النص المفهرس

صفحات 121-140

وَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي ((اُلْمَوَاهِبِ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَاَم بِوَجْهٍ
آخَرَ ، مَعَ تَسْمِيَةِ هَذَا الطَّعَامِ : الْخَبِيصَ .
قال النَّبِيّ ◌َ ◌َّ: ((وَمَا ألفَالُوذَجُ؟!)). قال: يخلطون السَّمن والعسل جميعاً.
قال ابن الجوزي في (( الموضوعات)): هذا حديث باطل لا أصل له . انتهى كلام
العراقيّ نقله في ((شرح الإحياء )) ثمَّ قال: قلتُ : أخرجه ابن الجوزي من طريق ابن أبي
الدنيا ؛ قال : حدَّثني إبراهيم بن سعد الجوهري ؛ قال : حدَّثنا أبو اليمان عن إسماعيل بن
عَيَّاش ؛ عن محمد بن طلحة عن عثمان بن يحيى عن ابن عبّاس ... فذكره.
وفي رواية أخرى بزيادة: فَشَهِقَ السَِّيُّ وَ شَهْقَةً. قال : وهذا حديث باطل
لا أصل له . ومحمد بن طلحة : قد ضعَّفه يحيى بن معين ، وعثمان بن يحيى
الحَضْرَميّ . قال الأزْدِيُّ: لا يكتب حديثه عن ابن عباس . وقال النَّسائيُّ :
إسماعيل بن عيَّاش ضعيف .
قلتُ : وهذا القَدْر الَّذي ذكره لا يوجب أن يكون الحديث باطلاً ؛ لا أصل له .
كيف ؛ وقد أخرجه ابن ماجه ؟! وغاية ما يقال : إن إسماعيل بنَ عيَّاش إذا روى
عن غير الشَّاميِّين فلا يُخْتَجُّ بحديثه ، وَفَرِقٌ بين أن يُقال : ضعيف ؛ وأن يُقال :
باطل . والعجب من الحافظ العراقيِّ كيف سكت عن التَّعقُّب عليه؟ !. انتهى.
(وَذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ ) القُسْطُلأَنِيُّ ( ◌ِي (( المَوَاهِبِ ))؛
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ) ، بالتَّخفيف - الإسرائيليِّ أبي يوسف ،
حليف بني الخزرج. قيل : كان اسمه الحُصَيْن، فسمَّاه النَّبِيُّ وَّ عبد الله ،
وهو صحابي جليل مشهور ، مبشَّرٌ بالجنة ، له أحاديث . مات بالمدينة المنوّرة
سنة : - ٤٣ - ثلاث وأربعين، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه (بِوَجْهٍ آخَرَ ) فيه مخالفة لما
ساقه في ((الإحياء))؛ (مَعَ تَسْمِيَةِ هَذَا الطَّعَامِ ) المثَّخَذِ من العسل والدقيق والسَّمن
(الخَبِيْصَ ) !! أي : الخليط، ، فَعِيْل بمعنَى مفعول، من الخَبْصِ بمعنى الخَلْطِ
يُقال : خَبَصْتُ الشَّيءُ خَبْصاً - من باب ضرب - : خَلَطْتُه .
١٢١

وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّحْمُ ،
قال في (( المواهب)): وعن عبد الله بن سلام قال : قدِمَتْ عِيرٌ فيها جملٌ
لعثمان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه ، عليه دقيق حُوَّارَى وسمن وعسل ، فَأَتَى بها
النَّبِيَّ وََّ، فدعا فيها بالبركة، ثمَّ دعا ◌َِّ بِيُرْمَة فنصبت على النار ، وجعل فيها من
العسل والدقيق والسمن ، ثمَّ عصد حتى نضج؛ أو كاد ينضج ، ثمَّ أُنْزِل ، فقال
النَّبِيُّ ◌َّهُ: «كُلُوْا؛ هذا شَيْءٌ تُسَمِّيْهِ فَارِسُ: الخَبِيْصَ)).
قال المحبُّ الطبريُّ: خرَّجه تمَّامٌ في ((فوائده))، والطبرانيُّ في ((معاجيمه))،
ورجاله ثقات. وفي الشَّاميِّ: رجال ((الأوسط)) و((الصغير)) ثقات ، وقد أخرجه
الحاكم وصحَّحه ، وَبَقِيُّ بنُ مَخْلَد . انتهى .
ومقتضى هذا الحديث أنَّ أوَّل مَن خَبَص في الإسلام النَّبِيُّ ◌ََّ، فيخالف
ما ذكره في «شرح الإحياء )) وغيره: أنَّ أوّل من خَبَصَ عثمانُ بن عفان .
ويحتمل أنَّ نسبته إلى عثمان ؛ لكونه كان سبباً في فعله بإهدائه إليه .
لكن روى الحارِثُ بسند منقطع: صنع عثمانُ خَبِيْصاً بالعسل والسَّمن والبُرِّ ،
وأتى به في قصعة إلى النَّبِيِّ نَّهِ، فقال: ((مَا هَذَا؟)). قالَ: هذا شيءٌ تَصْنَعُه
الأعاجم ، تُسمِّيه الخبيص . فأكل .
ويمكن الجمع أيضاً بتكرُّر ذلك ، فيكون عثمان فعله أوَّلاً بنفسه ، ثمَّ عرضه
على المصطفى فأمر بأن يصنع له منه ففعل. والله أعلم. انتهى ((زرقاني)) .
( وَ) أخرج أبو الشَّيخ ابن حيَّان؛ من رواية ابن سمعان(١) قال: سمعت
علماءنا(٢) يقولون: ( كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِوَِّ اللَّحْمُ ) .
(١) هو محمد بن أبي يحيى وهو سمعان الأسلمي المدني صدوق من الخامسة . مات سنة
١٤٧؛ كما في ((التقريب)). وليس هو أبا منصور السمعاني محمد بن محمد بن سِمعان
بكسر السين المذكور في ((التبصرة)). ((هامش الأصل)).
(٢) يعني التابعين. (( هامش الأصل)).
١٢٢

وَيَقُولُ : ((إِنَّهُ يَزِيدُ فِي السَّمْعِ، وَهُوَ سَيِّدُ الطَّعَامِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ،
وللتُّرمذي في ((الشمائل))؛ من حديث جابر: أتانا النَّبِيُّ ◌ِ لّ في منزلنا،
فذبحنا له شاة ، فقال: ((كَأَنَّهُمْ عَلِمُوا أنَّا نُحِبُّ اللَّحْمَ)) !. وإسناده صحيح .
وفي حديث قصة جابر في الخندق ؛ وهي طويلة: ( وَيَقُولُ: ((إِنَّهُ) ؛ أي :
اللحم ( يَزِيْدُ فِي السَّمْعِ ) .
قال الإمام الشافعيّ: إنَّ أكْلَه يزيد في العقل. وقال الإمام الزهريُّ : أكل
اللحم يزيد سبعين قوة ، ولكن ينبغي أن لا يواظب على أكله ؛ كما قال الغزاليُّ ،
لما جاء عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: إنَّه يصفِّي اللَّون، ويحسِّن الخلق ، ومَن
تركه أربعين ليلة ساءَ خلقه ، ومَن داوم عليه أربعين يوماً قسا قلبه )).
وقال ابن القيِّم : ينبغي عدم المداومة على أكل اللَّحم ؛ فإنَّه يورث الأمراض
الدَّمويَّة والامتلائيَّة ، والحمِّيَّات الحادَّة.
وقال بُقْراط: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. انتهى ((زرقاني)).
( وَهُوَ سَيِّدُ) أي: أفضل، إذ السَّيِّد الأفضل، كخبر: ((قُوْمُوا إلى سَيِّدِكُمْ))
أي : أفضلكم ( الطَّعَامِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) .
ولابن ماجه ؛ من حديث أبي الدرداء - بإسناد ضعيف لا موضوع ؛ كما زعم
ابن الجوزي !- : ((سَيِّدُ طَعامِ أهْلِ الدُّنيا وَأهْلِ الجَنَّةِ اللَّحْمُ ».
وروى أبو نعيم في ((الطب))؛ من حديث عليٍّ: ((سَيِّدُ طَعامِ الدُّنْيا اللَّحْمُ، ثُمَّ
الأَرُزُ . وأورده ابن الجوزي في (( الموضوعات)) أيضاً ..
وروى الدَّيْلَميُّ؛ عن صُهَيْبٍ رفعه: ((سَيِّدُ الطَّعامِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ،
ثُمَّ الأَرُزُ، وَسَيِّدُ الشَّرَابِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة المَاءُ )) .
وعن بُرَيْدَة مرفوعاً: ((سَيِّدُ الإِدَامِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ، وَسَيِّدُ الشَّرَابِ فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ المَاءُ ، وَسَيِّدُ الرَّباحِيْنِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ الْفَاغِيةُ » .
١٢٣

وَلَوْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُطْعِمَنِهِ كُلَّ يَوْمٍ .. لَفَعَلَ )).
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ
رواه الطَّبرانيُّ وغيره، ورواه أبو نعيم في ((الطب)) بلفظ ((خَيْر)).
وعن رَبِيْعَةَ بنِ كعب رَفَعَهُ : ((أَفْضَلُ طَعَامِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ)).
رواه العُقَئِي، وأبو نُعَيْم في ((الحِلْيَة )) . وكلُّها ضعيفة ، لكن بانضمامها
تقوى ، كما أشار إليه السَّخاوي رحمه الله تعالى .
( وَلَوْ سَأَلْتُ رَبِّيْ أَنْ يُطْعِمَنِيْهِ كُلَّ يَوْمٍ لَفَعَلَ))) ، لكنِّي لم أسأله، ولذا كان
لا يأكل اللَّحم إلاَّ غِيّاً. كما رواه الترمذيُّ فَي ((الجامع)) و((الشمائل)).
( وَ) أخرج الترمذيُ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) الهِلاليّ المدنيّ ((مولى مَيْمونة بنت
الحارث الهِلاليّة أم المؤمنين رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا)) ، أخي سليمان ، وعبد الله ،
وعبد الملك ، بني يسار ، وهو من كبار التابعين .
سمع ابن مسعود ، وأبيَّ بن كعب ، وعبد الله بن سلام ، وأبا أيُّوب ، وابن
عُمر ، وابن عبّاس ، وابن عمرو بن العاصي ، وأبا واقدِ اللَّيثيَّ ، وأبا رافع ،
وأبا سعيد الخدريّ ، وأبا هريرة ، وأبا مالك ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن خالد ،
ومولاتَه ميمونة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم . وقال أبو حاتم : لم يسمع ابنَ مسعود ،
وأثبت البخاري سماعَه منه .
روى عنه جماعات من التابعين ؛ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعمرو بن
دينار ، وغيرهما . قال ابن سعد : كان ثقة ؛ كثير الحديث ، واتَّفقوا على توثيقه ،
وتوفي سنة : - ١٠٣ - ثلاث ومائة ، وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى .
( أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ) ، كُنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة ، واسمها : هند بنت أبي
أمية ، - واسمه: حذيفة ، أو سهيل ، أو هشام - ابن المغيرة بن عبد الله بن
عمرو بن مخزوم المخزومية كانت قبل رسول الله وَ لقر عند أبي سلمة ، عبد الله بن
عبد الأسد ، وهاجر بها أبو سلمة إلى أرض الحبشة في الهجرتين جميعاً ، فولدت له
١٢٤

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَرَّبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ جَنْباً مَشْوِيّاً فَأَكَلَ مِنْهُ .
هناك زينب بنت أبي سلمة ، وولدت له بعد ذلك سلمة ، وعمر ، ودرّة : بني
أبي سلمة ؛ قاله ابن سعد .
ومات أبو سلمة سنة : أربع من الهجرة في جمادى الأخرى فاعتدَّت ، وحلَّت
في أواخر شؤَّال سنة: أربع، وتزوَّجها رَسُوْلُ اللهِ وَّل سنة أربع في أواخر شوال ،
وتوقيت في ذي القعدة سنة : - ٥٩ - تسع وخمسين .
وكانت من أَجَلِّ النِّساء ، واتَّفقوا على أنَّها دُفِنَت بالبقيع ، وهي آخر أمَّهات
المؤمنين وفاة ، وكانت هي وزوجُها أوَّلَ من هاجر إلى الحبشة (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا ) ، وعن زوجها وأولادها . آمين .
( أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَرَّبَتْ) - بتشديد الراء - أي: قدَّمت ( إِلَى رَسُوْلِ اللهِنَّهِ جَْباً)
- بفتح الجيم وسكون النُّون وموحدة -: شقّ الإنسان وغيره ؛ كما في (( القاموس )) ،
ولذا أطلق على الشِّق الذي قدَّمته له من شاة، كما قال بعض الشُّرّاح، وزعم (( أنَّه
لا دليل عليه)) !! يدفعه أنَّه الظَّاهر من أحوالهم.
( مَشْوِيّاً) بمطلق نار ؛ أو بالحجارة المحماة ، كما قيل في قوله تعالى فَـ ﴿جَآءَ
بِعِجْلٍ حَفِيذٍ ﴾﴾ [هود]: أي: مشويّ بالرّضف، أي: الحجارة المحماة. وقال
ابن عبّاس : أي : نَضِيْجٍ ، وهو أخصُّ منه .
قال العراقيُّ : وقع الاصطلاح في هذه الأعصار على أنَّ المراد بالشّواء اللحم
السَّمِيط ؛ وإنَّما كان يُطلق قبل هذا على المشويّ ، ولم يكن السَّمِيْطُ على
عهده بََّ ، ولا رأى شاة سَمِيْطاً قطُّ .
( فَأَكَلَ مِنْهُ) ثمَّ قام إلى الصَّلاة وما توضأ . قال الترمذيُّ - بعدما رواه - :
حديث صحيح .
١٢٥

