النص المفهرس
صفحات 21-40
ثُمَّ أَنْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطاً، ثُمَّ أَنْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْرٍ فَوَضَعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفَلاَ تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ؟!))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا ( ثُمَّ أَنْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيْقَتِهِ ) أي : ثمَّ انطلق مصاحباً لهم إلى بستانه ، فالباء للمصاحبة ، والحديقة : البستان ، سُمي بذلك ! لأنهم في الغالب يجعلون عليه حائطاً ؛ يحدق به ، أي : يحيط به ، يقال : أحدق القوم بالبلد ، إذا أحاطوا به . ( فَسَطَ لَهُمْ بِسَاطاً) - بكسر أَوَّله -؛ أي : مَدَّ لهم فراشاً ، ونشره للجلوس عليه ، وهو فِعَال بمعنى مفعول ، كفراش بمعنى مفروش . ( ثُمَّ أَنْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ) من نخيله ( فَجَاءَ بِقِنْوٍ ) - بكسر القاف وسكون النون - ؛ بوزن حِمْل ، - أي : عذق ، كما في مسلم وهو : الغصن من النخلة المسمَّى بالعرجون ؛ فيه بُسر وتمر ورطب ؛ بمنزلة العنقود من الكرم . ( فَوَضَعَهُ ) أي : بين أيديهم ، ليتفكّهوا منه قبل الطعام ، لأن الابتداء بما يتفكّه من الحلاوة أولى ، فإنَّه مقوٍّ للمعدة لأنه أسرع هضماً . وقال القرطبي : إنما قَدَّم لهم هذا العرجون !! لأَنَّ الذي تيسر فوراً ، من غير كلفة ، ولأن فيه أنواعاً من التمر والبسر والرطب . ( فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (( أَفَلاَ تَنَقَّيْتَ) من التنقِّي، بمعنى التخيُّر ، أي : أفلا تخيرت ؟ ( لَنَا مِنْ رُطَبِهِ)) ) وتركت باقيه ! حتى يترطَّب فينتفعون به . فالتنقِّي: التخيُّر ، والتنقية: التنظيف، والرُّطَب - بضم الراء وفتح الطَّاء - : تمر النَّخل ؛ إذا أدرك ونضج ، الواحدة رُطَبة . وهو نوعان : نوع لا يتتمَّر ، بل إذا تأخر أكلُه أسرع إليه الفساد ، ونوع يتتمر ؛ أي : يصير تمراً . ويؤخذ من الحديث أنه ينبغي للمضيف أن يقدِّم إلى الضيف أحسن ما عنده . ( فَقَالَ : يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوْا ) أي : تتخيروا أنتم بأنفسكم ، ٢١ مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ . فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ أَلْمَاءِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((هَذَا - وَأَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ فتأخذوا الخيِّر ( مِنْ رُطَبِهِ وَبُشْرِهِ ) أي : تارة من رطبه ، وأخرى من بسره ، بحسب اشتهاء الطبع ، أو بحسب اختلاف الأمزجة في الميل إلى أحدهما ، أو إليهما جميعاً . (فَأَكَلُوْا ) أي من ذلك القِنْو، (وَشَرِبُوْا مِنْ ذَلِكَ المَاءِ ) . زاد في رواية مسلم: ((حتى شبعوا))، وهو دليل على جواز الشبع، ومحلُّ كراهته في الشبع المثَقِّل للمعدة ، المبطِّىء بصاحبه عن العبادة . (فَقَالَ) أي: (النَِّيُّ ◌ََّ: ((هَذَا) أي المقدَّم لنا ( وَ) الله (الَّذِي نَفْسِيْ بِيَدِهِ ) أي : بقدرته فيتصرَّف فيها كيف يشاء ، ووسَّط القسم بين المبتدأ والخبر !! لتأكيد الحكم ( مِنَ الثَّعِيْم) ؛ أي: التنعم ( الَّذِي تُسْأَلُوْنَ عَنْهُ) - بالبناء للمجهول -، وهذا ناظر لقوله عليه الصلاة والسلام في موضع آخر: «حَلاَلُها حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عِقَابٌ)) ( يَوْمَ القِيَامَةِ)، ﴿ ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ٨ [التكاثر] أي : عن القيام بحقِّ شكره ، أو تعداد النِّعم والامتنان بها ، وإظهار الكرامة بإسباغها ، لا سؤال تقريع وتوبيخ ومحاسبة . والمراد أن كلَّ أحد ليُسأل عن نعيمه الذي كان فيه : هل ناله من حِلُّه ووجهه أم لا ؟ ! فإذا خلص من هذا سُئِل: هل قام بواجب الشُّكر ، فاستعان به على الطَّاعَة أم لا ؟ . فالأول سؤال عن سبب استخراجه ، والثاني عن محل صرفه ؛ ذكره ابن القيم . وإنما ذكر ◌َّ و ذلك في ذلك المقام !! إرشاداً للآكلين والشاربين ، إلى حفظ أنفسهم في الشبع من الغفلة ؛ باشتغال أحدهم بحديقته ، ونعيمه عن تدبُّر الآخرة ، والنعيم : كلُّ ما يتنغَّم به ؛ أي : يستطاب ويتلذذ به . ٢٢ ظِلُّ بَارِدٌ ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ )). فَأَنْطَلَقَ أَبُو الْهَيْئَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَاماً ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَذْبَحَنَّ لَّنَا ذَاتَ دَرِّ ))، فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقاً ؛ أَوْ جَدْياً ، .. ثم عدد ◌َّ أوجه النَّعيم الذي هم فيه بقوله: (ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، ومَاءٌ بَارِدٌ ))) . وهو خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة بيانٌ لكون ذلك من النَّعيم . ( فَأَنْطَلَقَ أَبوُ الْهَيْئَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَاماً ) ؛ أي : مطبوخاً ، على ما هو معروف في العرف العام ؛ وإن كان قد يطلق الطَّعام على الفاكهة لغةً . وبهذا الحديث استدلَّ الشافعي على أن نحوَ الرطب فاكهة ؛ لا طعام . وقال أبو حنيفة: إنَّ الرُّطب والرُّمَّان ليسا بفاكهة ، بل الرطب غذاء ، والرمان دواء ، وأما الفاكهة ، فهو ما يتفكه به تلذُّذاً . ( فَقَالَ السَّبِيُّ ◌َِّهِ: ((لاَ تَذْبَحَنَّ لَنَا) شاة ( ذَاتَ دَرِّ))) - بفتح الدال وتشديد الراء