النص المفهرس
صفحات 381-400
الْفَصْلُ الثَّامِنُ
فِي صِفَةٍ ضَحِكِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُّكَائِهِ
( الْفَصْلُ الثَّامِنُ )
من الباب الثاني
(فِي) بيان ما ورد في ( صِفَةٍ ضَحِكِهِ وَلِّ ).
قال أهلُ اللغة : التبشُم مبادىءُ الضحك ، أي : مقدِّماته ، والضحك : انبساط
الوجه ؛ أي : تهلُّلُه وتلألؤه حتَّى تظهر الأسنان من السرور ، فإذا تهلَّل الوجهُ لسرورٍ
قام به ؛ انفتح الفم على الهيئة المعروفة ، فإن كان بصوت ؛ وكان بحيث يُسمع من
بعيد ، فهو القهقهة ، وإِلاَّ يُسمع من بعد ؛ وهو بصوت فالضحك .
فالفارق بين الثلاثة : أَنَّ التبسُّم : انفتاح الفم بلا صوت . والضحك : انفتاحه
مع صوت قليل . والقهقهة : انفتاحه بصوت قوي .
والضحك خاصَّة للإنسان ، والغالب أنَّه ينشأ من سرور يعرض للقلب ، وقد
يضحك غيرُ المسرور .
ويجوز فيه أربع لغات ، وهي فتح أوله وكسره مع سكون ثانيه ، وكسر أوله
وثانيه، وفتح أوله وكسر ثانيه؛ كما يؤخذ من (( القاموس))، وهكذا كلُّ ما كان
ثلاثیاً عینُهُ حرفُ حلق نحو فخذ . انتهى .
( وَ) في بيان ما ورد في صفة ( بُكَائِهِ ) ؛
بالمدِّ والقصر ، وقيل : القصر مع خروج الدموع ، والمدُّ على إرادة الصوت ،
وقد جمع الشاعر اللغتين ؛ فقال :
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي أَلْبَكَاءُ وَلاَ العَوِيْلُ
والبكاء أنواع: ١ - بكاء رحمة ورأفة ، و٢ - بكاء خوف وخشية ، و٣ - بكاء
٣٨١
وَعُطَاسِهِ
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْتَرَّ ضَاحِكاً .. أَفْتَرَّ عَنْ
مِثْلِ سَنَا الْبَرْقِ إِذَا تَلأْلأَ ،
محبّة وشوق ، و٤ - بكاء فرح وسرور ، و٥ - بكاء جزع من ورود مؤلم على الشخص
لا يحتمله ، و٦ - بكاء حزن ، و٧ - بكاء مستعار ؛ كبكاء المرأة لغيرها من غير مقابل ،
و٨ - بكاء مستأجَر عليه ؛ كبكاء النائحة ، و٩ - بكاء موافقة ؛ وهو بكاءَ من يرى من يبكي
فيبكي ؛ ولا يدري لأي شيء يبكي ، و١٠ - بكاء كذب ؛ وهو بكاء المصرِّ على الذنب .
وبكاؤه * تارة يكون رحمة وشفقة على الميت ، وتارة يكون خوفاً على أمته ،
وتارة يكون خشية من الله تعالى ، وتارة يكون اشتياقاً ومحبّة مصاحباً للإجلال
والخشية ، وذلك عند استماع القرآن - كما سيأتي -.
( وَ) في بيان ما ورد في ( عُطَاسِهِ) وَلِّ ،
وهو مصدر من عَطَس يعطِس - بالكسر - عُطاساً - بضمِّ العين على وزن غُرَاب -.
قال في ((الاقتراح)): هو خاصٌّ بالإنسان ، فلا يقال لغيره ؛ ولو للهرة ؛ نقله
شيخنا . وفي الحديث : كان يحبُّ العطاس ويكره التثاؤب .
قال ابن الأثير : لأنَّ العطاس إنما يكون مع خفَّة البدن وانفتاح المسام وتيسير
الحركات ، والتثاؤب بخلافه ، وسبب هذه الأوصاف تخفيفُ الغذاء والإِقلال من
الطعام والشراب. انتهى شرح ((القاموس)).
أما ضَحِكُ رسول الله وَّرَ !! فقد ذكر القاضي عياض في ((الشفاء))، والغزاليُّ
في ((الإِحياء)) أَنَّه (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ إِذَا أَفْتَ) - بتشديد الرَّاء ؛ أي : إذا أبدى
أسنانه حال كونه ـ (ضَاحِكاً) ؛ أي : متبسِّماً (افْتَرَّ) - أي: كشف - (عَنْ مِثْلِ سَنَا)
- بقصر ((سنا))، وقد يُمدُّ، وقيل: بالقصر: النُّور، وبالمد: الشرف والعلو، أي :
يشبه ضوء ـ (البَرْقِ إِذَا تَلأُلاً) في ظلمة الليل، أي: إذا كشف ◌َّر عن أسنانه في حال
ضَحِكه ظهر من فمه وبياضٍٍ أسنانه لمعانٌ كلمعان البرق ، وهو تشبيه لنور ثغره .