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ شِوَاءً فِي الْمَسْجِدِ .
وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: ضِفْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَأُتِيَ بِجَنْبٍ مَشْوِيٍّ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ ؛
( وَ) أخرج الترمذيُّ أيضاً (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ ؛ قَالَ :
أَكَلْنَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ وَّهِ شُوَاءً) - بكسر الشِّين المعجمة أو ضَمِّها؛ مع المدِّ ،
ويقال : شِوَى كغنى -: هو اللَّحم المشويُّ بالنَّار. فقول شارح ((أي: لحماً ذا
شِواء )) !! ليس على ما ينبغي، لأنَّ الشُّواء ليس مصدراً كما يقتضيه كلامه ، بل اسم
اللَّحم المشويِّ ( فِي الْمَسْجِدِ ) .
زاد ابن ماجه : ثمَّ قام فصلَّى وصلَّْنا معه ، ولم نزد أن مسحنا أيدينا
بالحَصْباء .
وفيه دليل لجواز أكل الطَّعام في المسجد ؛ جماعة وفرادى ، ومحلُّه إن لم
يحصل ما يقذر المسجد ، وإلاَّ! فيُكره أو يَحرم ، ويمكن حمل أكلهم على زمن
الاعتكاف ، فلا يَرد أنَّ الأكل في المسجد خلافُ الأولى عند أَمْنِ التَّقذير ، على أنَّه
يمكن أن يكون لبيان الجواز . والله أعلم .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ ( عَنِ المُغِيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ؛ قالَ: ضِفْتُ) - بكسر أوَّل ــ ( مَعَ رَسُوْلِ اللهِوَّ ذَاتَ لَيْلَةٍ ) ، أي : نزلتُ
معه ◌َّو ضيفين على إنسان في ليلة من اللَّيالي.
يقال : ضِفْتَ الرجلَ ؛ إذا نزلتَ به في ضيافة ، وأضفتَه إذا أنزلته ، فليس
المراد جعلْتُه ضيفاً لي حال كوني معه ، خلافاً لمن زعمه .
وقد وقعت هذه الضِّيافة في بيت ضُباعَة بنت الزُّبير بن عبد المطلب ، (( بنت عم
النَّبِيِّ ◌ََّ))؛ كما أفاده القاضي إسماعيل ( فَأْتِيَ بِجَنْبٍ مَشْوِيٍّ، ثُمَّ أَخَذَ ) ، أي :
النَّبِيُّ ◌َِّ (الشَّفْرَةَ) - بفتح الشِّين المعجمة ، وسكون الفاء ؛ كطلحة - : وهي
١٢٦

.
فَجَعَلَ يَحُزُّ ، فَحَزَّ لِي بِهَا مِنْهُ .
قَالَ : فَجَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ ، فَأَلْقَى.
السِّكين العريض العظيم ، وجمعه شِفار ؛ ككلب وكلاب ، وشفرات مثل سَجْدة
وسَجَدات .
( فَجَعَلَ ) أي : شَرَعَ ( يَخُزُّ ) - بضم الحاء ؛ من باب رَدَّ - أي: يقطع مِنَ الحَزِّ
- بحاء مهملة - : القطع ( فَحَزَّ) - بتشديد الزَّاي - أي: فقطع ( لِي ) ؛ أي : لأجلي
( بِهَا )، أي: بالشَّفْرة (مِنْهُ) ، أي : من ذلك الجَنْبِ المشويِّ.
وفيه حِلُّ قطع اللَّحم بالسِّكين! ولا يُشْكِلُ على ذلك خبر: ((لاَ تَقْطَعُوا اللَّحْمَ
بِالسِّكَّيْنِ ؛ فَإِنَّه مِنْ وَضْعِ الأَعَاجِمِ ، وانهَُوهُ، فإنَّه أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ » .
رواه أبو داود ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا !! لقول أبي داود - عقب
روايته - فيه : ليس بالقويِّ .
وعلى التنزّل ! فالنَّهيُ واردٌ في غير المشويِّ ، أو محمولٌ على ما إذا اتّخذه
عادة . ويمكن أن يُقال : النَّفْسُ محمول على النَّضِيْج ، والحَزُّ على غير النَّضِيْجِ ،
وبذلك عبَّر البيهقيُّ ؛ فقال : النَّهي عن قطع اللَّحم بالسِّكين في لحمٍ تكامل نضجه .
وذهب بعضهم إلى أنَّ الحزَّ لبيان الجواز؛ تنبيهاً على أنَّ النَّهي للتَّنزيه لا للتَّحريم .
وفيه أنَّه ينبغي للكبير أن يحزَّ للصغير ؛ إظهارالمحبَّته ، وتألُّفاً له . قاله المناوي .
( قَالَ ) أي المغيرة (: فَجَاءَ بِلاَلٌ ) أي : المؤذِّن ، أبو عبد الرَّحمن .
كان يُعَذَّب في ذات الله، فاشتراه أبو بكر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فأعتقه . وهو أوَّل
من أسلم من الموالي(١)، شهد بدراً وما بعدها، ومات بدمشق سنة : - ١٨ - ثمان
عشرة ، وله ثلاث وستون سنة ؛ من غير عقب، ودفن بباب الصغير رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ .
( يُؤْذِنُهُ) - بسكون الهمزة وقد تُبدل واواً ؛ من الإيذان - وهو : الإعلام ،
والتَّأذين مثله إلاَّ أنَّه خُصَّ بالإعلام بوقت الصَّلاة ، أي: يعلمه ( بِالصَّلاَةِ ، فَأَلْقَى
(١) لعل أول من أسلم من الموالي الصحابي زيد بن حارثة رضي الله عنه. والله أعلم.
١٢٧

الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: (( مَا لَهُ؟! تَرِبَتْ يَدَاهُ)).
قَالَ: وَكَانَ شَارِبُهُ قَدْ وَفَا، فَقَالَ لَهُ: (( أَقُضُهُ لَكَ عَلَى سِوَاكِ ؟
أَوْ : قُصَّهُ عَلَى سِوَاكِ )) .
الشَّفْرَةَ)، أي: رماها النَّبِيُّ نَّهِ (فَقَالَ: ((مَالَهُ)، أي: لبلال ( تَرِبَتْ
يَدَاهُ؟!)))، أي: أيُّ شيء ثبت له ؛ يبعثه على الإعلام بالصلاة بحضرة الطعام ،
التصقتْ يداه بالتراب من شدة الفقر؟ !. وهذا معناه بحسب الأصل .
والمقصود منه هنا: الزَّجر عن ذلك؛ لا حقيقة الدُّعاء عليه، فإنَّه وَ لّل كره منه
إعلامه بالصَّلاة بحضرة الطعام . والصَّلاة بحضرة طعام تتوق إليه النَّفْس مكروهة ،
مع ما في ذلك من إيذاء المضيف وكسرٍ خاطره !! هذا هو الأَلْيَقُ بالسِّياق وقواعد
الفقهاء . قاله الباجوريّ .
( قَالَ ) ؛ أي المغيرة (: وَكَانَ شَارِبُهُ) أي: بلال ( قَدْ وَفَا ) ، أي : طال.
أي : قال المغيرة : وكان شارب بلال قد طال وأشرف على فمه .
والشَّارب : هو الشَّعر النَّابت على الشَّفة العليا ، والذي يُقَصُّ منه هو الذي
يسيل على الفم ، ولا يكاد يثَّى ؛ فلا يقال : شاربان ، لأنَّه مفرد، وبعضهم يُثَنِّيه
باعتبار الطَّرفين ، وجمعه : شوارب .
( فَقَالَ) أي : النَِّيُّ ◌َِّ (لَهُ) أي: لبلال (: ((أَقُصُهُ) أنا ( لَكَ عَلَىُ
سِوَاكِ !) ، بوضع السِّواك تحت الشَّارب، ثم قَصّ ما فضل عن السواك ( أَوْ :
قُصَّهُ) أنت (عَلَىْ سِوَاكِ)) ) ، بصيغة الفعل المضارع المسند للمتكلم وحده في
الأوّل ، وبصيغة الأمر في الثّاني .
وهذا شكٌّ من المغيرة ، أو ممَّن دونه من الرواة ؛ في أيِّ اللَّفظين صدر من
النَّبِيِّ وَُّ. وسبب القَصِّ على السِّواك أن لا تتأذَّى الشَّفة بالقصِّ.
ويؤخذ من هذا الحديث : ندب قصِّ الشَّارب إذا طال حتَّى تظهر حمرة الشَّفة ،
وجواز أن يقصّه لغيره ، وأن يباشر القصَّ بنفسه . ويُندب الابتداء بقصِّ الجهة اليمنى
من الشارب .
١٢٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنَ الْكَبِدِ إِذَا شُوِيَتْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مِنَ الشَّاةِ الذِّرَاعَ وَالْكَتِفَ.
وهل الأفضل قصُّه ؛ أو حلقه؟! والأكثرون على الأوَّل ، بل قال مالك :
يُؤَدَّبَ الحالق ، وبعضهم على الثَّاني ، وجمع بأنَّ يقصُّ البعض ويحلق البعض .
ويكره إبقاء السِّبال، لخبر ابن حبّان: ذُكر لرَسُولِ اللهِ نَّرِ المجوسُ ، فقال :
((إِنَّهُمْ قَوْمٌ يُؤْفِرُونَ سِبَالَهُمْ وَيَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ، فَخَالِفُؤْهُمْ)) ، وكان يَجُزُّ سِبالَه كما
يجزُّ الشاة والبعير! وفي خبر عند أحمد: « قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا لِحَاكُمْ)).
وفي ((الجامع الصغير)): (( وَفِّرُوا اللِّحَى، وَخُذُوا مِنَ الشَّوَارِبِ، وانْتِفُوا
الإبِطَ، وَقُصُّوا الأَظافِيرَ )). رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط))؛ عن أبي هريرة .
وروى البيهقيُّ ؛ عن أبي أمامة: ((وَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَقُصُوا سِبَالَكُمْ)).
والعثنون : اللِّحية .
لكن رأى الغزاليّ وغيره: أنَّه لا بأس بترك السِّبال؛ اتِباعاً لعُمَرَ وغيره ، فإنَّه
لا يستر الفم ، ولا يصل إليه غمر الطعام . أي: دهنه .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للشَّعرانيِّ: (كَانَ) رسول الله (وَِّ يَأْكُلُ مِنَ الكَبِدِ
إِذَا شُوِيَتْ). روى الدَّار قُطْنِيُّ: أنَّه ◌َلِّ لمْ يكن يفطر يوم النَّحر حتى يرجع ليأكل من
کبد أضحيته .
( وَ) في ((كشف الغمة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ) رسول الله (رَّهُ يُحِبُّ مِنَ
الشَّاةِ الذِّرَاعَ وَالْكَتِفَ). وفي رواية: ((لَحْمَ الظَّهْرِ )).
والجمع : أنَّه كان يحبُّ ذلك كلَّه، وربَّما قدَّم بعضها على بعض ؛ في بعض
الأحيان ، فأخبر كُلُّ رارٍ عما رآه يتعاطاه .
وروى الشَّيخان ؛ من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال :
وضعتُ بين يدي رَسُولِ اللهِ لّهِ قَصْعَةً من تَرِيْدٍ ولحم، فتناول الذِّراع، وكانت
أحبَّ الشاة إليه ... الحديث.
١٢٩

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ - وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ - فَنَهَسَ مِنْهَا .
وَعَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ
وروى أبو الشَّيخ وغيره ؛ من حديث ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما :
كان أحبَّ اللَّحم إلى رَسُولِ اللهِنَِّ الكتفُ. وإسناده ضعيف .
ومن حديث أبي هريرة : لم يكن يعجبُه من الشّاة إلاَّ الكتف .
وروى أبو داود ؛ من حديث ابن مسعود بلفظ : كان يُعجبُهُ الذِّراع .
ولابن السُّنِّي ، وأبي نعيم في (( الطب))؛ من حديث أبي هريرة : كان يُعجِبُه
الذِّراعان والكتف .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، والترمذيُّ، والنسائيُّ ، وابن ماجه ؛
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: أُتِيَ) بصيغة المجهول ( الشَّبِيُّ ◌َّه
بِلَحْمٍ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) - كحمار - هو اليد من كلِّ حيوان ، لكنَّها من الإنسان من
طرف المِرْفَق إلى طرف الأصبع الوسطى ؛ تُؤْنَّث وقد تُذكَّر ، ومن البقر والغنم
ما فوق الكُرَاعِ - بضم الكاف - الذي هو مُسْتَدَقُّ السَّاق .
( وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) !! لأنَّها أحسن نضجاً، وأعظم ليناً ، وأسرع استمراءً ،
وأبعد عن مواضع الأذى ، مع زيادة لذَّتها وحلاوة مذاقها .
( فَنَهَسَ مِنْهَا) - بمهملة أو بمعجمة - أي: تناوله بأطراف أسنانه ، وقيل : هو
بالمهملة ما ذُكِرَ ، وبالمعجمة : تناولُه بجميع الأسنان ، وهذا أولى وأحبُّ من
القطع بالسّكين ، حيث كان اللَّحم نضيجاً - كما سبق - .
ويؤخذ من هذا منعُ الأكل بالشَّرَهِ، فإنَّهَوَّهِ مع محبَّته للذِّراعِ نَهَسَ منها ، ولم
يأْكُلْها بتمامها ؛ كما يدلُّ عليه حرف الثَّبعيض !.
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) (عَنِ أَبْنِ مَسْعُوْدٍ) : عبد الله بن
١٣٠