المهملتين - أي : لبن ، وفي المستقبل بأن تكون حاملاً . ولعله ◌َّر فهم من قرائن الأحوال أنَّه أراد أن يذبح لهم شاةً؛ فقال له ذلك، وهذا نهيُ إرشاد ، وملاطفة ، لا كراهة في مخالفته ، فالمقصود الشفقة عليه ؛ وعلى أهله ، لأنهم ينتفعون باللبن مع حصول المقصود بغيرها . وفي رواية مسلم: أنَّه أخذ المدية، فقال له وَّةِ: (( إِيَّاكَ والحَلُوبَ)). ( فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقاً ) - بفتح العين كسحاب - : أنثى المعز لها أربعة أشهر . (أَوْ ) شك ( جَذْياً) - بفتح فسكون - كفلس : ذكر المعز ما لم يبلغ سنة ، وهذا ليس من التكلف للضيف ؛ المكروه عند السَّلف ، لأنَّ محلَّ الكراهة إذا شقَّ ذلك على المضيف، وأما إذا لم يشقَّ عليه! فهو مطلوب، لقوله وَِّ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه)) لا سيما هؤلاء الأضياف ، الذين فيهم سيد ولد عدنان ! !قَ د . ٢٣ فَأَنَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا . فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَإِذَا أَثَانَا سَبْيٌّ .. فَأْتِنَا)). فَأُتِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنٍ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِخْتَرْمِنْهُمَا)). قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِخْتَرْلِي. ( فَأَتَاهُمْ بِهَا ) أي : بالعناق ، وهذا ظاهر على الشق الأول من الشك . ( فَأَكَلُوْا ) أي : منها ، وفي رواية : فشوى نصفه ، وطبخ نصفه ، وأتاهم به ، فلما وُضع بين يديه ويّر أخذ من الجدي ؛ فجعله في رغيف ، وقال الأنصاري : ((أبلِغْ بِهَذَا فَاطِمَةَ، لَمْ تُصِبْ مثلَه مُنْذُ أَيَّامِ)) فذهب به إليها . (فَقَالَ): أي النَّي (ِّر) لما رآه يتولى خدمة بيته بنفسه، (: ((هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟))) يقع على الذكر والأنثى، لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال ؛ كحائض . ( قَالَ: لاَ) أي: ليس لي خادم، ( قَالَ: ((فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ) - بفتح السين المهملة فسكون الموحدة - ؛ أي : سبي من الأسارى عبدٌ أو جاريةٌ (فَأْتِنَا)) ) لنعطيك خادماً ، مكافأة على إحسانك إلينا . وفي هذا إشارةٌ إلى كمال جوده وكرمه وََّ (فَأْتِيَ ) - بصيغة المجهول - أي: فجيء النبي (وََّ بِرَأْسَيْنِ) أي: بأسيرين اثنين، ( لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ ) تأكيداً لما قبله ، ( فَأَتَاهُ أَبُو الهَيْثَمِ) امتثالاً لقوله وََّ: ((فأتنا )). (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ (( إِخْتَرْ)) ) واحداً ( مِنْهُمَا)) . قَالَ )؛ أي أبو الهيثم : ( يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ إِخْتَزَ لِيْ ) أي : أنت ، فإن اختيارك لي خير من اختياري لنفسي ، وهذا من كمال عقله ، وحُسْن أدبه وفضله . ٢٤ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْهَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي ، (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ المُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ)) ) - بصيغة المفعول - . وهو حديث صحيح كاد أن يكون متواتراً. ففي ((الجامع الصغير)) ((أَلْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ )) رواه الأربعة عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه ، والترمذي عن أم سلمة ، وابنُ ماجه عن ابن مسعود، والطبرانيُّ في ((الكبير)) عن سمرة، وزاد: (( إنْ شَاءَ أَشَارَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُشِرْ )). وفي ((الأوسط )) عن عليٍّ كرَّم الله وجهه؛ وزاد: ((فَإِذَا أَسْتُشِيرَ فَلْيُشِرْ بِمَا هُو صَانِعٌ لِنَفْسِهِ » . ثمَّ الاستشارة : استخراجُ الرأي ، من قولهم شرت العسل إذا أخرجتها من خلاياها ، والاسم المشورة . وفيها لغتان: [مَشْوَرة] سكون الشِّين وفتح الواو ، والثانية [مَشُوْرة] ضم الشين وسكون الواو ، وزان معونة . ومعنى الحديث : أن مَن استشار ذا رأي في أمر اشتبه عليه وجهُ صلاحه فقد ائتمنه واستشفى برأيه ، فعليه أن يشير عليه بما يرى النُّصح فيه ، ولو أشار عليه بغيره ! فقد خانه ويُبْتَلى بخلل في عقله . والحاصل : أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور ، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته ، وامتناع نصيحته . وسيأتي الكلام على ذلك مطولاً في ((الفصل الثالث))؛ من ((الباب السابع في جوامع كلمه وَلير)). وإنما قال عليه الصلاة والسلام ذلك! إعلاماً أو تعليماً لأبي الهيثم ( (( خُذْ هَذَا ) إشارة إلى أحد الرأسين ، ( فَإِنِّيْ) تعليل لاختياره ( رَأَيْتُهُ يُصَلِّي ). ويؤخذ منه أنَّه يستدل على خَيْرِيَّة الإنْسان بصلاته، قال تعالى ﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَّرِ﴾ [٤٥/ العنكبوت]. ويؤخذ منه أيضاً أنه ينبغي للمستشار أن يُبيِّن سبب إشارته بأحد الأمرين ؛ ليكون أعونَ للمستشير على الامتثال . ٢٥ وَأَسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفاً)) . فَأَنْطَلَقَ أَبُو الْهَيْئَمِ إِلَى أَمْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : مَا أَنْتَ بِبَالِغِ حَقَّ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. إِلَّ أَنْ تُعْتِقَهُ. قَالَ : فَهُوَ عَتِيقٌ. فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً وَلاَ خَلِيفَةٌ .. إِلَّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، ( وَأَسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُؤْفاً)) ) ؛ أي: اقبل وصيتي به ، وكافئه بالمعروف ، فـ ((معروفاً)) ليس منصوباً بـ (( استوص))، بل مفعولاً لمحذوف ، أو افعل في حقه معروفاً؛ وصية مني ، فهو منصوب بـ (( استوص)) بتضمين ((افعل)). ( فَأَنْطَلَقَ أَبُو الهَيْئَم ) أي: فذهب به ( إِلَىْ أَمْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ وَر ، فَقَالَتِ أَمْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ ) أي: لو صنعت ما صنعت من المعروف به ما أنت ( بِبَالِغٍ ) أي: بواصل ( حَقَّ مَا قَالَ فِيهِ)؛ أي: في حقه ( الشَِّيُّ ◌ََّ) أي من المعروف (إِلاَّ أَنْ تُعْتِقَهُ) أي: ما أنت ببالغ حق المعروف الذي وصَّاك به النَّبِيُّ وَ لَهَ إلاَّ بعتقه ، فلو فعلت به ما فعلت ما عدا العتق لم تبلغ ذلك المعروف ؟ . ( قَالَ ) أي : أبو الهيثم : ( فَهُوَ ) أي : فبسبب ما قلتِ الذي هو الحق ؛ هو ( عَتِيْقٌ ) أي : معتوق ؛ فعيل بمعنى مفعول ، فتسبَّبَتْ في عتقه ليحصل لها ثوابه ، فقد صحَّ في الحديث : ((إنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كِفَاعِلِهِ » . (فَقَالَ) أي: فأخبره أبو الهيثم بمقالة امرأته التي تسبَّب عنها العتق؛ فقال (َّ: ((إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً وَلاَ خَلِيْفَةٌ )؛ فضلاً عن غيرهما ؛ ( إِلاَّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ ) - بكسر أوله ، تثنية بطانة - وهو المحب الخالص للرجل ؛ مستعار من بطانة الثوب وهي خلاف الظُّهَارة، ومنه قوله تعالى ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [١١٨/ آل عمران] . وبطانة الرجل : صاحب سره ، الذي يستشيره في أموره ، ويطلعه على خفايا أحواله ؛ ثقة به ( بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنكَرِ ) ، يُعلم منه أن بطانة الخير لا تكتفي ٢٦ وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالاً، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى )). بالسكوت ، بل لا بد من الأمر بالمعروف والحثِّ عليه ، والنّهي عن المنكر والزجر عنه ، وقد عُلم أن زوجة أبي الهيثم من هذا القسم الذي يأمر بالمعروف ، وینھی عن المنكر ، فهي بطانة خير . (وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُؤْهُ) أي: لا تمنعه ( خَبَالاً) - بخاء معجمة ، فموحدة مفتوحتين - : أي : فساداً ، أي : لا تقصر في فساد حاله ولا تمنعه منه . فالألْو : التقصير ، وقد تضمن معنى المنع فلذلك تعدَّى إلى مفعولين . وعبَّر هنا بهذا !! تنبيهاً على أن بطانة السوء يكفي فيها السكوت على الشر ، وعدم النَّهي عن الفساد . وهذا ظاهر في الخليفة ، ولا يجيء في الأنبياء . فالمراد ببطانة الخير في حق النبي الملَك ، وببطانة السّوء الشيطان ، بل هذا عامّ في كلِّ أحد كما يصرح به قوله ◌ِّهَ: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ، إِلاَّ وَقَدْ وُكُلَ بِهِ قَرِيْنُهُ مِنَ الجِنٌّ، وَقَرِيْنُهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ)» قالوا: وإياك ؛ يا رسول الله؟ قال: ((وَإِيَّايَ إِلاَّ أَنَّ اللّهَ أَعَانَنِيْ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ ، فَلاَ يَأْمُرُّنِي إِلاَّ بِخَيْرٍ )) . ( وَمَنْ يُوْقَ) - بصيغة المجهول - ؛ مِن وَفَى يَقِي - أي يحفظ (بِطَانَةَ السَّوْءِ) - بفتح السين ، ويجوز ضمُّه ، ففيه لغتان ؛ قرىء بهما في السبع(١) ، كما في الكُره والضُّعف ، إلا أن المفتوحة غلبت في أن يضاف إليها ما يراد ذمُّه من كلِّ شيءٍ . ( فَقَدْ وُقِيَ ) ماض مجهول ، أي : من يُحفظ من بطانة السوء وأتباعها فقد حفظ من الفساد ، أي من جميع الأسواء والمكاره ؛ في الدنيا والآخرة . وجاء في رواية : ( وَالمَعْصُوْمُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ تَعَالَىَ))) وفيه الإحسان للضيف بالفعل إن وجد ، وإلاَّ فالوعد ، وأنه لا بأس أن يطالبه بما وعد به ؛ وتخيير الموعود (١) قرأ ابن كثير المكي وأَبو عمرو البصري: بضمِّ السين. وقرأ الباقون : بفتحها . ٢٧ وَعَنْ عُثْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ له حين الوفاء بين أشياء متعدِّدة ؛ زيادة في إكرامه وتأكُّدِ النُّصح لا سيما للمستشير ، والوصيّة بالضُّعفاء ، وجواز مشي الصَّاحب إلى صاحبه الموسر من غير طلب وغير ذلك . ( وَ) أخرج مسلم والترمذي وغيرهما ( عَنْ عُتْبَةَ) - بضمِّ العين المهملة ، وإسكان المثناة الفوقية ، وموحدة - ( بْنِ غَزْوَانَ) - بفتح المعجمة وسكون الزاي - ابن جابر بن وهب المازني ((حليف بني عبد شمس؛ أو بني نوفل ». من السابقين الأولين ، وهاجر إلى الحبشة ، ثم رجع مهاجراً إلى المدينة . وشهد بدراً وما بعدها ، وروى له مسلم وأصحاب السنن ، وولاء عمر في الفتوح ؛ فاختط البصرة وفتح فتوحاً ، وكان طوالاً جميلاً . قال ابن سعد وغيره : قَدِمَ عَلَى عُمَر يَسْتَعِفِيْهِ مِنَ الإمارة فأبى ، فرجع في الطريق بـ (( معدن بني سليم)) فدعا الله فمات سنة : - ١٧ - سبع عشرة ، وقيل: ستٍّ وعشرين ، وقيل قبل ذلك . وعاش سبعاً وخمسين - ٥٧ - سنة (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) . لَمَّا بعثه عمر بن الخطاب وقال : انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى بلاد العرب ، وأدنى بلاد العجم - أي : للمرابطة هنالك لحفظ بلاد العرب من العجم - . فأقبلوا ، حتى إذا كان بالمربد ، وجدوا هذا الكذَّان ؛ فقالوا : ما هذه ؟ قال بعضهم : هذه البصرة ، فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير ، فقالوا : ها هنا أمرتم . فنزلوا ، ولما حَلُّوا هناك استمد عتبة من بعض الدهاقين من أهل خوزستان ، فجاؤوا فوافوا ضعفه وقلة رجاله ؛ وكان معه ثلثمائة رجل فنقضوا العهد وقاتلوه ، فنصره الله عليهم . ثم شرع عتبة في بناء البصرة لمشقَّة الإقامة من غير بناء . ٢٨ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَسَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّ وَرَقُ الشَّجَرِ ، حَتَّى تَفَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا ، فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَقَسَمْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ ؛ فَأَتَزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَأَتَزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا ، ( قَالَ ) أي عتبة (: لَقَدْ رَأَيْتُنِيْ) أي: والله لقد أبصرت نفسي (وَإِنِّيْ ) - بكسر الهمزة - أي: والحال أَنِّي ( لَسَابِعُ سَبْعَةٍ) أي: في الإسلام ( مَعَ رَسُوْلِ اللهِّهِ)، لأنه أسلم مع ستة فصار متمِّماً لهم سبعة ، فهو من السَّابقين الأولين . اعلم أن سابع ونحوه له استعمالان : أحدهما : أن يضاف إلى العدد الذي أخذ منه ؛ فيقال ((سابع سبعة )) كما هنا ، وهو حينئذ بمعنى الواحد من السبعة، ومثله في التنزيل ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]. وثانيهما : أن يضاف إلى العدد الذي أُخِذ منه ؛ فيقال ((سابع ستة )) وهو حينئذ بمعنى مُصَيِّر الستة سبعة . ( مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّ وَرَقُ الشَّجَرِ ) بالرفع على البدل ، جعله طعاماً لقيامه مقام الطَّعام في حقُّهم ( حَتَّى تَقَرَّحَتْ ) - بالقاف وتشديد الرَّاء بعدها حاء مهملة - ( أَشْدَاقُنَا ) جمع شِدق - بالكسر - وهو جانب الفم ، أي : ظهر في جوانب أفواهنا قروح من خشونة ذلك الورق وحرارته . ( فَلْتَقَطْتُ بُرْدَةً) أي : عثرت عليها بغير قصد وطلب ، والبُؤْدة : شملة مخطّطة ، أو كساء أسود مربّع فيه خطوط يلبسه الأعراب ، واللَّقْط أخذ الشيء من الأرض ، وقيل : أخذ الشيء بغير طلب . ( فَقَسَمْتُهَا ) - بتخفيف السين ؛ ويجوز تشديدها - ( بَيِّنِيْ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ) هو سعد بن أبي وقَّاص القرشي الزُّهري المكِّي المدني ، أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﴿ ﴿ بالجنَّة، وتوفي وهو عنهم راض، - وقد مرت ترجمته ، وترجمةُ ولده عامر - . ( فَأُتَزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَأُتَزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا ) دليلٌ لضيق عيشهم ؛ وعيش ٢٩ فَمَا مِنَّا مِنْ أُولَئِكَ السَّبْعَةِ أَحَدٌ .. إِلاَّ وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ ، وَسَتُجَرِّبُونِ الأُمَرَاءَ بَعْدَنَا . المصطفى ◌َّل*، وذلك أنَّ أهل المدينة كانوا في شظف من العيش ، عندما قدم عليهم المصطفى ◌َّر مع المهاجرين ، وكان المهاجرون فَرُّوا بدينهم ، وتركوا أموالهم وديارهم ، فقدموا فقراءَ على أهل شِدَّة وحاجة ، مع أن الأنصار واسَوْهم ، وأشركوهم فيما بيدهم ، غير أن ذلك ما سَدَّ خُلَّتهم ولا دفع فاقتهم ، مع إيثارهم الضراء على السراء ؛ والفقر على الغنى، ولم يزل ذلك دأبَهم حتى فُتح عليهم الفتوحُ كخيبر وغيرها ، ومع ذلك لم يزل عيشهم شديداً ، وجهدهم جهيداً ، حتى لقوا الله صابرين على شدَّة العيش؛ معرضين عن الدنيا وزهرتها ولَذَّتها ، مقبلين على الآخرة ونعيمها ، فحماهم الله ما رغبوا عنه ، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه ، حشرنا اللهُ في زمرتهم . آمين . ( فَمَا مِنَّا مِنْ أُوْلَئِكَ السَّبْعَةِ أَحَدٌ؛ إِلاَّ وَهُوَ أَمِيْرُ مِصْرٍ) بالتنوين ( مِنَ الأَمْصَارِ ) ، وهذا جزاء الأبرار في هذه الدار ، وهو خير وأبقى في دار القرار . (وَسَتُجَرِّبُوْنَ الأُمَرَاءَ بَعْدَنَا! ) إخبارٌ بأن مَن بعدهم من الأمراء ، ليسوا مثل الصَّحابة في العدالة والديانة والإعراض عن الدنيا الدنية والأغراض النفسية ، وكان الأمر كذلك . فهو من الكرامات بالخبر عن الأمور الغيبية ، وذلك لأنهم رأوا منه وَّر ما كان سبباً لرياضتهم ومجاهدتهم وتقلُّلهم في أمر معيشتهم ، فمضوا بعده على ذلك واستمروا على ما هنالك ، وأما غيرهم ممن بعدهم ! فليسوا كذلك ، فلا يكونون إلا على قضية طباعهم المجبولة على الأخلاق القبيحة ، فلا يستقيمون مع الحق على الصدق ، ولا مع الخلق على حسن الخلق . وهذا الَّذي ذكره المصنف بعضٌ من خطبة عتبة بن غزوان العظيمة التي رواها مسلم في أواخر (( صحيحه )) . ورواها الترمذي في ((جامعه)) و((شمائله))؛ مقتصراً منها على ما ذكره المصنف هنا . ٣٠ وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، ورواها النسائي في ((الرقاق))، وابن ماجه في ((الزهد)) مختصرة . وذكرها الإمام النووي في ((رياض الصالحين)) منقولة عن ((صحيح مسلم)) ولفظها - كما في مسلم - : عن خالد بن عمير العدوي قال : خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ؛ فإن الدنيا قد آذنت بصُرِمٍ وَوَلَّتْ حذَّاءَ ، ولم يبقَ منها إلاَّ صُبَابَةٌ كصُبابة الإِناء يتصابُّها صاحبها ، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها ، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ، فإنه قد ذكر لنا أنَّ الحجر يُلقى من شُقَّة جهنّم ، فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك لها قعراً ، وواللهِ لتُمْلأَنَّ . أفعجبتم ؟! ولقد ذُكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة ، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزِّحام ! . ولقد رأيتُني سابع سبعة مع رَسُولِ اللهِ وَ له؛ ما لنا طعام إلاَّ ورق الشجر حتى قَرُحت أشداقنا ، فالتقطتُ بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك ، فاتَّزرتُ بنصفها واتَّزر سعد بنصفها ؛ فما أصبح اليوم منا أحد إلاَّ أصبح أميراً على مصر من الأمصار ، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً ؛ وعند الله صغيراً ، وإنَّها لم تكن نبؤَّةٌ إلا تناسخت حتى يكون آخرُ عَاقبتِها مُلْكاً ، فَسَتُخْبَرون وتجرِّبون الأمراء بعدنا . انتهى . ( وَ) روى الإمام أحمد، والترمذي في ((الزهد)) من ((جامعه)) وفي (( شمائله )) - وقال : حسن صحيح - وصححه ابن حبان ، ورواه ابن ماجه أيضاً : كلهم ( عَنْ أَنَسِ ) بن مالك ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ (( لَقَدْ أُخِفْتُ) - ماض مجهول ؛ من الإخافة - ( فِي ) إظهار دين ( اللهِ ) أي : أخافني المشركون بالتهديد والإيذاء الشديد ، في أمر الله ؛ أو للهِ ، كما في حديث (( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارِ فِيْ هِرَّةٍ » ؛ أي: بهرة ( وَمَا يُخَافُ) - بضمِّ أوَّله - أي: والحال أنَّه لا يخاف (أَحَدٌ ) غيري مثل ٣١ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِ اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَنَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنَ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمِ مَا لِيَ وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطَ بِلاَلٍ)). و ما أُخِفت ، لأنهم في حال الأَمْن ، وكنت وحيداً في إظهار ديني ، ولم يكن أحد يوافقني في تحمل أذيّة الكفار ، أو هو دعاء ، أي : حفظ الله المسلمين عن الإخافة ، أو مبالغة في الإخافة ، وذلك معروف لغة ، يقال : لي بليَّة لا يُبلى بها أحد . ( وَلَقَدْ أُؤْذِيْتُ ) - ماض مجهول؛ من الإيذاء - ( فِي اللّهِ ) بقولهم ساحر ، شاعر ، مجنون ، وغير ذلك ، ( وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ) غيري بشيء من ذلك ، بل كنت المخصوص بالإيذاء ، لنهبي إيَّاهم عن عبادة الأوثان ، وأمري لهم بعبادة الرحمن . وقال ابن القَيِّم : قوله في كثير من الأحاديث (( فِي اللهِ )) يحتمل معنيين : أحدهما أن ذلك في مرضاة الله وطاعته ، وهذا فيما يصيبه باختياره . والثاني : أَنَّه بسببه ومن جهته حصل ذلك ، وهذا فيما يصيبه بغير اختياره ، وغالب ما يجيء من الثاني، وليست (( في)) للظرفية ، ولا لمجرَّدِ السببية ؛ وإن كانت السببية أصلها . ألا ترى إلى خبر: ((دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ )» ، فإن فيه معنىً زائداً على السببية، فقولك ((فعلتُ كذا في مرضاتك)) فيه معنىّ زائدٌ على فعلته لرضاك . وإن قلت : أوذيتُ في الله لا تقوم مقامه بسببه . انتهى . ( وَلَقَدْ أَتَتْ ) أي : مرَّت، ومضت (عَلَيَّ) - بتشديد الياء - ( ثَلاَثُوْنَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ ) أي : ثلاثون متواليات غير متفرقات لا ينقص منها شيء . قال الطيبي : وهو للتأكيد الشمولي . ووجه إفادة الشُّمُول أنَّه يفيد أنه لم يتكلم بالتسامح والتساهل ، بل ضبط أول الثلاثين وآخرها ، وأحصى أيامها ولياليها . (مَا لِيَ وَلِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُوْ كَبِدٍ )؛ أَيْ : حيوان عاقل أو دابة ( إِلَّ شَيْءٌ) أي : قليل، ولقلَّته جدّاً كان ( يُوَارِيهِ)؛ أي: يستره ( إِبْطُ بِلاَلٍ))) - بالكسر - : ما تحت الجناح يذكَّر ويؤنَّث ، يعني كان ذلك الوقت بلال رفيقي ، ولم يكن لنا من ٣٢ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي ((جَامِعِهِ)): مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلاَلٍ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ هَارِباً؛ وَمَعَ بِلاَلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يُوَارِبِهِ تَحْتَ إِنْطِهِ . وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ غَدَاءٌ وَلاَ عَشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلاَّ عَلَى ضَفَفٍ . وَ( الضَّفَفُ ) : كَثْرَةُ أَيْدِي الأَضْيَافِ . الطَّعام إلاَّ شيء قليل بقَدْر ما يأخذه بلال تحت إبطه ، ولم يكن لنا ظرف نضع الطعام فيه ؛ كناية عن كمال القِلَّة . ( قَالَ المُصَنِّفُ ) يعني الترمذي ( فِي (( جَامِعِهِ)) ) : الذي قيل فيه: مَن كان عنده ((جامع )) الترمذي ؛ فكأنما في بيته نبي يتكلّم (مَعْنَىُ هُذا الحَدِيْثِ: أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَاَلِ حِيْنَ خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِمِنْ مَكَّةَ هَارِباً ؛ وَمَعَ بِلاَلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يُوَارِيْهِ تَحْتَ إِبْطِهِ ) واعترضه العصام ؛ بأن بلالاً لم يكن معه حين الهجرة . ورُدَّبأن الترمذي لم يُرِد خروجه مهاجراً ، بل خروجه قبل الهجرة إلى الطائف وغيره . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل)) (عَنْ أَنَسِ أَيْضاً) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ( أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ غَدَاءٌ) - بفتح المعجمة فمهملة - وهو الذي يؤكل أوَّل النَّهار، ويسمَّى الشُّحور غداء ، لأنه بمنزلة غداء المفطر . ( وَلاَ عَشَاءٌ) - بفتح العين المهملة - هو : ما يؤكل آخر النهار ( مِنْ خُبْزٍ وَلَحْم ) ؛ أي : من هذين الجنسين ( إِلاَّ عَلَى ضَفَفٍ ) - بفتح الضاد المعجمة والفاء الأولى - أي : حال نادر وهو تناوله مع الضيف . (و) قَال المصنف كما في ((الشمائل)) نقلاً عن بعضهم: ( الضَّفَفُ) - كـ: فَرَس - (: كَثْرَةُ أَيْدِيْ الأَضْيَافِ ) . وهذا المعنى هو المراد ٣٣ فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ فِي اُلْغَدَاءِ والْعَشَاءِ؛ إِلَّ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ الأَضْيَافُ فَيَجْمَعُهُمَا لِأَجْلِهِمْ . وَعَنْ نَوْفَلِ بْنِ إِيَاسٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ هنا، وإن كان الضَّفف له معان أُخَر أكثرُها لا يناسب هنا . وفي ((النهاية)): الضفف الضيق والشِدَّة ، ومنه ما يشبع منها إلاَّ عن ضيق وقلة. وقيل : هو اجتماع النَّاس ، أي : لم يأكلهما وحده ؛ ولكن مع النَّاس . وقيل : الضَّفَف أن تكون الأَكَلة أكثر من مقدار الطَّعام، والحَفَف أن يكونوا بمقداره . انتهى . قال الباجوري في ((حاشية الشمائل)): ( فَكَانَ بَِّ لاَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ فِي الْغَدَاءِ والْعَشَاءِ؛ إِلاَّ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ الأَضْيَافُ فَيَجْمَعُهُمَا ) ولو يتكلف ( لأَجْلِهِمْ ) . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل)) (عَنْ نَوْفَلِ) - بفتح الفاء - ( بْنِ إِيَاسٍ ) ـ بکسر الهمزة ۔ ( الهُذَلِيِّ ) ۔ بضمِّ الهاء وفتح الذال المعجمة - المدني ، يروي عن عبد الرحمن بن عوف ، وعنه مسلم بن جندب ؛ وَثَّقه ابن حبّان . ( قَالَ : كَانَ ) أبو محمد ( عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ ) القرشي الزهري المدني ، أحد الثَّمانية السَّابقين إلى الإسلام ، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر ، وأحد العشرة الذين شهد لهم رَسُوْلُ اللهِ وَ ◌ّر بالجنة، وأحد الستة الَّذين هم أهل الشُّورى. وكان من المهاجرين الأولين ، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة ، وآخِى رَسُوْلُ اللهِ وَّ بينه وبين سعد بن الربيع . وشهد مع رَسُوْلِ اللهِ وَل بدراً، وأحداً ، والخندق ، وبيعة الرضوان ، وسائر المشاهد . ومن مناقبه التي لا توجد لغيره من الناس أن رَسُوْلَ اللهِ وَ لَ صلَّى وراءَه في غزوة تبوك !! حين أدركه وقد صلى بالنَّاس ركعة، وحديثه هذا في ((صحيح مسلم)) وغيره . ٣٤ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لَنَا جَلِيساً، وَكَانَ نِعْمَ الْجَلِيسُ، وَإِنَّهُ أَنْقَلَبَ بِنَا ذَاتَ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا دَخَلْنَا بَيْتَهُ . . دَخَلَ فَأَغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَأُتِيْنَا بِصَحْفَةٍ فِيهَا خُبْزٌّ وَلَحْمٌ ، فَلَمَّا وُضِعَتْ .. بَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَقُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ؛ مَا يُبْكِيكَ؟ . قال بعضهم : وَلَمْ يُصَلِّ الْمُصْطَفَىْ خَلْفَ أَحَدْ إِلَّ أَبْنِ عَوْفٍ فَلَهُ الفَضْلُ أَبَدْ روي له عن رَسُولِ اللهِ ر خمسة وستون حديثاً؛ اتفقا منها على حديثين ، وانفرد البخاري بخمسة . وتوفي سنة : - ٣٢ - اثنتين وثلاثين . وقيل: إحدى وثلاثين . وعمره اثنان وسبعون سنة ، ودفن بالبقيع ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لَنَا جَلِيْساً) أي: مُجالساً؛ (وَكَانَ) مقولاً في حقه: ( نِعْمَ الجَلِيْسُ ) هو ، (وَإِنَّهُ ) بكسر الهمزة ( أَنْقَلَبَ ) أي: رجع ( بِنَا) ؛ أي : انقلب معنا من السوق ، أو غيرها فالباء بمعنى (( مع))، ويحتمل أنها للتعدية ؛ أي : قَلَبَنا ورَدَّنا من الجهة الَّتي كنّا ذاهبين إليها إلى بيته ( ذَاتَ يَوْمٍ ) ؛ أي : ساعة ذات يوم ؛ أي : في ساعة من يوم ، ويحتمل أن (( ذات)) مقحمة ، والمعنى : في يوم . (حَتَّى إِذَا دَخَلْنَا بَيْتَهُ دَخَلَ ) يغتسل ( فَأَغْتَسَلَ ) لكونه محتاجاً للغسل ، ولم يكن ليأكل طعاماً بدون الغسل ؛ لأنه خلاف الكمال ، وهذا من مؤكِّدات أنَّه ((نعم الجليس )». ( ثُمَّ خَرَجَ ) أي : من مغتسله إلينا ، ( وَأُثِيْنَا ) - بالبناء للمجهول - أي : أتانا غلامه أو خادمه ( بِصَحْفَةٍ ) هي إناءٌ كالقصعة ، وقيل : إناء مبسوط كالصَّحيفة ؛ (فِيْهَا ) أي : في تلك الصَّحفة ( خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَلَمَّا وُضِعَتْ)؛ أي: الصَّحفة الَّتي فيها خبز ولحم ( بَكَىْ عَبْدُ الرَّحْمُنِ ) بن عوف ؛ خوفاً مما يترتب على السَّعة في الدُّنيا . ( فَقُلْتُ ) له (: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ) هذه كنية عبد الرحمن ( مَا يُبْكِيْكَ ؟ ) أَنْ أُ شيء يجعلك باكياً ؟ . ٣٥ فَقَالَ: تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ ، فَلاَ أُرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرِ ؛ فَرَأَيْتُهُ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْع مِنَ الْجُوعِ وَمَعْنَى ( الإِفْعَاءِ ) : التَّسَانُهُ إِلَّى وَرَاءِ . ( فَقَالَ: تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ وَلَمْ يَشْبَعْ ) أي يومين متواليين !! في خبر عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ( هُوَ وَأَهْلُ بَيِّتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيْرِ ) . وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌ِهِمِنَ الدُّنْيًا؛ وَلَمْ يَشْبَعِ مِنْ خُبْزِ الشَّعير )) رواه البخاري. ولعل ما في الصَّحفة كان مشبعاً لهم ؛ فلذلك بكى . ( فَلاَ أُرَانَا ) - بضمِّ الهمزة - أي: لا أظنُّنَا ( أُخْزْنَا) - بصيغة المجهول - أي : أُبْقِينا بعده موسَّعاً علينا وقد ضُيِّق عليه ( لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا! ) ، لأَنَّه إذا كان خير النَّاس حاله كذلك ؛ فما صرنا إليه من السَّعة يُخاف عاقبته ، ومن ثَمَّ كان الصدر الأول يخافون على مَن هو كذلك أنَّ إنَّمَا عُجِّلت له طيباته في حياته الدنيا . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل)) ( عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ أَنَّهُ أُنِيَ ) أي: جيء. ولفظ (( الشمائل)): حدثنا أحمد بن منيع قال : حدثنا الفضل بن دکین قال : حدثنا مصعب بن سليم قال : سمعت أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يقول: أُتي ( رَسُوْلُ اللهِهِ [بِتَمْرٍ فَرَأَيْتُهُ يَأْكُلُ]) حال من مفعول ((رأيتُ))؛ ( وَهُوَ مُفْعٍ) ؛ أي : متساند إلى ما وراءه (مِنَ ) الضَّعف الحاصل له بسبب ( الجُوْعِ ) ، فلذلك قال المصنف : ( وَمَعْنَى الإِثْعَاءِ) هنا (: التَّسَانُدُ إِلَى وَرَاءٍ) وجملةُ ((وهو مقع)) حالٌ من فاعل (( يأكل)). وفي ((القاموس)): أقعى في جلوسه تَسَاند إلى ما وراءه، وليس في هذا ٣٦ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْخُذُ مِمَّا آتَاهُ اللهُ تَعَالى إِلَّ قُوتَ عَامِهِ فَقَطْ، مِنْ أَيْسَرِ مَا يَجِدُ مِنَ الثَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَرَوَى أَلْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ : ما يفيد أن الاستناد من آداب الأكل ، لأنَّه إنَّما فعله لضرورة الضعف ، وليس المراد بالإقعاء هنا النَّوع المسْنُون في الجلوس بين السجدتين ؛ وهو أن يبسط ساقيه ويجلس على عقبيه ، ولا النَّوع المكروه في الصَّلاة ؛ وهو أَن يجلس على أَلْبَيْه ناصباً ساقيه . قاله الباجوري كالمناوي . (وَ) في ((الإِحياء)): (كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ لاَ يَأْخُذُ مِمَّا آتَاهُ اللهُ تَعَالَىْ إِلاَّ قُوْتَ عَامِهِ فَقَطْ؛ مِنْ أَيْسَرِ مَا يَجِدُ مِنَ النَّمْرِ وَالشَّعِيْرِ ، وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ فِي سَبِيْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ) قال العراقي : متفق عليه ، بنحوه من حديث عمر بن الخطاب ، وقد تقدَّم في ((الزَّكاة))، وقال في ((الزَّكاة)): أخرجاه من حديث عمر: كانَ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةٌ . وللطبراني في «الأوسط)) من حديث أنس: كانَ إذَا اذَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَّةٍ تصدَّقَ بِمَا بَقِيَ . قال الذَّهبي : حديث منكر . انتهى . قلت : وفي حديث عمر بن الخطاب ومخاصمةٍ علي بن أبي طالب والعباس في أموال بني النضير ما نصه : قَالَ: فَإِنِّي سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ هَذَا الْفَيْءِ . ثم ساق ، وفيه : وَلَقَدْ قَسَّمَهَا بَيْنَكُمْ وبَِّّها فيكم حَتَّى بَقِيَ مِنْها هَذَا الْمال ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ على أَهْلِهِ رِزْقَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْمَعُ مَا بَقِيَ منه مَجْمَعُ مَالِ الله عزَّ وجلَّ .. الحديث . وفي رواية : وكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلى أَهْلِهِ ... فهذا يؤيِّد ما أخرجه الطبراني. فتأمل. انتهى. (( شرح الإحياء )) . ( وَرَوَىْ) الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ( البُخَارِيُّ ) - وقد تقدمت ترجمته - ( وَ) الإمام أبو الحسين ( مُسْلِمُ) بن الحجّاج القشيري النيسابوري في ٣٧ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاءٌ لِعَشَاءٍ ، وَلاَ عَشَاءٌ لِغَدَاءٍ . وَرَوَى اُلْتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَدَّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ . ((صحيحيهما))؛ من حديث عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كما تقدم آنفاً ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِّهِ كَانَ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً ). ولا تعارض بينه وبين ما روي عنه أنه وَّ كان لا يدَّخرُ قوت غدٍ ، كما سيأتي فإنَّ معناه لا يدخر لنفسه ، وأمَّا لعياله فقد كان يدخر لهم قوت سنة ، على أنَّه مع ذلك كان تَنُوبُه أشياء يخرج فيها ما ادَّخره لهم ، فلا تَنافي بين ادخاره ومضي الزمن الطويل عليه؛ وليس عنده شيء له ولا لهم. انتهى ( شرح ((الإحياء))) . ( وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: مَا رَفَعَ رَسُوْلُ اللهِنَِّ غَدَاءً لِعَشَاءِ ، وَلاَ عَشَاءٌ لِغَدَاءٍ ) لمزيد ثقته بربِّه . ( وَرَوَى) الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة ( الْتِّزْمِذِيُّ) في ((جامعه)) في (( كتاب الزهد))؛ من حديث قطن بن