النص المفهرس
صفحات 581-600
قَالَ : وَلَمْ أَثْبِتْهَا أَتِّكَالاً عَلَىْ شُهْرَتِهَا، وَلِصُعُوبَةِ ضَبْطٍ تَسْطِيرِهَا إِلَّ عَلَى حَاذِقٍ . السَّبيل ، وأوردنا مع الزَّعيل الأَوَّل مناهل الرحيق والسَّلسبيل - أنَّ جماعة من الأَئِمَّة المغاربة ، المقتدى بهم تعرضوا للمثال الطّاهر ، وحسنه الباهر ، وأقرُّوا بمشاهدته عين النّظر ؛ منهم الإِمام أبو بكر بن العربي ، والحافظ أبو الرَّبيع بن سالم الكلاعي ، والكاتب الحافظ أبو عبد الله بن الأَبَّار، والرَّخَّالة أبو عبد الله بن رشيد الفِهْرِي ، والرَّاوية أبو عبد الله محمَّد بن جابر الوادياشيْ ، وخطيب الخطباء أبو عبد الله بن مرزوق ، والمفتي الإمام أبو عبد الله محمد الرّضاع التّونسي، والوليِّ الصّالحِ الشَّهير ؛ أبو إسحاق إبراهيمُ بن الحاج السُّلمي الأندلسي المُرِّي ، وعنه أخذ ابن عساكر المثال ، وغَيْرِ هؤلاءِ ممَّن يطول تعدادُهم : كأبي الحَكَمِ مَالِك بْن المُرَحِّل ، وابْنِ أبي الخصال ؛ وهم القدوة ولنا بهم أسوة .. وتلاهم من أهل الشَّرق جماعة ؛ كالحافظ ابن عساكر وتلميذه البدر الفارقي ، والحافظ العراقي، وابنه ؛ أي: الوليّ العراقيّ، والشَّيخ القسطلاني في (( مواهبه اللَّدُنَّة)) وغيرهم . قال الإِمام المقَّري : وقد بلغني عن بعض الأَغمار ممَّن هو كمثل الحمار أنَّه أنكر تصويري الأمثلة الشّريفة ذات الظُّلال الوريفة ؛ قائلاً : كيف تنهون عن الصور وأنتم تفعلونها ؟ !! فقلت لمن بلغني عنه ذلك: قل له : وأنتم لم تتكلَّمون في الأمور التي تجهلونها ، وليس هذا من تلك الصُّور ، لا في ورد ولا صدر . انتهى . ثمَّ ذكر في كتابه المذكور ستّة أَمثلة للنَّعل الشَّريفة ؛ منها مثالان عليهما المعوَّل والاعتماد ، وأربعة أمثلةٍ دونهما في القوَّة . ( قَالَ ) ؛ أي : القُطُلآني: ( وَلَمْ أُثَبَتْهَا) هنا ( اتِّكَالاً عَلَىْ شُهْرَتِهَا، وَلِصُعُوبَةٍ ضَبْطِ تَسْطِيْرِهَا إِلَّ عَلَى حَاذِقٍ ) - بالحاء المهملة والذَّال المعجمة آخره قاف - أي: ماهر ، وقد ذكر الحافظ العراقيّ صفتها نظماً في أبيات تقدَّمت قريباً . ٥٨١ وَمِنْ بَعْضِ مَا ذُكِرَ مِنْ فَضْلِهَا، وَجُرِّبَ مِنْ نَفْعِهَا وَبَرَكَتِهَا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَحمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ - وَكَانَ شَيْخاً صَالِحاً - أَعْطَىُ مِثَالَهَا لِبَعْضٍ الطَّلَبَةِ، فَجَاءَهُ وَقَالَ لَهُ : رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ مِنْ بَرَكَةِ هَذَا النَّعْلِ عَجَباً ؛ أَصَابَ زَوْجَتِي وَجَعٌ شَدِيدٌ كَادَ يُهْلِكُهَا فَجَعَلْتُ النَّعْلَ عَلَى مَوْضِعِ اُلْوَجَعِ، وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَرِي بَرَكَةَ صَاحِبِ هَذَا النَّعْلِ .. فَشَفَاهَا اللهُ تَعَالَى لِلْحِينِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مُحَمَّدٍ : وَمِمَّا جُرِّبَ مِنْ بَرَكَتِهِ : أَنَّ مَنْ أَمْسَكَهُ عِنْدَهُ مُتَبَرِّكاً بِهِ . . كَانَ لَهُ أَمَاناً مِنْ بَغْىِ الْبُغَاةِ ، ( وَمِنْ بَعْضٍ مَا ذَكَرَ ) أبو اليُمن، ابن عساكر في جُزئِهِ المذكور ( مِنْ فَضْلِهَا، وَجَرَّبَ مِنْ نَفْعِهَا، وَبَرَكَتِهَا؛ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ ؛ أَحمَدَ بْنَ عَبْدِ المَجِيْدِ ؛ وَكَانَ شَيْخاً صَالِحاً) ورعاً ( أَعْطَىْ مِثَالَهَا لِبَعْضِ الطََّبَةِ، فَجَاءَهُ ) ؛ أي : ذلك البعض ( وَقَالَ لَهُ : رَأَيْتُ البَارِحَةَ) - بِالحاء المهملة - ؛ أي: اللَّيلة الماضية قبل يومك الَّذي أَنْتَ فيه . وعادة العرب تقول ؛ قبل الزَّوال : فعلنا اللَّيلة كذا لقُربها مِن وقت الكَلام ، وتقول بعد الزَّوال : فعلت البارحة كذا . انتهى . ( مِنْ بَرَكَةِ هَذَا التَّعْلِ ) الشَّريف ( عَجَباً ) . قال الشَّيخ أبو جعفر : فقلت له : وما رأَيْتَ ؟ قال : ( أَصَابَ زَوْجَتِي وَجَعٌ شَدِيْدٌ كَادَ يُهْلِكُهَا فَجَعَلْتُ النَّعْلَ عَلَى مَوْضِعِ الوَجَعِ ، وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ؛ أَرِنِي بَرَكَةَ صاحِبٍ هَذَا النَّعْلِ. فَشَفَاهَا اللهُ تَعَالَىْ لِلْحِيْنِ)، أيَ: سريعاً. ( وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ) إبراهيم بن محمَّد؛ الشَّهير بـ (( ابن الحاجِّ))، السَّابق قريباً : ( قَالَ أَبُو القَاسِمِ ) القاسم ( بْنُ مُحَمَّدٍ ) ؛ شيخ أبي إسحاق المذكور : ( وَمِمَّا جُرِّبَ مِنْ بَرَكَتِهِ: أَنَّ مَنْ أَمْسَكَهُ عِنْدَهُ مُتبَرِّكاً بِهِ كَانَ لَهُ أَمَاناً مِنْ بَغْيٍ ٥٨٢ وَغَلَبَةِ الْعُدَاةِ، وَحِرْزاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ، وَعَيْنِ كُلِّ حَاسِدٍ ، وَإِنْ أَمْسَكَتْهُ الْحَامِلُ بِيَمِينِهَا وَقَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهَا الطَّلْقُ .. تَيَسَّرَ أَمْرُهَا بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي بَكْرِ القُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: البُغَاةِ، وَغَلَبَةِ العُدَاةِ ) - بضم العين المهملة فقط لثبوت الهاء - فهو كقضاة ؛ قاله ابن القاصح وغيره . (وَحِرْزاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ): عاتٍ خارج عن الطَّاعَةِ ، ( وَعَيْنِ كُلِّ حَاسِدٍ ، وَإِنْ أَمْسَكَتْهُ) المرأة ( الحَامِلُ بِيَمِيْنِهَا وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهَا الطَّلْقُ) - بفتحِ الطَّاء المهملة وسكون اللَّّم -: وجع الولادة ، يُقال: طُلِّقَتِ المرأةُ ، مبنيّاً للمفعول طلقاً ، فهي مطلوقةٌ؛ إذا أخذها المخاضُ: وهو وجع الولادة. انتهى؛ قاله في ((المصباح)). ( تَيَشَرَ أَمْرُهَا ) ؛ أي : سَهُل خلاصها وتيسَّرت ولادتها ، قال المقَّري : قلتُ: وقد جربته فصَّحَ ( بِحَوْلِ اللهِ تَعَالَىْ وَقُوَّتِهِ ) ؛ لا رب غيره ولا معبود سواه لبريته . ومن خواصِّ مثال النَّعَل الشَّريف أيضاً ، ومنافعه المنقولة عن الثَّقات الَّذين لا يُمترى في صِدْقٍ أَخبارِهِمْ: أَنَّ أَمانٌ مِنَ النَّظرةَ والسِّحْرِ ، وإِنَّ من لازَمَ حمله كان له القَبول التَّامُ من الخلق، ولا بدَّ أنْ يزور النَّبِيِّ وَِّ؛ أَو يَرَاهُ في منامِهِ ، وإنَّه لم يكن في جيشٍ فهزِمَ ، ولا في قافلةٍ فَنُهِبَتْ ، ولا في سفينة فَغَرِقَتْ ، ولا في بيت فأُحْرِقَ ، ولا في متاع فَسُرِقَ ، وذلك ببركة النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وكَرَّم . انتهى ؛ من مختصر (( فتح المتعال)) للمصنف رحمه الله تعالى . ومن أراد المزيد فليراجع ((جواهر البحار)) في رسالة «بلوغ الآمَال)). (وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ) - ((ما)) تعجُّبِيَّة، بمعنى: شيءٌ عظيم، و((أحسن)) فعل تعجُّبٍ وفاعله مُسْتَتر فيه وجوباً ، و((قول)) منصوبٌ على المفعوليةِ لفعل الثَّعُّب - والتقدير: شيءٌ عظيمٌ حَسَّنَ قَوْلَ ( أَبِي بَكْرٍ ) أحمد بن الإمام أبي محمد عبد الله بن الحسين الأنصاري، المدعو بـ ((حميد)) (القُرْطُبِيِّ) شهرةً، وهو مالَقي (رَحِمَهُ اللهُ ٥٨٣ وَإِنَّا مَتَى نَخْضَعْ لَهَا أَبَداً نَعْلُو وَنَعْلٍ خَضَعْنَا هَيْبَةً لِبَهَائِهَا حَقِيقَتُهَا تَاجٌ وَصُورَتُهَا نَعْلُ فَضَعْهَا عَلَى أَعْلَى أَلْمَغَارِقِ إِنَّهَا عَلَى التَّاجِ حَتَّى بَاهَتِ الْمَفْرِقَ الرِّجْلُ بِأَخْمَصِ خَيْرِ الْخَلْقِ حَازَتْ مَزِيَّةٌ تعَالَىْ) كان مُقْرئاً مُجوِّداً فقيهاً ، محدِّثاً ضابطاً ، نحويّاً ماهراً، أديباً كاتباً بارعاً ، متينَ الدِّينِ صَادِقَ الوَرَعِ ، سَريعَ العَبْرَةِ ، كثيرَ البُكَاءِ ، معرضاً عن الدُّنيا ، لا يضحك إلا تبشُّماً نادراً، ثمَّ يعقبه بالبكاء والاستغفار، مقتصداً في مطعمه وملبسه، معاناً على ذلك ، مؤيَّداً من الله حتى بلغ من الوَرع رتبةً لم يزاحم عليها ، أَقَرأَ ببلدهِ (( مالَقَة )) القرآنَ ، ودرسَ الفِقْهَ وأسمَعَ الحديثَ وأَذَّب بالعربيَّة ، ثمَّ رحل قاصداً الحجَّ؛ فلمَّا وصلَ مِصْر عظم صِيْتُهُ بِهَا ، فمرض وتعذَّر عليه الحجُّ ، فطلب السُّلطان زيارته فَأَبِىُ ؛ فألحّ عليهِ حتى أذن له ، فعرض عليه جائزة سَنيّة فلم يقبلها ، وتوفِّيَ فحضر جنازته السُّلطان ومن لا يحصى سنة : - ٦٥٢ - اثنتين وخمسين وستمائة. ومولده سنة - ٦٠٧ - سبع - بتقديم السِّين على الموحِّدة - وستمائة رحمه الله تعالى. آمين. ( وَنَعْلٌ) - بالرَّفع أو الجر على ما قبله ؛ إن كان قبله شيء ، أو خبر مبتدأ محذوف - أي : وهذه نعل ( خَضَعْنَا ) : ذللنا، ( هَيْبَةً ): إِجلالاً ( لِبَهَائِهَا ): حسنها حين أبصرناها . ( وَإِنَّا ) - بتشديد النُّون - ( مَتَى نَخْضَعْ لَهَا أَبَداً ) في كل زمانٍ ( نَعْلُوُ ) ، نرتفع . ( فَضَعْهَا ) ؛ أي: النَّعَل أَيُّها الظَّافر بها (عَلَىْ أَعْلَىُ المَفَارِقِ )، الرَّأس ( إِنَّهَا حَقِيقَتُهَا تَاجٌ) تُزَيِّنُ الرَّأس كالتَّاج، وهو الإكليل ( وَصُورَتُهَا نَعْلُ) ، أي : كصورته . ( بِأَخْمَصِ خَيْرِ الخَلْقِ حَازَتْ ) : ضمَّت واكتسبت ؛ (مَزِيَّةٌ ) : فضيلةً ( عَلَى التَّاجِ ) الَّتي تتزيَّنُ به الملوك، ( حَتَّى بَاهَتِ المَفْرِقَ)؛ بزنة ((مَسْجِد)) حيث يفرق الشَّعَر (الرِّجْلُ) - بكسر الرَّاء وإسكان الجيم -. ٥٨٤ أَمَانٌ لِذِي خَوْفٍ، كَذَا يُحْسَبُ الْفَضْلُ شِفَاءٌ لِذِي سُقْمٍ ، رَجَاءٌ لِبَائِسٍ وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَنَّ النَّجَاشِيَّ ( شِفَاءٌ لِذِي سُقْمٍ) - بضمٌّ فسكون -: مرض (رَجَاءٌ) - بالمدِّ ، أيْ : مرجوة - ( لِبَائِسٍ ) ، من أصابه الضمر - اسم فاعل من بئس -. ( أَمَانٌ لِذِي خَوْفٍ، كَذَا يُحْسَبُ): يعد ( الفَضْلُ ) ، من قولهم : حسَبت المال - بفتح السِّين - أحصيتُه عدداً. هذا ما جاء في نعليه وَّر . ( وَ) أَمَّا ما جاءَ فِي خُفِّه !! فقد ذكر بعض أهل السِّير أنَّه كان له وَلَ عدَّة خِفافٍ ؛ منها : أربعةُ أزواجٍ أَصابها في خيبر، وقد ثبت في ((الصَّحيح) من حديثٍ المغيرة رضي الله تعالى عنه، ورواه جمع من الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم أنَّه ◌َؤ مسح على خفّيهِ . وروى جماعة من المحدِّثين ؛ منهم الإمام أحمد ، وأبو داود ، والتِّرمذي وحسَّنه؛ (عَنْ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب الأسْلمِيّ ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَنَّ النَّجَاشِيَّ) - بفتح النُّون على المشهور ، وتكسر ، وتخفيف الجيم وكسر الشِّين المعجمة وتخفيف الياء أفصح من تشديدها ، فهي أصليّة ؛ لا ياء النِّسبة - وتشديد الجيم خطأ، وهو لقب ملوك الحبشة كـ ((تُبَّع)) لليمن، و(( كسرى)) للفُرسِ، و((قيصر)) للروم والشَّام، و((هرقل)) للشَّام فحسب، و((فرعون)) لمصْر ، وهذه ألقابُ جاهلية . واسم هذا النَّجاشي: ((أَصْحمة)) - بالصَّاد والحاء المهملة - والسِّين تصحيف، وقيل : اسمه مكحولُ بْنُ صَعْصَعَة ، والنِّجَاشة