النص المفهرس
صفحات 1-20
مُنْتَجَى الُولى على وَسَائِل الوصُول إلَى شَمَائِ الرَّسُولُ تأليف العلامة الفقيه الشّيخ المؤرّخ عَبْدِ اللَّه بْسَعَيْدٍ محمّد عَبَّادِي اللَّحْجِيّ (١٣٤٤ - ١٤١٠ هـ) رَحْمَهَ الله تعالى المُجُلّدُ الثَّانِى دَارُالمُشْفَارة مُتَجَ الُوالِ على وَسَائِل الوصُول إلَ شَمَائِ التَّسُوْلُ الْبَابُ الرَّابِعُ فِي صِفَةٍ أَكْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُرْبِهِ ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّيْنِ . ( البَابُ الرَّابعُ ) مِنَ الكِتَابِ المُشْتَمِلِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ وَمُقدِّمَةٍ وَخَاتِمةٍ . ( فِي ) بَيَانِ مَا وَرَدَ في (صِفَةٍ أَكْلِ رَسُوْلِ اللهِ وَّهِ) وإِدامه. والأَكلُ - بفتح الهمزة - : إدخال الطَّعام الجامد من الفم إلى البطن ، سواء كان بقصد التغذِّي ، أو غيره ، كالتفكُّه ، فمن قال الأكل إدخال شيء من الفم إلى البطن بقصد ((الاغتذاء))) ! لم يصب ، لأنه يخرج من كلامه أكل الفاكهة ، وخرج بالجامد المائع ، فإدخاله ليس بأكل بل شرب ، وأما الأُكل بضمِّ الهمزة فاسم لما يؤكل . ( وَ) في بيان ما ورد في صفة ( شُرْبِهِ) بالضمِّ ، مصدر والفاعل شاربٌ والجمع شاربون ، وشَرْب كصاحب وصَحْب ، وشَرَبَة ككافر وكَفَرَة ، قال في ((المصباح)): والشُّربُ مخصوص بالمص حقيقة ، ويطلق على غيره مجازاً، والقصد هنا بيان كيفية شربه بصل ير ، وفيه ذكر شرابه وهو ما يُشرب من المائعات . ٥ وَنَوْمِهِ وو وَفِيهِ سِنَّهُ فُصُولٍ ( و) في بيان ما ورد في صفة (نَوْمِهِ) ◌ِّ؛ والنَّوم : حالة طبيعية تتعطل معها القوى تسير في البخار إلى الدماغ ، وقيل : غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء ، فهو آفة ، ومِن ثمَّ قيل ( إنَّ النَّوم أخو الموت ) ، وأما السُّنَة ففي الرأس ، والنُّعاس في العين ، وقيل السِّنَةَ هي النُّعاس ، وقيل السُّنة ريح النَّوم يبدو في الوجه ثم ينبعث إلى القلب فيحصل النعاس ثم النوم (وَفِيْهِ سِنَّةُ فُصُوْلٍ ) يأتي بيانها . ٦ الْفَصْلُ الأَوَّلُ فِي صِفَةِ عَبْشِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُبْزِهِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] قَالَ: سَمِعْتُ اُلُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ( الْفَصْلُ الأوَّلُ ) من ( الباب الرابع ) ( فِي) بيان ما ورد في (صِفَةٍ عَيْشِهِ وَلاَ) أي : كيفية معيشته حال حياته ، إلى وقت مماته ، لأن العيش يطلق على الحياة وعلى ما يكون به الحياة . والمراد بالعيش هنا الحياة، والمبوَّب له هنا بيان صفة حياته ◌َ لل هو وأصحابه وما اشتملت عليه حياتهم من الضيق والفقر . ( وَ) في بيان ما ورد في صفة ( خُبْزِهِ ) الخُبْز - بضم الخاء المعجمة وإسكان الباء -: الشيء المخبوز أي : اسم ما يؤكل من نحو بُرّ ، ويفتح الخاء المعجمة مع إسكان الباء مصدر ، بمعنى اصطناع الخُبز بالضمّ . ( عَنْ ) أبي المغيرة ( سِمَاكِ) بكسر السين المهملة ( ابْنِ حَرْبٍ ) بن أوس بن خالد البكري الذهلي الكوفي ، أحد الأعلام التابعين . أدركَ ثمانين صحابياً ، وروى عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وغيرهما ، وروى له مسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه والبخاري في (( التاريخ))، وفي المحدثين من يضعِّفه ، وكان ذهب بصره ثم شُفي وعاد إليه ، ومات سنة : ثلاث وعشرين ومائة هجرية رحمه الله تعالى ( قَالَ : سَمِعْتُ ) أبا عبد الله ( الثُّعْمَانَ ) - بضم النون - ( بْنَ بَشِيْرٍ ) - بالباء الموحدة ٧ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ . والشين المعجمة - بِزِنَةِ ((نذير)) ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ، هو وأبوه وأمُّه صحابيون ، اسم أمِّه : عمرة بنت رواحة . وولد التُّعمانُ على رأس أربعة عشر شهراً من الهجرة على الأصح ، وهو أوَّل مولود من الأنصار بعد الهجرة ، استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة ، واستعمله عليها بعده يزيد بن معاوية ، وكان كريماً جواداً شاعراً . وروي له عن النَّبِي وَلِّ مائة حديث وأربعة عشر حديثاً ؛ اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة ، وانفرد البخاري بحديث ، وانفرد مسلم بأربعة . وروى عنه ابناه محمد وبشير ، وعروة بن الزُّبير والشعبي وآخرون . قُتِل بالشام بقرية من قرى حمص في ذي الحجة سنة أربع وستين ، وقيل سنة ستين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا ؛ يَقُوْلُ: ( أَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ ) أي : ألستم متنعمين ؟! في طعام وشراب الذي شئتموه من التوسعة والإفراط! فـ (( ما)) موصولة ، وهي بدل مما قبله ، والقصد التقريع والتوبيخ ، ولذلك أتبعه بقوله : ( لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِّكُمْ وَّر) أضاف النبيَّ إلى المخاطبين؛ للإشارة إلى أنَّه يلزمهم الاقتداء به والمشي على طريقته ، وعدم التطلع إلى الدنيا - أي : إلى نعيم الدُّنيا وزخارفها - والرغبة في القناعة، والمعنى: واللهِ لقد رأيتُ نَبِيَّكُمْ وَّل ( وَ) الحال أنه ( مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ ) - بفتحتين - وهو رديء التمر ( مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ ) لإعراضه عن الدُّنيا وما فيها ، وإقباله على الآخرة ، وهو مع ذلك نضير الجسم ، محفوظ القوة ، حتی إن رأيته لا تقول ( به جوع )) !. وفي « مسند )) الحارث بن أبي أسامة عن أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أنَّ فاطمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا جاءت بكسرة خبز إلى المصطفى وََّ، فَقَال: ((مَا هَذِهِ؟)) ٨ وَ( الدَّقَلُ ) : رَدِيُ الثَّمْرِ . وَكَانَ أَكْثَرَ طَعَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الثَّمْرُ وَالْمَاءُ . قالت : قرصٌ خبزته فلم تَطِب نفسي حتى أتيتك بهذه . فقال: (( أَمَا إِنَّه أَوَّلُ طَعْمٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ » . وَرُوِيَ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أنها قالت: لم يشبعِ ◌ّ قط ، وما كان يسأل أهله طعاماً ولا يشتهي ؛ إن أطعموه أكل ، وما أطعموه قَبِل ، وما سقوه شرب . وذلك كله رفعة في مقامه الشريف ، وزيادة في علو قدره المنيف . واعلم أن فقره وَّ ر كان اختيارياً؛ لا كرهاً واضطرارياً !! وقد استمر عليه حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي ، فلا يحتاج إلى ما قاله بعضهم من (( أن هذا كان في ابتداء الحال)) . والله أعلم . وقد انقسم النَّاس بعده عليه الصَّلاة والسَّلام أربعة أقسام : قسم لم يرد الدُّنيا ولم ترده ؛ كالصِّدِّيق الأكبرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . وقسم لم يرد الدُّنيا وأرادته ؛ كالفاروق . وقسم أرادها وأرادته ؛ كخلفاء بني أمية ، وبني العباس ؛ إلاَّ عمر بن عبد العزيز . وقسم أرادها ولم ترده ؛ كمن أفقره الله تعالى ، وامتحنه بجمعها وحُبِّها . (وَالذَّقَلُ) - بفتح الدال والقاف؛ بوزن ((دخل)) و((فرس))، ـ هو : ( رَدِيْءُ التَّمْرِ ) ويابسُه ، وما ليس له اسم خاص . ( وَ) قال حجة الإسلام الغزالي، والشعراني في ((كشف الغمة)): ( كَانَ أَكْثَرَ طَعَامِ رَسُوْلِ اللهِوَةِ الثَّمْرُ وَأَلْمَاءُ ) . قال العراقي : روى البخاري من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : تُوفِّي رَسُولُ اللهِنَّهِ وَقَدْ شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ؛ الثَّمر والْماء)). ٩ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ نَمْكُثُ شَهْراً مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارِ، إِنْ هُوَ إِلَّ الثَّمْرُ وَأَلْمَاءُ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ( وَ) رَوَى الترمذي وغيره في ((الشمائل)) وغيرها؛ (عَنْ عَائشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: كُنَّا)، وفي نسخة من ((الشمائل)): إنْ كنا؛ بزيادة ((إن)) المخفّفة من الثقيلة ، والمعنى : إنَّا كُنَّا ( آلُ مُحَمَّدٍ ) ؛ بالرفع بدل من الضمير في ((كنا))، وبالنصب على تقدير ((أعني)) أو ((أخص))، وجعله خبر (( كنا)) بعيد لأنَّ القصد ليس كونهم آله ، بل المقصود بالإفادة ما بعده ، وهو قولها : (نَمْكُثُ شَهْراً) لا يشكل عليه رواية (( الصحيحين)) الآتية عنها ؛ شهرين !! لأن الأكثر لا ينفي الأقل ، ولا يشكل عليه اتفاق النحاة على لزوم اللاَّم في الفعل الواقع في خبر ((إن )) المخففة ؛ لأنَّه محمول على الغالب ، فعائشة من فصحاء العرب وقد نطقت به بلا لام !! (مَا نَسْتَوْقِدُ) - حال، وجعله خبراً بعد خبر !! بعيد ــ ( بِنَارٍ ) أي: لا نُهَيُِّ شيئاً نطبخه بها ( إِنْ هُوَ ) أي : الذي نتناوله ( إِلاَّ الثَّمْرُ وَالْمَاءُ ) أي : ما طعامنا إلا الثَّمر والماء ، وفي رواية: ((إلّ الثَّمر والملح))، وفي أخرى: ((إلا الأسودان))، والجملة مستأنفة جواباً لنحو : ما كنتم تتقوتون . ( وَفِي رِوَايَةٍ ) الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم ( البُخَارِيٍّ) أمير المؤمنين في الحديث مؤلف (( الصحيح )) و((التاريخ)) وغير ذلك، ولد في ثالث شوال سنة : - ١٩٤ - أربع وتسعين ومائة. وأُلْهِمَ حفظ الحديث في الكُتَّاب وهو ابن عشر سنين ، وحَفِظ (( كتب )) ابن المبارك ووكيع وهو ابن ست عشرة سنة ، وخرج مع أمّه وأخيه أحمد إلى مكَّة وتخلَّف بها يطلب ، وكتب بخراسان والجبال والعراق والشام ومصر . ورَوَى عن مكِّي بن إبراهيم ، وأبي نعيم الفضل بن دُكَين وخلائق من هذه الطّبقة ١٠ وَمُسْلِمٍ : كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ لِعُرْوَةَ : وَاللهِ يَا أَبْنَ أُختِي ؛ ومن بعدهم ، حتى كتب عن أقرانه وعن أصغر منه حتى زاد عدد شيوخه على ألف !!. روى عنه مسلم خارج (( الصحيح )) والترمذي وأبو زرعة وابن خزيمة وابن حبان ومحمد بن يوسف الفربري وهو آخر من روى ((الصَّحيح))، وآخر من زعم أنَّه سمع منه عبد الله بن فارس البلخي . وروى الفربري عنه (( ما وضعت في (( الصحيح)) حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين )) . وقال جماعة من المشايخ: حول البخاري تراجم ((جامعه )) بين قبر النبي ◌َ ﴿ ومنبره، ((وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين)). قال البخاري: صنفت ((كتاب الصحيح )) لستَّ عشرة سنة ، خرجته من ستمائة ألف حديث ، وجعلته حجة بيني وبين الله تعالى !. وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر سنة - ٢٥٦ - ست وخمسين ومائتين، ودفن بـ (( خرتنك)) قرية على فرسخين من سمرقند رحمه الله تعالى رحمة الأبرار آمين . ( وَ) رواية أبي الحسين ( مُسْلِمٍ) بن الحجاج بن مسلم القشيري النَّيسابوري الإمام المشهور صاحب (( الصحيح )) رحمه الله تعالى. ( كَانَتْ عَائِشَةُ) أُم المؤمنين الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ) وعن أبيها ( تَقُوْلُ لِعُزْوَةَ ) بن الزبير ترغيباً للمسلمين ، وتذكيراً للنّعم الطارئة عليهم بعده ببركته عليه الصَّلاة والسَّلام ، وحملاً على التأسي به في التقلل من الدنيا . (وَاللهِ يَا أَبْنَ أُخْتِي ) أسماء ذات النطاقين وهذا لفظ مسلم ، ولفظ البخاري أنها قالت