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ
الذِّرَاعُ، وَسُمَّ فِي الدِّرَاعِ، وَكَانَ يُرَى أَنَّ الْيَهُودَ سَمُّوهُ .
عبد الرحمن الهذليّ ، حليف بني زُهْرَةَ ، من السَّابقين البدريِّين ، شهد المشاهد
كلَّها ، ومات بالمدينة المنورة سنة : - ٣٢ - اثنتين وثلاثين، وتقدَّمت ترجمته
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ :
كَانَ الشَِّيُّ وَ يُعْجِبُّهُ) بالتذكير، وفي نسخة صحيحة من (( الشمائل)) [ تُعْجِبُهُ]
بالتّأنيث ( الذِّرَاعُ ) ، وفي رواية : الكتف ؛ بدل : الذراع .
( وَسُمَّ فِي الدِّرَاعِ ) في فتح خيبر ، أي : جُعِلَ فيه سُمّاً قاتلاً لوقته ، فأكل منه
لقمة ، فأخبره جبريل ؛ أو الذراع - على الخلاف -، وجمع بأنَّ الذِّراع أخبرته أوَّلاً ،
ثمَّ أخبره جبريل بذلك تصديقاً لها ، فتركه ؛ ولم يضرَّه السُّمُّ - ففي ذلك ما أظهره الله
من معجزاته وَ﴿ من تكليم الذِّراع له، وعدم تأثير السُّمِّ فيه حالاً .
وفي رواية : ((لَمْ تَزَلْ أُكْلَةُ خَيْبَ تُعَاوِدُنِي حَتَّى قَطَعَتْ أَبْهَرِيْ )) .
ومعناه : أنَّ سُمَّ أُكْلة خيبر - بضم الهمزة - : وهي اللُّقمة التي أكلها من الشاة .
وبعض الرواة فَتَح الهمزة ! وهو خطأ ؛ كما قاله ابن الأثير - كان يعود عليه ، ويرجع
إليه حتَّى قطعت أبهره! وهو : عِرْقٌ مُسْتَبْطن بالصُّلْب مثَّصل بالقلب ، إذا انقطع
مات صاحبه .
قال العلماء : فجمع الله له بين النُّوَّة والشهادة . ولا يرد على ذلك قوله تعالى
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ [٢٧/ المائدة] !! لأنَّ الآية نزلت عام تبوك، والسُّمُّ كان
بخيبر قبل ذلك .
( وَكَانَ) أي : ابن مسعود (يُرَى) - بصيغة المجهول، أو [ يَرَى ] المعلوم -
أي : يظنُّ ( أَنَّ اليَهُوْدَ سَمُّوهُ) ، أي : أطعموه الشُّمَّ في الذِّراع.
وأسنده إلى اليهود !! لأنَّه صدر على أمرهم واتِّفاقهم ، وإلاَّ! فالمباشر لذلك
زينبُ بنتُ الحارثِ امرأةٌ سَلَام بن مِشْكَم اليهوديّ، وقد أحضرها وَّةِ، وقال :
١٣١

وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: طَبَخْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِدْراً، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ :
(( نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ)»، فَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((نَاوِلْنِي الدِّرَاعَ )) ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ ؛ وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ
((مَا حَمَلَكِ على ذَلِكَ))؟ فَقَالَتْ: قلتُ: إنْ كان نبيّاً لا يضرُّه السُّمُّ، وإلاَّ!
استرحنا منه .
فاحتجم على كاهله وعفا عنها ، لأنَّه كان لا ينتقم لنفسه .
قال الزُّهريُّ وغيره : أسلمت ، فلمَّا مات بِشْرُ بن البَرَاء - وكان أكل مع
النَّبِّ ◌َِّ ـ من الذراع دَفَعَها لورثته فقتلوها قَوَداً .
وبه جمع القرطبيُّ وغيره بين الأخبار المتدافعة .
( وَ) أخرج الدارِمِيُّ، وتلميذه الترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل))؛
(عَنْ أَبِيْ عُبَيْدَةَ) - بالتصغير - مولى المصطفى وَّر، صحابيٌّ، له هذا الحديث
في هذا الكتاب ، اسمه كُنَيَّدة (رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ) . قال زين الحفّاظ العراقيُّ:
هكذا وقع في سماعنا من كتاب ((الشمائل)): أبي عُبَيْدَة، بزيادة تاء التأنيث في آخره .
وهكذا ذكره المؤلِّف في ((الجامع))، والمعروف أنَّه أبو عبيد !! وهكذا هو في بعض
نسخ ((الشمائل))، بلاتاء تأنيث، وهكذا ذكره المِزِّيُّ في ((أطرافه))؛ ( قَالَ :
طَبَخْتُ )، أي: أنضجت ( لِلنَّبِّ وَِّ قِدْراً) ؛ أي : شاة في قدر ، يقال :
طبخت اللَّحم طبخاً ؛ أنضجتُه، قاله الزُّهريُّ: ومن ثَمَّ قال بعضهم : لا يسمَّى
طبيخاً - فَعِيْلاً بمعنى مفعول - إلاَّ إذا كان يمرقُ ، ويكون الطبخ في غير اللَّحم
أيضاً ، فيقال: خُبْزة جيّدة الطبخ؛ كما في ((الصحاح )) وغيره .
( وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ) ذكره تَوْطِئَةً لقوله: ( فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ) . ظاهره أنَّه لم
يطلبه منه أوّل مرَّة، بل ناوله إيّاه لعلمه أنَّه يعجبه، ( ثُمَّ قَالَ: (( نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ)) ،
فَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ)) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ وَكَمْ لِلشَّةِ مِنْ
١٣٢

ذِرَاع؟! فَقَالَ: ((وَأَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ؛ لَوْ سَكَتَّ .. لَنَاوَلْتَنِي الذُّرَاعَ مَا
دَعَوْتُ )).
ذرَاعٍ؟!) استفهام، لكن فيه إِساءة أدب، وعدم امتثال له ◌َّر، فلذلك عاد عليه
شُؤم عدم الامتثال ، بأن حُرِمَ مشاهدة المعجزة ، وهي أن يخلق الله تعالى ذراعاً بعد
ذراع وهكذا؛ إكراماً لخلاصة خلقه الظاهر .
( فَقَالَ ) أي: النَّبِيُّ ◌ََّ (: ((وَ) الله ( الَّذِي نَفْسِيْ) أي : روحي أو جسدي
أوهما ( بِيَدِهِ ) : بقوَّته وقدرته وإرادته ، إن شاء أبقاه ، وإن شاء أفناه .
وكان يُقسِم به كثيراً ، والظاهر أنَّه يريد به : أنَّ ذاتَه مُنْقَادة له لا يفعل إلاَّ ما يريد
( لَوْ سَكَثَّ ) عمَّا قلتَ ، ممَّا فيه إساءة أدَب ، وامتثلتَ أمري في مناولة المراد
( لَنَاوَلْتَنِيْ الذِّرَاعَ) أي: واحداً بعد واحد ( مَا دَعَوْتُ)))، أي: مدَّة طلبي
الذِّراع ؛ بأن يخلق الله تعالى فيها ذراعاً بعد ذراع ... وهكذا ؛ معجزة لي ، لكنَّك
لم تسكت !! فمُنِعْتَ تلك المعجزة التي فيها نوع تشريف لمشاهدها ، لأنَّه لا يليق
إلَّ بكامل التَّسليم الذي لا يستفهم ، فحملَتْهُ عَجَلَة نفسه على أنْ قال ما قال ، فانقطع
المدد .
فلو تلقَّاه المناول بالأدب ، وصمت مُصْغِياً إلى ذلك العجب ؛ لشرَّفه الله بإجراء
هذا المزيد عليه ولم ينقطع لديه ، فلمَّا عَجِلَ وعارض تلك المعجزة برأيه ؛ منعه
ذلك عن مشاهدة هذه المعجزة العظمى التي لا تناسب إلاَّ من كَمُلَ تسليمه .
وقد روى الحديثَ أيضاً الإمام أحمدُ؛ عن أبي رافع القِبْطِيِّ (( مولى
رَسُولِ اللهِ وَّر))، واسمه: أسلم، ومات في أوَّل خلافة عليٍّ - على الصحيح -
ولفظه : أنَّه ◌ُهْدِيَتْ له شاةٌ ؛ فجعلها في قدر .
فدخل رَسُوْلُ اللهِوَِّ فقال: ((ما هذا؟)). قال: شاةٌ أُهديت لنا فطبختها في
القدر ، قال: ((نَاوِلْنِي الدِّرَاعَ يَا أَبَا رَافِعٍ)). فناولته الذِّراع، ثمَّ قال: «نَاوِلْنِي
الذِّرَاعَ الآخَرَ )). فَنَاوَلْتُّهُ الذِّراع الآخر، فقال: ((نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الآخَرَ )).
١٣٣

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا كَانَتِ الذِّرَاعُ أَحَبَّ
اللَّحْم إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لاَ يَجِدُ
اللَّحْمَ إِلاَّ غِبّاً، وَكَانَ يَعْجَلُ إِلَيْهَا؛ لأَنَّهَا أَعْجَلُهَا نُصْجاً.
فقال : يا رسول الله ؛ إِنَّما للشَّاة ذراعان !!.
فقال له وَلِّ: (( أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِيْ ذِراعاً فَذِراعاً ما سَكَتَّ )) . ثمّ دعا
بماء فمضمض فاه ، وغسل أطراف أصابعه ، ثمَّ قام فصلَّى ... الحديث .
والظَّاهر أنَّ القضيّة متعدِّدة لاختلاف مخرج الحديث .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) بإسناد فيه مقال ؛
( عَنْ عَائِشَةَ) أُمّ المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ :
مَا كَانَتِ الذِّرَاعُ أَحَبَّ اللَّحْمِ إِلَى رَسُوْلِ اللهَِّ) - أي: على الإطلاق، لما
سيأتي من قوله وَّهِ: ((إِنَّ أَْيَبَ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ ))!
( وَلَكِنَّهُ كَانَ لاَ يَجِدُ اللَّحْمَ إِلَّ غِبّاً) - بكسر الغين المعجمة وتشديد الباء
الموحدة - أي: وقتاً دون وقت، لا يوماً بعد يوم، لما ثبت في ((الصحيحين))؛
عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت : كان يأتي علينا الشهر ، ما نُوقِدُ فيه ناراً ؛
إِنَّما هو الثَّمرُ والماءُ ، إلاَّ أَن يؤتى باللَّحم. قاله في (( جمع الوسائل)).
( وَكَانَ يَعْجَلُ) - بفتح الجيم - أي: يسرع ( إِلَيْهَا )، أي: إلى الذِّراع،
( لأَنَّهَا ) ، أي : الذِّراعُ، وتأنيثها باعتبار كونها قطعة من الشاة ؛ قاله المناوي .
وقد تقدَّم أنَّ الذِّراع تذكَّر وتؤنَّث ، فلا معنى لهذا التأويل ( أَعْجَلُهَا ) ؛ أي :
أعجلُ اللُّحوم، أو أعجل الشَّاة ( نُضْجاً) - بضمِّ النُّون - أي: طبخاً ، ومعنى
الحديث : أنَّ الذِّراع ما كان أحبَّ إليه ؛ وإنَّما يعجل إليه لسرعة نضجه ، لكونه كان
لا يجد اللَّحم إلاَّ غِبّاً .
قال الحافظ العراقيُّ: وليس فيه منافاة لبقيّة الأحاديث ، أنَّه كان يعجبه الذِّراع ،
١٣٤

وَكَانَ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّمُهَا .
إذ يجوز أنْ يعجبه وليست بأحبِّ اللَّحم إليه ، ويؤيِّده تصريحُه في الحديث الآخر :
أنَّ أَطْيَبَ اللَّحم لحمُ الظهر .
وقال ابن حجر الهَيْتَميُّ : هذا بحسب ما فَهِمَتْه عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ،
وإلاَّ فالذي دلَّت عليه الأحاديث السابقة وغيرها : أنَّه كان يُحِبُّها محبّة غريزيَّة
طبيعيّة ، سواء فقد اللَّحم أم لا !!
وكأنَّها أرادت بذلك تنزيه مقامه الشريف عن أن يكون له ميل إلى شيء من
الملاذّ ، وإنما سبب المحبَّة سرعةُ نضجها ، فَيَقِلُّ الزَّمن للأكل ، ويتفرَّغُ لمصالح
المسلمين . وعلى الأوَّل !! فلا مَحْذُوْرَ في محبَّ الملاذِّ بالطبع ، لأنَّ هذا من كمال
الخلقة ؛ وإنما المحذورُ المنافي للكمال التِفَاتُ النََّس وعناؤها في تحصيل ذلك
وتأثّرها لفقده .
وتُعُقِّبَ بأنَّ نسبة قصور الفهم لعائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا لا تليق .
( وَ) أخرج ابن السّنِّي، وأبو نعيم في ((الطب النبوي))، والبيهقيُّ في
((سننه))؛ عن مجاهد مرسلاً - وهو حسن لغيره - ، والطبرانيُّ؛ عن ابن عُمر ،
وابن عَدِيٍّ ، والبيهقيُّ - بسند ضعيف ؛ كما قال العراقيُّ - عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُما قال :
(كَانَ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ وَِّ مُقَدَّمُهَا) ؛ لكونه أقرب إلى المرعى ،
وأبعد عن النجاسة ، وأخفَّ على المعدة ، وأسرع انهضاماً . وهذا لا يدركه إلاَّ
أفاضل الأطباء ؛ فإنهم شرطوا في جودة الأغذية نفعها وتأثيرها في القوى ، وخفّتها
على المعدة وسرعة هضمها .
وكان ◌َّ أَحبَّ المقدم إليه الذِّراع - كما سبق -.
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والترمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) - واللفظ
لها - ، والنَّسائيُّ ، وابن ماجه ، والحاكم ، والبيهقيُّ : كلهم ؛
١٣٥