بشير عن جعفر بن سليمان عن ثابت ( عَنْ أَنَسٍ ) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ كَانَ لاَ يَدَّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ ) أي : لا يدَّخره مُلكاً ؛ بل تمليكاً ، فلا ينافي أنه اذَّخر قوت سنة لعياله ، فإنَّه كان خازناً ، فلما وقع المال بيده قسم لعياله ؛ كما قسم لغيرهم ، فإن لهم حقّاً في الفيء . قال بعض الصوفية : ولا بأس بادخار القوت لأمثالنا ، لأن النفس إذا أحرزت قُوتها اطمأنت . وحقق بعضهم فقال : مَن كانت نفْسه مطمئنة بربِّها كانت عيناه وسكونه إليه ، ٣٨ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَغَدَّى .. لَمْ يَتَعَشَّ ، وَإِذَا تَعَشَّى .. لَمْ يَتَغَدَّ . قَالَ الْقُسْطُلاَنِيُّ فِي (( الْمَوَاهِبِ اللَّهُنَّةِ)) : ( قَدِ اسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَطْوُونَ الأَّيَامَ جُوعاً؛ مَعَ مَا ثَبَتَ: فلا يلتفت لذلك. انتهى ((عزيزي)). قال الشيخ: حديث صحيح. انتهى ((منه)). ( وَ) أخرج أبو نعيم في (( الحلية)) بإسناد ضعيف ؛ عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ◌ّهِ إِذَا تَغَذَّى) - بالدال المهملة - بدليل مقابلته بالعَشاء ، إذ هو بالذال المعجمة شامل للغداء والعشاء ، والغداء - بالمهملة - : من طلوع الشمس إلى الزوال، وبعد الزوال يسمَّى عشاء ؛ قاله الحفني على ((الجامع الصغير)). ( لَمْ يَتَعَشَّ، وَإِذَا تَعَثَّىْ لَمْ يَتَغَدَّ ) أي : لا يأكل في يوم مرتين ؛ تنزُّهاً عن الدنيا ، وتقوِّياً على العبادة ، وتقديماً للمحتاج على نفسه . وفي قلة الأكل فوائد . منها : رقة القلب ، وقوة الفهم والإدراك ، وصحَّة البدن ودفع الأمراض ؛ فإن سببها كثرة الأكل . ومنها : خِفَّة المؤونة ، فإن مَن تعوَّد قلَّة الأكل كفاه من المال قدر يسير . ومنها : التمكُّن من التصدق بما فَضَل من الأطعمة على الفقراء والمساكين . وليس للعبد من ماله إلاَّ ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى. انتهى ((عزيزي)). ( قَالَ ) العلامة الحافظ شهاب الدين : أبو العباس أحمد بن محمد ( القُسْطُلاَنِيُّ) رحمه الله تعالى ( فِي ) كتاب ( (( المَوَاهِبُ اللَّدُنَّةِ)) ) ؛ في النَّوع الأول من ((الفصل الثالث))، الكائن في المقصد الثالث : ( قَدِ أَسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ وَ) كون (أَصْحَابِهِ ) ۔ فهو بالجر ؛ عطفاً على الضمير ، ويجوز نَصْبه مفعولاً معه - ( كَانُوْا يَطْوُوْنَ الأيَّامَ جُوْعاً ؛ مَعَ مَا ثَبَتَ : ٣٩ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ . وَأَنَّهُ قَسَمَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلْفَ بَعِيرٍ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ . وَأَنَّهُ سَاقَ فِي عُمْرَتِهِ مِئَّةَ بَدَنَةٍ ؛ فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا الْمَسَاكِينَ. وَأَنَّهُ أَمَرَ لِأَعْرَابِيِّ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ .. وَغَيْرُ ذَلِكَ. مَعَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْوَالِ ؛ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَغَيْرِهِمْ ، مَعَ بَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَقَدْ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيع مَالِهِ ، وَعُمَرُ بِنِصْفِهِ . وَحَثَّ عَلَى تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ؛ فَجَهَّزَهُمْ عُثْمَانُ بِأَلْفِ بَعِيرٍ ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؟ . وَأَجَابَ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ ١ - أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ) أي يدَّخرُ (لأَهْلِهِ قُوْتَ سَنَةٍ) وسماه ((رفعاً ) تجوُّزاً . ( وَ ٢ - أَنَّهُ قَسَمَ بَيْنَ أَزْبَعَةِ أَنْفُسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلْفَ بَعِيْرٍ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ . وَ ٣ - أَنَّهُ سَاقَ فِي عُمْرَتِهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ ؛ فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا المَسَاكِيْنَ . و٤َ - أَنَّهُ أَمَرَ لأَعْرَابِيِّ بِقَطِيْعٍ مِنَ الفَنَمِ ... وَغَيْرَ ذَلِكَ ) ؛ كإعطائه جماعة كثيرة من أموال خيبر ، وفدك ، وقريظة ، والنضير ، وكانت خالصة له !! ( مَعَ ) وجود ( مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْوَالِ ؛ كَأَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ) بن عبيد الله ( وَغَيْرِهِمْ) ؛ كالزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن عبادة (مَعَ بَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ! وَقَدْ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ أَبُوبَكْرٍ بِجَمِيْعِ مَالِهِ ) ؛ وقال : أبقيت الله ورسوله لعيالي . ( وَ) جاء (عُمَرُ بِنِصْفِهِ، وَحَثَّ عَلَى تَجْهِيْزِ جَيْشِ العُشْرَةِ) [ في ] غزوة تبوك، حين أراد السير إليها ( فَجَهَّزَهُمْ عُثْمَانُ بِأَلْفِ بَعِيْرٍ ) ، وجاء بعشرة آلاف درهم ، إلى النّبِي ◌َ ◌ّ﴿ فوضعها بين يديه (إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ!؟ وَأَجَابَ عَنْهُ) أي : عن هذا الإشكال ؟! الإمام البارع في أنواع العلوم : أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب ( الطَّبَرِيُّ). ٤٠