَعَ لله رَفَعَهُ)) !! فرواه أبو نُعيم في (( الحلية)) من حديث أبي هريرة. ورواه ابن النجَّار بزيادة: (( وَمَنِ اقْتَصَدَ أَغْنَهُ اللهُ)). وروى ابن منده وأبو عبيد من حديث أَوس بن خولي بزيادة : (( وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللهُ)) . وروى أبو الشَّيخ من حديث معاذٍ بلفظ: (( مَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعاً للهِ رَفَعَهُ اللهُ)) . وروى تمَّام ، وابن عساكر : من حديث ابن عمر في أثناء حديث: (( إنِّي قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا، وَلاَ يَبْغِي أَحدٌ عَلى أَحَدٍ ، فَمِن رَفَعَ نَفْسَهُ وَضَعَهُ اللهُ، وَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ رَفَعَهُ اللهُ)) الحديث. انتهى من شرح ((الإحياء)). ( وَ) أخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، والحاكم - وقال: على شرط مسلم ؛ وأقرَّه الذَّهبي - وبه ختم أبو داود (( كتاب الأشربة )) ساكتاً عليه ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت : ( كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ المَاءُ ) ؛ أي : يُطلب له الماء العذب ويُحضر إليه لكون أكثر مياهِ المدينةِ مالحاً ، وهو كان يحبُّ الماء الحلْوَ البارد ( مِنْ بُيُوْتِ السُّقْيَا) - بضمِّ السِّينِ المهملةِ وسكونِ القافِ وتحتيّةٍ ؛ مقصورة - : عين بينها وبين المدينةِ يومانِ ؛ كذا قاله المناوي كصاحب (( المواهب))؛ تبعاً لما نقله أبو داود في (( سننه )) عقب روايته الحديث المذكور ؛ عن شيخه : فيه قُتَّيْبَة بن سعيد . قال السَّمهودي : وهو صحيح لكنَّها ليست المراد هنا ، وكأَنَّه لم يطَّلع على أنَّ بالمدينة بثْراً تسمَّى بذلك !! وقد اغترَّ به المجد (١) ؛ فقال : السُّقيا : قرية جامعة من عمل الفُزع . ثم أورد حديث أبي داود . وأورد قول (( النّهاية )): السُّقيا مَنْزِلٌ بين مكَّة والمدينة ، قيل : على يومين منها ، ومنه حديث : كان يُسْتعذب له الماء من بيوت السُّقيا . (١) الفيروزآبادي. ٢٦٨ وَفِي لَفْظِ : يُسْتَسْقَى لَهُ أَلْمَاءُ أَلْعَذْبُ مِنْ بِثْرِ السُّقْيَا . وقولُ أبي بكر بن موسى: (( الشُّقيا : بئر بالمدينة ، أي : على بابها ، وكان يستسقىُ لرَسُولِ اللهِ ﴿ منها)) !! محمولٌ على هذا. ثم لو سُلِّم أنَّ المراد الاستعذاب من العين التي ذكرها قتيبة ! فمحمول على أنَّه كان يستعذب له منها إذا نزل قُربها في سفر حجٍّ أو غزوٍ ، وأمَّا استعذابه منها إلى المدينة ! فلا أراه وقع أصلاً . انتهى . ويؤيِّده زيادة ابنِ حبَّان، وأبي الشَّيخ : من بيوت الشُّقيا من أطراف الحرّة عند أرض بني فلان ، فإنَّ الحرة بظاهرِ المدينةِ ؛ وليس بينهما يومان !. وروى أيضاً أنَّه كان يُستعذب له الماء من بئر غَرْس، ومنها غُسِّل ، ولمَّا نزل عند أبي أيوب؛ كان يستعذب له من بئر مالك ((والد أَنْس )) ، ثمَّ كان أنس وهنْد وجارية (( أبناء أسماء))، يحملون الماء إلى بيوت نسائِهِ من السُّقيا، وكان رباح الأسود يستقي له من بئر غَرْس مرَّة ؛ ومن بيوت السُّقيا مرَّة . رواه ابن سعد ، والواقديّ ، عن سلمى أمِّ رافع . وغَرْس - بفتح الغين المعجمة وإسكان الرَّاء - كَما قيَّده أبو عبيد وياقوت وغيرهما . وبه تعقَّب الحافظ ضبطَ الذَّهبي للغين بالضمِّ قائلاً : ذكره لي المطرِّزي ؛ وقد قال المجد : الصَّواب الَّذي لا محيدَ عنه الفتحُ ثمَّ السُّكون . وقطع به ابن الأثير ، انتهى (( زرقاني)). ( وَفِي لَفْظٍ ) للحاكم وغيره: كان ( يُسْتَسْقَى لَهُ المَاءُ العَذْبُ مِنْ بِشْرِ السُّقْيَا ) ؛ لأنَّ الشَّراب كلَّما كان أحلى وأبرد ؛ كان أَنفع للبدنِ وينعش الزُّوح والقوى والكبد ، وينفذ الطَّعام إلى الأعضاء أتمَّ تنفيذ، لا سيَّما إذَا كان بائتاً ، فإنَّ الماءَ البائتَ بمنزلةٍ العجينِ الخمير ، والَّذِي يُشْرب لوقتِهِ كالفطير . وسمِّيت سُقيا !! لأَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ استنبطها، وقال: ((هَذِهِ سُفْيَا)). ٢٦٩ قَالَ أَبْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ عَلَى طَعَامِهِ ؛ لِئَلَأَ يُفْسِدَهُ، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ أَلْمَاءُ حَارّاً ، أَوْ بَارِداً ، فَإِنَّهُ رَدِيءٌ جِدّاً . وَكَانَ رَسُولُ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ .. قَالَ: ((اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْباً أخرج الطَّراني ، وابن شاهين ؛ عن بريح بن سدرة بن علي السُّلمي ، عن أبيه ، عن جدِّه قال: خرجنا مع رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَتَّى نزلنا القاح، فنزل بِصَدْرِ الوادي ، فبحث بيده في البَطْحاء ؛ فَنَدِيَتْ ، فانبعث الماء ، فسقى وأسقى كلّ مَن كان معه؛ وقال: ((هَذِهِ سُقْيَا سَقَاكُمُ اللهُ))؛ فَسُمِّيتِ ((السُّقياء)). قال ابن عبد البر : علي السُّلمي صحابيٌّ من أهل قباء . قال ابن بطَّال : واستعذاب الماء لا ينافي الزُّهد ، ولا يدخل في الترفه المذموم ، بخلاف تطييب الماء بِالمِسْكِ ونحوه ، فقد كرهه مالك لما فيه من الشَّرف ، وأما شُرب الماء الحلو وطلبه ! فمباح كلٌّ منهما . وقد فعله الصَّالحون، وسيِّدهم ◌ََّ، وليس في شُرب الماءِ المالحِ فضيلةٌ حتَّى يكون اختيارُهُ والإعراض عن العذب مطلوباً ؛ بل قد يترتب على استعماله ضرر ؛ فيكره ، أو يحرم . ( قَالَ ) العلامة : محمد بن أبي بكر ( أَبْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَلَمْ يَكُنْ رَسُوْلُ اللهِوَّهِ يَشْرَبُ عَلَى طَعَامِهِ لِئَلَّ يُفْسِدَهُ، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ المَاءُ حَارّاً أَوْ بَارِداً ، فَإِنَّهُ رَدِيْءٌ جِدّاً) ، وهو حسن إنْ صحَّ . ( وَ) أخرج أبو نعيم في (( الحلية)) من حديث الفَضْلِ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرسلاً . ورواه أيضاً كذلك الطَّبراني في ((الدعاء)) !! قال ابن حجر : وهذا الحديث - مع إرساله - ضعيفٌ . من أجل جابر الجعفي . ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا شَرِبَ المَاءَ؛ قَالَ: ((الحَمْدُ للهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْباً ٢٧٠ فُرَاتاً بِرَحْمَتِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحاً أُجَاجً بِذُنُوِنَ)) . وَأَمَّا قَدَحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ثَابِتٍ فرَاتاً ) ، قال المناوي : الفرات : العذب ، فالجمع بينهما للإطناب ، وهو لائِقٍ في مقام السُّؤال والابتهال . وقال