لعروة : ابن أختي ، قال القُسْطُلاَّنيُّ: بوصل الهمزة وتكسر في الابتداء وفتح النون على النداء وأداته محذوفة . ١١ إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَاَلِ ثُمَّ الْهِلاَلِ ثُمَّ الْهِلاَلِ ؛ ثَلاَثَةِ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوْقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ . قَالَ : قُلْتُ يَا خَالَةُ؛ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ ؛ التَّمْرُ وَأَلْمَاءُ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، (إِنْ كُنَا ) إن مخفّفة من الثَّقيلة دخلت على الفعل الماضي الناسخ ، واللاَّم في ( لَنَنْظُرُ) فارقة بينها وبين ((إن)) النافية عند البصريين قاله القُسْطُلأَنِيُّ. ( إِلَىْ الهِلَاَلِ ثُمَّ الِهِلاَلِ ثُمَّ الهِلَاَلِ؛ ثَلاَثَةٍ أَهِلَّةٍ ) بجرٍّ ثلاثة ونصبه بتقدير لننظر ( فِي شَهْرَيْنِ ) باعتبار رؤية الهلال أول الشهر الأول والثاني وآخره ليلة الثالث ، فالمدة ستون يوماً والمرئي ثلاثة أهلة ، ( وَمَا أُوْقِدَ ) بضم الهمزة وكسر القاف ( فِي أَبْيَاتِ رَسُوْلِ اللهِنَِّ نَارٌ) بالرفع نائب عن الفاعل ، لا لطبخ ولا لغيره ، فعند ابن جرير عنها : أهدى لنا أبو بكر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رجل شاة فإني لأقَطِّعها في ظلمة البيت ، فقيل لها : أما كان لكم سراج ؟ ! فقالت : لو كان لنا ما نسرج به أكلناه . ( قَالَ ) أي : عروة ( قُلْتُ : يَا خَالَةُ ) بضم التاء منادى مفرد ، وفي رواية خالتي ( فَمَا كَانَ يُعَيِّئُكُمْ ) بضم أوله من أعاشه الله يعيشه ، وضبطه النَّووي بتشديد الياء الثّانية ، أي : مع فتح العين ؛ قاله الحافظ ابن حجر وغيره ، أي : يدفع عنكم ألم الجوع ويكون سبباً في الحياة . ( قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ ؛ التَّمْرُ وَأَلمَاءُ ) هو على التغليب ، فالماء لا لون له ، وكذا قالوا : الأبيضان اللبن والماء ، وإنما أطلق على التمر أسود لأن غالب تمر المدينة أسود . (إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِ نَّهِ جِيْرَانٌ ) بكسر الجيم جمع جار ؛ وهو المجاور في السكن ( مِنَ الأَنْصَارِ ) سعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حرام وأبو أيوب خالد بن زيد وسعد بن زرارة وغيرهم ؛ قاله الحافظ ابن حجر وتبعه القُسطُلاني في باب الهبة . ١٢ وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَئِحُ ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَيَّسْقِينَاهُ . وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ ( وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ ) بنون ومهملة جمع منيحة وهي العطيّة لفظاً ومعنىّ ، أي غنم فيها لبن، وأصلها عطيّة الناقة أو الشَّاة . وقيل: لا يقال منيحة إلاَّ للنَّاقة وتستعار للشاة . قال الحربي : يقولون منحتك الناقة ، وأعرْتك النخلة ، وأعمرتك الدار ، وأخدمتك العبد ، وكل ذلك هبة منافع؛ لا رقبة! انتهى ((زرقاني)). والمعتمد عند الشافعية : أن أعمرتك الدار كوهبتك الدار في كون كل منهما هبة للرقبة حيث وجد باقي شروط الهبة . والله أعلم . ( فَكَانُوْا يُرْسِلُوْنَ إِلَىْ رَسُوْلِ اللهِِّ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيُسْقِيْنَاهُ) أي : منه لا يخصهم بجميعه ، بحيث لا يتناول منه شيئاً ، ففي رواية الإسماعيلي : فَيَسْقِينَاً منه . ( وَ) أخرج الترمذي من طريق أنس بن مالك، (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حزام ، - بالزاي - ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري المدني . شهد العقبة وبدراً وأُحداً والخندق، والمشاهد كلها مع رَسُولِ اللهِ وَّرِ . وهو