النص المفهرس

صفحات 41-60

- كَمَا حَكَاهُ فِي (( فَتْحِ الْبَارِي)» -: بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ فِي حَالَةٍ دُونَ
حَالَةٍ ؛ لاَ لِعَوَزٍ
كان أحد أئمة الدنيا يُخْكَم بقوله ، ويُرجَع إلى رأيه لمعرفته وفضله .
وكان قد جمع من العلوم ؛ ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره .
وكان حافظاً لكتاب الله تعالى ؛ عارفاً بالقراءات ؛ بصيراً بالمعاني ، فقيهاً في
أحكام القرآن ، عالماً بالسنن وطرقها ؛ صحيحها وسقيمها ، ناسخها ومنسوخها ،
عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الأحكام ، عارفاً بأيام الناس
وأخبارهم .
قال محمد بن إسحاق بن خزيمة : ما أعلم تحت أديم السَّماء أعلمَ من
محمد بن جرير . وتفرّد بمسائل حُفظت عنه .
قال الرافعي : تَفَرُّدُ ابن جرير لا يُعدُّ وجهاً في مذهبنا ؛ وإن كان معدوداً من
طبقات أصحاب الشافعي !! وأخَذَ فقه الشافعي عن الربيع المرادي ، والحسن
الزعفرانيٌ .
وهو في طبقة الترمذي والنَّسائي ، سمع أحمد بن منيع ، وأبا كريب :
محمد بن العلاء ، ومحمد بن المثنى وغيرهم من شيوخ البخاري ومسلم .
وحدَّث عنه خلائق ؛ منهم أحمد بن کامل ومخلد بن جعفر ،
وتوفي ابن جرير وقت المغرب ؛ ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال ،
سنة : - ٣١٠ - عشر وثلثمائة هجرية . ودفن ضحوة يوم الاثنين في داره ، وكان
مولده في آخر سنة - ٢٢٤ - أربع - أو أول سنة : - ٢٢٥ - خمس - وعشرين
ومائتين . فعمره يقارب : خمساً وثمانين - ٨٥ - سنة رحمه الله تعالى. آمين .
( كَمَا حَكَاهُ ) أي الحافظ الحجة شهاب الملة والدين : أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني رحمه الله تعالى ( فِي ((فَتْحِ البَارِيْ))) شرح ((صحيح البخاري)) ( بِأَنَّ
ذِلِكَ كَانَ مِنْهُمْ فِي حَالَةٍ دُوْنَ حَالَةٍ ؛ لاَ لِعَوَزٍ ) - بفتح العين المهملة ، وفتح الواو
٤١

وَضِيقٍ ، بَلْ تَارَةً لِلإِثَارِ ، وَتَارَةً لِكَرَاهَةِ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ الأَكْلِ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبْنُ حَجَرٍ : وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ كَانُوا فِي حَالٍ
ضِيقٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّةَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ
أَكْثَرُهُمْ كَذَلِكَ ، فَوَاسَاهُمُ اْلأَنْصَارُ بِالْمَنَازِلِ
وإسكانها - ؛ يقال عوز ؛ من باب تعب: عَزَّ فلم يوجد ؛ وعُزْتُ الشَّيْءَ أعُوْزُه ؛
من باب قال: احتجت إليه فلم أجده، كما في ((المصباح)) . فإن أُخذ من الأول
فُتحت الواو ، أي لا لعدم وجدان ، أو من الثاني سُكُنت ؛ أي لا للاحتياج
( وَضِيْقٍ ) تفسير .
ولا يرد على ذا الجواب أنه لم يعرج على قول الإشكال ((كان يرفع لأهله قوت
سنة))! لأنه أَشار للجواب عنه بقوله: (بَلْ تَارَةً لِلإِيْثَارِ ) ؛ فقد كان يدّخرُ قوتَ
عام ، ثمَّ يجد المحاويج فيدفعه إليهم ؛ ويترك أهله ، ( وَتَارَةً لِكَرَاهَةِ الشِّبَعِ ) لأنهم
لم يكونوا يشبعون ، إِذ الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول .
قال بعضهم : الشِّبع نهر في النفس يَرِدُه الشيطان ، والجوع نهر في الروح تَرِدُه
الملائكة .
( وَ) لكراهة ( كَثْرَةِ الأَكْلِ). انتهى جواب الطبري ..
وتُعُقِّب بأنَّ ما نفاه مطلقاً في قوله ((لا لعوزٍ وضيق)) فيه نظر ؛ لِمَا تقدم من
الأحاديث الدالة على أنه للعوز .
وأخرج ابن حبان في «صحيحه)) عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا :
مَن حَدَّثكم أنَّا كنَّا نَشْبَعُ مِنَ النَّمر؛ فقد كَذَبَكم، فلما افتُتحت قُرِيظة أَصَبْنا شيئاً
من الثَّمر والوَدَك . إلى غير ذلك .
( قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ) العسقلاني رحمه الله تعالى
(: وَأَلحَقُّ أَنَّ الْكَثِيْرَ مِنْهُمْ كَانُوْا فِي حَالِ ضِيْقٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّةَ ،
ثُمَّ لَمَّ هَاجَرُوْا إِلَى المَدِيْنَةِ كَانَ أَكْثَرُهُمْ كَذَلِكَ؛ فَوَاسَاهُمُ الأَنْصَارُ بِالمَنَازِلِ
٤٢

وَالْمَنَائِحِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمُ النَّصِيرُ وَمَا بَعْدَهَا .. رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَنَائِحَهُمْ.
نَعَمْ .. كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَارُ ذَلِكَ مَعَ إِمْكَانٍ حُصُولٍ
التََّسُعِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا لَهُ ؛ كَمَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي
أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ
لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَباً ،
والمَنَائِجِ ) تمليكاً للمنافع ، لا للرقاب .
وذكر البيضاوي : أنَّ من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة ؛ وزوَّجها من
أحدهم ، ( فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمْ النَّضِيْرُ وَمَا بَعْدَهَا؛ رَدُوْا عَلَيْهِمْ مَنَائِحَهُمْ) ومنازلهم .
( نَعَمْ؛ كَانَ رَّهِ يَخْتَارُ ذَلِكَ مَعَ إِمْكَانٍ حُصُوْلِ التَّوَسُّعِ وَالنَّسُّطِ فِي الدُّنْيَا لَهُ ،
كَمَا أَخْرَجَ ) الإمام أحمد و( التِّزْمِذِيُّ) وحَسَّنه ونُوزع؛ ( مِنْ حَدِيْثِ أَبِيْ أُمَامَةَ )
الباهلي : صُدَيِّ - بضمِّ الصاد وفتح الدال المهملتین وتشديد الياء - ابن عجلان بن
والبة - بالموحدة - ابن رِياح - بكسر الراء - ابن الحارث بن معن بن مالك بن
أعصر بن سعد بن قيس عيلان - بالمهملة - ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
وقيل غير ذلك في نسبه ، وهو من مشهوري الصَّحابة رضوان الله عليهم .
روي له عن رَسُولِ اللهِ وَ لّ مائتا حديث وخمسون حديثاً؛ انفرد البخاري
بخمسة ، ومسلم بثلاثة .
سكن مصر ، ثم حمص ؛ وبها توفي ، سنة : - ٨١ - إحدى وثمانين هجرية ،
وقيل : سنة ست وثمانين . قيل : هو آخر الصحابة موتاً بالشام ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ وعامَّةُ حديثه عند الشاميين ( أَنَّ النَِّيَّ وَ قَالَ:
(( عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّيْ لِيَجْعَلَ لِيْ بَطْحَاءَ مَكَّةً ) ؛ أي : حصباءها .
قال الطيبي: تنازع فيه ((عَرَض)) و((ليجعل))؛ أي: عَرَض علي بطحاء مكَّة
ليجعلها لي ( ذَهَباً )، فلا حاجة لتقدير مفعول ((عَرَض)) محذوفاً ، أي : أسباب
الغنى ؛ كما قاله بعضهم .
٤٣

فَقُلْتُ: لاَ يَارَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً ، فَإِذَا جُعْتُ ..
تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ .. شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ )).
وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَجِبْرِيلُ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا جِبْرِيلُ؛ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِأَلْحَقِّ مَا أَمْسَىْ لِآَلٍ
مُحَمَّدٍ سُفَّةٌ مِنْ دَقِيقٍ، وَلاَ كَفٍّ مِنْ سَوِيقٍ )) .
فَلَمْ يَكُنْ كَلاَمُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَذَّةٌ
( فَقُلْتُ : لا) أريدها ( يَارَبِّ؛ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوْعُ يَوْماً ).
هذا ورد على منهج التقسيم ، وهو ذكر متعدد ، ثم إضافة ما لكلٍّ على
التعيين ، فذكر أولاً الشِّبع والجوع في أيامهما ، ثم أضاف لكلِّ ما يناسبه بقوله :
( فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ ) بذِلَّهُ وخضوع، (وَذَكَرْتُكَ ) في نفسي ،
وبلساني ، ( وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ)) ) عَطَفهُ على سابقهِ !! لما بينهما من
عموم الحمد مورداً ، وخصوصه متعلَّقاً ، وخصوص الشُّكر مورداً وعمومه متعلقاً .
وحكمة هذا التفصيل : الاستلذاذ بالخطاب ، وإلا فالله تعالى أعلم بالأشياء
جملة وتفصيلاً .
( وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ؛ قَالَ :
كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ ذَتَ يَوْمِ وَجِبْرِيْلُ عَلَىُ الصَّفَا) بمَكَّة؛ (فَقَالَ
رَسُوْلُ اللهِ ◌َ: ((يَا جِبْرِيْلُ؛ وَالَّذِيّ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ) رسولاً إلى أنبيائه، ( مَا أَمْسَيُ
لآلٍ مُحَمَّدٍ سُفَّةٌ) - بضم السين المهملة - : قَبضة ( مِنْ دَقِيْقٍ، وَلاَ كَفَتّ مِنْ سَوِيْقٍ)))
كأمير هو دقيق الشعير المقلو ، ويكون من القمح ، والأكثر جعله من الشعير . قال
أعرابي يصفُه : هو عدة المسافر ، وطعام العجلان ، وبُلْغَةُ المريض .
( فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَذَّةً ) - بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة -
٤٤

مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَمَرَ اللهُ
اَلْقِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟ )) .
قَالَ: لاَ ، وَلَكِنْ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ فَنَزَلَ إِلَيْكَ حِينَ سَمِعَ كَلَّمَكَ.
فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ مَا ذَكَرْتَّ فَبَعَثَنِي
إِلَيْكَ بِمَفَاتِيحٍ خَزَائِنِ الأَرْضِ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَغْرِضَ عَلَيْكَ: إِنْ أَرَدْتَ
أَنْ أُسَيِّرَ مَعَكَ حِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُذاً .
أي : صوتاً قوياً ( مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ) : خوَّفته .
(فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ) لجبريل مستفهماً . - بحذف همزته - (: ((أَمَرَ اللهُ
القِيَامَةَ أَنْ تَقُوْمَ)) ؟! قَالَ: لاَ ، وَلَكِنْ أَمَرَ إِسْرَافِيْلَ فَنَزَّلَ إِلَيْكَ حِيْنَ سَمِعَ كَلاَمَكَ )
لي !
ولعل حكمة نزوله بتلك الهدة ، الإشارة إلى قدرته على فعل ما يعرضه عليه !!
( فَأَتَاهُ إِسْرَافِيْلُ، فَقَالَ ) : ( إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ مَا ذَكَرْتَ ) لجبريل ،
( فَبَعَثَنِيْ إِلَيْكَ بِمَفَاتِيْحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ ) المعادن ، أو البلاد التي فيها ، أو الممالك
التي فُتحت لأمته بعده ، وظاهر الحديث أنَّها مفاتيح وخزائن حقيقية ، وهو الأصل.
وذكر الزمخشري فيه وما أشبهه أنه من قبيل التمثيل والاستعارة حيث قال في
قوله ﴿ وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّ يِندَنَا خَرَآئِنُهُ﴾ [٢١/ الحجر]. ذكر الخزائن تمثيل، والمعنى:
وما من شيء ينتفع به العباد إلاَّ ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به ؛
فضرب الخزائن مثلاً .
( وَأَمَرَنِيْ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ؛ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ أُسَيِّرَ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُؤُّداً ) - بزاي
أوله وذال معجمة آخره وراء قبل آخره مشدّدة ؛ مضمومات الأوائل .
هو أربعة أضرب : الأول : الذُّبابيُّ .
الثَّاني : الرَّيحاني ؛ وهو أخضر مفتوح اللون شبيه بلون ورق الرَّيحان .
٤٥