المحلي ؛ في تفسير قوله تعالى ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [٥٣/ الفرقان]: شديد العذوبة . وقال البيضاوي : قامع للعطش ؛ من فرط عذوبته . وقال البغوي : الفرات: عذبُ المياه. انتهى ((نقله العزيزي)). ( بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحاً أُجَاجاً) - بضمِّ الهمزة -: مرّاً شديد الملوحة ( بِذُنُوْبِنَا)) ) ، أي : بسبب ما ارتكبناه من الذُّنوب . (وَأَمَّا قَدَحُ رَسُوْلِ اللهَِ ) ... - القدح؛ بفتحتين - : ما يشربُ فيه؛ كما في (( المغرب )) وغيره . وقال ابن الأثير : هو إناء بين إناءَيْنِ ؛ لا صغير ولا كبير ، وربَّما وصف بأحدهما . وقال المجد : آنِيَة تروي الرَّجلين ، أو اسم يجمع الكِبار والصِّغار ؛ جمعه : أقداح. قال في ((المصباح )): كَسَبَبٍ وَأَسْبَابٍ . ( فَقَدْ ) جاء فيه ما ذكره بقوله : ( رُوِيَ) ، أي : روى التِّرمذي بسنده في ((الشَّمائل)) (عَنْ ثَابِتٍ ) البناني بن أسلم أبو محمَّد البصري ؛ الإمام الحُجَّة القُدوة ، كان محدثاً من الثّقات المأمونين ، صحيح الحديث . قال أبو حاتم : أتيت أصحاب أنس بن مالك : الزُّهريَّ ، ثم ثابت البناني ، ثمَّ قتادة . روى عن أنس ، وعبد الله بن الزبير ، وابن عمر ، وعبد الله بن مغفَّل المُزَني ، وأبي برزة الأسلمي ، وعمر بن أبي سلمة ، وجماعة . وروى عنه حمَّاد بن زيد، وحماد بن سلمة ، وحميد الطّويل ، وشُعبة بن ٢٧١ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَدَحَ خَشَبٍ غَلِيظاً مُضَبَّباً بسطام ، وهمام بن يحيى ، وجعفر بن سليمان ، وخلق . مات سنة : - ١٢٧ - سبع وعشرين ومائة من الهجرة ، وعمره : ست وثمانون سنة - ٨٦ - . قال بكر بن عبد الله : من أراد أن ينظر إلى أعْبَدِ أهْلِ زمانه ؛ فَلْيَنْظُر إلى ثابت البناني . فما أدركنا الَّذي هُوَ أعبد منْهُ . وكان يَقْرأُ القُرْآنَ في كلِّ يوم وليلة ، ويصوم الدَّهر ، وبكى حتى كادت عينه تذهبُ ، وكان يصلِّي كُلَّ ليلة ثلثمائة ركعة . كان يقول له أنس بن مالك: ما أشبه عينيك بعيني رَسُولِ اللهِ وَّرَ !! فما زال يبكي حتى عمشت عيناه ، وكان يَقُومُ اللَّيْلَ ويصومُ النَّار . وكان يقول : ما شيء أجده في قلبي ألذَّ عندي من قيام اللّيل ! وكان يقول : كابدت الصلاة عشرين سنة ، وتنعَّمتُ بها عشرين سنة . وكان يقوم الليل خمسين سنة فإِذا كان السَّحَر ؛ قال في دعائه ((اللَّهمَّ؛ إِنْ كُنْتَ أعْطيتَ أَحداً من خلقك الصَّلاة في قبره فأعطنيها » ، فلما مات وسوي عليه اللبن في قبره سقطت لبنةٌ ؛ فإذا به قائمٌ يصلِّي في قبره ، رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه . آمين . ( قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ)، خادم رَسُولِ اللهِ وَِّ ( قَدَحَ خَشَبٍ ) أي : قدحاً مِنْ خشبٍ، فالإضافَةُ بمعنى (( من )) ، وهو من جملةِ أقداحٍ خمسةٍ ذكرت في أوَّل الفَصْلِ الخَّامِسِ . واقتصر هناً على الخَشَبِ ! لأَنَّه الذي كان عند أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . (غَلِيْظاً مُضَبَّياً) - بالنَّصب ، على أنَّه صفة قدح - والضبّة: ما تشعَّب به الإناء، وجمعها ضَبَّات؛ كجَنَّةٍ وجَنَّات، وضبَّته - بالتَّشديد : جعلتُ له ضبَّة ، فمعنى مضيَّباً : مشعَّباً . ٢٧٢ بِحَدِيدٍ ، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ ؛ هَذَا قَدَحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْقَدَحِ الشَّرَابَ كُلَّهُ: الْمَاءَ وَالنَّبِيذَ ، وَأَلْعَسَلَ وَاَللَّبَنَ. ( بِحَدِيْدٍ ) كما في رواية التِّرمذي ؛ ورواية (( الصحيح)) : بفضة . وهي أصُ ، اللَّهِمَّ إلا أنْ يكون تجوَّز بضبَّة الحديد عن الحلقة الَّتي كانتْ فِيه ، ونَهى أبو طلحةً أَنَساً عن تَغْيِيرها ، أو كانت ضبَّة الحديد فيه أوَّلاً، ثمَّ لمَّا صدع سلسل بفضَّة ، فصار فيه الضبّتان ؛ قاله الزرقاني . ( فَقَالَ)، أي : أنس ( يَا ثَابِتُ، هَذَا قَدَحُ رَسُوْلِ اللهِ وَّر) المشار إليه هو القَدَحُ بحالته الَّتي هو عليها، فالمتبادر من ذلك أنَّ التَّضبيب كان في زمانه وَّر . وتجويز كون التَّضبيبِ من فِعل أنس حفظاً للقَدَحِ غيرُ مرضيٍّ ؛ قاله الباجوري . ويؤخذ من الحديث : أنَّ حفظ ما ينفع وإصلاحه مستحبٌّ وإضاعته مكروهة ؛ واشتُرِي هذا القدح من ميراث النضر بن أنسٍ بثمانمائة ألفِ درهمٍ . وعن البخاري أنَّه رآه بالبصرة، وشرب منه، هكذا في ((شرح المناوي)) . والذي في (( شرح القاري)» : أنَّ الذي اشتُرِي من ميراث النَّضر وشرب منه البخاريُّ كان مضيَّياً بفضَّة ، ويمكن الجمع بأنَّه كان مضيَّباً بكلٍّ من الفضَّة والحديد . انتهى باجوري على «الشَّمائل)». وأخرج مسلم والتّرمذي في ((الجامع)) و((الشمائل)) عن أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال: ( لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُوْلَ اللّهِنَّهِ بِهَذَا القَدَح ) المذكور ، أي : فيه ؛ وهو الخشب الغليظ المضبَّب بحديد، فالتَّضبيب من فعله وَّرَ، لِمَا تقرَّر أنَّ الإشارة ترجع للمذكور بجميع خصوصيَّاته . ( الشَّرَابَ) وهو: ما يُشْرَبُ من المائعات. (كُلَّهُ) أي : أنواعه كلّها : (المَاءَ وَالتَِّيْذَ): ماءٌ حلوٌ يُجْعلُ فيه تمرات ليحلوَ، (وَالعَسَلَ) النَّحل ، (وَاللَّبَنَ ) الحليب. والأربعة بدل مفصَّل من مجمل، أو بدل بعض من كلّ؛ ٢٧٣ قَالَ الْبَاجُورِيُّ: (قَوْلُهُ: ( النَّبِيذُ ) - أَيِ: الْمَنْبُوذُ فِيهِ - وَهُوَ : مَاءٌ حُلْوٌ يُجْعَلُ فِيهِ تَمَرَاتٌ لِيَحْلُوَ . وَكَانَ يُنْبَذُ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَيَشْرَبُ مِنْهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَيْلَتَّهُ الَّتِي يَجِيءُ ، وَأَلْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ .. سَقَاهُ الْخَادِمَ إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ إِسْكَاراً، وَإِلَّ .. أَمَرَ بِصَبِّهِ، وَهُوَ لَهُ نَفْعٌ عَظِيمٌ فِي زِيَادَةِ الْقُوَّةِ ) أَنْتُهَى . اهتماماً بها ؛ لكونها أفضل المشروبات ، أو لأَنَّه إنَّما سقاه الأربعة . وسمَّاها كلّ الشراب !! لأنَّها أشهر أنواعه ، أو لكثرة تناولها . ( قَالَ ) العلاَّمة شيخ الإسلام: إبراهيم ( البَاجُوْرِيُّ) في حاشية ((الشَّمائل)) كالمناوي ، والقَاري، و((المواهب)): (قَوْلُهُ: التَِّيْذُ، أَي : المَنْبُؤْذُ فِيْهِ . وَهُوَ ) : كلُّ ما ينبذ من غير العنب ؛ من تمر أو زبيب أو قمح ، والمراد هنا : ( مَاءٌ حُلْوٌ يُجْعَلُ ) أي : يُطْرَحُ ( فِيْهِ تَمَرَاتٌ لِيَحْلُوَ ) ، أي : لتزيد حلاوته . ( وَ) قد روى مسلم أنَّه ( كَانَ يُنْبَدُ لَهُ وَّهِ أَوَّلَ اللَّيْلِ ) التمر في الماء ، ( وَيَشْرَبُ مِنْهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَلَيْلَتَهُ الَّتِي يَجِيْءُ) بعد اليوم، ( وَالغَدَ إِلَى العَصْرِ . فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ سَقَاهُ الخَادِمَ) لاستغنائه عنه ، ورفقاً بالخادم على عادته وَّهِ؛ (إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ إِسْكَاراً) بأنْ كان لم يتغيّر ، (وَإِلاَ! أَمَرَ بِصَبِّهِ ) ، أي : إذَا ظهر له أنَّه وصل إلى حالة لا يُشْرب معها بعد ذلك الوقت ؛ خوفَ الإسكار أمر بصبِّه ، لأنَّه صار في حكم العدم، فلا يقال: (( صبُّه إضاعةُ مال))؛ وقد نهى عنه !! ولم يكن يَشربه و له بعد ثلاث خوفاً من تغيُّره إلى الإسكار . (وَهُوَ) أي: هذا النبيذ الَّذِي كان يشربُهُ وَِّ (لَهُ نَفْعٌ عَظِيْمٌ فِي زِيَادَةِ القُوَّةِ ) . الملاءمته للمزاج . ( أُنْتَهَى ) أي : كلام الباجوري رحمه الله تعالى . ٢٧٤ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدَيْثِ عَاصِمِ الأَحْوَلِ قَالَ: رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَدِ أَنْصَدَعَ - فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ ؛ ( وَعِنْدَ) الإمام الحافظ أبي عبد الله؛ محمد بن إسماعيل (البُخَارِيِّ) في ((صحيحه)) في ((كتاب الأشربة))، (مِنْ حَديْثِ عَاصِم) بن سليمان (الأَحْوَلِ ) أبي عبد الرحمن البصري ، الحافظ الثُّقة ، من رجال الجميع ، مات سنة : أربعين ومائة . ( قَالَ : رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّوَّهِ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَدِ أَنْصَدَعَ ) أي : انشق ( فَسَلْسَلَهُ) أي : وصل بعضه ببعض ( بِفِضَّةٍ )، وظاهره أنَّ الذي وصله أنس ، ويحتمل أنَّه النَِّيُّ ◌ََّ، وهو ظاهر رواية أبي حمزة عند البخاري في الخُمْس بلفظ : إِنَّ قدحَ النَّبِّ وَّهِ انْكَسَرَ فاتَّخَذَ مكان الشَّعب سلسلةً من فضَّة . لكن رواه البيهقي من هذا الوجه بلفظ : انْصَدَع فجعلت مكان الشعب سلسلةً من فضّة . قال - يعني أنساً - : هو الذي فعل ذلك . قال البيهقي : كذا في سياقِ الحديث فلا أدري مَن قاله مِن رواته ! هل هو موسی بن هارون ، أو غيره ؟ ! وتعقّبه الحافظ بأنَّه لم يتَعَيَّن من هذه الرِّواية ما قاله، وهو (( جعلتُ)) - بضمِّ الثَّاء ؛ على أنَّه ضمير القائل، وهو أنس - ، بل يجوز أن يكون (( جُعلتْ)) - بضمِ أوَّله ؛ على البناء للمجهول - فيساوي رواية ((الصَّحيح)). ووقع عند أحمد من رواية شريك ؛ عن عاصم: رأيت عند أنس قدح النَّبِيّ ◌َله فيه ضبّة من فضَّة ، وهذا يحتمل أيضاً . والشَّعْب - بفتح المعجمة وسكون العين - : هو الصدع ، وكأنَّه سدَّ الشُّقوق بخيوطٍ من فضَّة ، فصارت مثل السلسلة . انتهى . وحاصله تساوي احتمال أنَّ المضبِّب له السَّيِّ وَِّ، لأنَّه ظاهر رواية ((الصَّحيح )) في فرض الخمس، واحتمال أنَّه أَنس؛ لأنَّه ظاهر روايته في ((الأَشربة )). ٢٧٥ قَالَ : وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ . قَالَ أَنَسٌ : لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا اُلْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا . قَالَ: وَقَالَ أَبْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ خَلَّقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ ، فَأَرَادَ أَنَسٌّ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ . . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: ففيه رةٌّ على ترجيح ابنِ الصَّلاح أنَّه أنَس ، وقوله ما يوهمه بعضُ الرِّوايات أنَّه النَّبِيّ ◌َِّ ليس كذلك، وتبعه النَّووي، وقال : قد أشار إلَيهِ البيهقي وغيره . انتهى ((زرقاني)). ( قَالَ ) عاصم ؛ راويه ( : وَهُوَ قَدَحٌ جَبٌِّ عَرِيْضُ ) ، أي : ليس بمتطاول ؛ بل يكون طولُه أقصرَ من عمقه؛ كما في ((الفتح)) وغيره ( مِنْ نُضَارٍ ) ، سيأتي معناه أنَّه الخالص من العود . ( قَالَ أَنَسٌّ : لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ لَّهِ فِي هَذَا القَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا ). ولمسلم من طريق ثابت عن أنس: لقد سقيت رَسُوْلَ اللهِ وَّ بِقَدَحي هذا الشَّراب كلَّه : العسل والنَّبيذ والماء واللَّبن . ( قَالَ ) أي : عاصم (: وَقَالَ) محمد ( أَبْنُ سِيْرِيْنَ ) العالم ، العامل ، الزَّاهد ، العابد - تقدَّمت ترجمته - رحمه الله تعالى : ( إِنَّهُ كَانَ فِيْهِ حَلْقَةٌ ) - بسكون اللاَم ، والفتح لغةً فيه ؛ حكاها أبو عمرو - . ( مِنْ حَدِيْدٍ ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ) بالشكِّ من الرَّاوي ، أو هو تركُّدٌ من أنس عند إرادة ذلك ؛ قاله القسطلاني . ( فَقَالَ ) له ( أَبُو طَلْحَةَ) ؛ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَد بن حزام - بالزَّاي - ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجَّار ، الأنصاري ، المدني ؛ شَهِدَ العقبةَ وبدراً وأُحُداً والخندق، والمشاهد كلها مع رَسُولِ اللهِ مَِّ . ٢٧٦ لاَ تُغَيِّرَنَّ شَيْئاً صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَرَكَهُ . وهو أَحد النُّقُباء رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم . رُوِيَ له عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ اثْنَانِ وتسعونَ حديثاً ، اتَّفَقَ البُخَارِيُّ ومسلم منها على حديثين ، وانفرد البخاريُّ بحديث ، ومسلم بآخر . روى عنه جماعات من الصَّحابة ؛ منهم : ابن عباس ، وأنس وآخرون ، وجماعات من التَّابعين . توفِّي بالمدينة سنة : ثنتين وثلاثين . وقيل : أربع وثلاثين ، وهو ابن سبعين سنَةً، وصلَّى عليه عثمان بن عفان، وهو زوج أمّ سُلَيْم ((والدة أنس بن مالك)) ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أجمعين . (: لاَ تُغَيَِّنَّ) - بفتح الرَّاء ونون التأكيد الثَّيلة، وفي رواية : لا تغيِّرْ ؛ بالنَّهي بلا تأكيد - ( شَيْئاً صَنَعَهُ رَسُوْلُ اللهِ! فَتَرَكَهُ) بلا تغيير . وفي الحديث جوازُ اتّخاذ ضبّة الفضَّة والسلسلة والحلْقة !! واختلف فيه ! فمنع ذلك مطلقاً جمعٌ من الصَّحابة والتَّابعين ، وبه قال مالك واللَّيث . وعن مالك أيضاً : يجوز من الفضَّة إذا كانَ يَسيراً ، وكرَّهه الشَّافعي لئلاً يكون شارباً على فضَّة. وخَصَّ أحمد والحنفية الكراهة بما إذا كانَتْ الفضَّة موضع الشُّرب . والمقرَّر عند الشَّافعيّة تحريم ضبَّ الفضَّة؛ إذا كانت كبيرة للزينة ، وجوازها إذا صغرت لحاجة أو زينة ، أو كبيرة لحاجة ، وتحريم ضبَّةِ الذَّهب مطلقاً . والمراد بالحاجةِ غرضُ الإصلاح ؛ دون التَّزيين ، لا العجز عن غير الذَّهب والفضَّة ، إذ العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الَّذي كلُّه ذهب أو فضَّة ؛ فضلاً عن المضبَّب. قاله القُسْطُلاَنيّ في ((شرح البخاري)). ٢٧٧ وَمَعْنَى (النَُّارِ ) : الْخَالِصُ مِنَ الْعُودِ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَيُقَالُ : أَصْلُ ذَلِكَ أَلْقَدَحِ مِنْ شَجَرِ النَّعِ ، وَقِيلَ : مِنَ الأَثْلِ . وَلَوْنُهُ يَمِيلُ إِلَى الصُّفْرَةِ . وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحُ قَوَارِيرَ يَشْرَبُ فِيهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ ( وَمَعْنَى النُّضَارِ) - بضمِّ النُّون أشهَرُ من كسرها ، وبالضَّاد المعجمة - (: الخَالِصُ مِنَ العُوْدِ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) ؛ تبر أو خشب أو أَثْل أو غيرهما . (وَيُقَالُ: أَصْلُ ذَلِكَ القَلَحِ مِنْ شَجَرِ التَّبْعِ)، - بنون فمهملة - : الشَّجر للقِسِيِّ وللِسِّهامٍ ؛ ينبت في الجبال، كما في ((القاموس)). وفي ((النهاية)): قيل: إنَّه شجرٌ كان يطول ويدلو، فَدَعَا عليه النَِّيّ ◌َُّ فقال: ((لاَ أَطَالَكَ اللهُ مِنْ عُوْدٍ )) فلم يطل بعد . (وَقِيْلَ: مِنَ الأَثّلِ) - بِمُثَلَّئة - ( وَلَوْتُهُ يَمِيْلُ إِلَى الصُّفْرَةِ ) . وفي (( شرح البخاري)) للعلأَّمة القُسْطُلَّنيّ: قيل: إنَّه عودٌ أَصْفَر يُشْبِهُ لون الذَّهب. وفي ((القاموس)): النُّضار - بالضمِّ -: الجوهر الخالص من التُّبر وَالخَشَبِ والأَثل ، أو : ما كانَ عذيا ، أي : شجراً على غير ماء أو : الطَّيل منه المستقيم الغصون ، أو : ما نبتَ منهُ في الجَبَلِ ، وخشب للأواني ، ويكسر ، ومنه كان مِنْبُرُ النَّبِيّ ◌َِّ. ( وَ) أخرج ابن ماجه - وقال في العزيزي : حديث حسن - عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما؛ قال: ( كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِنَّهِ فَدَحٌ) ، قال بعضهم بالتَّنوين. انتهى. ويُحتمل أنَّه [قَدَحُ] مضافٌ إلى (قَوَارِيْرَ)؛ أي: زُجاج ( يَشْرَبُ فِيْهِ ) ؛ أهداه إليه النَّجاشي . ( وَ) أخرج ابن سعد في ((الطَّبقات))؛ عن زينب بنت جحش، ((أم المؤمنين))، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّه (كَانَ نَّهُ يُعْجِبُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ ٢٧٨ مِخْضَبٍ مِنْ صُفْرٍ . وَ( الْمِخْضَبُ): إِنَاءٌ. وَ( الصُّفْرُ): النُّحَاسُ الأَصْفَرُ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِلَّيْلِ . مخْضَبٍ ) - بكسر الميم وسكونِ المُعْجَمةِ - أي: إجَّانة ( مِنْ صُفْرٍ ) . وفيه ردٌّ على من كَرِهَ الوَضوء من إناءِ النُّحاس . ( وَالمِخْضَبُ) - بكسر الميم ، وسكون الخاء ، وفتح الضَّاد المعجمتين ، بعدها موحّدة - (: إِنَاءٌ). قال ابن حجر: المشهُورُ أنَّه الإِناءُ الَّذي يغسل فيه الثياب من أيِّ جنس كان ، وقد يُطْلق على الإناء؛ صَغُرَ أوْ كَبُرَ ، والقَدَح أكثر