أحد النقباء رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، روي له عن رَسُولِ اللهِ وَّر اثنان وتسعون حديثاً ؛ اتَّفق البخاري ومسلم منها على حديثين وانفرد البخاري بحديث وانفرد مسلم بآخر . روى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وأنس وآخرون وجماعات من التابعين . توفي بالمدينة المنورة سنة : - ٣٢ - اثنتين وثلاثين . وقيل أربع وثلاثين ، وهو ابن سبعين سنة كذا قال الأكثرون بأنَّه توفي بالمدينة . ١٣ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ، وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ . وَقَالَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ ( وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرِ حَجَرٍ ) : وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَشُدُّ فِي بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُّهْدِ وَالضُّعْفِ الَّذِي بِهِ مِنَ الْجُوعِ . وصَلَّى عليه عثمان بن عفان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما وعن سائر أصحاب رَسُولِ اللهِ وَ آمين (رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ) وأرضاه . ( قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِنَّهِ الجُوْعَ، وَرَفَعْنَا ) أي : كشفنا (عَنْ بُطُوْنِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ ) بدل اشتمال بإعادة الجار ، أي : رفع كل واحد عن حجر مشدود عن بطنه ، كعادة العرب أو أهل المدينة إذا خلت أجوافهم لئلا تسترخي ، فالتكرير باعتبار تعدد المُخْبِر . ( فَرَفَعَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ ) لِيعلم أصحابه أن ليس عنده ما يستأثر به عليهم ، وتسلية لهم ؛ لا شكاية أن ما بهم من الجوع أصابه فوقه حتى احتاج إلى حجرين !! ( وَقَالَ الإِمَامُ التِّزْمِذِيُّ: وَمَعْنَى قَولِهِ: وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُوْنِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ !! وكَانَ أَحَدُهُمْ يَشُدُّ فِي بَطْنِهِ ) أي عليه ( الحَجَرَ مِنَ الْجَهْدِ ) أي : من أجله، فـ ((من )) تعليلية، والجهد - بضمِّ الجيم وفتحها -: المشقة (وَالضُّعْفِ) - بفتح الضاد ، ويجوز ضمها - وهو كالتفسير لما قبله . وقوله : (الَّذِي بِهِ ) صفة للجهد والضعف ، وإنما أفرد الموصول !! لما علمت من أن الضعف كالتفسير للجهد . وقوله ( مِنَ الجُوْعِ ) أي: الناشىء من الجوع، وفي تعبيره بـ (( معنى)) تجوُّزٌ إذ معنى اللفظ ما دلّ عليه ، وإنما هذا بيان لحكمة وضع الحجر !! ١٤ وَفِي كِتَابِ ((الْمَوَاهِبٍ)): عَنِ أَبْنِ بُجَيْرِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] قَالَ: أَصَابَ النَِّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُوعٌ يَوْماً، فَعَمَّدَ إِلَى حَجَرٍ ، فَوَضَعَهُ عَلَّى بَطْنِهِ ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَاَ رُبَّ نَفْسٍ طَاعِمَةٍ نَاعِمَةٍ فِي الدُّنْيَا .. جَائِعَةٌ عَارِيَةٌ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ ، ( وَفِي كِتَابِ ((المَوَاهِبِ ) اللدنية)) للعلامة القُسْطُلاَنِيّ (عَنِ ابْنِ بُجَيْرٍ ) : بِمُوَخَّدَة وجيم ، صحابي يُعَدُّ في الشاميين ، روى عنه جبير بن نفير هكذا أورده الذهبي في ((التجريد فيمن عُرف بأبيه ولم يُسَمَّ )» تبعاً لأبي نعيم ، وكذا تبعه الحافظ في ((أطراف الفردوس)) والمنذري في (( الترغيب)). وأورده الذهبي أيضاً في باب الكُنى فقال : أبو البجير صحابي روى عنه جبير بن نفير ثم ترجم له أبو بجير، روى عنه ابنه بجير حديثاً. وفي (( الإصابة )) أبو بجير غير منسوب . ذكره ابن منده . وأخرج من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بجير