بالكَسر : الإِنْفَاذُ ، فلعلَّه سمِّي به لإِنفاذ أمرِهِ !! . أرسلَ إِليه النَّبِيُّ ◌َه عمرو بن أميَّةِ الضَّمري، وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام فأسلم ، ومات سنة تسع ؛ فأخبرهم النَّبِيُّ نَّه بموته يومَهُ، وخرج بهم وصلَّى وصلَّوا معه ، وكبّر أربعاً . وقد تقدَّم كلام يتعلَّق بالنَّجاشي . فراجعه . ٥٨٥ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ ، فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا . وَمَعْنَى ( سَاذَجَيْنِ ): لَمْ يُخَالِطْ سَوَادَهُمَا شَيْءٌ آخَرُ . ( أَهْدَىُ ) - من الإِهداء ، بمعنى: إرسالِ الهَدِيَّةِ، ويتعدَّى باللاَّم وِبِـ ((إلى)) - (لِلنَّبِّ وَُّ خُفَّيْنِ) ؛ أي : وقميصاً وسراويلَ وطيلساناً - كما في الباجوري - ( أَسْوَدَيْنِ ) ؛ نعت للخفَّين وكذا قوله: ( سَاذَجَيْنِ ) - بفتح الذَّال المعجمة وكسرها ؛ أي : غير منقوشين ، أو لا شعر عليهما ، أو على لونٍ واحد . ( فَلَبِسَهُمَا) - بفاء التفريع ؛ أو التعقيب - ففيه أن المهدى إليه ينبغي له التصرف في الهديَّةِ عَقِبَ وصولها بماَ أُهديت لأجْلِهِ ؛ إِظهاراً لِقَبُولِهَا ووقوعها الموقع ، ووصولها وقت الحاجة إليها ، وإِشارةً إلى تواصل المحبَّةِ بينه وبين المُهدي ، حتَّى أنَّ هديته لها مزيّة على ما عنده ؛ وإنْ كان أَعلىْ وأَغْلى . ولا ينحصر ذلك في التألُّف ونحوه ، بل مثله من يعتقد صلاحه أو علمه أو يقصد جَبْرَ خَاطِرِهِ ، أَو دفع شرِّهِ ، أو نفوذ شفاعَتِهِ عنده في مهمَّات النَّاس ، وأشباه ذلك . ويؤخذ من الحديث أنَّه ينبغي قَبَولُ الهديَّةِ حتَّى مِن أَهْلِ الكتاب ، فإِنَّه كان وقت الإِهداء كافراً ؛ كما قاله ابن العربيِّ، ونقله عنه الزَّين العراقي . وفيه أيضاً : عدم اشتراط صيغةٍ ، بل يكفي البعث والأَخذ . ( ثُمَّ تَوَضَّأَ؛ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا)، فيه أنَّ الأَصل في الأشياء المجهولةِ الطَّهارة ، وفيه جواز المسح على الخُفَينِ ، وهو إِجماع من يُعْتَدُّ به ، وقد رَوى المسحَ على الخفَّينِ سَفَراً وَحَضراً ثمانون صحابياً ، وأحاديثهُ متواترةٌ ، ومن ثمّ قال بعض الحنفيّةُ: أخشى أن يكون إِنكارُهُ، أي: من أَصْلِهِ كفراً. انتهى ((مناوي)). ( وَمَعْنَى سَاذِّجَيْن) - بفتح الدَّال المعجمة وكسرها -: (لَمْ يُخَالِطْ سَوَادَهُمَا شَيْءٌ ) أي: لونٌ ( آخَرُ ) . قال المحقّقُ أبو زرعة ؛ وليُّ الدِّين العراقي الحافظ ابن الحافظ : وهذه اللَّفظةُ تستعملُ في العُرْفِ لذلك المعنى ، ولم أجدها في كتب اللُّغة بهذا المعنى ، ولا رأيتُ المصنّفِينَ في غريب الحديث ذكروهَا؛ وقال القسطلاني : ٥٨٦ وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَهْدَىُ دِحْيَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُفَيْنِ ، فَلَبِسَهُمَا . السَّاذج : معرَّب شاذةٌ(١) . ( وَعَنِ المُغِيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ) الثَّقفي الصَّحابي الجليل - وتقدَّمت ترجمته - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ : أَهْدَىْ دِحْيَةُ) - بكسر الدَّال عند الجمهور ، وقال ابن ماكولا بالفتح ، ذكره في «جامع الأصول» ۔۔ وهو دحيةُ بن خَلِيفَةَ بْنِ فُضَالة بن فَرْوَة الكلبي ، أسْلَم قديماً وَشَهِد مع رسول اللهِوَ ﴿ مَشاهِدهُ كلّها بعد بدر، وأرسله رسول الله نَّه بكتابٍ إلى عظيمٍ بُصْرى ليدفعه إلىْ مِرَقْلَ . وحديثه في ((الصَّحيحينِ))، وكانَ جبريلُ يأتي النَّبِيَّ وَِّ فِي صورَته، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ ، وحكي أنّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ لم تبق مُعْصِرٌ إلَّ خرجت تَنْظُر إِلَيْهِ . والمعصر : الَّتي بلغت سِنَّ المحيضِ . روى عنِ النَّبِيِّلنَّ ثلاثَةَ أَحاديثَ ، روى عنه خالد بن زيد ، وعبد الله بن شدَّاد، والشَّعبي ، وغيرهم ، وشهد اليرموك ، وسكن المِزَّة القرية المعروفة بَجَنْبٍ دمشق ، وبقي إلى خلافة معاويةَ رضي الله تعالى عنهما . (لِلنَّبِيِّ ◌َِّ خُفَّيْنِ فَلَبِسَهُمَا ) . وهذا الحديثُ رواه التِّرمذي عن شيخهِ قتيبة بن سعيد ؛ عن يحيى بن زكريّا؛ عن الحسن بن عيَّاش؛ عن أبي إسحاق الشيباني ؛ عن الشَّعبي؛ عن المغيرة ... فذكره ، وعقّبه بقوله : وقال إسرائيل : عن جابر ؛ عن عامر: وَجُبَّةً فَلَبِسَهُمَا حَتَّى تَخَرَّقَا لَ يَدْرِي النَّبِيُّ ◌َ أَذَكِيُّ هُمَا أَمْ لاَ. قال في ((المواهب)) وشرحِها: رواه التِّرمذي في ((الجامع)) و((الشمائل)) والطَّبراني . انتهى . (١) والعامَّة تصحِّفُه إلى ((سادة)). ٥٨٧ وَرَوَىُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ )) عَنِ الْخَبْرِ: قال الباجوري، وملا علي قاري في ((جمع الوسائل)): (وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ)، الحافظ: سليمان بن أحمد اللخمي، المحدِّث الكبير، (فِي) («معجمه (الأَوْسَطِ)». والمعجم في اصطلاحهم : ما تُذْكر فيه الأَحاديث على ترتيب الصَّحابة أو الشُّيوخ أو البُلدانِ أو غير ذلك ، والغالب أن يكون مرتَباً على حروف الهجاءِ ؛ والطَّرانيُّ له ثلاثةُ معاجمٍ: ((كبير))، و((صغير))، و((أوسط)). فالكبير : مؤلَّفٌ في أسْماءِ الصَّحابةِ على حروف المعجمِ عدا مسند أبي هريرة ، فإِنَّه أَفرده في مصنَّ ، يقالُ : إِنَّه أورد فيه ستِين ألف حديث في اثني عشر مجلَّداً ، وفيه قال ابن دحية: هو أَكْبر مَعَاجم الدُّنيا؛ وإِذَا أُطلق في كلامهم (( المعجم )) فهو المراد ، وإذا أريد غيره قُيِّد . والأوسط : ألَّفه في أسماء شيوخه ، وهم قريب من ألفي رجل ، حتَّى أنَّه روی عمَّن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه ، وأكثره من غرائب حديثهم ، قال الذَّهَبِيُّ: فهو نظير كتاب ((الأفراد )) للدَّارقطني؛ بَيِّن فيه فضيلته وسعة روايته ، ويُقال : إنَّ فيه ثلاثين ألف حديثٍ ، وهو في ستِّ مجلَّدات كبارٍ ، وكان يقول فيه : هذا الكتاب روحي ؛ لأَنَّ تعبَ فيه ؛ قال الذهبي : وفيه كلُّ نفيسٍ وعزيز ومنكر . والصغير : وهو في مجلَّد ، يشتمل على نحو من ألفٍ وخمسمائةِ حديث بأسانيدها ، لأنَّ خرَّج فيه عن ألف شيخٍ ، كلُّ شيخٍ حديثاً أو حديثين . انتهى . من ((الرسالة المستطرفة )). ورواه البيهقي في (( الدعوات الكبير)) بإسناد صحيح كلاهما ؛ (عَنِ الحَبْرِ ) - بفتح الحاء وكسرها ؛ لغتان ، - أي : العالِم ؛ سمِّ بذلك !! لأَنَّ يحبر في عبارته ، أي : يحسّنها ، والمراد به هنا الصَّحابي الجَليل عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب ابن عمِّ رسول الله وَّهِ حَبْرُ الأمَّةِ وتُرْجُمَانُ القُرآن - وتقدمت ترجمته - رضي الله تعالى عنه . ٥٨٨ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَلْحَاجَةَ .. أَبْعَدَ الْمَشْيَ، فَانْطَلَقَ ذَاتَ يَوْمِ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُقَّهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ أَخْضَرُ فَأَخَذَ الخُفَّ الأَخَرَ فَأَرْتَفَعَ بِهِ ، ثُمَّ أَلْقَاهُ ، فَخَرَجَ مِنْهُ أَسْوَدُ سَالِخٌ - أَيْ: حَيَّةٌ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا ، آللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَىْ بَطْنِهِ ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَىْ أَرْبَعٍ » . ( قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِّهِ إِذَا أَرَادَ الحَاجَةَ ) ، - أي : قضاء الحاجةٍ ، يعني البراز - ( أَبْعَدَ المَشْيَ ) ؛ أي : ذهب بعيداً مستتراً عن أعينِ النَّاس كما هو معروف في آداب قضاءِ الحاجةِ ( فَانْطَلَقَ ذَاتَ يَوْمٍ ) فقعد تحت شجرةٍ ( لِحَاجَتِهِ ) فنزع خفَّيْه ( ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَِسَ خُفَّهُ)، أي: أحدهما ( فَجَاءَ طَائِرٌ أَخْضَرُ فَأَخَذَ الخُفَّ الآخَرَ فَارْتَفَعَ بِهِ ) فِي السَّماء وحلّق به ، ( ثُمَّ أَلْقَاهُ) إلى الأرض، ( فَخَرَجَ مِنْهُ) ؛ أي : الخفّ ، أي : انسلَّت منه ( أَسْوَدُ سَالِحٌ) - الخاء المعجمة آخره - وهو من أسماء الحيَّات، كما قال المصنَّف؛ (أَيْ: حَيَّةٌ). قال في (( شرح القاموس)): والأنثى أسوده، ولا توصف بـ (( سالخةٍ))، ويقال : أسود سالخ ، وأسودان سالخ، وأساود سالخة، وسوالعٌ، وسُلَّخٌ، وسُلَّخةٌ، كما في ((القاموس)). ( فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا ) ثمَّ قال: ( اللَّهُمَّ) - أي : يا الله - ( إِنِّي أُعُؤْذُ) - أي: اعتصم - ( بِكَ مِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَىُ بَطْنِهِ ) - كالحِيَّات والثَّعابين - ( وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَىْ رِجْلَيْهِ ) - كالآدمي - ( وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعِ ))) - كالأنعام - . وأخرج الطَّبراني في « الكبير))؛ عن أبي أُمَامَةَ رضي الله تعالى عنه قال : دعا رسول اللهَ وَُّ بخفَّيه فلبس أحدهما، ثمَّ جاء غُراب فاحتمل الآخر فرمى به ، فخرجت منه حيَّةٌ؛ فقال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَلْبَسْ خُفَّيْهِ حَتَّى يَنْفُضَهُمَا)). انتهى. وهذا من علامات نبؤَّته ◌َّهِ وقد عُدَّ ذلك في معجزاته . ٥٨٩ اَلْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي صِفَةِ سِلاَحِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ ابْنِ سِیرِینَ ( الفَصْلُ الخَامِسُ ) ، من الباب الثّالث (فِي) بيان ما ورد في (صِفَةِ سِلاَحِهِ أََّ ): والسِّلاحُ آلهُ الحرب، فكلُّ عُذَّة للحربِ فهو سلاحٌ، وفي (( المصباح)) ؛ السّلاح : ما يقاتَلُ به في الحرب ، ويدافع به . والتذكير أغلب من الثَّأنيثِ ، فيجمع على التَّذكير : أسلحةٌ ، وعلى التَّنِيثِ : سِلاحاتٌ . انتهى . ويطلق السِّلاح على السَّيف وحده ؛ كما في ((القاموس)). قال التِّرمذيُّ في (( الشَّمائِل)): حدَّثنا محمد بن شجاع البغدادي؛ قال: حدَّثنا أبو عبيدةَ الحدادُ ؛ عن عثمان بن سعد ؛ ( عَنْ ) محمد ( بْنِ سِيْرِيْنَ ) - ( الأنصاري ، مولاهم ، أبو بكر البصري التَّابعي ، الإِمام في التفسير ، والحديث ، والفقه ، وعبر الرؤيا ، والمقدَّم في الزُّهد والورع ؛ قال محمد بن سعد : كان ثقةً، مأموناً ، عالياً ، رفيعاً ، فقيهاً ، إماماً كثيرَ العلم ، ورعاً . وأولاد سيرين سنَّةٌ: محمَّد ومعبد وأنس ويحيى وحفصة وكريمة ، وكلهمُ رواةٌ ثقات ، وكان أبوهم من سبي عين الثَّمر ، وهو مولى أنس بن مالك ؛ كَاتَبَهُ على عشرين ألف درهم فأداها وعتق . وكانت أم ابن سيرين اسمها صفيّة مولاة لأَبي بكر الصِّديق ، رضي الله تعالى عنه، طَيِّها ثلاثٌ من أزواج النَّبِيِّ وَِّ ودعونَ لها وحَضَر إِمْلاكَها ثمانيةَ عشرَ بدريّاً منهم : أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يدعو وهم يُؤَمِّنونَ. وكان سيرين يُكَنَّى: ((أبا عمرة))، وولد لمحمَّد بن سيرين ثلاثون ولداً من