النص المفهرس

صفحات 561-580

وَجَاءَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ خَاتِمٌ مِنْ شَبَهِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : مِنْ صُفْرٍ ؛ وَهُوَ : نَوْعٌ مِنَ النُّحَاسِ كَانَتِ الأَصْنَامُ
تُتَّخَذُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَصْنَامِ؟! ))، فَطَرَحَهُ ،
ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتِمٌ مِنْ حَدِيدٍ ؛ فَقَالَ: ((مَا لِي أَرَىَ عَلَيْكَ حُلْيَّةَ أَهْلِ
عليه ، ففيه : أنّ استصحابَهُ في الخلاء ما نقش عليه معظّمٌ مكروهٌ كراهة تنزيه ،
وقيل كراهة تحريم . ولو نقش اسم معظّم كمحمّد ، وجبريل ، وقُصِد به المعظّم !
كُره استصحابه ؛ كما رجحّه ابن جماعة ، فإن لم يقصده ! فلا ؛ أَخذاً من الرافعيّ ،
نصَّ الشافعي على حلِّ كتابة ((الله)) في وَسْمِ نَعَمِ الصدقة (١)؛ مع كونها تتلطَّخ
بالخبث ؛ لأنّ المقصود من ذلك إِنَّما هو التمييز .
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والنسائي، والترمذيّ ، وأبو داود ، وابن حبّان في
((صحيحه))، والضياء في ((المختارة))، وأبو يَعلى والبزَّار في ((مسنديهما))،
وغيرهم ؛ باختلاف في بعض الألفاظ ، وكلّهم يروونه عن بُرَيدَة - بالتصغير - بن
الحُصَيْبِ - بمهملتين مصغّراً أيضاً - رضي الله تعالى عنهما قال: ( جَاءَ رَجُلٌ ) ،
رواية الجماعة المذكورين : أنّه رأى رجلاً جاء ( وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَّهِ ) - بفتح الشين
المعجمة والموحدة ، وبإسكان الموحدة وكسر المعجمة ؛ لغتان - ضَرْبٌ من
النحاس كانت الأصنام تُشَّخذ منه ، وسمّ بذلك لشبهه بالذهب لوناً ، ( وفي رِوَايَةٍ )
للترمذيّ : ( مِنْ صُفْرٍ ) - بضمِّ الصاد المهملة ، وإسكان الفاء ، وبالراء ، بدلٌ من
شَبَه، وهما بمعنى . ( وَهُوَ) - أي: الصُّفْر - ( نَوْعٌ مِنْ) جيّد ( أُلُّحَاسِ كَانَتِ
الأَصْنَامُ تُتَّخَذُ ) - أي: تصنع - ( مِنْهُ) في الجاهليّة، (فَقَالَ:) - أي: النبيّ ◌َِهُ
للرّجل - ((مَا لِيْ أَجِدُ) - أشمُ - ( مِنْكَ رِيْحَ الأَصْنَامِ؟!))) فضمَّن ((أجد)) معنى
(أشمُ))، وأَطلق على الأثر الذي يدركه منه: ((ريحاً) مَجازاً. ( فَطَرَحَهُ، ثُمَّ جَاءَ
وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيْدٍ ، فَقَالَ) : - أي: النبيّ ◌َّهـ ( ((مَا لِيْ أَرَى عَلَيْكَ حُلْيَةَ أَهْلٍ
(١) العلامة التي توضع على إبل الصدقة لتتميز عن غيرها وتصرف إلى مصارفها.
٥٦١

النَّارِ؟! )»، فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟
قَالَ: ((مِنْ وَرِقٍ وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالاً ».
النَّارِ؟!))) - أي: زِيَّ الكفّار - فكرهه لذلك، أو لرائحته؛ ( فَطَرَحَهُ) ، ثم قال له
بعد ما جاءه وعليه خاتم من ذهب فقال: ((ما لي أرى عليك حلية أهل الجنّة ؟!)).
فطرحه .
(وَقَالَ : يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَنَّخِذُهُ؟ قَالَ : ((مِنْ وَرِقٍ ) - بكسر الراء -
وفي رواية: ((اتَّخِذْهُ من فضّة؛ (وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالاً)) ) - بكسر فسكون - درهم وثلاثة
أسباع درهم .
قال ابن الأثير : وهو في الأصل مقدار من الوزن أيّ شيء كان ؛ قلَّ أَو كَثُرَ .
فمعنى مثقال ذرة: وزنها . انتهى. وفي رواية: ((ولاَ تَزِدْهُ على مِثْقَالٍ ».
وروي عند ابن عديّ ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أراد ◌َليل أن يكتب
إلى الأعاجم يدعوهم إلى الله تعالى فقال رجل : إنّهم لا يقرؤون كتاباً إلّ مختوماً ،
فأمر أن يعمل له خاتم من حديد ، فقال له جبريل : انبِذْهُ من أصبعك ! فنبذه ، وأمر
بخاتم من نحاس ، فقال له جبريل : انِذْهُ ! فنبذه ، وأمر بخاتم يُصاغ له من وَرِق ،
فجعله في أصبعه ، فأقرَّه جبريل . انتهى .
قال ابن حجر : يجوز التخثُّم بنحو : الحديد ، والنحاس ، والرصاص
بلا كراهة . وخبرُ : (( ما لي أَرَىْ عَلَيْكَ حِليَةَ أَهْلِ النَّارِ؟ )) لرجل وجده لابساً خاتماً
من حديد ! ضعيف ، لكن حسّنه بعضهم ، فالأولى ترك ذلك . انتهى .
وقال النووي في شرح ((المهذّب)): قال صاحب (( الإبانة)): يكره الخاتم من
حديد، أو شَبَه(١)، وتابعه صاحب ((البيان(٢))) فقال : يكره الخاتم من حديد ، أو
رصاص، أو نحاس؛ لحديث بُرَيْدة المذكور. وقال صاحب ((التتمة)): لا يكره
(١) الشَبَهُ - بفتحتين -: من المعادن ، ما يشبه الذهب في لونه ، وهو أرفع النحاس.
(٢) في الفقه الشافعي للعمراني .
٥٦٢

الخاتم من حديد، أو رصاص ، أو نحاس ؛ لحديث (( الصحيحين)) ؛ عن سهل :
أنّ رسول الله وَّهِ قال للّذي خطب الواهِبَةَ نَفْسَها: ((اِلتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمَاً مِنْ
حَدِيْدٍ !! )) . قال : ولو كان فيه كراهة ! لم يأذن فيه . وفي ( سنن ) أبي داود بإسناد
جيّد ؛ عن مُعَيْقِيْبَ الصحابيّ : كان خاتمه عليه الصلاة والسلام من حديد ملويّ عليه
فضّة . والمختار أنّه لا يكره ؛ لهذين الحديثين . انتهى .
وقال في (( شرح مسلم)) في الكلام على حديث المرأة الواهبةِ [ نَفْسَها ](١):
وفي هذا الحديث جواز اتّخاذ خاتم الحديد ، وفيه خلافٌ للسَّلف حكاه القاضي
عِيَاض ، ولأصحابنا الشافعيّة في كراهته وجهان ، أصخُهما : لا يكره ؛ لأنّ
الحديث في النهي عنه ضعيف . انتهى كلام النوويّ .
واعتُرِضَ تضعيفُه للحديث بتصحيح ابن حبّان ، والضياء ، وغيرهما له ،
فاعتذر القسطلآني عن النووي بأنه تضعيف نسبيّ ؛ أي : أنّ تضعيفَه للحديث إنّما
هو بالنسبة إلى مقاومة حديث سَهْل بن سعد في ((الصحيحين))، وغيرهما، في
قصة الواهبةِ نفسَها ؛ لا مطلقاً ! فمعنى التضعيف : تقديم حديثهما عليه ، على
القاعدة في تقديم مرويّهما عند التعارض على غيره ؛ وإن كان صحيحاً ، أو حسناً !
إذ كيف يتوهّم أنّه ضعّفه مطلقاً ، - أي : حقيقة - وله في ذلك عدّة شواهد ؛ إن لم
ترفعه إلى درجة الصحّة لم تَدَعْهَ ينزل عن درجة الحسن ؟! قال المناوي : وهذا
الاعتذار جرى فيه على عادة أهل القرن العاشر من الانتصار لكلام النوويّ كيفما
کان .
والإنصاف : أنّ خبر النّهي دليل صالح لكراهة التنزيه ، وحديث ((الصحيحين))
بيان للجواز معها ؛ فلا معارضة ، ولذا رجَّح المالكيّة كراهة الحديد ونحوه . وإنّما
يُقَدَّم خبر الشيخين عند تحقّق المعارضه . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى .
(١) في الأصل : نفسه . والصواب ما أثبتناه .
٥٦٣