عن أبيه عن جده عن النّبِي وٍَّ قال: ((القرآن كلام ربي)) .. الحديث وسنده ضعيف. وترجم عقبه أبو البجير ، استدركه ابن الأمين وعزاه لابن العرضي في ((المؤتلف)»، ولعله ابن البجير الآتي في المبهمات . انتهى . فيجوز أن ابن بجير يكنى بأبي البجير فلا خلف ، ثم هما شخصان كلٌّ يكنى بأبي البجير ، وراوي هذا الحديث ليس هو الذي روى عنه ابنه ، بل الثاني الذي روى عنه جبير بن نفير كما بيَّنَه في « الجامع الكبير)) . وأما الذي روى عنه ابنه فإنما له حديث: ((القرآن كلام ربي)) انتهى «زرقاني)). ( قَالَ: أَصَابَ النَِّيَّ ◌َِّ جُوْعٌ يَوْماً، فَعَمَّدَ ) - بفتح الميم - ( إِلَى حَجَرٍ ، فَوَضَعَهُ عَلَىْ بَطْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلاَ) - حرف تنبيه تؤكّد بها الجملة المصدرة بها - ( رُبَّ نَفْسٍ ) وفي رواية: ((ألا يا رُبَّ نفسٍ)) بأداة النداء وحذف المنادى ؛ أي : ألا يا قوم رُبَّ. وهي للتقليل، والمقام مقام تخويف وتهويل ( طَاعِمَةٍ نَاعِمَةٍ فِي الذُّنْيَا ) ؛ أي : مشغولة بلذات المطاعم والملابس ، غافلة عن أعمال الآخرة ( جَائِعَةٌ عَارِيَةٌ) - بالرفع خبر مبتدأ - أي : هي لأنَّه إخبار عن حالها ( يَوْمَ القِيَامَةِ ) ١٥ أَلاَ رُبَّ مُكْرِمٍ لِنَفْسِهِ .. وَهُوَ لَهَا مُهِينٌ ، أَلاَ رُبَّ مُهِينٍ لِنَفْسِهِ .. وَهُوَ لَهَا مُكْرِمٌ )) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لا في الدُّنيا لوصفها فيها بضد ذلك ، أي : تحشر وهي كذلك ، يوم الموقف الأعظم، زاد في رواية ابن سعد والبيهقي: (( ألا يا رُب نفس جائعة عارية في الدُّنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة )) . ( أَلَاَ رُبَّ مُكْرِمٍ لِنَفْسِهِ ) بمتابعة هواها وتبليغها مناها بتبسطه بألوان طعام الدنيا وشهواتها ، وتزينه بملابسها ومراكبها ، وتقلبه في مبانيها ، وزخارفها ، ( وَهُوَ لَهَا مُهِيْنٌ) أن ذلك يبعده عن الله ، ويوجب حرمانه من مثال حظ المتقين في الآخرة . ( أَلاَ رُبَّ مُهِيْنٍ لِنَفْسِهِ) بمخالفتها وإذلالها ، وإلزامها بعدم التطاول ، والاقتصار على الأخذ من الدُّنيا بقدر الحاجة ، ( وَهُوَ لَهَا مُكْرِمٌ)) ) يوم العرض الأكبر لسعيه لها ، فيما يوصلها إلى السعادة الأبدية والراحة السرمدية . رواه ابن أبي الدنيا وضعَّفه المنذري ، وأخرجه ابن سعد والبيهقي بزيادة : ((أَلَاَ يا رُبَّ متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله !؟ ما له عند الله من خلاق. أَلاَ وإنَّ عمل الجنة حَزْن بربوة ، أَلاَ وإِنَّ عمل النار سهل بشهوة !! ألا رُبَّ شَهوةٍ ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً )) . وروى ابن أبي الدُّنيا وغيره عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : دخلت على النبي ◌َّر وهو يصلي جالساً، فقلت : ما أصابك : قال : ((الْجُوعُ)). فبكيت، فقال: ((لاَ تَبْكِ فإنَّ شِدَّةَ الْجُوعِ لا تُصِيبُ الْجَائِعَ - أيْ: في يوم القيامة - إِذَا أُخْتُسِبَتْ فِي دَارِ الذُّنْيَا » . ( وَ) روى مسلم وأصحاب ((السنن الأربعة)) والترمذي أيضاً في (( الشمائل)): كلهم ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ) . ١٦ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لاَ يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: (( مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبًا بَكْرٍ؟ ))، قَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْظُرَ فِي وَجْهِهِ ، وَالتَّسْلِیمَ عَلَيْهِ ، ورواه مالك عنه في ((الموطأ)» بلاغاً والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ؛ عن عمر بن الخطاب ، وابن حبان عن ابن عباس ، وابن مردويه عن ابن عمر ، والطبراني عن عبد الله بن مسعود ، وفي سياقهم اختلاف بالزيادة والنقص . ( قَالَ) - أي - أبو هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ كما ((في الشمائل)) : (خَرَجَ رَسُوْلُ اللهِ وَّر) أي: من بيته إلى المسجد، أو إلى غيره ( فِي سَاعَةٍ لاَ يَخْرُجُ فِيْهَا ) ؛ أي: لم تكن عادته الخروج فيها ، ( وَلا يَلْقَاهُ فِيْهَا أَحَدٌ ) أي : باعتبارها عادته . وهذه الساعة يحتمل أن تكون من الليل وأن تكون من النهار !! ويعيِّنُ الأول ما في مسلم أنه بَّ خرج ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر ؛ فقال: (( مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ )). قالا : الجوع يا رسول الله . قال: (( وَأَنَا وَأَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَخْرَ جَنِي أَلَّذِي أَخْرَجَكُمَا !! قُوْمَا)). فقاما معه ، فأتوا رَجُلاً من الأنصارِ ، وهو أبو الهيثم بن التَّيِّهان . انتهى . وفي شرح ملّ علي قاري على ((الشمائل)) ما يعيِّنُ الثاني ، وهو ما روي عن جابر: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ وَّرِ ذاتَ يومٍ جائِعاً فلم يجد عند أهله شيئاً يأكُله ، وأصبَح أبو بكر جائعاً ... الحديث . ولعل ذلك تعذَّد فمرة كان ليلاً ومرة كان نهاراً ! . ( فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ: (( مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟!))) أي : ما حملك على المجيء ؟ ( قَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَىْ رَسُوْلَ اللهِ) أي: حال كوني أريد أن ألقى رَسُولَ اللهِ (رَله وأَنْظُرَ فِي وَجْهِهِ ) أي : وأريد أن أنظر في وجهه الشريف ، ( وَالتَّسْلِيْمَ عَلَيْهِ ) ١٧ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: (( مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟ )) ، قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ )). فَأَنْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ - بالنصب - على أن التقدير: وأريد التسليم عليه ( فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ ) أي : فلم يلبث مجيءُ عمر، فـ (( أن )) وما بعدها في تأويل مصدر فاعل ، والمعنى لَم يتأثّر مجيء عمر ، بل حصل سريعاً بعد مجيء أبي بكر . (فَقَالَ) أي: النبيِ نَّهِ (: ((ما جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟!))) أي: ما حملك على المجيء ؟ . ( قَالَ : الجُوْعُ يَا رَسُوْلَ اللهِ! ) كأنه جاء ليتسلَّى عنه بالنظر إلى وجهه المكرم ، وكان ذلك بعد كثرة الفتوحات ، وكثرتُها لا تنافي ضيق الحال في بعض الأوقات ! لا سيما بعدما تصدَّق أبو بكر بماله . ( قَالَ ) رسول الله (وَّةُ: ((وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ)) ) الجوع الذي أدركك! قاله تسلياً وإيناساً لهما لِمَا علم من شدَّة جوعهما، ( [ فَأَنْطَلَقُوْا ]) أي : ذهبوا وتوجهوا ( إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ) - بِمثلثة - هكذا صرَّح به في ((الموطأ)) ؛ والترمذي ، وكذا البزار ، وأبو يعلى ، والطبراني ؛ عن ابن عباس ، والطبراني أيضاً عن ابن عمر . وفي رواية عند الطبراني وابن حبان (( في صحيحه )) عن ابن عباس أنَّه أبو أيوب ، والظاهر أن القضية اتفقت مرة مع أبي الهيثم ، كما صرَّح به في أكثر الروايات ، ومرة مع أبي أيوب . وفي رواية مسلم : رجلاً من الأنصار . وهي محتملة لهما ، وعلى كل ففيه منقبة عظيمة لكلِّ منهما إذ أهَّله وَ لِّ لذلك ، وجعله ممن قال الله فيهم : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [٦١/ النور]. انتهى ((زرقاني)). ١٨ أَبْنِ النَّهَانِ الأَنْصَارِيِّ - وَكَانَ رَجُلاً كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ - فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالُوا لِمْرَأَتِهِ: (( أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ ))، فَقَالَتْ: إِنْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ . واسم أبي الهيثم : مالك ( بْنُ التَّهَانِ ) - بفتح التاء المثناة فوق ، وتشديد الياء المثناة ، تحت مكسورة - وهو لقب ، واسمه عامر بن الحارث ، وقيل : عتيك بن عمرو ( الأَنْصَارِيِّ ) أي : المنسوب للأنصار لأنه حليفهم ، وإلاَّ! فهو قضاعي ترهَّب قبل الهجرة ، وأسلم وحسن إسلامه . وانطلاقهم إلى منزله لا ينافي كمال شرفهم ، فقد استطعم موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام قبلهم ، وكان للمصطفى مندوحة عن ذلك ؛ ولو شاء لكانت جبال تهامة تمشي معه ذهباً ؛ لكن الله سبحانه وتعالى ، أراد أن يهتدي الخلائق بهم ، وأن يستنَّ بهم السنن ، ففعلوا ذلك تشريعاً للأمة . وهل خرج ◌َ﴿ قاصداً من أوَّل خروجه إنساناً معيناً، أو جاء التعيين بالاتفاق ؟ ! احتمالان ، قال بعضهم : الأصحُ أن أوَّل خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة معينة ، لأن الكُمَّلَ لا يعتمدون إلاَّ على الله تعالى . (وَكَانَ) أي: أبو الهيثم (رَجُلاً) من أشرافِ الصحابةِ وأكابرهم، (كَثِيْرَ النَّخْلِ ) ؛ واحده نخلة، ( وَالشَّاءِ ) بالهمز ؛ جمع شاة بالتاء ، وتجمع أيضاً على شياه . ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ ) - بفتحتين - جمع خادم ، يقع على الذكر والأنثى . وليس المرادُ نفيَ الجمع ، بل نفي جميع الأفراد ، إذلم يكن له خادم لا ذكر ولا أنثى ، والمقصود من ذكر ذلك بيانُ سبب خروجه بنفسه لحاجته ، فهو توطئة لقوله : ( فَلَمْ يَجِدُوْهُ) أي : في البيت لاحتياجه إلى خروجه ، بسبب خدمة عياله (فَقَالُوْا لامْرَأَتِهِ: ((أَيْنَ صَاحِبُكِ؟)))؛ وهو أحسن عبارةً من ((زوجك)). ( فَقَالَتِ : أَنْطَلَقَ ) أي: ذهب ( يَسْتَعْذِبُ لَنَا المَاءَ ) ؛ أي : يأتي لنا بماء عذب ، من بئر ، وكان أكثرُ مياه المدينة مالحةً . ١٩ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا - أَيْ : يَمْلَؤُهَا - فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفَدِّيهِ بِأَبِهِ وَأُمَّهِ. ثم إن هذه المرأة تلقَّتهم أحسن التلقِّي ، وأنزلتهم أكرم الإنزال ، وفعلَت ما يليق بذلك الجناب الأفخم ، والملاذ الأعظم . ويؤخذ من ذلك حلُّ تكليم الأجنبيّة ، وسماع كلامها مع أمن الفتنة ؛ وإن وقعت فيه مراجعة . ويؤخذ منه جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها ؛ إذا علمت رضاه ، وجواز دخول الضيف منزل الشخص ، بإذن زوجته ؛ مع علم رضاه، حيث لا خلوة محرَّمة . ويؤخذ منه حلُّ استعذاب الماء ، وجواز الميل إلى المستطاب طبعاً من ماء وغيره وأن ذلك لا ينافي الزهد . ( فَلَمْ يَلْبَثُوْا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ ) أي : فلم يمكثوا زمناً طويلاً ، إلى أن جاء أبو الهيثم ، بل مكثوا يسيراً لقرب مجيئه لهم ، والمعنى أنه لم يكن لهم انتظارٌ كثير إلى مجيئه ( بِقِرْبَةٍ ) أَي : متلبساً بقربة ، وحاملاً لها ( يَزْعَبُهَا ) - بتحتية مفتوحة ، فزاي ساكنة ، فمهملة ، فموخَّدة - ؛ مِن زَعَب القربة كنَفَخ إذا مَلأَها فلذلك قال المصنف : ( أَيْ : يَمْلَؤُهَا ) وقيل : حملها ممتلئة . ويؤخذ منه أن خدمة الإنسان بنفسه لأهله ، لا تنافي المروءة ، بل هي من التواضع ، وكمال الخلق ، ( فَوَضَعَهَا ) أي : القربة ( ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ ◌َّر ) : يُعانقه ، ويلصق صدره به ؛ تبركاً به . ( وَيُقَدِّيْهِ) - بضم ففتح فتشديد - ( بِأَبِيْهِ وَأُمِّهِ ) أي: يقول : فداك أبي وأمي . ٢٠