الثالث : السِّلْقي ؛ وخضرته أشبه شيء بلون السِّلْق .
الرابع : الصَّابوني ؛ ولونه كلون الصابون الأخضر .
وأفضل أنواعه وأشرفها الذُّبابيُّ ، وهو شديد الخضرة لا يشوب خضرتَه شيءٌ
آخر من الألوان ؛ من صفرة ولا سواد ولا غيرهما ، حسن الصبغ ، جيد المائية ،
شديد الشعاع ؛ ويسمى ذبابياً !! لمشابهة لونه في الخضرة لونَ كبار الذباب الأخضر
الربيعي ، وهو من أحسن الألوان خضرةً وبصيصاً ، ويزداد حسنه بكبر الجرم ،
واستواء القصبة ، وعدم الاعوجاج فيها .
ومن عيوب الذبابي اختلاف الصبغ ، بحيث يكون موضع منه مخالفاً للموضع
الآخر ، وعدم الاستواء في الشكل ، والتشعير وهو شبه شقوق خفية ؛ إلاَّ أنه لا يكاد
يخلو منه .
ومن عيوبه : الرخاوة ، وخفة الوزن ، وشدة المَلاَسة ، والصقال ، والنعومة ،
وزيادة الخضرة ، والمائية ، إذا رُكِّب على البطانة .
ومن خاصِّيَّ الذبابي التي امتاز بها عن سائر الأحجار : أنَّ الأفاعي إذا نظرت
إليه ، ووقع بصرها عليه ؛ انفقأت عيونها . وبهذه الخاصِّية يُمتحن الزمرُّذ الخالص
من غيره ، كما يمتحن الياقوت بالصبر على النار .
ومن منافع الزمرُّذ الذبابي : أنَّ مَن أدمن نظره أذهب عن بصره الكلال ، ومَن
تختّم به دفع عنه داء الصرع ؛ إذا كان قد لبسه قبل ذلك .
وإذا كان في موضع لم تقربه ذوات السموم ، وإذا سُحِل منه وزن ثمان شعيرات
وسقيتَه شاربَ الُّمَّ قبل أن يَعمل السُّم فيه خلَّصتَهُ منه .
وإذا تختَّم به مَن به نفث الدَّم ؛ أو إسهاله ! منع من ذلك ، وإذا عُلق على
المعدة من خارج نفع من وجعها ، وَشُرب حُكَاكتِهِ ينفع من الجذام .
وهذه الخواصُّ توجد في الصغير منه والكبير والمعْوَجِّ والمستقيم .
٤٦

وَيَاقُوتاً ،
أما بقية أصناف الزمرذ! فإنَّه لا قيمة لها يُعتدُّ بها ، لعدم المنافع الموجودة في
الذبابي ، انتهى ملخصاً من ((صبح الأعشى)).
( ويَاقُوْتاً ) هو ثلاثة أضرب :
الضرب الأول : الأحمر ومنه البهرمان ، ولونه كلون العصفر الشّديد الحمرة ؛
النَّاصع في القُوَّةِ الذي لا يشوب حمرتَه شائبة، ويسمَّى ((الرُّمَّاني)) لمشابهته حب
الرمان الرائق الحب ، وهو أعلى أصناف الياقوت ، وأفضلها ، وأغلاها ثمناً .
وأردأ ألوانه الوردي الذي يضرب إلى البياض .
الضرب الثاني : الأصفر ، وأعلاه الجُلَّناري، وهو أشدُّه صفرةً ، وأكثره
شعاعاً ، ومائية . ودونه الخلوقي ؛ وهو أقلُّ صفرة منه ؛ ودونه الرّقيق ؛ وهو قليل
الصفرة كثير الماء ساطع الشعاع . وأردأ الأصفر ما نقص لونه ؛ ومال إلى البياض .
الضرب الثالث : الأبيض ، ومنه المهاني وهو أشدُّها وأكثرها ماءً ، وأقواها
شعاعاً ، وأصلب حجراً ، وهو أدْوَنُ أصناف الياقوت وأقلها ثمناً .
وأجود الياقوت الأحمر : البهرماني والرُّمَّاني والوردي النّيِّر المشرق اللَّون
الشفَّاف الذي لا يَنْفُذه البصر بسرعة .
وعيوب الياقوت : الشعرة ؛ وهي شبه تشقيق يُرى فيه . والسوس ؛ وهو
خروق توجد في باطنه ، ويعلوها شيء من ترابية المعدن .
ومن خواصِّ الياقوت بأنواعه : أنه يقطع كل الحجارة كما يقطعها الماس .
وليس يقطعه هو - على أي لون كان - غيرُ الماس .
ومن خواصِّه : أنه ليس لشيء من الأحجار المشعة شعاع مثله ، وأنه أثقل من
سائر الأحجار المساوية له في المقدار ، وأنه يصبر على النار ؛ فلا يتكَلَّس بها كما
يتكلس غيره من الحجارة النفيسة ، وإذا أُخرج من النار بَرَد بسرعة ؛ حتى أن الإنسان
يضعه في فيه عقب إخراجه من النار فلا يتأثَّر به ، إلاَّ أن لون غير الأحمر منه ؛
٤٧