٣٨٢
وَعَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُّ ضَحِكِهِ الثَّبَشُّمُ .
وإنما خُصَّ التشبيه بحال التبسم والسرور ، وشبه ذلك بالبرق دون ما هو أضوأ
منه ؛ كالشمس والبدر !! إشارة إلى أنه لا يدوم ضحكه وانفتاح فمه ، لأنَّ كثرة
الضحك غيرُ محمودة، ولم يكن ذلك من دأبِهِ وَ﴿، ولأنَّ تبسُّمَه لمخاطبه يعقبه
نفع ، وخيرٌ من عطائه وكلامه ورضاه ، كما يعقب البرقَ المطرُ والرحمة العامَّة .
وهذا رواه البيهقي مسنداً ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها .
( وَ) يفترُ (عَنْ مِثْلِ حَبِّ أُلغَمَامِ ) في بياضه ونقائه وصفائه .
والغمام : هو السحاب ، وحَبُّه : البَرَد - بفتحتين - الذي يشبه اللؤلؤ، والمعنى أنَّه
يضحك ضحكاً حسناً كاشفاً عن مثل حبِّ الغمام في البياض والصفا والبريق واللمعان .
وورد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المارِّ: أنَّه ◌َلّ كان إذا ضحك
يتلألأُ في الجُدُر ، أي : يشرق عليها إِشراقاً كإشراق الشمس .
قال مُلاَّ علي قاري في ((شرح الشفاء)): والتشبيهُ الثاني أولى من الأوَّل . انتهى.
وهذا رواه الترمذي في (( الشمائل)) والدارميُّ ، والبيهقي ؛ من حديث هند بن
أبي هالة وعائشة رضي الله تعالى عنهما .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))، والقاضي عياض في ((الشفاء))؛ من
طريق الترمذي ؛ عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسولُ الله (ََِّ) متواصلَ الأحزان. وساق الحديث إلى أن قال :
( جُلُّ ) - بضم الجيم وتشديد اللام ؛ أي: معظم - ( ضَحِكِهِ ) وأكثره
( التَّبَهُمُ) . وهو: بشاشة الوجه من غير تأثر تامٍّ في هيئة الفم، وقال: (( جُلّ)) !!
لأنَّه ربما ضحك حتَّى بدت نواجذه . كما سيأتي الكلام على ذلك ، وهذا لا ينافي
ما رواه البخاري في ((الأدب))، وابن ماجه في (( سننه)): (( لاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ
كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيْتُ الْقَلْبَ » .
٣٨٣
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً
أَكْثَرَ تَبَشُماً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَىْ] عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُ مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً حَتَّى أَرَى مِنْهُ
لَهَوَاتِهِ .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُلحَارِثِ ) بن جَزْء
- بجيم مفتوحة فزاي ساكنة فهمزة آخره - الزُّبيدي مصغّراً ، صحابي سكن مصر ،
خرّج له أبو داود وابن ماجه ، ومات بعد الثمانين . قيل : سنة ست ، وقيل :
خمس ، وقيل : سبع ، وقيل : ثمانٍ بعد أن عمي ، وعُمِّر عُمْراً طويلاً ، وهو آخر
من مات بمصر من الصحابة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ :
مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثَرَ تَبَسُماً مِنْ رَسُوْلِ اللهِِّ )، لأنَّ شأنَ الكُمَّل إظهارُ الانبساط
والبشر لمن يريدون تألّفه واستعطافه، مع تلتُسهم بالحزن المتواصل باطناً ، فكثرةُ
تبسُّمِهِ مَّ﴿ لا تنافي كونَه متواصلَ الأحزان . فاندفع ما أُورد من أنه إذا كان كثير
التبسُّم كيف يكون متواصلَ الأحزان؟! فهو ◌َِّ دائم البشر ؛ ومع ذلك هو دائم
الحزن الباطن ، حتَّى أنَّه قد تبدو آثارُه على صفحاتٍ وجهه .