اَلْفَضْلُ الرَّابِعُ
فِي صِفَةٍ نَعْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُفَّهِ
( الْفَصْلُ الرَّابعُ )
من الباب الثالث
(فِي ) بيان ما ورد في ( صِفَةٍ نَعْلِهِ وَلاَ )،
وكيفية لبسه إيّاها ، وما يتعلّق بذلك .
والنعّلُ : كل ما وقيت به القدم عن الأرض ، وهي مؤنّثة ، والجمع : أَنْعُل ،
وَنِعال ؛ مثل سهم وأسهم وسهام ، وربّما ذُكِّرت النعل باعتبار الملبوس ؛ لأنّ
تأنيثها غير حقيقي .
ولا تشمل الخفّ عرفاً؛ ومن ثَمَّ أفردها بترجمة ؛ فقال :
( وَ) في بيان ما ورد في صفة (خُفِّهِ) وَيهِ.
والخفُّ معروف ، جمعه : خِفَاف ؛ كرُمح ، ورِماح .
وذكر بعض أهل السيّر: أنّه كان له وَ لّ عِدّة خِفاف؛ منها أربعة أزواج أصابها
من خيبر، ومع ذلك ؛ فقد كان ◌ََّ ربَّما مشى حافياً، لا سيّما إلى العيادات،
تواضعاً ، وطلباً لمزيد الأجر . كما أشار إلى ذلك الحافظ زين الدين العراقيّ رحمه
الله تعالى في ((ألفيّته)) بقوله :
يَمْشِي بِلا نَعْلٍ وَلاَ خُفٍّ إلىْ عِيَادَةِ المرِيْضِ حَوْلَهُ المَلاَ
قال ابن العربيّ : والنعّل لباس الأنبياء ، وإنّما اتّخذ الناس غيره لما في أرضهم
من الطين . انتهى . ولعلّه أخذه من قوله تعالى ﴿ فَأَخْلَعْ نَعْلَيَّكَ﴾ [٢١/ طه] مع ما ثبت
من لبسه وَّر، وفي حديث جابر عند مسلم رفعه: ((اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعالِ، فَإِنَّ
الرَّجُلَ لا يَزَالُ راكِباً ما انْتُعَلَ )).
وكان ابن مسعود صاحب النّعلين ، والوِساد ، والسِّواك ، والطّهور ؛ كما في
٥٦٤

كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَالاَنِ
((الصحيح)):، كان يَلِيْ ذلك من رسول الله وَ لّر، وكان يُلْبِسُه نعليه إذا قام، وإذا
جلس جعلهما ابن مسعود في ذراعيه حتّى يقوم وَلّد .
وروى محمّد بن يحيى ؛ عن القاسم بن محمّد قال : كان عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه يقوم إذا جلس رسول الله يَنْزِعُ نعليه من رجليه ، ويدخلهما في
ذراعيه ، فإذا قام ألْبَسَه إيَّاهما، فيمشي بالعصا أمامه حتى يدخله الْحُجرَة .
وقد ذكره جماعة ؛ منهم ابن سعد : أن أنس بن مالك رضي الله عنهكان صاحب نعل
رسول الله وَّ، وإداوَتِهِ. انتهى من ((جمع الوسائل)) و((جواهر البحار)) للمصنّف.
روى الترمذيّ في (( الشمائل))؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ لِنَعْلِ رَسُوْلِ اللهِّهِ قِبَالاَنِ ) - تثنية قِبال ؛ بكسر القاف وبالموحّدة آخره لام -.
وفي البخاريّ ، وأبي داود ، والترمذيّ ، وابن ماجه ، والنسائيّ ؛ عن قتادة ؛
عن أنس أنّ نعل النبيِّ وَ﴿ كان لها قِبالانِ بالإفراد. وفي رواية المُسْتَمْلِي
والحموي : أنّ نعلَيْ النبيّ وَّ كان لهما - بالتثنية فيهما -.
وفي (( الشمائل )) بإسناد صحيح ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان
لنعل رسول الله وَّ﴿ قِبالان . انتهى. والمراد أنّ لكلّ فَرْدَة قبالين ، بدليل رواية
التثنية في البخاريّ .
وقال الكرماني : أي : لکلّ واحد من نغل کلِّ رِجْل قِبال واحد .
وردّه الحافظ ابن حجر بما للطبرانيّ ، والبزَّار - برجال ثقات - والترمذيّ في
((الشمائل))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان لنعل رسول الله وَ له
قِبالان ، ولنعل أبي بكر قِبالان ، ولنعل عمر قِبالان ، وأوّل من عقد عقداً واحداً
عثمان رضي الله عنه . انتهى ؛ أي : أوَّل مَنْ اتَّخَذَ قِبَالاً واحداً عثمانُ .
ووجه بأنَّه أَرادَ أن يُبَيِّنَ أنَّ اتخاذَ القِبَالين قبل ذلك ؛ ليس لكراهةِ قبالٍ واحد ،
ولا لمخالفة الأَوْلىُ ؛ بل لكون ذلكَ هو المعتاد .
٥٦٥