وَذَهَباً وَفِضَةً . . فَعَلْتُ ، فَإِنْ شِئْتَ: نَبِيَّ مَلِكاً ، وَإِنْ شْئتَ نِيَّ عَبْداً ؟
فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ .
فَقَالَ: ((بَلْ نَبِيّاً عَبْداً)) ( ثَلاَثًاً). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .
كالصفرة وغيرها يتحول إلى البياض ، أما الحمرة فإنها تَقْوى بالنار ، فما ذهبت
حمرته بالنار ، فليس بياقوت أحمر بل ياقوت أبيض مصبوغ ، أو حجر يشبه
الياقوت .
ومن منافعه : أنَّ التخُّم به يمنع صاحبه أن يصيبه الطَّاعون ؛ إذا ظهر في بلد هو
فيه ، وأنَّه يُعظّم لابسه في عيون الناس ، ويسهل عليه قضاء الحوائج ، وتتيسر له
أسباب المعاش ، ويقوِّي قلبه ويشجعه ، وأن الصاعقة لا تقع على مَن تختم به .
وإذا وضع تحت اللسان قطع العطش ؛ قاله أرسطاطاليس .
قال : وامتحانه أن يحك به ما يشبهه من الأحجار فإنه يجرحها بأسرها ولا تؤثر
هي فيه . انتهى ملخصاً من ((صبح الأعشى)).
(وَذَهَبَاً وَفِضَّةً) لفظ (( المواهب)): وأمرني أن أعرض عليك؛ أسيِّرُ معك
جبال تهامة زمرُّذاً وياقوتاً وذهباً وفضة ( فَعَلْتُ ، فَإِنْ شِئْتَ نَبًِّ مَلِكاً، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيّاً
عَبْداً !! فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيْلُ ) لما استشاره ( أَنْ تَوَاضَعْ .
فَقَالَ: ((بَلْ نَبِيَّاً عَبْدَاً)). قالها ( ثَلاَثَاً. رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ )
كما قال المنذري وغيره، ولا يعارضه قوله وَّ أُتِيتُ بمَقَالِيدِ الدُّنْيَا عَلَى فَرَسٍ
أَبْلَقَ جَاءَي بِهِ جِبْرِيلُ )) رواه الإمام أحمد برجال الصحيح ، وصححه ابن حبَّان عن
جابر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ! لأنَّ هذا بعد ذاك للإشارة إلى ما ستملكه أمته من بعده .
فانظر إلى همته العلية وَلي كيف عُرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها ؟ !
ومعلوم أنَّه لو أخذها لأَنفقها في طاعة ربه ، فأبى ذلك مع أن النُّبوة معطاة له
على كلا التقديرين . فيا لها من همَّة شريفة رفيعة ما أسناها ! ونفس زكيَّةٍ ما أبهاها !
وقد عوَّضه الله تعالى بالتصرف في خزائن السماء : رَدُّ الشمس بعد غروبها ، وشقُّ
٤٨

وَللهِ دَرُّ الأَبُوصِيرِيِّ حَيْثُ قَالَ :
وَرَاوَدَتْهُ الْجِبَالُ الثُُّّ مِنْ ذَهَبٍ عَنْ نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيَّمَا شَمَمٍ )
القمر ، ورجْمُ النجوم ، واختراقُ السموات ، وحَبْسُ المطر وإرساله ، وإرسالُ
الريح وإمساكُها وغير ذلك
( وَللهِ دَرُّ الأَبُوْصِيْرِيِّ حَيْثُ قَالَ) في ((بردة المديح )) :
( وَرَاوَدَتْهُ) أي: طلبت منه (الجِبَالُ الشُّمُّ) - بضم الشين - : المرتفعة
( مِنْ ذَهَبٍ
عَنْ نَفْسِهِ ) ونسبةُ المراودة إليها مجاز ، ( فَأَرَاهَا) - بفتحتين - ( أَيَّمَا شَمَمٍ )
بفتح المعجمة والميم ، وبعد هذا البيت قوله :
فأكَّدَتْ زُهْدَهُ فِيْهَها ضَرُورَتُهُ إنَّ الضَّرُورَةَ لا تَعْدُو عَلَى العِصَمِ
لَوْلاَهُ لَمْ تَخْرِجِ الدُّنْيا مِنَ الْعَدَمِ
وَكَيفَ تَدْعُو إِلَى الدُّنْيَا ضَرُورَةٌ مَنْ
ولعل المصنف حذف هذين البيتين من كلام القُسْطُلاَني ، لمَّا أورده في
((المواهب))؛ من أنَّ في البيتين شيئاً! قال : لأنه في مقام المدح فلا يليق منه
الوصف بالزهد ولا بالضرورة . قال الزرقاني : لأن الزهد يقتضي رغبته فيما زهد فيه
والضرورة تقتضي الحاجة . انتهى .
قال الحليمي في ((شعب الإيمان)): مِن تعظيم النبي وَّر أن لا يوصف بما هو
عند النَّاس من أوصاف الضَّعة ، فلا يقال كان فقيراً . وأنكر بعضهم إطلاق الزهد في
حقِّه ◌َّهِ. إذ لا قَدْرَ الدُّنيا عنده. وقد حكى صاحب كتاب ((نثر الدر))؛ وهو أبو
سعيد منصور بن الحسين الآبي - بالمد - عن محمد بن واسع ، أنَّه قيل له : فلان
زاهد . فقال : وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها !!. فإذا قيل هذا في حقِّ غير
المصطفى ◌َ* فما بالك به ؟ !.
وقد ذكر القاضي عياض في (( الشفاء))؛ ونقله عنه الشيخ تقي الدين السبكي في
كتابه (( السيف المسلول)): أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطُلَيْطُلِيِّ
٤٩

وَأَمَّا خُبْزُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِياً هُوَ وَأَهْلُهُ؛ لاَ
يَجِدُونَ
وصَلْبِه لاستخفافه بحق النَّبِيِّ وَّر، وتسميته إياه أثناء مناظرته بـ ((اليتيم))، وزعمه
أنَّ زهده لم يكن قصداً !! ولو قدر على الطيبات أَكَلَها !. انتهى .
وكلُّ واحدة من هذه الثلاث كافية في القتل ؛ بلا استتابة عند مالك رحمه الله
تعالى .
وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين ؛ أنَّه كان يقول :
لم يكن النَّبِيُّ وَّهِ فقيراً من المال، ولا حالهُ حالَ فقير، بل كان أغنى النَّاس، فقد
كفي أمر دنياه في نفسه وعياله .
وكان يقول في قوله ◌َِّ ((اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً)) أنَّ المراد به استكانة القلب ،
لا المسكنة الَّتي هي أن لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته . وكان يشدِّدُ النكير على من
يعتقد خلاف ذلك. انتهى . وهو حسن نفيس. انتهى كلام ((المواهب))؛ مع شيء
من (( شرح الزرقاني )) رحمهما الله تعالى .
(وَأَمَّا خُبْزُ رَسُوْلِ اللهِ!) والخُبز - بالضمِّ -: الشَّيء المخبوز من نحو بُرِّ.
وهو المراد هنا ، فقد جاء بيانه فى أحاديث كثيرة .
أخرج الإمام أحمد والترمذيّ في « جامعه » و « شمائله ) وصححه ، وابن سعد
في ((طبقاته)) - واللفظ لـ ((الشمائل)) - ( فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ؛ قَالَ:
كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَهِ يَبِّيْتُ اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ) أي المتوالية ، يعني كان في تلك
الليالي على الاتصال ( طَاوِياً) أي : خاليَ البَطْنِ جائعاً ( هُوَ) تأكيد فاعل
((طاوياً))، لتصحيح عطف ( وَأَهْلُهُ) عليه، (لاَ يَجِدُوْنَ) أي: النَّبِيُّ ◌َ وَأَهْلُه
فأفرد (( طاوياً)) نظراً لمطابقة الفاعل، وجَمَع (( لا يجدون))! نظراً لمشاركتهم له في
٥٠