امرأة ٥٩٠ قَالَ: صَنَعْتُ سَيْفِي عَلَى سَيْفِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَزَعَمَ سَمُرَةُ أَنَّهُ صَنَعَ سَيْفَهُ عَلَى سَيْفِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ حَنِفِيّاً ؛ نِسْبَةً لِبَنِي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِحُسْنِ صَنْعَةِ السُّيُوفِ . وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ . واحدة ، زوجة له عربيّة ، ولم يبق منهم غير عبد الله بن محمَّد . واتفقوا على أنَّ ابن سيرين تُوفِّي بالبصرة سنة : - ١١٠ - عشر ومائة ، بعد الحسن بمائة يوم. قال حمّاد بن زيد: مات الحسن أوَّل رجب سنة : - ١١٠ - عشر ومائة ، وصَلَّيتُ عليه ، ومات ابن سيرين لتسع مضين من شؤَّال سنة : - ١١٠ - عشر ومائة رحمهما الله تعالى . ( قَالَ : صَنَعْتُ ) - من الصُّنع، أي : أمرتُ بأَن يُصْنَعَ ؛ وفي بعض نسخ ((الشمائل)): صُغْت ــ ( سَيْفِيَ عَلَى سَيْفِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) رضي الله تعالى عنهما ؛ أي : على تمثال سيفه في الشَّكل والوضع وجميع الكيفيَّات . ( وَزَعَمَ سَمُرَةٌ) يعني : قال : فَإِنَّ الزَّعْمَ قد يأتي بمعنى القَوْل المحقَّق ( أنَّهُ صَنَعَ ) - بناؤه للفاعل ؛ أو للمفعول - ( سَيْفَهُ) - مرفوع أو منصوب - ( عَلَىْ ) هيئة ( سَيْفٍ رَسُوْلِ اللهِ وََّ)؛ أي: على تمثاله في الشَّكل والوضع وجميع الكيفيّات. قال: ( وَكَانَ)، أي: سيفُ رسول الله بَّهِ (حَنَفِيّاً) . والحنفيُّ: قال الباجوري : ( نِسْبَةٌ لِبَنِي حَنِيْقَةَ)؛ قبيلة مُسَيْلَمَة الكذَّاب، (لأَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِحُسْنٍ صَنْعَةِ الشُّيُوفِ ) ، فيحتمل أنَّ صانعه كان منهم ، ويحتمل أنَّه أتى به من عندهم ، وهذه الجملة : يعني قوله ((وكان حنفيًّا)) من كلام سَمُرَة فيما يظهر ، ويحتمل أنَّها من كلام ابن سيرينَ على الإِرْسَالِ . انتهى . (وَ) أخرج التِّرمذيُّ في (الجامع)) و((الشَّمائِلِ))، وأبو داود والنَّسائي والدَّارمي؛ (عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ قَبِيْعَةُ سَيْفِ رَسُوْلِ اللهِ ◌ّهِ مِنْ فِضَّةٍ ) . ٥٩١ وَ( الْقَبِيعَةُ) - بِوَزْنِ الطَّبِيعَةِ - : مَا عَلَى طَرَفِ مِقْبَضِ السَّيْفِ ، يَعْتَمِدُ أَلْكَفُّ عَلَيْهَا لِئَلأَّ يَزْلَقَ. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ والمراد بالسَّيفِ هنا : ذُو الفقَارِ ، وكان لا يكاد يفارِقه ، ودخل به مگَّة يوم الفتح ، واقتصر في هذا الخبر على القبيعة ، وفي رواية ابن سعد ؛ عن عامر قال : أخرج إلينا علي بن الحسين سيفَ رسول اللّه ◌ِّرَ؛ فإذا قَبِيعَتُهُ مِنْ فِضَّة، وإذا حَلْقَتُهُ الَّتي يكون فيها الحمائِل من فضَّة . ( والقَبِيْعَةُ) - بفتح القاف وكسر الموخَّدة - ( بِوَزْنِ الطَّبِيْعَةِ ) ؛ قال الباجوري وغيره : هي ( مَا عَلَىْ طَرَفِ مِقْبَضِ الشَّيْفِ ) فوق الغمد يمسكه من فِضَّة أو حديد أو غيرهما ، ( يَعْتَمِدُ الكَفُّ عَلَيْهَا ؛ لِئَلَّ يَزْلَقَ ). وفي الحديث دليل على جواز تحلية السَّيف وسائر آلاتِ الحرب بالفِضَّة . قال العلاَّمةُ ابن حجر الهيتمي : الحاصل أنَّ الذَّهبَ لا يحل للرّجال مطلقاً ؛ لا استعمالاً، ولا اتِّخاذاً، ولا تضبيباً، ولا تمويهاً، لا لآلةِ الحرب ولا لغيرها ، وكذا الفضّة إلاَّ في التضبيب ، والخاتم ، وتحلية آلة الحرب ، وما وقع في بعض الرِّوايات من حلِّ التمويه تارة وحرمته أُخرى !! محمولٌ على تفصيلٍ عُلِم من مجموع كلامهم ؛ وهو أنَّه إنْ حصل شيءٌ ما بالعرض على النَّارِ من ذلك الممَّوه حرمت استدامته كابتدائِه ، وإنْ لم يحصل منه شيء حرم الابتداءُ فقط . أمَّا نفس التَّمويه الذي هو الفعل والإعانةُ عليه والتسبُّب فيه !! فحرام مطلقاً ، ويأتي هنا التَّفصيل في تمويه الرِّجال الخاتم وآلةَ الحرب الذَّهب . انتهى . ( وَ) أخرج ابن سعدٍ؛ من طريق سليمان بن بلال؛ (عَنْ جَعْفَرٍ ) الصادق أبي عبد الله الإمام ( ابْنِ ) الإمام ( مُحَمَّدٍ ) الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السِّبط بن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ، الهاشميّ المدنيّ . أمّه فروة بنت القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنهم . ٥٩٢ عَنْ أَبِيهِ : كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ : أَسْفَلُهُ - وحَلْقَتُهُ وقَبِيعَتُهُ . . مِنْ فِضَّةٍ . روى عن أبيه ، والقاسم بن محمد ، ونافع ، وعطاء ، ومحمَّد بن المنكدر ، والزّهري وغيرهم . روى عنه محمد بن إسحاق ، ويحيى الأنصاري ، ومالك ، والسُّفيانان ، وابن جريج ، وشُعبة ، ويحيى القطَّان ، وآخرون . واتفقوا على إمامته وجلالته وسيادته . قال عمرو بن المقدام : كُنتُ إذا نظرت إلى جعفر بن محمَّد علمت أنَّه من سلالة النَّبِّين . ولد سنة : - ٨٠ - ثمانين هجرية، وتوقِّي سنة : - ١٤٨ - ثمان وأربعين ومائة هجريَّة . رحمهُ الله تعالى . ( عَنْ أَبِيْهِ ) محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، القُرشي الهاشمي المدني، أبي جعفر، المعروف بـ((البَاقر))، سمِّ بذلك !! لأَنَّه بَقَر العلم ، أي : شقَّه فعرف أصله وعلم خفيَّهُ . وأُمُّه أمُّ عبد الله بنت حسن بن علي بن أبي طالب . وهو تابعيٌّ جليل ، إمام بارع ، مجمع على جلالته ، معدود في فقهاء المدينة وأئمتهم ، سمع جابراً وأنساً ، وسمع جماعات من كبار التابعين ، كابن المسيِّب