مُثَنَّ شِرَاكُهُمَا .
وَ( أُلْقِبَالُ): هُوَ زِمَامٌ يُوضَعُ بَيْنَ الأُصْبُعِ الْوُسْطَىْ وَأَلَّتِي تَلِيهَا ،
وَيُسَمَّى شِسْعاً .
وبذلك يعلم أنَّ تركَ النَّعْلَين ولُبْسَ غيرهما ليس مكروهاً ؛ ولا خلاف الأَوْلى .
( مُثَنَى) - بضمِّ الميم، وفتحِ المُثَلََّةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ المفتوحةِ ، أو بفتحِ الميم
وسكونِ المثَلَّثَةِ وكسر النُّونِ وتشديد الياء ؛ روايتان من التَّثنيةِ ، وهو : جَعْلُ الشَّيءِ
اثْنَيَّنِ ، ولا يليق جَعْلُهُ من الثَّني ؛ وهو رَدُّ شَيْءٍ إِلى شيءٍ ..
( شِرَاكُهُمَا) - بكسر الشيِّن المعجمةِ : أحد سُيورِ النَّعْلِ يكون على وجهها ، أَي :
كان شِراكُ نَعْلِهِ مجعولاً اثنينٍ، و(( مُثنى)) بصيغةِ اسم المفعولِ صفةً، و(( شِرَاكُهُما »
نائبٌ عن الفاعلِ ، ويَصِحُّ جعل ((مثنى)) خبراً مُقَدَّماً، و(( شِرَاكُهُما)) مبتدأً مؤخّراً.
وهذا الحديث إسناده صحيح ؛ كما قال الحافظ العراقيُّ ، ورواه ابن ماجه بسند
قويٍّ. قال المصّنَّفُ في ((جواهر البحار)): صَرَّحَ بعضُ الحقَّاظِ بأَنَّ نَعْلَهُ وَّ كانت
صفراءَ ، قال: وفي رواية أبي الشَّيخ ؛ عن أبي ذَرٍّ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ نَعْلَ
رَسُولِ اللهِوَ﴿ كَانَتْ مِنْ جُلُودِ البَقَر. وفي لفظِ أبِي ذَرِّ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لِ فِي
نَعْلَيْنِ مَخْصوفَتَيْنِ مِنْ جُلُودِ البَقَرِ .
وروى الحارِثُ بن أبي أسامةَ؛ عن حُمَيْدٍ قال : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الأَعرابيَّ
يقول: رأيتُ رسولَ اللهَوَّه وعليه نعلان من بَقَر. قال: وجَزَمَ بعضُ الحُفَّاظِ
بأنَّهُ وَِّ كَانَتْ لَهُ نَعْلٌ مِنْ طَاقٍ وَاحِدٍ ، ونَعْلٌ مِنْ أَكْثَرِ . قَالَ : وورَدَ في خبرٍ ضعيفٍ
أنَّهِ قال: ((أُمِرْتُ بالنَّعْلَيْنِ والخَاتَمِ » .
وروى الطَّرانيُّ؛ عن أبي أُمَامَةَ رضي الله تعالى عنه قال: حَمَلَ رَسُولُ الله ◌ِله
نَعْلَهُ بِالسَبَّابَةِ مِنْ يَدِهِ اليُسْرَى. انتهى كلام «جواهر البحار ».
( وَالِقِبَالُ) - بكسر القاف وبالموحَّدَة وَلاَمِ آخره - قال الباجُورِيُّ وغيره: ( هُوَ
زِمَامٌ يُؤْضَعُ بَيِّنَ الأصْبُعِ الوُسْطَىْ وَالَّتِي تَلِيْهَا، وَيُسَمَّى شِئْعَاً) - بِكَشْرِ الشِّينِ
٥٦٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ أَحَدَ أَلْقِبَالَيْنِ بَيْنَ اْلإِبْهَامِ وَأَلَّتِي
تَلِيهَا، وَأَلَآَخَرَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا. وَ(الشِّرَاكُ) : السَّيْرُ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا : أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ النَّعَالَ
السِّيْتِيَّةَ؛ وَهِيَ أَلَّتِي لاَ شَعُّرَ عَلَيْهَا ، وَ
المعجمةِ، وسكونِ السِّينِ المُهمَلَةِ - بوزن (حِمْل)؛ كما في ((القاموس)) .
( وَ) قال الباجوريُّ، والمصنَّفُ في ((جواهر البحار))، وَغيرُهُما : أفاد بعض
حُفَّاظِ الأَثِمَّةِ أَنَّهُ ( كَانَ بَِّهِ يَضَعُ أَحَدَ الْقِبَالَيْنِ ) أي: الزِمَامَيْنِ ( بَيْنَ الإِنْهَامِ ) ؛ أي :
إِنِهامِ رِجْلِهِ ( وَالَّتِي تَلِيْهَا، وَ) يَضَعُ الزِّمَامَ (الآخَرَ بَيْنَ) الأُصْبُعِ ( الوُشَّطَى وَالَّتِي
تَلِيْهَا)، ويجمعهما؛ أي: الزَّمَامَيْنِ إِلَى السَّيْرِ الَّذِي بِظَهْرٍ قَدَمِهِ؛ وَهُوَ الشِّرَاكُ
الَّذِي على وَجْهِهَا ، وكان مُثَّنى ؛ كما في عدَّة أحاديث . انتهى .
(وَالشِّرَاكُ) - بكسر الشِّين المعجمة وخِفَّةِ الرَّاء وكاف آخره ــ هو: (السَّيْرُ)
الرَّقِيْقُ الَّذِي يَكُونُ فِي النَّعْلِ على ظهر القَدَمِ .
( وَ) أخرج البخاريُّ ومُسْلِمٌ وغيرهما ؛ في حديثٍ طَويل، والترمذيُّ في
((الشَّمائِل)) مختصراً، كلُّهم من طريق الإمَام مالِكٍ ؛ عن سعيد بن أبي سعيد
المَقْرِيِّ؛ عن عُبَيْدِ بْنِ جُرَيچٍ .
( عَنْ) عبد الله ( بْنِ عُمَرَ ) بنِ الخطاب ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أنَّهُ) ؛ أي :
ابن عمر ( كَانَ يَلْبَسُ) - بفتح الباء الموَخَّدة - ( النِّعَالَ ) ؛ أي : يختار لبسها
(السِّبْتِيَّةَ) - بكسر السِّين المهملة وسكونِ الموحّدةِ وكسر المثَّةِ الفوقيّة -: (وَهِيَ
الَّتِي لاَ شَعْرَ عَلَيْهَا )، نِسبةً للسِّبْتِ - بكسر السِّين - وهو جلودُ البَقَرِ المدبوغَةِ ،
سُمِّيَت بِذَلِكَ! لأنَّ شعْرَهَا سُبِتَ عنها، أي: حُلِقَ وأُزِيلَ ، إذ السِّبتُ: القَطْعُ، أَو
لأَنَّهَا أسْبِتَتْ بِالدِّبَاغِ .
( وَ) لفظُ ((الشَّمَائِلِ))؛ عن عُبَيْد بن جريج: أنَّهُ قال لابن عمر: رأَيْتُكَ تَلْبَسُ
٥٦٧

قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعَالَ أَلَّتِي
لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا .
النَّعَالَ السِّبْنِيَّةَ !! (قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيْهَا
شَعْرٌ) . وهي السِّبْتِيَّةُ كما علمت .
(وَيَتَوَضَّأُ فِيْهَا )؛ - أي - لِكونها عاريةً عن الشَّعْرِ ، فَتليقُ بالوضُوءِ فيها، لأنَّها
تكون أنْظَفَ، بخلافِ الَّتي فيها الشَّعر ؛ فإنَّها تَجْمِعُ الوَسَخَ .
وظاهر قولِه ( ويَتَوَضَّأُ فيها ) : أنَّه يَتَوَضَأُ والرِّجْلُ فِي النَّعْلِ . وقال النَّويُّ :
معناه أنَّه يَتَوَضَّأُ وَيَلْبَسُها بَعْدُ ورِجْلاَهُ رَطْبَتَانِ ، وفيه بعدٌ لأَنَّه غيرُ المتبادِرِ مِنْ قولِهِ
( وَيَتَوضَّأُ فيها ) .
( فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا)؛ أي: اقتداءً بِهِ وَّد .
قال ابن الأثيرِ وغيره : وجه الشُّؤالِ كونُها نِعَالُ أَهلِ النِّعْمَةِ والسَّعَةِ ، ولم تنعلها
الصحابة ، ففي صدر الحديث عند الشَّيخينِ ؛ عن عُبَيْدٍ أنَّهُ قال: رأيتُكَ تصنعُ أربعاً
لم أر أحداً من أصحابكَ يَصْنَعُها ؛ وَعَدَّ منها هذه؟! فأجابه: بأَنَّه لَبِسَها اقتداءً
بالمصطفى !! ولعل تَرْكَ الصَّحابةِ لِلُبْسِها أنَّ فَرْضَ صِحَّةِ الاستغراق وأنَّ ما نَفَاه عنهمْ
السّائل هو الواقع، إذ يحتمل أنَّ نفيهُ باعتبار علمه أنَّهم لم يبلغهم فيه شيءٌ ، وامتاز
ابن عمر عنهم بحفظ ذلك عن المصطفى ، فالحجَّة فيما رآه وفعله ؛ لا في تركهم ،
وهذا الحديث يدلُّ على طهارتها .
وقد تقرَّر أنَّها كانت مُتَّخذةً من جلدٍ مدبوغٍ، فيحتمل أَنَّه طَهَّرها بالدَّبِغ
والغَسلِ ، ويُحتمل أنَّها من مُذَكَّى، وكان دِبَاغُها لإِزالةِ الشَّعرِ فقط .
وفيه جوازُ لبس النِّعال على كل حالٍ . وقال الإمام أحمد : يكرهُ في القُبُور ،
القَول المصطفى ◌َّهِ لِمَنْ رَآه يمشي بنعليه فيها: ((أَخْلَعْ نَعْلَيْكَ » .
وأُجيب باحتمال كونه لأَذى فيهما. انتهى ((مناوي وزرقاني)).
٥٦٨