عَشَاءً ، وَكَانَ أَكْثَرَ خُبْزِهِمْ خُبْزُ الشَّعِيرِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
عدم وجدانهم ، ( عَشَاءً ) - بفتح العين المهملة والشين المعجمة والمدِّ - هو:
ما يؤكل آخر النَّهار الصادق ؛ بما بعد الزوال .
والمراد بِأهلِهِ عيالُه الذين في نفقته .
وفي (( المُغْرب)) : أهل الرّجل ؛ امرأته وولده ، والذين في عياله ، ونفقته ،
وكذا كل أخ وأخت ، وعمِّ وابن عمِّ وصبيٍّ يقوته في منزله . انتهى .
وكان ﴿ ﴿ لشرف نفسه، وفخامة منصبه ؛ يبالغ في ستر ذلك عن أصحابه ؛ وإلاَ
فكيف يظنُّ عاقل أنه يبلغهم أنه يبيت طاوياً ، هو وأهل بيته اللَّيالي المتتابعة ، مع
ما عليه طائفة منهم من الغنى ؛ بل لو علم فقراؤهم - فضلاً عن أغنيائهم - ذلك لبذلوا
الجهد في تقديمه ، هو وأهل بيته ، على أنفسهم واستبقوا على إيثاره !! ؟
وهذا يدلُّ على فضل الفقر والتجنُّب عن السؤال مع الجوع .
( وَكَانَ أَكْثَرَ خُبْزِهِمْ خُبْزُ الشَّعِيْرِ ) أي: وقد يكون خبزهم خبز البُرِّ مثلاً .
( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهَا؛ أَنَّهَا قَالَتْ: ما شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ نٍَّ) - هم هنا: عياله الَّذين في
مؤونته ، لا مَن تَحْرُم عَليهم الصَّدقة . وما يأكله عياله يسمَّى خبزه ، ومنسوب له ؛
فالخبر مطابق للترجمة .
ويحتمل أن لفظ ((آل)) مُقحَم، والمراد هو !! ويؤيده الرواية الآتية : ما شبع
رَسُوْلُ اللهِوَّهِ الخ (مِنْ خُبْزِ الشَّعِيْرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ) . خرج بقوله (( خبز الشعير))
خبز البر. ففي رواية البخاري عن عائشة: ما شبع آلُ مُحمَّدٍ بَِّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ،
مِن طَعَامِ برِّ ثلاث ليالٍ تِباعاً حَتَّى قُبض !!
٥١

حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ سُلَيْمٍ بْنِ عَامِرٍ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةً
[الْبَاهِلِيَّ] رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ: مَا كَانَ يَفْضُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزُ الشَّعِيرِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَا رُفِعَ عَنْ مَائِدَتِهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسْرَةُ خُبْزِ حَتَّى قُبِضَ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهَا أَيْضاً أَنَّهَا
وأُخِذَ منه أن المراد هنا اليومان بلياليهما، كما أَنَّ المراد اللَّيالي بأيامهما .
وقولها ( حَتَّى قُبِضَ رَسُوْلُ اللهِ وَلّر ) إشارة إلى استمرار تلك الحالة مدة إقامته
بالمدينة ، وهي عشر سنين ؛ بما فيها من أيام حجُّه وغزوه .
( وَ) أخرج التِّرمذي في ((الشمائل)) (عَنْ سُلَيْمٍ ) - بالتصغير - ( بْنِ عَامِرٍ )
الرَّحبي المشرفي الحمصي - ورحبة : بطن من حمير -.
له نحو مائتي حديث ، وكان ثبتاً ناصبياً . مات سنة ثلاث وستين ومائة . وغلا
مَن قال ( له رؤية ) . خرَّج له مسلم والأربعة
( قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) - بضم الهمزة - ( [ البَاهِلِيَّ ]) اسمه : صُدَي بن
عجلانَ - تقدمت ترجمته - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ يَقُوْلُ :
( مَا كَانَ يَفْضُلُ ) - بضم الضاد المعجمة ؛ أي : يزيد ــ ( عَنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُوْلِ
اللهِ وَهِ خُبْزُ الشَّعِيْرِ) . أي : ما كان يزيد عن كفايتهم ، بل كان ما يجدونه
لا يشبعهم في الأكثر ، كما تدلُّ عليه الرواية السابقة .
( وَ) في الباجوري على ((الشمائل)): روي (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْها )
أنها قالت : ( مَا رُفِعَ عَنْ مَائِدَتِهِ نَّهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ حَتَّى قُبِضَ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهَا) أي : عائشة ( أَيْضاً ) ؛ فيما رواه البخاري ومسلم ؛ ( أَنَّهَا
٥٢