وابن الحنفيّة وغيرهما . روى عنه أبو إسحاق السّبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والأعرج ؛ وهو أسنُّ منه ، والزُّهري ، وربيعة ، وخلائق آخرون من التَّابعين وكبار الأَئِمَّة . وروى له البخاريُّ ومسلمٌ ، وتوفِّي سنة : - ١١٤ - أربع عشرة ومائة ، وقيل : ثمانية عشرة ، وقيل : سبعة عشرة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وقيل : ابن ثلاث وسبعين ، وقيل : ابن ثلاث وخمسين سنة ، والله أعلم رحمه الله تعالى . قال ( كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رَسُوْلِ اللهِوَِّ؛ أَي: أَسْفَلُهُ) ، يعني: أسفل غمده، وهذا تفسير للنَّعل. وفي ((المصباح)): نعل السَّيف الحديدةُ الَّتي في أسفلٍ جفنه ، مؤَنَّئَة ، ( وَحَلْقَتُهُ) - بإسكان اللَم وفتحها لغة في السُّكون - وهي ما في أعلاه ، تجعل فيه العلاقة . (وَقَبِيْعَتُهُ) الثلاثة ( مِنْ فِضَّةٍ ) . ٥٩٣ وَقَدْ كَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُيُوفٌ مُتَعَدِّدَةٌ ؛ فَقَدْ كَانَ لَهُ : سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ( الْمَأْتُورُ)؛ وَهُوَ أَوَّلُ سَيْفٍ مَلَكَهُ عَنْ أَبِيهِ . وَلَهُ سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ : ( أَلْقَضِيبُ ). وَلَهُ سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ : ( الْقُلَعِي) - نِسْبَةً إِلَى قَلَعٍ - مَوْضِعٌ . وأخرج ابن سعد أيضاً ؛ من طريق جرير بن حازم ؛ عن قتادةً ؛ عن أنسٍ قال : كانت نَعْلُ سَيْفِ رسول الله وَِّ فضَّة ، وقبيعتُه وما بين ذلك حلق فضة . قال الباجوريُّ في حاشية ((الشَّمائل)): (وَقَدْ كَانَ لَهُ وَّرِ سُيُوفٌ مُتَعَدِّدَةٌ ) ، ذكر في ((المواهب)) أنَّها تسعة؛ ( فَقَدْ كَانَ لَهُ سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ((المَأْثُورُ))) - بهمزة ساكنة ومثلَّثة - ( وَهُوَ أَوَّلُ سَيْفٍ مَلَكَهُ عَنْ أَبِيْهِ ) ؛ أي : ورثه منه ؛ ذكره اليعمري . وهي مسألة نزاع ، حتَّى قال بعضهم : ليس في كون الأنبياء يرثون نقلٌ . وبعضهم قال: لا يرثون كما لا يُورثون، وإنَّما ورث أبويه قبل الوَحْي، وصرَّح شيخ الإِسلام زكريّا في (( شرح الفصول)) بأنَّهم يرثون ، وبه جزم الفَرَضِيُّون . وذكر الوَاقديُّ أنَّهَبِّهِ وَرِثَ من أبيهِ أَمَّ أيمنَ وخمسةَ أَجمالٍ وقطعةٌ من غنمٍ ومولاهُ شقْرَان وابنه صالحاً ، وقد شهد بدراً، ومن أمِّ دَارَها بالشِّعْبِ ، ومن زوجته خديجة دَارَها بمكَّة بين الصَّفا والمروة ، وأموالاً . (وَلَهُ سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ((القَضِيْبُ))) - بفتح القاف وكسر الضَّاد المعجمة وسكون الثَّحتيَّةِ وموحّدة آخره - يطلق بمعنى اللَّطيف من الشُّيوف، وبمعنى السَّيفِ القاطعِ ؛ كما في ((النور))، وقيل: إنَّ القضيبَ ليس بسيفٍ، بل هو قضيْيُهُ المَمْشُوق . قَال العراقي في (( ألفيَّة السِّيرة)): وَقِيلَ : ذَا قَضِيبُهُ المَمْشُوقُ كَانَ بِأَيْدِي الْخُلَفَا يَشُوقُ ( وَلَهُ سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ : القُلَعِي ) - بضم القاف وفتحها، وبفتح اللَم ثمَّ عين مهملة - ( نِسّبَةً إِلَى قَلَعِ) - بفتحتين فعين مهملة آخره -: ( مَوْضِعٌ) هو قلعة ٥٩٤ بِالْبَادِيَةِ. وَلَهُ سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ( أَلْبَّارُ). وَسَيْفٌ يُدْعَى: ( الْحَتْفَ). وَسَيْفٌ يُدْعَى: (الْمِخْذَمَ)، بِكَسْرِ أَلْمِيمِ . وَسَيْفٌ يُدْعَى: (الرَّسُوبَ ) . ( بالبَادِيَةِ ) ، يقال لها : مرجُ - بالجيم - قريبٌ من حلوان على طريق همذان ؛ كما في ((العيون)). (وَلَهُ سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ((البَتَّارُ))) - بفتح الباء وتشديد التَّاء، ثمَّ راء آخره - أي: القاطع . ( وَ) له (سَيْفٌ يُدْعَى: الحَتْفَ) - بفتح الحاء المهملة وسكون التَّاء، ثمَّ فاء - وهو الموت ، ومن قال : الحيف ؛ بالتَّحتيَّةِ !! فهو سبقُ قلمٍ ، إذ الحيف هو الجَورُ ، ولا معنى له هنا . ( وَ) له ( سَيْفٌ يُذْعَى: ((المِخْذَمَ)) - بِكَشْرِ المِيْمِ) الأولى وسكون الخاء المعجمة وفتح الذَّال المعجمة ثمّ ميم آخره - وهو القاطع . ( وَ) له (سَيْفٌ يُذْعَى: ((الرَّسُوْبَ))) - بفتح الرَّاء وضمِّ السِّين المهملة وسكونِ الواو فموحّدة آخره - أي : يمضي في الضريبة ، ويغيب فيها ، وهو فعول من رسب يرسب ، بضمِّ السِّين ؛ إذا ذَهب إلى أسفل واستقرّ ، لأَنَّ ضربته تغوصُ في المضروبِ به وتثبت فيه . قيل: إنَّه من الشُّيوفِ السَّبْعةِ الَّتي أهدتْ بلقيس لسُلَيْمَانَ ؛ كما في (( النور)) . قال في ((المواهب)) مع الشرح: والمخذم والرّسُوب أصابهما من الفُلْس - بضمِّ الفاء وإسكان اللَّم -: صَنَم كان لـ((طي))، كان الحارث قلَّده إيَّاهما، فبعث المصطفى ◌َ﴿ عليَّاً سنة تسعٍ فَهدَمَهُ وغنم سَبْياً وشاءً ونعماً وفضة، فعزل علي له وَّل صفيا السَّيْفَيْنِ . وذكر ابن هشام عن بعضٍ أهل العلم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام وهبهما لِعَلِّي، وذكر أبو الحسن المدائني أنَّ زيد الخيل أهداهما للمصطفى وصّ لمَّا وفد عليه . والله أعلم . انتهى . ٥٩٥ وَسَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: (الصَّمْصَامَةُ). وَسَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: (اللَّحِيفُ). وَسَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: (ذُو أَلْفَقَارِ ). وَ( الْفُقَرُ ): الْحُفَرُ . ( وَ) له (سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ((الصَّمْصَامَه))) - بالهاء - ذكره اليَعمري، ويقال له: الصَّمْصَام ، بدونها - بفتح الصَّاد المهملة وإسكان الميم فيهما -: السَّيف الصَّارم الَّذي لاَ يَثْني، كان سيفَ عمرو بن معد يكرب ، وكان مشهوراً فوهبه وَّ لخالد بن سعيد بن العاص . ( وَ) له ( سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ((اللَّحِيْفُ)))، سيفٌ مشهورٌ ؛ ذكره اليعمريُّ. ( وَ) له ( سَيْفٌ يُقَالُ لَهُ: ((ذُو الفَقَارِ))) - بفتح الفاء وكسرها - لأَنَّه كان في وسطه مثل فقرات الظّهر . وقيل : سمِّي بذلك ، لأنَّه كان فيه حفر صغار حسان ، والفُقْرة بالضمِّ : الحُفْرَةُ في الأرض الَّتي فيها الوَدِيَّة . (وَالفُقَرُ) - بضمِّ الفاء وفتح القاف ــ كعُمَر ؛ جمع فقرة بضمٌّ فسكونٍ ، وهي ( الحُفَرُ) - بضمٌّ ففتحِ جمع حفرة - بضمِّ الحاء - وهو أشهر أسْيافِ نَّهِ وهو الَّذي رأَى فيه الرُّؤْيا يومَ أحد ، وهو سيف سليمانَ بنِ داودَ - عليهما السلام - أهدته بلقيس مع ستّة أسْيافٍ ، ثمَّ وصلَ إلى العاصِ بنِ مُنَبَّه بنِ الحجّاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم ، المقتولِ كافراً ببدرٍ قتله عليُّ بن أبي طالبٍ وأَخذَ سيفه هذا ، ثمَّ صار إِلى النَّبِّ وَّهُ يومَ بدرٍ من الغنيمةِ، وكان هذا السَّيفُ لا يفارقه ◌َلِّ بعد أن ملكه، يكون معه في كلِّ حرب يشهدها ، وكانت قائمته - أي : مقبضه - وقبيعتُهُ وحَلْقَتُهُ وذُؤَابَتُهُ - أي: علَّقته - وبكراته ونعله كلّها من فضَّة، ويقال: إنَّه صار لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه في الجنَّةُ ، ولعلَّه كان يأخذه منه في الحروب ، أو أنَّه أعطاه له عند موته ، وفيه قيل : لا فتىّ إلاَّ عليّ ، ولا سيف إلاَّ ذو الفقار . ومن الغريب ما رواه الطَّبراني في ((الكبير))، وابن عدي في (( الكامل)): أنَّ الحجّاج بن علاط أهداه لرسول الله وَّه ثمَّ كان عند الخلفاء العبّاسيين. والله أعلم. وسيأتي مزيد كلام يتعلَّق بذي الفقار في الفصل السادس . ٥٩٦ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي مُعْجِزَاتِهِ : أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ لِعُكَّاشَةَ جَذْلَ خَطَبٍ ؛ (وَقَدْ ذَكَرُوا) - أي: العلماء في كتبهم، أي: عَدُّوا - (فِي مُعْجِزَاتِهِ ) الدَّالة على نبوَّته وصدق رسالَتِهِ ، جمع معجزة ؛ وهي الأمر الخارق للعادة ، المقرون بالتَّحدي ، الدَّال على صدق الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام . وسمِّيت معجزة !! لعجز البشر عن الإتيان بمثلها . وللمعجزة أركان أربعةٌ لا بدَّ منها ؛ أحدها : أنْ تكون خارقةً للعادة . ثانيها : أن تكون مقرونة بالتَّحدي ، وهو طلب المعارضة . وقال المحقّقون : التَّحدِّي : هو دعوى الرِّسالة ، فما جاء بعدها من الخوارق فهو معجزة ، وإن لم يطلب الإتيان بالمثل الَّذي هو المعنى الحقيقي للتَّحدِّي . وثالثها : أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى بهِ المتحدِّي . ورابعها : أن تقع على وفق دعوى المتَحدَّى بها . ( أَنَّهُ نَِّّرِ دَفَعَ لِمُكَاشَةَ) - بضمٌّ العينِ مع تخفيفِ الكاف وتشديدها ، والتشديد رواية الأكثرينَ - وهو أبو محصن ؛ عكَّاشة بن مِحصَن - بكسر الميم وفتح الصاد - ابن حُزْثان - بضم الحاء المهملة وسكون الرَّاء وثاء مثلثة - ابن قيس بن مرة بن بكير - بالموخَّدة - ابن غنم بن دُودان - بدالين مهملتين ، الأولى مضمومة - ابن أسد بن خزيمة بن مدركة الأسدي ، حليف بني عبد شمس . الصَّحابي الجليل . وهو من السَّبعين ألف الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب ؛ كما في ((الصحيحين)) رضي الله عنه. وشهد بدراً وأبلى فيها بلاءً حسناً . قالوا: وانكسر سيفه فأعطاه رسول الله وَالهول (جَذْلَ) - بكسر الجيم وفتحها وسكون الذَّال المعجمة - واحد الأجذال ؛ أي : أصل ( خَطَبٍ ) . قال الشَّامي: والمراد هنا : العُرجُونِ - بضمِّ المهملة - أصل العِذق - بكسر العين - الذي يفرج ٥٩٧ حِينَ أَنْكَسَرَ سَيْفُهُ يَوْمَ بَدْرِ، وَقَالَ: ((إِضْرِبْ بِهِ))، فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفاً صَارِماً طَوِيلاً أَبْيَضَ شَدِيدَ الْمَثْنِ ، فَقَاتَلَ بِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَّاهِدَ إِلَى أَنِ اسْتُشْهِدَ . وينعطف ؛ ويقطع منه الشَّماريخ فيبقى على النخلة يابساً . (حِيْنَ انكَسَرَ سَيْقُهُ يَوْمَ بَدْرٍ ) ، قال ابن هشام، في ((شرح بانت سعادُ)): اليومُ يطلق على أربعة أمور : أحدها: مقابل اللَّيلة، ومنه ﴿سَخََّهَا عَلَّهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [٧/ الحاقة]. الثَّاني: مطلق الزَّمان كقوله تعالى ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾ [١٦/ الأنفال]، ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [١٤١/ الأنعام]، ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة] . ٣٠ المراد : ساعة الاحتضار ، وتقول : فلان اليومَ يعملُ كذا . والثّالث : مدة القِتال ؛ نحو : يومُ حنين ؛ ويومُ بُعاثٍ : وهو يومُ للأوسِ والخزرجِ - وهو بضمِّ الباء الموحّدَة وبالعين المهملة وبالثَّاء المثلَّثة ؛ أي : ومنه يوم بدرِ المذكور في المثْنِ . الرَّابع: الدَّولة، ومنه ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [١٤٠/آل