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ - أَيْ :
مَخْرُوزَتَيْنِ - ضُمَّ فِيهِمَا طَاقٌ إِلَى طَاقٍ .
( وَ) في ((الشَّمائل)) أيضا (عَنْ) أبي سعيد (عَمْرو) - بفتح العين - ( بْنِ حُرَيْثٍ )
- بضمِّ الحاء ومثلَّةٍ آخره مصغَراً - ابن عمرو بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي
المخزومي ، صحابي صغير ، وأمَّا عمرو بن حُرَيْث المصري ! فاختلف في صحبته .
وعمرو بن حريث المخزومي أخرج حديثه السِّتة، ومات النَّبِيُّ ◌َلِّ ؛ وله اثنا
عشر سنة ، وسكن الكوفة، وهو أوَّل قرشيٍّ اتَّخذ بالكوفة داراً، ومسح النَّبِيُّ وَله
رأسه ودعا له بالبركةِ في صفقتِهِ وبيعتِهِ ؛ فكسب مالاً عظيماً ؛ فكان من أغنى أهل
الكوفة ، وولي لبني أميَّةَ بالكوفة ، وشهد القادسيّة وأبلى فيها .
روى عنه ابنه جعفر ، وخليفة ؛ واصنع ؛ وهارون : مواليه ، وعطاء بن
السَّائب ، والوَليدُ بن سُوَيع، وسُرَاقَةُ بْنُ محمَّد ، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالد وجماعةٌ
من التَّابِعِينَ، وتوفِّي سنة : - ٨٥ - خمس وثمانين هِجْرِيَّة ، وله عقب بالكوفة .
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ) ؛ ولفظ (( الشَّمائِل)): حدَّثَنَا أحمدُ بن منيع ؛
قال : حدّثنا أبو أحمد ؛ قال : حدَّثنا سفيان؛ عن السُدّي قال : حدَّثني من سمع
عمرو بن حريث يقول :
( رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِوَهِ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ - أَيْ: مَخْرُوزَتَيْنِ - ) بحيث
( ضُمَّ فِيْهِمَا طَاقٌ إِلَى طَاقٍ ) ؛ من الخَصْفِ وهو : ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ وجمعُه إِليه ،
قال العلاَّمة ابن حجر: قد صحَّ عنه وَّ أنَّه كان يخصف نعله، أي : يضع طاقاً فوق
طاق ، والمراد من هذا الحديث: أنه رأى النبي وَلَه يصلِّ بالنَّعلين وهما طاهرتان ؛
قاله في (( جواهر البحار)).
وفي ذلك ردٌّ على مَن زعم أنَّها كانت من طاقٍ واحدةٍ ، وأنَّ العرب كانت تمتدح
به ، وجَعْلِهِ من لباسِ الملوك، لكن جُمِع بأنَّه كانت له نعلٌ من طاقٍ واحدةٍ ونعلٌ من
أَكثر ؛ كما دلَّت عليه عدَّة أخبار ! وهو حسن .
٥٦٩

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ - يَعْنِي الرَّجُلَ - بِشِمَالِهِ ،
وفي سند هذا الخبر كما ترى مجهولٌ ، لكن صحَّ من غير ما طريق أنَّه كان
يخصف نعله بيده الكريمة ، وثبت أنَّ عائشةَ رضي الله تعالى عنها سُئِلت عمَّا كان
رسول الله وَّ يصنع في بيته؟ قالت : كان بشراً مِن البشر ؛ يَفْلي ثوبَهُ ، ويحلبُ
شاتَه ، ويخدم نفسه .
وفي رواية لأَحمدَ وابنٍ حبانَ عنها : يخيطُ ثوبَه ويخصفُ نعله .
وفي رواية لابْنِ سعدٍ عنها : يرقَعُ ثوبَه ويعملُ ما يعملُ الرِّجالُ في بيوتهم .
وفي رواية : يَعْمل عملَ البَيْتِ ، وأَكْثَرُ ما يعمَل الخياطةُ .
وَقَدْ نَظَمَ مَعنىْ ذلِكَ الحَافظ العِراقيُّ في ((أَلَفيَّةِ السِّيرة )» بقوله :
يَخْصِفُ نَعْلَهُ يخِيطُ ثَوْبَهُ يَحْلِبُ شَاتَهُ وَلَنْ يَعِيْبَهُ
يَخْدِمُ فِي مِهْنَةٍ أَهْلِهِ كَمَا يَقْطَعُ بِالسِّكِّينِ لَخْماً قُدِّمَا
وفي هذا الحديثِ جوازُ الصَّلاة في النَّعَلَيْنِ ، لكنْ إِنْ كانتا طاهرتين . والله
أعلم .
( وَ) أخرج التِّرمذيُّ في ((الشَّمائل))؛ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُمَا؛ أَنَّ النَِّيَّ وَِّ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ - يَعْنِي الرَّجُلَ -) هذا كلام الرَّاوي ؛ عن جابر أَو
مَن قبله . وذكر الرَّجل !! لأَنَّه الأصل والأَشرف ؛ لا للاحتراز .
وقال بعضهم : المرادُ بالرَّجلِ الشَّخصُ ، بطريق عموم المجازِ ، فيصدق على
الصَّبِيِّ ؛ لأَنَّ مِنْ أَفراده ، وفي البخاريِّ ما يدلُّ له .
( بِشِمَالِهِ) - متعلَّقٌ بِـ ((يَأْكُلُ))، وهو - بكسر الشِّينِ المعجمة - اليدُ اليسرى،
فالأكل بها بِلاَ ضَرورةٍ مكروه كراهةَ تنزيهِ عند الشَّافعية، وكراهةَ تحريمٍ عند كثيرٍ من
المالكية والحنابلةِ، واختاره بعض الشَّافعيّة؛ لما في ((مسلم)): أنَّ المصطفى ◌ِليه
رَأى رجلاً يأكل بشِمالِه؛ فقال له: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)). فقال له: لا أستطيع . فقال
٥٧٠

أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلِ وَاحِدَةٍ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَنَّ
النَبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا أَنْتُعَلَ أَحَدُكُمْ .. فَلْيَبْدَأْ
بِالْيَمِينِ ، وَإِذَا نَزَعَ . . فَلْيَبْدَأُبِالشِّمَالِ ،
له : ((لاَ أَسْتَطَعْتَ)). فَما رفعها إِلى فيه بعد ذلك. ولا يخفى ما في الاستدلال
بذلك على التحريم من البعد. انتهى ((مناوي)).
( أَوْ يَمْشِيَ) - عطف على ((يأكل)) - ( فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ) - بالتأنيثِ ، فالمشيُّ
في نعلٍ واحدةٍ مكروهٌ تنزيهاً ؛ حيث لا عذر . قال البيهقيُّ :
وجه النَّهىِ ما فيه من القبح والشُّهرة ومدّ الأَبصار نحوَ من يفعلُ ذلك ، وكل
لباس صار صاحبه شهرة في القبح فحكمه أن يتقى ، لأَنَّه في معنى المثلة . انتهى .
و((أَوْ)) للتَّقسيم لا للشَّكِّ كما وهم، فكلٌّ ممَّا قبلها وما بعدها منهيٌّ عنه على
حِدَته ، على حدٍّ قوله تعالى ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورً ◌َ﴾ [الإنسان]، وحملُها على
الواو يُفسد المعنى، لأَنَّ المعنى عليه النَّهي عن مجموعهما ؛ لا عن كلٌّ على حدَتِهِ .
( وَ) أخرج البخاريُّ، وأبو داود، والتِّرمذُّ في ((اللباسِ)) وفي
((الشَّمائل))؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ:
(إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ ) - أي: إذا أراد أن يلبس أحدكم نعليه - ( فَلْيَبْدَأُ بِاليَمِيْنِ )
- أي : بالجانب اليمين - لأنَّ التَّنَقُّل من باب التَّكريم ، واليمين لشرفها تقدَّم في كل
ما كان من باب التَّكريم، ولفظ البخاريِّ: (( بالرِّجل اليمنى)). وللحمويِّ
والمستملي (( باليمين))؛ أي : بالنَّعل اليمنى .
( وَإِذَا نَزَعَ ) ؛ أي : أراد خلعهما ( فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ) ؛ أي : بالجانب
الشِّمال ، لأنَّ النَّرع من باب التَّنقيص .
والشِّمال لعدم شَرفها تقدَّم في كل ما كان من باب التنقيص ، لكن في إطلاق
كون النَّرع من باب التنقيصِ نظرٌ ، إذْ كٌّ من الحَفَا والانتعالِ له محلٌّ يليقُ بِهِ ، وقد
يكونُ الحَفا في بعض المواطن ليس إِهانةً للرّجل بل إِكراماً .
٥٧١

فَلْتَكُنِ اَلْيَمِينُ أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ .
فالأَولى قولُ الحكيم الترمذيِّ : اليمين محبوبُ الله ومختارُه من الأشياءِ ، فَأَهل
الجنَّةُ عن يمين العرشِ يومَ القيامةِ ، وأَهلِ السَّعادة يُعْطَونَ كُتَبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ، وكاتب
الحَسَنَاتِ على اليَمِينِ ؛ وكِفَّةُ الحسنات من الميزان عن اليمين ؛ فاستحقَّت أنْ تقدَّم
اليمينُ ، وإذا كان الحقُّ في التَّقديمِ لليمين أُخِّرَ نزعُها ليبقى ذلك الحقُّ لَها أكثرَ من
الیُسْری .
( فَلْتَكُنِ ) الرِّجل ( اليَمِيْنُ) - لفظ البخاريّ والتّرمذي ((فلتكن اليمنى)) -
( أَوَّلَهُمَا) - منصوبٌ على أنَّه خبر ((كان)) - ( تُنْعَلُ) - بالمثنَّة الفوقيّة والتحتيّة ؛
مبنيّاً للمفعولِ؛ والجملة حاليَّةٌ، (وَآخِرَهُمَا) بالنصب؛ خبر (( كان)) (تُنْزَعُ)
- بالمثناة الفوقية والتحتية -؛ مبنيًّاً للمفعول ، والجملة حالية . ويجوزُ أن يكون
((أَوَّلهما)) و((آخرهما)) بالنَّصبِ على الحالِ، و((تنعلُ)) و((تنزعُ)): خَبَر
(( كانَ))، والتَّذكيرُ في ذلك باغْتِبارِ العُضْوِ، وهذا تأكيدٌ لما قَبْلَهُ كما لا يخفى .
قال ابن عبد البَرِّ : فمن بدأَ في الانتعالِ باليسرى أساء بمخالفته السنّةً ، ولكنْ
لا يحرم عليه لبس نعله . وقال غيره : ينبغي أن ينزع النَّعَل من اليُسرى ثم يبدأ
باليمين .
وقال الحافظ ابن حجر : ويمكن أنَّ مراد ابن عبد البِّر ما إذا لَبِسَهُمَا معاً ، فبدأ
باليُسرى فلا يُشرع له نزعهما ثم لبسهما على التَّرتيب المشروع لفوات محلِّه .
قال القُسْطُلَّنيّ: وفيه تأَثُّل ؛ لأَنَّ من فعل ذلك فعليه نزعهما معاً ويَسْتَأنفُ
لبسهما على ما أُمِرَ به، فكأنَّه ألغى ما وقع منه أوّلاً. انتهى؛ ذكره الزّرقاني على
(( المواهب )).
قال في ((جمع الوسائل)»: وأنت تعرفُ أنَّ نزعهما معاً ولبسهما معا ممّا لا يكاد
يُتَصَوَّرُ في أَفعال العقلاء . انتهى .
أقول : يُتَصَوَّرُ ذَلك فيما إذا كانَ جالساً على كُرْسيّ مثلاً؛ أَو أَلْبسه غيرُهُ،
٥٧٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ . . يَخْلَعُ نَعْلَيْهِ .
قَالَ الْبَاجُورِيُّ: (كَانَتْ نَعْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَصَّرَةً ،
مُعَقَّبَةٌ ، مُلَسَّنَةٌ ، كَمَا رَوَاهُ
فيتصوَّر حينِئِذٍ لبسهما معاً وخلعهما معاً بلا كلفة ؛ والله أعلم ؛ قاله الزرقاني .
ونقل عياض وغيره الإجماع على أنَّ الأَمر فيه للاستحباب . انتهى .
وكان عليه الصَّلاة والسَّلام ينهى أن ينتعل الرَّجل قائماً. وفي رواية : وهو قائمٌ.
رواه أبو داود ، والترمذيُّ؛ عن جابرٍ رضي الله تعالى عنه. ورواه التِّرمذيُّ أَيضاً ؛
عن أنسٍ .
قال الزّرقاني: لأنَّ لبسها قاعداً أَسهل وأمكن ، فهو نهيُ تنزيهِ وإِرشادٍ ، ولذا
أَخَذَ منه الطّيبي وغيرُه تخصيصَ النَّهي بما في لبسه قائماً تعبٌ كالتَّاسومة والخِفِّ ؛
لا قبقاب أو سرموجة . انتهى .
( وَ) أخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان )) بإسناد ضعيفٍ ؛ عن أنسٍ رضي الله
تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (بِّهِ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يَخْلَعُ نَعْلَّيْهِ ) أي :
ينزعهما فلا يلبسهما حتى يقومَ لأجل راحةٍ قدميْهِ . وتمامُ الحديث : فخلعهما يوماً
وجلس يتحدَّثُ ، فلمَّا انقضى حديثُهُ قالَ لغلام من الأَنصارِ : ((يَا بُنَيَّ ؛ نَاوِلْنِي
نَعْلِي)). فقال: دعني أَنا أنعلك. قال: ((شَأْنَكٌّ فَافْعَلْهُ)). فَقَالَ رسول اله ◌ِِّ:
((اللَّهُمَّ؛ إنَّ عَبْدَكَ يَسْتَجِيْبُ(١) إليكَ فَأَحِبَّهُ)) . انتهى أي: أنَّه قد تَقَرَّبَ إِليكَ بخدمِةِ
رسولِكَ. فهنيئاً له بهذه الدَّعْوة من سيِّدِ البشرِ وَه .
( قَالَ ) العلاَّمة إبراهيم ( البَاجُورِيُّ) الشَّافعيُّ في كتاب ((المواهِبْ اللَّدُنَّة على
الشَّمائِلِ المُحَمَّديَّة »: وقد ( كَانَتْ نَعْلُهُ بِِّ مُخَصَّرَةً ) - بالتَّشديد على صيغة اسم
المفعول ؛ كمُعَظَّمَة ، وسيأتي معناها - ( مُعَقِّبَةٌ) - بالتَّشديد كمعظَّمة أيضاً ، ومثله
قوله : (مُلَسَنَةً؛ كَمَا رَوَاهُ) الإِمام الحافظ المحدِّثُ الثَّقة ، أبو عبد الله محمد
(١) يتحبب .
٥٧٣