قَالَتْ: تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ
ذُو كَبِدٍ إِلَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفِّ لِ - أَيْ: نِصْفُ وَسْقٍ - فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى
طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.
قالَتْ: تُؤُنِّيَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ؛ وَلَيْسَ عِنْدِيْ شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُوْ كَبِدٍ ) شامل لكل حيوان ،
( إِلَّ شَطْرُ شَعِيْرٍ ) قال الترمذي : أي : شيءٌ من شعير .
وقال ابن الأثير : قيل : نصف مكوك ، وقيل : نصف وَسْق . ويقال : شطر
وشطير ؛ مثل نصف ونصيف؛ انتهى ذكره الشُّمُنِّي في (( حواشي الشفاء))
([ فِي رَفِّ لِيْ ]) - بفتح الراء وشد الفاء مكسورة - : خشب يرفع عن الأرض
في البيت ، يوضع فيه ما يراد حفظه ؛ قاله القاضي عياض .
وفي ((الصَّحاح)) : الرفُّ شبه الطاق في الحائط . قيل: وهو أقرب ها هنا،
لأن الخشب لا يحتمل وضع هذا المقدار عليه ، وفيه نظر لقلَّته ؛ ذكره الزرقاني .
وقال المصنف تبعاً للباجوري ؛ في تفسير قوله شطر شعير: ( أَيْ : نِصْفُ
وَسْق ) .
قالت عائشة : ( فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّىْ طَالَ عَلَيَّ) - بتشديد الياء - ( فَكِلْتُهُ) - بكسر
الكاف ـ ( فَفَنِيَ) . زادت في رواية: (( فياليتني لم أَكِلْهُ » .
فإن قيل: مقتضى هذا أنَّ الكيل سببٌ لعدم البركة، فيعارض قوله وَطيرٍ:
((كِيلُوا طَعَامَكُم ؛ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيْهِ)) رواه البخاري وأحمد عن المقدام بن معدي
کرب ؟ وفي الباب غيره !؟
أُجيب : بأن البركة عند البيع ، ودخوله البيت ، وعدمها عند النفقة ، وبأن
المراد أن يكيله بشرط بقاء الباقي مجهولاً ، أو لأن الكيل عند الشراء مطلوبٌ لتعلُّق
حق المتبايعين ؛ فلذا نُدب ، وحصلت البركة فيه !! لامتثال أمر الشارع ، بخلاف
كيله عند الإنفاق للاختبار ، فقد يبعث عليه الشح ؛ فلذاكُرِهَ وذهبت بركته .
والحاصل : أنَّ مجرد الكيل إنما يحصِّلُ البركة بقصد الامتثال فيما شرع كيله ،
٥٣

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ غَيْرَ
مَنْخُولٍ ، وَرُبَّمَا وَقَفَ فِي حَلْقِهِ فَلاَ يُسِيغُهُ إِلَّ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءِ .
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَكَلَ
ومجرد عدمه إنما ينزعها إذا انضم إليه الاختبار والمعارضة ، ولذا قال القرطبي :
سبب رفع النَّما الالتفاتُ بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله ومواهب كراماته
وكثرة بركاته ، والغفلة عن الشُّكر عليها ، والثِّقة بالذي وهبها ، والميل إلى الأسباب
المعتادة عند مشاهدة خرق العادة. انتهى ((زرقاني على ((المواهب)))).
( وَ) في ((الإحياء)) مع الشرح: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِوََّهِ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيْرِ غَيْرَ
مَنْخُوْلٍ ) من نخالته .
وفي هذا تركه وَّيه التكلُّف والاعتناء بشأن الطَّعام، فإنَّه لا يعتني به إلاَّ أهل
البطالة والغفلة .
قال العراقي : رواه البخاري من حديث سهل بن سعد . انتهى .
قلت : ورواه مسلم والترمذي نحوه. انتهى كلام ((شرح الإحياء)).
( وَرُبَّمَا وَقَفَ فِي خَلْقِهِ ؛ فَلاَ يُسِيْغُهُ إِلاَّ بِجُزْعَةٍ مِنْ مَاءٍ ) .
هذه الزيادة غير موجودة في ((الإحياء)) !.
( وَ) أخرج البخاري والترمذي في ((الشمائل)) - واللفظ لهما -.
( عَنْ سَهْلٍ ) - بفتح السين المهملة وسكون الهاء - ( بْنِ سَعْدِ ) بن مالك بن
خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي : أبي العباس .
له ولأبيه صحبة وهو آخر من مات من الصحب بالمدينة المنورة ، مات سنة :
- ٨٨ - ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين وعمره جاوز المائة (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
أَنَّهُ) أي : الشأن (قِيْلَ لَهُ) أي لسهل (: أَكَلَ ) هو استفهام بحذف الهمزة ،
٥٤

رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ يَعْنِي : الْحُؤَّارَىُ؟
فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ حَتَّى
لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ .
فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ؟ قَالَ : مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ .
أي: قال بعضهم له على وجه الإستفهام: أأكل (رَسُوْلُ اللهِنَّةِ النَّقِيَّ؟) - بفتح
النون وكسر القاف وتشديد الياء - أي : الخبز المنقَّى من النُّخالة ، أي : المنخول
دقيقه .
وأما النَّفِي بالفاء : فهو ما ترامت به الرحَى ؛ كما قاله الزمخشري .
( يَعْنِيْ) أي: يريد سهل بالنقي ( الحُوَّارَى ) تفسير من الراوي أدرجه في
الخَبر . وهو - بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء ، وفي آخره ألف تأنيث
مقصور -: ما حُوِّرَ من الدَّقيق بنخلِهِ مراراً ، فهو خلاصة الدقيق وأبيضه ، وكل
ما بُيض من الطعام كالأرز . وقَصْرُه على الأول تقصيرٌ .
(فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَىْ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ النَّقِيَّ) ، أجابه بنفي الرؤية مع أن السؤال
عن الأَكل ! لأنَّه يلزم من نفي رؤيته نفيُ أكله . وإنما عدل عن نفي الأكل !! لأن نفي
الرؤية أبلغ . أي : ما رآه فضلاً عن أكله ( حَتَّى لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ) أي : حتى فارق
الدُّنيا، لأن الميت بمجرَّد خروج روحه تأهّل للقاء ربه ، إذ الحائِل بين الله وبين العبد
هو التعلقات الجسمانية، فبعد قطعها يلاقيه؛ إمَّا بصفاته الجلالية، أو الجمالية.
( فَقِيْلَ لَهُ) أي لسهل (: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ) معشر الصحابة من المهاجرين
والأنصار ( مَنَاخِلُ ) جمع مُنْخُل - بضم الميم والخاء المعجمة - وهو: اسم آلة على
غير قياس ، إذ القياس كسر الميم وفتح الخاء ( عَلَى عَهْدِ ) أي : في زمن ( رَسُوْلِ
اللهِ وَلاَّ؟)
( قَالَ ) أي سهل (: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ) أي: في عهده ◌َِّ وزمانه ليطابق
٥٥