ما يكون من الخَشَبِ مع ضِيقٍ فِیهِ . ( وَالصُّفْرُ) - بضمِّ المهملة وسكون الفاء ـ (: النُّحَاسُ) - مثلَّث النُّون - ( الأَصْفَرُ). وفي ((المناوي)): إن الصُّفْر صنف من جيد النُّحاس . انتهى. ( وَ) أخرج أبو داود، والنّسائي في ((الطهارة))، والحاكم وصحَّحه، وكذا ابن حبَّان في ((صحيحه)) بإسنادٍ حسن؛ عن أميمة بنتِ رُقَيْقَة - بضمِّ أوَّلهما وفتح ثانيهما وتخفيفهما ، ورقيقة: بقافين - بنت خُوَيْلِدِ بن أَسد بن عبد العزَّى، (( أخت خديجةَ؛ أمِّ المؤمنين رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا )) ، قالت: (كَانَ لَهُ بِّهِ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ ) - بفتح العين المهملة ، وسكون المثنَّة التَّحتيّة ، ودال مهملة ، قال في ((الصِّحاح)): العيدان الطّوال من النخل ؛ الواحدة عيدانة . وكان يُجعَل ( تَحْتَ سَرِيْرِهٍ) السَّرير : مأخوذٌ من السُّرور ؛ لأنَّه في الغالب لأولي النِّعمة ، وسرير الميت تشبيه به في الصُّورة ، وللتَّفاؤل بالسرور . ( يَبُوْلُ فِيْهِ بِاللَّيْلِ ) ، تمامه كما عند الطَّبراني - بسند ؛ قال الهيثمي : رجاله رجال ((الصحيح)) - فقام وطلبه فلم يجده! فسأل، فقالوا: شربته برة (( خادمُ أمِّ سلمة الَّتِي قَدِمَتْ معها من أرض الحَبَشَة )) !! فقال: ((لَقَدِ أَحْتَظَرتْ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ )) انتهى . ٢٧٩ قال الشَّيخ وليُّ الدِّين: وهذا الخبر يعارضُه ما رواه الطَّبراني في ((الأوسط)) بسندٍ جيّد؛ عن عبد الله بن مَرْئد؛ عن النَّبِّ وَّرِ قال: ((لا يُنْفَعُ بَوْلٌ في ◌ِسْتٍ في البَيْتِ ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ بَوْلٌ مُنْتَقِعٌ )) . وروى ابن أبي شيبة ؛ عن ابن عمر قال : لا تدخل الملائكة بيتاً فيه بول !! قال : ويُجابُ بأنَّ المراد بانتقاعه : طول مُكْثِهِ، وما يجعل في الإناء لا يطول مُكثه ، بل تريقُهُ الخَدمُ عن قرب ، ثُمَّ يعاد تَحْتَ السَّرير لما يحدث . والظَّاهر أنَّ هذا كان قبل اتِّخاذ الكُنُفُ وبيوت الأَخْلية، فَإِنَّه لا يمكنه التَّباعد باللَّيل للمشقّة ، أمَّا بعد اتخاذها ! فكان يقضي حاجته فيها ليلاً ونهاراً . وأُخذ من تخصيصِ البَول أنَّه كان لا يفعل الغَائِطَ فيه ؛ لغلظه بالنّسبة للبول ، ولكثافته وكراهة ريحه . وأُخذ من تخصيص اللَّيل أنَّه كان لا يبول فيه نهاراً . وفيه حلّ اتِّخاذ السَّرير ، وأنَّه لا ينافي التَّواضع ؛ لمسيس الحاجة إليها ، سيَّما الحجاز ؛ لحرارته . وحلّ القَدح من خشب النَّخل، ولا ينافيه حديث : (( أُكْرِمُوا عَمََّكُمُ النَّخْلَة)) !! لأَنَّ المراد بإكرامها سَقيها وتلقيحها، فَإذا انفصل منها شيء وعمل إناءً ؛ أو غيره ؟ زال عنه اسم النَّخلة ، فلم يؤمر بإكرامه . وفيه حِلُّ البول في إناء في البيْتِ الَّذي هو فيه لَيلاً بلا كراهة ، حيث لم يطل مكثه فيه ، كما تقرَّر، وأما نهاراً! فهو خلاف الأَوْلى حيث لا عذر ، لأنَّ اللَّيل محلُّ الأعذار ، بخلاف النَّهار . وفيه حلُّ بول الرّجل بقرب أهل بيته للحاجة. انتهى (( مناوي)) و(( عزيزي)). فائدة : قال ابن قتيبة : كان سريره خَشَباتٍ مشدودةً باللِيف ، بيعت في زمن بني أُميّة ؛ فاشتراها رجلٌ بأربعة آلاف درهم. انتهى ((مناوي)). ٢٨٠