ابْنُ سَعْدٍ فِي (« الطَّبَقَاتِ)) ) .
وَ( الْمُخَصَّرَةُ ) : هِيَ الَّتِي لَهَا خَصْرٌ دَقِيقٌ .
وَ( الْمُعَقَّبَةُ) : هِيَ الَّتِي لَهَا عَقِبٌ ، أَيْ: سَيْرٌ مِنْ جِلْدٍ فِي مُؤَخَّرٍ
النَّعْلِ يُمْسِكُ بِهِ عَقِبَ الْقَدَمِ . وَ( الْمُلَسََّةُ ) :
( ابْنُ سَعْدِ ) بن مَنِيعِ الزُّهري مولاهم .
وُلِدَ في البصرة سنة : - ١٦٨ - ثمان وستين ومائة، وصَحِبَ الواقِدَيَّ المُؤَرِّخَ
زماناً، فكتبَ له ، وروى عنه ، وعُرف بـ (( كاتب الواقديّ )).
قالَ الخطيب في (( تاريخ بغداد)): محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة ،
وحديثه يَدُلُّ علی صِدْقِهِ ، فإنّه يَتَحرّی في کثیرٍ من روایاتِهِ .
أشهرُ كُتُبِهِ ((طبقات الصَّحابة)) وقد طُبع في ثمانية مجلَّدات، ويعرف بـ((طبقات
ابن سعد)». وكانت وفاته في محلِّ سكناه بغداد ؛ سنة : - ٢٣٠ - ثلاثين ومائتين
هجريّة رحمه الله تعالى .
( فِي ((الطَّبَقَاتِ ) الكبرى))؛ جمع فيها الصَّحابة والتَّابعين فمن بعدهم إلى
وقتِهِ ؛ فَأَجاد وأَحْسَنَ ، وله طبقاتٌ أخرى صغرى ثالثة وثانية ، وله كتاب
(( التّاريخ )) رحمه الله تعالى .
قال الحافظ العراقيُّ : روى أَبو الشَّيخ بسنده ؛ عن يزيد بن أبي زياد قال :
رأيت نَعْلَهُ وَِّ مُخَصَّرَةً مُلَسَّنَةٌ؛ ليس لها عقب خارج . وروى ابنُ سعدٍ عن هشام بن
عروة : رأيتُ نعل النَّيِّ بَّهُ مُخَصَّرَةً مُعَقَّبَةً مُلَسَّنَةً؛ لها قِبِالاَنِ .
( وَالمُخَصَّرَةُ) - بالتشديد - (هِيَ الَِّي لَهَا خَصْرٌ دَقِيْقٌ ) أو : الّتي قُطعَ خَصْراها
حتَّى صار مُسْتَدِقَيْنِ ( وَالمُعَقَّبَةُ) - بالتَّشديد أيضا - ( هِيَ الَّتِي لَهَا عَقِبٌ ) - بفتح
فكسر - ( أَيْ : سَيْرٌ) - واحد السُّيُورِ - ( مِنْ جِلْدٍ فِي مُؤَخَّرِ النَّعْلِ) يضمّ به الرِّجْلَ
و( يُمْسِكُ بِهِ عَقِبَ القَدَمِ ) كما يفعل في كثير من النِّعال .
( وَ) النَّعْلُ (المُلَسَنَةُ) - بتشديد السِّين على صيغة اسم المفعول؛ كمُعَظَّمة -
٥٧٤

هِيَ الَّتِي فِي مُقَدَّمِهَا طُولٌ عَلَى هَيْئَةِ اللِّسَانِ .
قَالَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ
( هِيَ الَّتِي فِي مُقَدَّمِهَا طُوْلٌ) ولطافة (عَلَى هَيْئَةِ اللَّسَانِ ) العضو المعروف . وقيل :
التَّي جُعل لها لسان، ولسانُها: الهيئةُ النَّاتئةُ في مُقَدَّمها؛ كما في ((النهاية)).
وذلك لأنَّ سَبَّابَةَ رجله وَّلِ كانت أَطول أَصابعه ، فكان في مقدم نعله بعضُ طول
يناسب طول تلك الأصبع .
وروى ابن سعدٍ ؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: إنَّ محمد بن علي
أخرج لي نعل رسول الله ﴿ فَأَرانيها معقَّبَةٌ مثل الحضرميَّة ، لها قِبالان. وهُوَ يوافق
ما قاله هشام بن عروة .
قال العراقيُّ: والجمع بين قول يزيد (( ليس لها عقب))؛ وقول هشام
((معقَّبَةً)) !! ممكن بأنَّ يزيد لم يطلق العقب، وإنَّما قال (( ليس لها عقب خارج))
وهشام أثبت كونها معقّبة !! فيكون لها عقب غير خارج . والله أعلم .
( قَالَ ) العلاَّمة المناوي في ((شرح الشمَّائل)): لم أرَ أحداً من الشُّرَّاحِ تعرَّض
لصفة النَّعل ؛ ولا لمقدارها . انتهى .
وقال المصنّفُ رحمه الله تعالى في ((جواهر البحار)): قال الشَّيخ الإمام الحافظ
العلقمي في حاشيته على ((الجامع الصغير في أحاديث البشير النَّذِير)): ورد أنَّ طول
نعله وَّ شبرٌ وإصبعانِ، وعرضها مِمَّا يَلي الكعبان سبع أصابع ، وبطن القدم خمسٌ
وفوقها ستُّ ، ورأسها محدد ، وعرض ما بين القبالين إصبعان . انتهى .
وهو عين ما قاله ( الحَافِظُ الكَبِيْرُ) الشَّيخ (زَيْنُ الدِّينِ ) أبو الفضل ؛
عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحيم بن أبي بكر بن إبراهيم ، الكردي الأصل ،
الشافعي، المعروف بـ (( الحافظ ( العِرَاقِيّ))) ولد سنة : - ٧٢٥ - خمس وعشرين
وسبعمائة ، وكان عالماً بالنَّحو واللُّغةِ ، والغريبِ والقراءات ، والفقه وأُصوله ، غير
٥٧٥

رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىْ فِي (( أَلْفِيَّةِ السِّيرَةِ النََّّوِيَّةِ)) عَلى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ
الصَّلاَةِ وَالسَّلام :
أنَّه غلب عليه الحديث فاشتهر به وانفرد بمعرفته ، وكان منوَّر الشَّيبة جميلَ الصورة ،
كثيرَ الوقارِ نزر الكلام ، طارحاً للتكلف ضيِّقَ العيشِ ، شديد التوقي في الطهارة ،
لا يعتمد إلاَّ على نفسه؛ أو على رفيقه الهيثمي ، وكان كثير الحياء متجمعاً عن
النَّاس ، حسن النادرة والفكاهة .
قال الحافظ ابن حجر : وقد لازمته مدَّةً فلم أَرَهُ تَرَكَ قيام اللَّلِ ؛ بل صار
كالمألوف عنده ، ويتطوَّع بصيامٍ ثلاثة أَيَّام من كل شهرٍ .
وقد رزق السّعادة في ولده الولي العراقيٍّ ، فإِنَّ كان إماماً وفي رفيقه الهيثمي فإِنَّه
كان حافظاً كبيراً .
ورزق أيضاً السَّعادة في تلامذته ؛ فإنَّ منهم الحافظ ابن حجر وطبقته ، وتصدّى
للتَّصنيف والتَّدريس . ومات عقب خروجه من الحمّام ليلة الأربعاء ؛ ثامن شهر
شعبان سنة : - ٨٠٦ - ستٍّ وثمانمائة بالقاهرة ودفن بها (رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىْ).
آمين .
( فِي ((أَلْفِيَِّ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ))) الَّتِي بَيَّنَ فيها بعض الأَحوال المحمَّدَّهِ ( عَلَى
صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلام )، فأتى به الحافظ العلقمي بنصِّه وسَلَّمه ، وناهيك
به !! وإنْ كان بعض الحفّظَ قال: إنِّي لم أَقف على هذا التَّحديد إلاَّ لِلعراقيّ ،
وكفى به حجّة !! وقد اعترف بثقته الأنام ووصفوه بأنَّه حافظ مصر والشَّام وخادم سنَّةً
النَّي عليه الصلاة والسَّلام .
إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا فَإِنَّ القَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامٍ
مع أنَّ صاحب (( سبل الهدى والرَّشاد)) ذكر ذلك التَّحديد غير معترضٍ عليه ،
بل أقرَّه وناهيك باطِّلاعه الوافِر المديد، ونص ما في ((ألفيَّةِ السِّيرة)) قوله رحمه الله
٥٧٦

طُوبَى لِمَنْ مَسَّ بِهَا جَبِينَهْ
وَنَعْلُهُ أَلْكَرِيمَةُ الْمَصُونَهْ
سِبْتِيَّانِ سَبَتُوا شَعْرَهُمَا
لَهَا قِبَالاَنِ بِسَيْرٍ وَهُمَا
وَعَرْضُهَا مِمَّا يَلِي الْكَعْبَانِ
وَطُولُهَا شِبْرٌ وَإِصْبِعَانٍ
خَمْسٌ، وَفَوْقَ ذَا فَسِتٌّ فَأَعْلَمِ
سَبْعُ أَصَابِعِ وَبَطْنُ الْقَدَمِ
تعالى : ( وَنَعْلُهُ الكَرِيمَةُ) ؛ أي : المكَرَّمة المحترمة ، لتشرفها بأخمص خير
الخلق ◌َ﴿ه، ويطلَقُ الكريمُ على النََّيسِ، ومنه: كرائم الأموال .
( المَصُونَةُ) عن الأدْناس ، ( طُوبى) - فُعْلى - من الطِّيبِ، و((طُوبى)) كلمة
عربيّة ، تقول العرب : طُوبى لك إنْ فعلت كذا وكذا ، ولا تقول : طوبَاكَ ، وهذا
قول أكثر النَّحويِّين إلاَّ الأخفش، وقيل: إِنَّ((طوبى)) تَأْنيث ((الأطْيب))؛ أي: راحةٌ
وطيبُ عيشٍ ( لِمَنْ مَسَّ بِهَا جَبِيْنَهُ) . والجبين : ناحية الجبهة من محاذاة النَّرعة إلى
الصُّدغِ ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها ، فتكونُ الجبهة بين جبينين ،
وجمعهَ جُبُنٌ ، مثل بريدٍ وبُدٌ .
( لَهَا قِبَالاَنٍ ) - بكسر القاف - تثنية قبال ؛ وهو زمام النَّعَل ، أي : لكل واحدةٍ
قِبالان بينهما نحو أصبعين ، ( بِسَيْرٍ) ؛ أي: من سير، ( وَهُمَا) ؛ أي: النَّعلان
( سِبْتِيََّانِ)، مثنَّى سبتيّة - بكسر السِّين المهملة وسكون الموحِّدة وكسر المثنّة
الفوقيّة - نسبة للسِّبت - بكسر السِّين - وهو: جلودُ البقر المدبوغة، سُمِّيتا بذلك !!
لأنَّهما ( سَبتُوا شَعْرَهُمَا) ، أي : أَزالوه .
( وَطُولُهَا شِبْرٌ وَإِصْبِعَانِ، وَعَرْضُهَا) - مبتدأ - ( مِمَّا يَلِي الكَعْبَانِ ) ؛ أَي : مِمَّا
يليه الكعبانِ ، فالكعبان فاعل لا مفعول .
( سَبْعُ أَصَابِعٍ ) - خبر مبتدأ - ( وَ) عرضها مما يلي ( بَطْنَ القَدَمِ، خَمْسٌ) من
الأَصابع، ( وَفَوْقَ ذَا، فَسِتٌ) ؛ أي : وعرضها مما فوق بطن القدم مما يلي
الأصابع فستٌّ من الأصابع .
( فَاعْلَمْ ) هذا ولا يلتبس عليك .
٥٧٧

وَرَأَسُهَا مُحَدَّدٌ وَعَرْضُ مَا بَيْنَ الْقِبَالَيْنِ أَصْبِعَانِ أَضْبِطْهُمَا
وَدَوْرُهَا أَكْرِمْ بِهَا مِنْ نَعْلٍ
وَهَذِهِ مِثَالُ تِلْكَ النَّعْلِ
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي (( الْمَوَاهِبِ )» : ذَكَرَ أَبْنُ عَسَاكِرَ
( ورأْسُهَا مُحَدَّدٌ) على هيئة اللِّسان.
( وَعَرْضُ مَا بَيْنَ القِبَالَيْنِ أَصْبَعَانِ؛ اضْبِطْهُمَا ) ، فلا تنقص ولا تزد على هذا
التَّحدید .
( وَهَذِهِ) الصِّفة المذكورة ( مِثَالُ تِلْكَ الثَّعْلِ) الشَّريفة، (وَ) هذا (دَوْرُهَا)؛
أي: تحديدُها . ( أَكْرِمْ بِهَا مِنْ نَعْلٍ)، تشرَّفت بموطئ سيِّد الوجود وَلَّهِ .
( فَائِدَةٌ: ) - مشْتَقَّة من الفَيْدِ، بمعنى: استِحْداثِ المَالِ والخَيْرِ ، فهي يائيَّةَ،
وقيل : واوية ؛ من الفود ، كما نقله الدَّماميني في ((حواشي المغني)).
وقيل : من فَأَدْتُهُ؛ إذَا أَصَبْتَ فؤادَهُ، لكونها تؤثِّر في الفؤاد ؛ أي : القلب
سروراً ، أو لتعلُّقه بها ، معنويَّة كانت أو حسِّيَّة ، وإِدراكه لها إِنْ كانت ؛ معنويَّة .
وهي لغة : ما يستفاد من علم أو مالٍ . وقيل : الزِّيادة الَّتي تحصل للإِنْسانِ ،
وقيل : ما حصل لك ممَّا لم يكن عندك . وقيل : ما يكون الشّيء به أحسن حالاً منه
بغيره .
واصطلاحاً : كلُّ مصلحةٍ تترتَّب على فعلٍ ، فهي من حيثُ إنَّها نتيجة له تسمَّى
((فائدة))، ومن حيث إنَّها طرفٌ له تُسمَّى ((غاية)) ، ومن حيث إنَّها مطلوبة للفاعل
بإِقدامه على الفِعل تسمَّى ((غرضاً))، ومن حيث إنَّها باعثةٌ له بذلك تسمَّى ((علَّة
غائية))؛ قاله شيخ الإسلام زكريا مع ((حواشي الشرقاوي)).
( قَالَ ) أي: العلاَّمة القسطلاني ( فِي) كتاب ( ((المَوَاهِبِ ) اللَّدنيّة »:
( ذَكَرَ) أبو اليُمن - بضمِّ الياء التَّحتيَّةِ وإسكان الميم - عبد الصَّمد بن
عبد الوهّاب بن الحسن بن محمَّد بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين ( بْنُ عَسَاكِرَ ) .
الإمام العلامة ، الحافظ الزاهد ، أمين الدِّين الدِّمشقي؛ ثمَّ المكِّي.
٥٧٨