قِيلَ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟
قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ، ثُمَّ نَعْجِنُهُ .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَنَاخِلُ؟ فَقَالَ: مَا رَأَى النَّبِيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْخُلاً مِنْ
حِينٍ أَبْتَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى .
الجواب السؤال، وليوافق ما في الواقع. إذْ بعده وَ لا كانت لهم ولغيرهم مناخل
ممن لم يثبت على حاله . ولذا قيل : المنخل أوَّلُ بدعة في الإسلام .
وفي (صحيح مسلم)) عن الحسن أنَّ عائذ بن عمرو - وكان من أصحاب رَسُولِ اللهِ
وَ ل * - دخل على عبيد الله بن زياد الأمير الظالم. فقال : - أي: عائذ بن عمرو -:
أي بني؛ إنِّي سمعت رَسُوْلَ اللهِوَلَ يقول: ((إِنَّ شَرَّ الرُّعاءِ الْخُطَمَةُ فِإِيَّاكَ أَنْ
تَكونَ مِنْهُمْ » .
فقال له : اجلس فإنما أنت من نُخَالة أصحاب مُحَمَّد ◌َّهِ .
فقال : هل كانت لهم نخالة ؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم !!.
( قِيْلَ : كَيَّفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُوْنَ بِالشَّعِيْرِ ؟ ) أي : بدقيقه مع ما فيه من النخالة ،
ولا بد من نخلها ليسهل بلعه !!. (قَالَ: كُنَّا نَنَّفُخُهُ) بضمِّ الفاء أي : نطيِّره ،
والاستعمال الأشيع: ننفخ فيه ( فَيَطِيْرُ مِنْهُ مَا طَارَ) من القشر، ( ثُمَّ نَعْجِنُهُ) - بفتح
النون و کسر الجیم ؛ من باب ضرب ۔۔
( وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أي: لسهل في البخاري؛ بعد (( باب الأطعمة )): ( هَلْ كَانَتْ
لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ نَّهِ مَنَاخِلُ؟ فَقَالَ: مَا رَأَى النَِّيُّ وَّهِ مُنْخُلاً مِنْ حِيْنِ أَبْتَعَثَهُ
اللهُ تَعَالَىْ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَىْ ).
وبقية الحديث : قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعيرَ غَيْرَ مَنْخُول ؟ قَالَ: كُنَّا
نَطْحَنُهُ ونتفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْناهُ فأكلناه .
٥٦

وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَىْ رَغِيفاً مُرَقَّقاً حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ ،
وقوله ثَرَّيْنَاهُ - بمثلثة وراء ثقيلة مفتوحتين - أي: نَذَّيْناه وَلَيَّنَّهُ بالماء .
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): قوله (( من حين ابتعثه الله)) أظنُّهُ
احتراز عما قبل البعثة، لأنه ◌َ ◌ّ توجّه في أيام الفترة مرتين ، إلى جانب الشام
تاجراً ، ووصل إلى بصرى ، وحضر في ضيافة بحيرا الراهب ، وكانت الشام إذ ذاك
مع الروم، والخبز النقي عندهم كثير، والظاهر أنه م # رأى ذلك عندهم.
وأما بعد ظهور النُّبوة ! فلا شك أنَّه في مكة والطائف والمدينة المنورة .
وقد اشتهر أنَّ سبيل العيش صار مضيّقاً عليه وعلى أكثر أصحابه ؛ اضطراراً أو
اختياراً . انتهى ؛ ذكره في (( جمع الوسائل)).
وروى الإمام أحمد عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أنَّها قالت : واللهِ الذي بعث
محمداً بالحق ؛ ما رأى مُنْخُلاً ولا أكل خبزاً منخولاً منذ بعثه الله تعالى إلى أن
قُبِضَ .
قلت : كيف كنتم تصنعون بالشعير ؟ قالت : كنا نقول : أُف .
قال الغزالي : وهذا لا يقتضي أنَّ اتِّخاذ المناخل لنخل الطعام مَنْهِيٌّ عنه ، وإن
كان أُبدع بعد رَسُولِ اللهِ وَِّ !! لأنَّ المنهي عنه بدعة تضادُّ سنة، وترفع أمراً من
الشرع مع بقاء علّته ، وليس نخل الطعام كذلك !! لأن القصد منه تطييب الطَّعام ،
وذلك مباح ما لم يَنْتُهِ إلى التَّقُّم المفرط . انتهى .
(وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَِّ رَأَىُ رَغِيْفاً مُرَفَّقاً )
- براء مهملة فقافين - وهو: المليَّن المحسَّن كخبز الحُوَّارَى وشِبْهِهِ . والترقيق :
التليين .
وفي رواية في ((الأطعمة))؛ عن أنس : ما أكل خبزاً مرقَّقاً ( حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ )
عزَّ وجلَّ .
٥٧

وَلاَ رَأَى شَاةً سَمِيطاً بِعَيْنِهِ حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ . رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ .
وَ(الشَّةُ السَّمِيطُ): هِيَ الَّتِي أُزِيلَ شَعْرُهَا بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ، وَشُوِيَتْ
والمعنى لم يأكل خبزاً مليّناً ؛ أي : مُتَّخَذاً من دقيق ناعم ، بحيث إذا عُجِن يلين
عجينه ، بل كان أكله من نحو الشَّعير ، الذي يغلب على عجينه اليُبس ، ولم يكن
عندهم مناخل ، وذلك سبب لعدم لين خبزهم .
( وَلاَ رَأَىُ شَاةً سَمِيْطاً) - بمهملتين - من سَمَط الشاة إذا نتف صوفه ؛ بعد
إدخاله فى الماء الحار .
فإن قلت : القياس سميطة .
قلتُ : لا ؛ إِذٍ الفرق في الشاة ونحوها بين المذكر والمؤنث بالصِّفة نحو شاة
وحشي ووحشية . أَو أَن الفعيل بمعنى المفعول ؛ يستوي فيه المذكر والمؤنث .
وغرضه أنَّه وَِّ ما كان متنعِّماً في المأكولات ؛ قاله الكرماني .
( بِعَيْنِهِ) - بالإفراد قاله القُسْطُلَّنِيُّ - ( حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ ) تعالى .
وفي رواية : حَتَّى لَقِيَ الله تعالى .
قال القُسْطُلاَّنِيُّ: وهذا يعارضه ما ثبت أنَّه ◌َّ أكل الكراع ؛ وهو لا يؤكل إلاَّ
مسموطاً . انتهى .
ولا معارضة ، إذ نفي رؤية الشاة بتمامها سميطاً ؛ لا ينفي رؤية الأكارع ؛ كما
هو بيّنٌ !!
( رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في ((الرقاق)) بلفظه، و(( الأطعمة )) بنحوه ؛
عن قتادة قال : (( كنَّا عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ خبَّازٌ لَهُ، فقال: كلوا، ما أعلم ... ))
الحديث . ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم الخباز .
وفي الطَّبراني: ((كانَ لِأَنس غُلامٌ يَخْبِزُ لَهُ الحُوَّارَى ويعجنه بالسمن ، فقال :
كلوا ... )) الحديث.
( وَالشَّاءُ السَمِيْطُ : هِيَ الَّتِي أُزِيْلَ شَعْرُهَا بِالمَاءِ المُسَخَّنِ ؛ وَشُوِيَتْ
٥٨

بِجِلْدِهَا ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُتَرَفِّهِينَ .
وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مَا أَكَلَ نَبِيُّ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُوَانٍ، وَلاَ فِي سُكُرُجَةٍ،
بجِلْدِهَا ) وإنما يصنع ذلك في الصغير السِّن، ( وَهُوَ مِنْ فِعْلِ المُثَرَفِّهِيْنَ ) ، أيْ
الأغنياء المتنعِّمين . وإنما كان هذا من فعلهم ! لأنهم لا يفوت غرضهم لزيادة ثمن
مثل هذا ، ولأن المسلوخ يُنتَفَع بجلده في اللُّبْس وغيرِهِ ، والسَّمْط يُفسده . والمترفُّه
لا يبالي بفوات ذلك .
( وَ) أخرج البخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي في ((الشمائل)) - واللفظ
لهُ - (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالی
(عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: مَا أَكَلَ نَبِيُّ اللّهِوَ عَلَى خُوَانٍ ) لما فيه
من الترُّه والتكتُّر ، والخُوان - بكسر أوله المعجم ويضم - : وهو مرتفَع يُهيّاُ ليؤكل
الطَّعام عليه كالكراسي المعتادة عند أهل الأمصار ، وهو فارسيٌّ معرَّب . يَعتاد
المتكبرون من العجم الأكل عليه كيلا تنخفض رؤوسهم . فالأكل عليه بدعة ، لكنه
جائز ؛ إن خلا عن قصد التكبر .
( وَلاَ فِي سُكُرُّجَةٍ ) - بضمِّ السين المهملة والكاف والراء مع التشديد -، وهي
كما قال ابن العربي: إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل المشهِّي للطَّعام الهاضم له ؛
كالسّلطة والمخلَّل .
وإنما لم يأكل النبي ◌َّر في الشُّكُرُّجة !! لأنَّه لم يأكل حتَّى يشبع فيحتاج
لاستعمال الهاضم والمشهِّي ، بل كان لا يأكل إلاَّ لشدَّة الجوع ، ولأنها أوعية
الألوان ؛ ولم تكن الألوان من شأن العرب ، إنما كان طعامهم الثَّريد عليه مقطّعات
اللَّحم . قاله الباجوري .
قال في (( جمع الوسائل)): والأكل في السُّكُرُجة من دأب المترفين ، وعادة
الحريصين على الأكل المفرطين . انتهى .
٥٩

وَلاَ خُبْزَ لَهُ مُرَقٌَّ . قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَأْكُلُونَ عَلَى هَذِهِ السُّفَرِ .
وَ( الْخُوَانُ ) : هُوَ مُرْتَفَعٌ يُهَيَّأُ لِيُؤْكَلَ الطَّعَامُ عَلَيْهِ .
( وَلاَ خُبِزَ) - ماض مجهول - (لَهُ) أي: لأجله ◌ََّ (مُرَفَّقٌ) - بصيغة اسم
المفعول ؛ مرفوع على أنه نائب الفاعل ، وهو بتشديد القاف الأولى - :
ما رقَّقَه الصانع أيْ جعله رقيقاً ، وهو الرُّقاق - بالضم - يعني لم يكن يُخْبَز له
خُبْزٌ مليّن محسّن مبَيِّض كالحُوَّارَى، لأنَّ عامة خبزهم إنَّما كان من الشَّعير ، والرُّقاق
إنما يُتَّخذ من دقيق البرِّ ، وليس ذا من شأن العرب .
وهذا الحديث إنما يفيد نفي خَبْزِهِ له ، وحديث البخاري يفيد نفي رؤيته له ؛
سواء خُبِزَ له أو لغيره .
( قَالَ قَتَادَةُ: ) لسائله ؛ وهو يونس بن أبي الفرات عبيد البصري - ولفظ
الترمذي في (( الشمائل)) فقلت لقتادة - : فعلام ( كَانُوْا يَأْكُلُوْنَ ؟ ) .
قال: (عَلَى هَذِهِ السُّفَرِ) أي: كانوا يأكلون على هذه الشُّفَر - بِضَمِّ السين
المهملة المشددة وفتح الفاء ؛ جمع سفرة - وهي : ما يُتَّخذ من جلد مستدير ليؤكل
عليه الطعام كما سيأتي .
والسفرة أخصُّ من المائدة ؛ وهي ما يُمد ويُبسط ليؤكل عليه ؛ سواء كان من
الجلد ، أو من الثياب . وممَّا يحقِّق أنَّ المائدة ما يمدُّ ويبسط ما جاء في تفسير
المائدة حيث قالوا : نزلت سفرة حمراء مدورة .
وقال ابن العربي : رَفْعُ الطَّعام على الخِوان من الترقُّه، ووضعه على الأرض
إفسادٌ له ، فتوسّط الشارع حيث طلب أن يكون على السفرة والمائدة .
وقال الحسن البصري : الأكل على الخوان فعلُ الملوك ، وعلى المنديل فعلُ العجم ،
وعلى السفرة فعلُ العرب، وهو سنة. انتهى ( باجوري؛ على ((الشمائل))).
( وَالخُوَانُ ) - المشهور فيه كسر الخاء المعجمة ، ويجوز ضمها - و( هُوَ
مُرْتَفَعٌ ) عن الأرض ( يُهَيَّأُ لِيُؤْكَلَ الطَّعَامُ عَلَيْهِ ) ، واستعماله لم يزل دأب المترفين ،
٦٠