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ أَطْيَبَ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ)).
وَعَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا:
( عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ ) بنِ أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ ،
أبو محمد ، وأبو جعفر ؛ وهي أشهر .
أمُّه أسماء بنت عُمَيْس ، ولدته بأرض الحبشة ، وهو أوَّل مولود من المسلمين
ولد بها ، توقِّي بالمدينة المنوّرة سنة : ثمانين ، عن سبعين سنة .
وكان عبد الله كريماً ، جواداً ، ظريفاً ، حليماً ، عفيفاً ، سخيّاً .
سُمِّيَ (( بحر الجود )) ، ويقال: إنَّه لم يكن في الإسلام أسخى منه ، وعوتب في
ذلك ؛ فقال : إنَّ الله عوَّدني عادة وعوَّدتُ النَّاس عادة ، وأخاف إن قطعتها قُطِعَتْ
عنّي ، وأخباره في الجود شهيرة ، وفضائله كثيرة .
روي له عن رَسُولِ اللهِ نَّه خمسة وعشرون حديثاً، اتَّفقا منها على اثنين .
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَطْيَبَ
اللَّخم ) أي: ألذَّه وأحسنه ( لَحْمُ الظَّهْرِ))). والتفضيل نسبيٌّ إضافي، أو ((من))
مقدَّرةَ ، أي : من أَطيب ، فلا ينافي أنَّ الذِّراع أطيبُ منه ؛ ومن الرقبة ! ووجه
مناسبة هذا الحديث للتَّرجمة: أَنَّ أَطْيَبِيََّهُ تقتضي أنَّهِوََّ ربَّما تناوله في بعض
الأحيان .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والنَّسائيُّ، والبيهقيُّ (عَنْ ضُبَاعَةَ) - بضاد معجمة
مضمومة فموحدة فألف ؛ فعين مهملة ؛ فتاء تأنيث - ( بِنْتِ الزُّبَيْرِ ) بن عبد المطّلب
الهاشميَّة، بنت عمِّه وَلَّ، زوج المقداد بن الأسود، وولدت له عبد الله وكريمة ،
وليس للزبير بن عبد المطّلب عقبٌ إلاَّ منها .
روت عن الشَّيِّ بَّهِ، وعن زوجها، وعنها ابن عبّاس، وعائشة ، وبنتها كريمة
وآخرون . ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا:
١٣٦

أَنَّهَا ذَبَحَتْ فِي بَيَّتِهَا شَاةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَنْ أَطْعِمِينا(١) مِنْ شَاتِكُمْ)). فَقَالَتْ: مَا بَقِيَ عِنْدَنَا إِلَّ الرَّقَبَةُ، وَإِنِّي
الأَسْتَحِي أَنْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ،
فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهَا. فَقَالَ: ((إِرْجِعْ إِلَيْهَا، فَقُلْ لَهَا: أَرْسِلِي بِهَا، فَإِنَّهَا
هَادِيَةُ الشَّاةِ ، وَأَقْرَبُ الشَّاةِ إِلَى الْخَيْرِ ، وَأَبْعَدُهَا عَنِ الأَذَى )) .
أنَّهَا ذَبَحَتْ فِي بَيْتِهَا شَاةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُوْلُ الهِنََّ: ((أَنْ أَطْعِمِيْنَا مِنْ
شَاتِكُمْ)) ) ؛ يا أهل البيت ، أو قصد تعظيمها ، وإلاَّ! فالقياس : من شاتك !!
( فَقَالَتْ: مَا بَقِيَ عِنْدَنَا إِلاَّ الرَّقَبَةُ، وَإِنِّيْ لأَسْتَحِيْ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ)؛
لحقارتها عند العرب ، لكثرة عَظْمها . قال الشاعر :
أُمّ الُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَةْ
( فَرَجَعَ الرَّسُوْلُ؛ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهَا، فَقَالَ: ((أَرْجِعْ إِلَيْهَا؛ فَقُلْ لَهَا: أَرْسِلِيْ
بِهَا ) ولا تستحي ؛ إذ هي عظيمة ، فيها منافع؛ ( فَإِنَّهَا هَادِيَةُ الشَّاةِ ، وَأَقْرَبُ الشَّاةِ
إِلَى الْخَيْرِ ، وَأَبْعَدُهَا عَنِ الأَذَى )) ) : البول، والرَّجِيْع . ولذا قيل: إنَّها أفضل
الشاة ، والأصحُّ: أنَّ الأَفضل الذِّراع .
قال في ((المواهب)): ولا ريب أنَّ أخفَّ لحمِ الشاة لحمُ الرقبة ، ولحمُ
الذِّراع ، والعضل ، وهو أخفُّ على المعدة وأسرع انهضاماً .
وفي هذا دليلٌ على أنَّه ينبغي مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاث خواصَّ :
أحدها : كثرةُ نفعها وتأثيرها في القوى .
ثانيها : خِفَّتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها .
ثالثها : سرعة هضمها . وهذا أفضل ما يكون من الغذاء ؛ لاشتماله على النفع
وعدم الضَّرر .
(١) في ((وسائل الوصول)): أَطْعِمُوْنا .
١٣٧

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَكَلَ اللَّحْمَ .. لَمْ
يُطَأْطِئْ رَأْسَهُ إِلَيْهِ ، بَلْ يَرْفَعُهُ إِلَى فِيهِ ، ثُمَّ يَنْهَسُهُ أَنْتِهَاساً .
وَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُلْقَدِيدَ ؛ كَمَا فِي حَدِيثٍ
((السُّنَنِ »
وقال الحافظ العراقيُّ : وتفضيل لحم الرَّقبة في الحديث السابق ونحوه
لا يقتضي تفضيله على لحم الظَّهر، ولا على لحم الذراع ؛ وإنَّما فيه مدحه
بالأوصاف المتقدِّمة ، أي : ومدحه إنَّما فيه فضيلته ؛ لا أفضليّته على غيره .
قال: ويجوز أن يكون بَّه قال ذلك جبراً لمن أخبره أنَّه ليس عنده إلاَّ الرقبة ،
فمدحه بما هو صادق عليها ، كما قال: ((نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ)) ؛ حيث طلب إداماً فلم
يجد عندهم إلاَّ الخل .
( وَ) في ((كشف الغمَّة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَكَلَ اللَّحْمَ
لَمْ يُطَأْطِىءْ رَأْسَهُ)، أي: لم يخفضه (إِلَيْهِ، بَلْ يَرْفَعُهُ إِلَى فِيْهِ، ثُمَّ يَنْهَشُهُ)
- بالشِّين المعجمة، والسين المهملة - ( أنْتِهَاشاً) ، النَّهش والانتهاش ؛ كلاهما
بمعنی الأخذ بمقدّم الأسنان - کما مر ۔ .
قال في (( شرح الإحياء )) : روى أبو داود ؛ من حديث صفوان بن أميَّة قال :
كنتُ آكل مع النَّبِيِّ وَّهِ، فَآخذ اللَّحم من العظم، فقال: (( أَذْنِ العَظْمَ مِنْ فِيْكَ،
فإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأْ » .
وللترمذيٍّ من حديثه: ((إِنْهَسِ اللَّحْمَ نَهْساً، فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ » . وهو والذي
قبله منقطع . وللشيخين من حديث أبي هريرة : فتناول الذِّراع ؛ فنهس منها
نَهْسَةً ... الحديث ؛ قاله العراقيُّ. انتهى
(وَأَكَلَ رَسُوْلُ اللهِنَِّ القَدِيْدَ) - بفتح القاف وكسر الدَّال المهملة مُكَبَّراً - : هو
اللَّحم [ المملوح] المقدَّد ؛ أي: المجفَّف في الشَّمس.
وفي ((شرح البخاريِّ)) للقُسْطُلأَّني: القديد لحم مشرر مقدَّد ، أو ما قطع منه
طوالاً. انتهى، ونحوه في ((القاموس))؛ ( كَمَا فِي حَدِيْثِ ((السُّنَنِ ) الأربعة))؛
١٣٨