تِمْثَالَ نَعْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَأَفْرَدَهُ بِالْتَأْلِفِ أَبُو
إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ السُّلَمِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ، وَكَذَا
غَيْرُهُمَا .
مولده في سنة : - ٦١٤ - أربع عشرة وستمائة ، وكان قويّ المشاركةِ في
العلوم ، لطيف الشَّمائل ، بديع النظم ، خيِّراً صالحاً ، صاحب صدقٍ وتوجه .
اعتنى من صغره بالعلم ؛ خصوصاً الحديث ، وأخذ عن جده ، والحسين
الزبيدي ، والموفق ابن قدامة وغيرهم .
وأجاز له جمعٌ ؛ منهم : عبد الرَّحيم بن السَّمعاني ، والمؤَّد الطُّوسِي ،
وأبو رَوْحِ الهَرَوي. وله التّاليفُ الحَسَنَةُ؛ منها جزء في تِمْثَالِ نعلي النَّبِّ ◌َِّهِ.
وانقطع بمكّة المكرّمة نحواً من أربعين سنة ، ومات بالمدينة المنوّرة على الحالِ
بها أفضل الصَّلاة والسَّلام ، في جمادى الأولى سنة : - ٦٨٦ - ست وثمانين
وستمائة رحمه الله تعالى آمين .
(تِمْثَالَ) ؛ أي : صفة تمثال؛ ( نَعْلِهِ) المكرَّم (مَّر) ، أي : ما يؤخذ منه صفة
تصويره، وإلاَّ فهو لم يذكر تمثاله ( فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ ) ؛ نحو ثمان ورقاتٍ في النصف .
( وَ) كذا ( أَفْرَدَهُ بِالتَّأْلِيْفِ ) الإمام الوليُّ الصَّالِحِ ؛ ( أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ
مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ السُّلَمِيُّ ) ، المشهور بـ (( ابن الحاجِّ)) (الأَنْدَلُسِيُّ ) ، من أهل
المُرْيَةَ كَغُنْيَّةَ .
( وَكَذَا غَيْرُهُمَا) كـ ((مُسْنِدِ أَفريقية))، بل ((مُسْنِدِ المغرب)): المعمر
الأديب ؛ أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد بن هارون ، الطَّائي ، القرطبي ، التونسي ،
یکنَّى أبا محمَّد .
المولود سنة : - ٦٠٣ - ثلاث وستمائة، والمتوفّى سنة : - ٧٠٢ - اثنتين
وسبعمائة، بـ ((الزّلاج)) من تونس. وفي ((تذكرة الحفاظ)) للذَّهبي: أنَّه مات عن
- ٩٩ - تسع وتسعين سنة رحمه الله تعالى؛ فإنَّه ألَّف كتاب ((الَّلَآلي المجموعة من
٥٧٩

باهر النِّظام وبارع الكلام في وصف مثال نعلي رسول الله عليه أفضل الصلاة
والسلام)) . وسبب جمعه - على ما قال -: أَنَّ سُئِلَ منه نظم أبيات تكتب على مِثال
النَّعَل المُشرَّفة ؛ فكتب في ذلك قطعةً وندب أدباء قطر الأندلس لذلك فأجابوا ،
وكتب عن ذلك ما وصل إليه ، وجملة ما فيه من المقطوعات ما ينيف على مائة
وثلاثين ؛ بين صغيرة وكبيرة ، ولم يطَّلع على هذا التّأليف الحافظ المقرىء ، مع
سعة حفظه وكثرة اطلَّعه ومبلغه من التَّقير والتَّفتيش عما قيل في النعل ، ولم يطَّلع
لمن قبله إلاَّ على عدد أقَّل من هذا بكثير، وغالبُ ما أودعه في ((فتح المتعال ))
كلامُه وكلام أهل عصره ، ولو اطّلع عليه لاغْتَبَطَ بِهِ كثيراً. انتهى؛ من ( فهرس
الفهارس )) للشَّريف عبد الحي الكثَّاني رحمه الله تعالى .
وكالشِّهاب المقَّري - بتشديد القاف - صاحب كتاب ((نفح الطيب )) المتوَّفى
سنة : - ١٠٤١ - إحدى وأربعين وألف هجريَّة، فإِنَّ أَلَّف كتابه ((فتح المتعال في
مدح النِّعال الشَّريفة النِّيَّةِ » ، قال المصنّ :
وقد اختصرته بمختصر سمَّته (( بلوغ الآمال من فتح المتعال )) أثبتُ فيه ما لا بدَّ
منه ولا غنى عنه ، فجاء مختصراً نافعاً جامعاً لكلِّ المقصودِ من ذلك الكتاب
وعلمه ؛ مع كونه في نحو خُمس حجمه ، لأَنِّي حذفت منه كلَّ الفوائد الاسْتِطْرَادِية
الَّتي ذكرها لمناسَبةٍ ، أو غير مناسبة من معانٍ شتَّى لا دخل لها في المقصودِ بالكلِّيّة ،
كما حذفت معظم الأشْعار الَّتي ذكرها في مدح المثال الشّريف ، قال :
وقد كنتُ مند سنين أفْردتُ مثالاً هو الأَصُ والمعتمدُ من أمثلة النِّعال الَّتي ذكرها في
الأصْلِ في ورقة مخصوصة ، وذكرت حوله فيها فَوَائِد نَافعة تتعلَّق به ، وطبعتُ منه أربعين
ألف نسخة ونشرتها في البلاد الإسلاميَّة ، فمن شاء فليتطلّبْه . انتهى .
وهذا المؤلّف الَّذي في النّعال قد أدرجه المصنّف في كتابه (( جواهر البحار في
فضائل النبي المختار)) المطبوع في أربعة أجزاء ؛ فليطلبه من أراده . ومما ذكره
المصنّ في مؤلَّفه المذكور قولُه :
قال الإمام المقَّري في ((الأصل)): أعلم - أرشدني الله وإيَّاك إلى سواء
٥٨٠