عمران]. انتهى كلام ابن هشام . ( وَقَالَ ) له : ( ((أَضْرِبْ بِهِ)) ) ؛ أي : قاتل به يا عكاشة ، فأخذه منه فهزه ؛ ( فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفَاً صَارِمَاً) أي: ماضياً (طَوِيْلاً)؛ أي : طويل القامة، ( أَبْيَضَ ) الحديدة ( شَدِيْدَ المَثْنِ ) ؛ أي : الظَّهر، من إضافَةِ الوَصْفِ إلى فاعله؛ أي : شديداً متنه ، أو المراد بالمتن هنا: الذَّاتُ ، تسميةً للكلِّ باسم جُزْئِهِ . ( فَقَاتَلَ بِهِ ) حتَّى فتح الله على رسوله وََّ، وكان ذلك السَّيف يسمَّى: العَوْن - بفتح المهملة وإسكان الواو وبالنون - ( ثُمَّ لَمْ يَزَلْ ) السَّيف ( عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ المَشَاهِدَ )، وشهد أُحداً والخندقَ وسائِرَ المشاهِدِ مَعَ رسول الله ◌ٍَّ؛ وكان من أجمل الرِّجال، واستمر ذلك السّيف معهُ ( إِلَى أَنِ أُسْتُفْهِدَ ) في قتالِ المرتدِّينَ زمنَ ٥٩٨ وَدَفَعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ - وَقَدْ ذَهَبَ سَيْقُهُ - عَسِيبَ نَخْلٍ ، أبي بكرِ الصِّدِّيق رضي الله عنه ؛ قتله طلحةُ بن خويلد الأسدي - وله أربع وأربعون سنة - رضي الله تعالى عنه ؛ روى عنه أبو هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم . أجمعين . ( وَ) عدُّوا في معجزاته نَّهِ أَنَّه (دَفَعَ لَّهِ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ ) - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - وهو أبو محمَّد ؛ عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرَّة بن كثير بن غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة الأسدي . أُه آمنة بنت عبد المطّلب، عمَّة رسول الله وَلّر، أسلم قديماً قبل دخول رسول الله ◌َّ دَار الأرقم، وهاجر الهجرتين إلى أرض الحبشة؛ هو وأخوه أبو أحمد وعبيد الله وأختهم زينب بنت جحش أمُّ المؤمنين ، وأمّ حبيبة وحمنة بنات جحش ، فأمَّا عبيد الله فتنصَّر ؛ ومات بالحبشة نصرانيّاً . وهاجر عبد الله، وأخوه أبو أحمد، وأهله إلى المدينة، وأمَّره رسول الله وَل على سريّة ، وهو أوَّلُ أمير أمَّره ، وغنيمتُه أوَّل غنيمةٍ في الإسلام . ثمَّ شهد بدراً واستشهد يوم أُحد ، وكان من دعائه يوم أُحد : أن يقاتل ويستشهد ويقطع أنفه وأذنه ويُمثَّل به في الله ورسوله وَّر، فاستجاب الله دعاءَه فاستشهد وعَمِلَ الكُفَّارُ به ذلك، وكان يقالُ لَهُ: المجَذَّعُ في الله تعالى، وكان عمره حين اسْتُشْهِدَ نَّفاً وأربعينَ سنةً، ودُفِنَ هو وخالُهُ حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد ، رضي الله تعالى عنهما . قال الزُّبَيْرُ بن بكّار: وأعطاه رسول الله وَِّ (يَوْمَ أُحُدٍ - وَقَدْ ذَهَبَ سَيْقُهُ -) ؛ أي : انقطع في أثناء القِتال وانكسر ؛ أعطاه ( عَسِيْبَ نَخْلِ ) ؛ أي : عرجون نخلة ، وإنْ كان العسيبُ هو الجريدَةُ من النَّخل ، مستقيمةٌ دقيقةٌ يُكْشَطُ خَوْصُهَا ، لكنَّ المرادَ هُنَا العُرْجُونُ ، كما ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَّارٍ . ٥٩٩ فَرَجَعَ فِي يَدِهِ سَيْفاً. وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرْبَةٌ يُمْشَى بِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإِذَا صَلَّىُ . . رَكَزَهَا بَيْنَ يَدِيْهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَايَتُهُ سَوْدَاءُ ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ . ( فَرَجَعَ ) ؛ أي : فعاد ( فِي يَدِهِ سَيْفَاً ) فقاتل به حتى قُتِلَ - رضي الله تعالى عنه - قتله أبو الحكم بن الأَخْنَسِ بْنِ شريْقِ الثَّفَفِي ، ثمَّ قَتَله عليٍّ بن أبي طالب بعده ، وكان ذلك السَّيف يُسَمَّى العُرْجُون ، باسم أصله قبل الآية الباهرة ، ولم يزل يتوارث حتى بِيعَ من ((بُغَا)) التُّرْكِي من أُمَراءِ المُعْتَصِم بِاللهِ إبراهيم ، الخليفة العبّاسيّ في بغداد ، بمائتي دينار ، وهذا نحو حديث عكّاشة ؛ لأنَّ سيفَ عَّاشةَ يسمَّى العَوْنُ، وهذا يسمَّى العُرْجُون . ( وَ) أخرج الطَّبراني في ((الكبير))، عن عصمة بن مالك قال : ( كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِنَّهِ حَرْبَةٌ) - بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء ، ثمَّ باء موحّدة ، آخره هاء -: رمح قصير يشبه العُكَّازة، وهي المسمّاة بـ((العَتَرَة))، ( يُمْشَىْ بِهَا ) - بالبناء للمفعول ــ ( بَيِّنَ يَدَيْهِ ) ، أي : يحملها شخص على عاتقه ، (فَإِذَا صَلَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) فيتخذها سترة يصلي إلَيْها إذَا كان في غير بِنَاءِ ، فإذا رآها شخصٌ مَرَّ مِنْ خَلْفِها ، وكان يمشي بها ، أي : يتوكَّأ عليها أحياناً ، وكان له حراب غيرها أيضاً . ( وَ) أخرج التّرمذيُّ، وابن ماجه، والحاكم؛ في (( الجهاد))؛ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: ( كَانَ) رسول الله (وََّ رَايَتُهُ) تسمَّى : العقاب ، كما ذكره ابن القيِّم . وكانت ( سَوْدَاءَ ) ؛ أي : غالب لونها أسود ، بحيث ترى من بُعدٍ سوداء ، لا أنَّ لونها أسود خالص، (وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ ) قال ابنُ القيِّم : ربما جعل فيه السَّواد . انتهى . وهذا الحديث رواه الحاكم وسكت عنه ولم يصحِّحه، لأنَّ فيه يزيدَ بن حبَّان، مضعَّفٌ؛ وقيل : بل هو مجهول الحال . وساقه ابن عدي من مناكير حبَّان بن عبيد الله . ٦٠٠