عَنْ رَجُلٍ قَالَ: ذَبَحْتُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً وَنَحْنُ
مُسَافِرُونَ، فَقَالَ: ((أَصْلِحْ لَحْمَهَا))، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ حِمَارِ الْوَحْشِ .
(عَنْ رَجُلٍ ) من الصحابة ، ولا ضَيْرَ في إبهامه لعدالة جميع الصَّحابة رضوان الله
عليهم .
( قَالَ: ذَبَحْتُ لِرَسُوْلِ اللهِنَّهِ شَاةً وَنَحْنُ مُسافِرُوْنَ، فَقَالَ: ((أَصْلِحْ
لَحْمَهَا ) ؛ أي : اجعله قديداً على حالة يبقى معها ؛ بحيث لا يسرع فساده ، بدليل
قوله ( فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهُ إِلَى المَدِيْنَةِ ) المنوّرة . فظاهرهُ طول المدَّة ، إذ هي التي
يتمدَّح بها في مثل هذا المقام . وفي لفظ ((أمْلِحْ لَحْمَها)) - بالميم - أي : اجعل عليه
مِلْحاً ، ليمنعه العفونة .
وفي ((الصحيح))؛ عن أنس: رأيتُ رَسُوْلَ اللهِ نَّهِ أُتي بمرقة فيها دُبَّاء
وقديد ، فرأيتُه يتَبَّعِ الدُّبَّاء يأكلها .
تنبيه: عُلِمَ ممَّا تقدَّم أنَّه ◌َلي أكل القديد والحنيذ ؛ الذي هو المشوي ، والحنيذ
أعجله وألذُّه ، وهو كان قِرَى إبراهيم الخليل للملائكة .
ومن الناس مَن يقدِّم القديد على المشويّ ، وهذا كلُّه في حكم الشهوة .
أمَّا في حكم المنفعة ! فالقديد أنفع ، وهو الذي يدوم عليه المرء ، ويصلح به
الجسد ، وعليه أثنى الشّرع لوجهين :
أحدهما: أنَّ المصطفى وَّر في ((الصحيحين)) أمر بإكثار المرقة ، ليقع بها
عموم المنفعة في أهل البيت . الثاني : أنَّه يصنع به الثَّريد ، وهو أفضل الطعام الذي
ضرب به المصطفى المثل في التفضيل، حيث قال: ((فَضْلُ عَائِشَةَ على النِّسَاءِ
كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ » ... إلى آخره. والمرق من اللَّحم هو لُّه. انتهى ((مناوي)).
( وَأَكَل ) رسول الله ( يََّ لَحْمَ حِمَارِ الوَحْشِ ) . رواه الشَّيخان ؛ عن أبي قَتَادة
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ في حديث طويل .
١٣٩

وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ الضَّأْنِ ، وأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَحْمَ الْحِمَالِ سَفَراً وَحَضَراً. وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ
الأَرْنَبِ . وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دَوَابٌ أَلْبَحْرِ .
( وَأَكَلَ نَّهِ لَحْمَ الضَّأْنِ. وَأَكَلَ) رسول الله (ِّرُ لَحْمَ الِمَالِ ) - جمع
جمل - : وهو الذَّكَرُ من الإبل؛ كبيراً وصغيراً . وإن قالوا: لا يُسمَّى جملاً إلاَّ إذا
بزل، لكنّ المراد هنا ما هو أعَمُّ، (سَفَراً وَحَضَراً ) ؛ أي : في السَّفر والحضر .
روى النَّسائيُّ؛ عن جابر قال: قدم عليٍّ بهدىٍ للنَبِّ وََّ من اليَمَن، وقدم
رَسُوْلُ اللهِ وَّهَ بِهَدي، فكان الجميع مائة بدنة، فنحر ◌ِّ ثلاثاً وستين، ونحر عليّ
سبعاً وثلاثين ، وأشرك علياً في بُدْنه ، ثمَّ أخذ من كلِّ بدنة بَضْعَة ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْر
فطبخت، فأكل وَله وعليٍّ من لحمها، وشَرِبا من مرقها.
( وَأَكَلَ ) رسول الله (وََّ لَحْمَ الأَرْنَبِ ). رواه الشيخان ؛ عن أنس أنَّه أصاب
أرنباً بِمَرِّ الظّهران ، فأتى به أبا طَلْحة فذبحه بِمَرْوَة وشواها ، وبعث معي بِعَجْزِها .
وفي لفظ: بوَرِكها. وفي لفظ: بفخذها إلى رَسُولِ اللهِنَّه فَقَبِلَها، والبخاريُّ في
( الهبة ) : فأكلها . وفي رواية : أكله . قيل له : أكله !؟ قال : قَبِله .
(وَأَكَلَ ) رسول الله (وََّ مِنْ دَوَابِّ البَحْرِ ) . رواه مسلم .
وذكر القُسْطُلاَّني في ((المواهب))؛ في سرية الخَبَط: أنَّه روى الأئمة السِّتَّة عن
جابر :
بَعَشَا وَلِّ ثلثمائة راكب ؛ أميرنا أبو عبيدة، فأقمنا على السَّاحل حتَّى فَنِي زَادُنا ،
حتَّى أكلنا الخَبَطَ (١)، ثمّ إنَّ البحر ألقى لنا دابَّة؛ يقال لها : العنبر ، فأكلنا منها
نصف شهر حتى صحّت أجسامنا ، فأخذ أبو عبيدة ضِلْعاً من أضلاعه فنصبه ، ونظرنا
إلى أطول بعير فَجَازَ تحته .
(١) الخَبَط: ورق يخبط بالمخابط ويجفَّف ويطحن ويخلط بدقيق .. ((القاموس)).
١٤٠