( وَ) أخرج البخاري ومسلم في ((صحيحيهما))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ)
تَعَالى (عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِوَلِقَطُّ مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً ) ضحكاً تامّاً
بحيث ينفتح فمُه ( حَتَّى أَرَىْ مِنْهُ لَهَوَاتِهِ ) - بفتحات ؛ جمع لهاة ، وتجمع على
لَهَيات ولهىّ ؛ مثل حصاة وحصىّ وحصيات؛ كما في ((المصباح)) - وهي :
اللحمة التي بأعلى الحنجرة ؛ أي : الحلق من أقصى الفم ، وتمام الحديث : إنما
كان يتبسم . والمعنى ما رأيته مستجمعاً من جهة الضحك ؛ أي مطمئناً قاصداً
للضحك الذي يغلب وقوعه للناس ، بحيث يضحك ضحكاً تاماً ؛ مقبلاً بكليته على
الضحك ، إِنما كان يتبسَّ، والتبسم أقلُّ الضحك وأحسنُهُ.
٣٨٤
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ أَيْضاً قَالَ: مَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ تَبَشُمَاً .
وَكَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُحَدِّثُ حَدِيثاً إِلاَّ تَبَسَّمَ .
وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْدَهُ النَّبَشُّمَ مِنْ غَيْرِ
صَوْتٍ، أَقْتِدَاءً بِهِ ، وَتَوْقِيراً لَهُ، وَكَانُوا إِذَا جَلَسُوا عِنْدَهُ .. كَأَنَّمَا
عَلَى رُؤُوسِهِمُ اَلْطَّيْرُ .
قال في ((الكشاف)): وكذلك ضحك الأنبياء لم يكن إلاَّ تبشُّماً . انتهى،
وعليه فهو من خواصِّه على الأمم؛ دون الأنبياء، انتهى ((زرقاني)).
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) - وقال: غريب من حديث الليث بن
سعد - ( عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ ) بن جَزْء ( أَيْضاً) رضي الله تعالى عنه ( قَالَ :
مَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلاَّ تَبَتُّماً). هذا الحصر إضافيٌّ ؛ أي: بالنسبة للغالب،
لما تقرَّر أنَّه ◌َلِّ ضَحِكَ أحياناً حتَّى بَدَت نَواجذُه، إِلاَّ أن يُحمل على المبالغة .
( وَ) أخرج الإمام أحمد في ((مسنده))؛ عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه
قال: ( كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ لا يُحَدِّثُ حَدِيْئاً) - يناسبه التبسُّم ، وفي روايةٍ :
(( بحديث)) - ( إِلاَّ تَبَتَمَ) ؛ أي : ضحك قليلاً بلا صوت .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: ( كَانَ ضَحِكُ
أَصْحَابِهِ وَلَعِنْدَهُ) ؛ أي: في حضرته ( التَّبُّمَ ) لا غير. أي: ( مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ ؛
اِقْتِدَاءاً بِهِ ) في كيفية ضَحِكِه وهيئته ، ( وَتَوْقِيْراً لَهُ) ؛ أي : تعظيماً لحرمته .
( وَكَانُوا إِذَا جَلَسُوْا عِنْدَهُ)، رواية الترمذي في (( الشمائل)): إذا تكلَّم أطرَق
جلساؤه ( كَأَنَّمَا) بزيادة (( ما)) الكافّة (عَلَىْ رُؤؤْسِهِمُ الطَّيْرُ) في السكوت
والسكون ؛ مهابة له وإجلالاً ، لشهودهم عَلِيَّ شأنِهِ وكمالَ مرتبته ، وتخلُّقهم
بأخلاقه ، لا لسوء خُلُق فيه ، حاشاه الله من ذلك .
وفي التشبيه تنبية على المبالغة في وصفهم بالسكوت والسكينة وعدم الخِفَّة ،
٣٨٥
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَرَى بِهِ الضَّحِكُ . . وَضَعَ يَدَهُ عَلَى
فِيهِ . كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَضْحَكِ النَّاسِ ، وَأَطْيَبِهِمْ نَفْساً.
وَوَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أَنَّ النَّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ
نَوَاجِذُهُ - أَيْ: أَضْرَاسُهُ - وَإِنْ كَانَ
لأنَّ الطير لا يكادُ يقع إِلاَّ على شيء ساكن من الحركة. و((أل)) في (( الطير))
للجنس ، فالمرادُ جنس الطير مطلقاً ، وقيل : للعهد ، والمعهودُ الباز .
وهذا الحديث ؛ قال في (( شرح الإحياء)): رواه الترمذي في ((شمائله)) من
حديث هند بن أبي هالة في أثناء حديثه الطويل . انتهى . وفيه تغييرٌ في اللفظ .
( وَ) أخرج البغوي في ((معجمه))؛ عن والد مُرَّة الثقفي رضي الله تعالى عنه قال:
( كَانَ) رسولُ الله (وَّوَ إِذَا جَرَىْ بِهِ الضَّحِكُ ) ؛ أي : إذا وجد سببه وقويَ
عليه وغلبه ؛ ولم يقدر علىُ ردِّه ( وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيْهِ ) حتَّى لا يبدو شيء من باطن
فمه ، ولئلا يقهقه ، وهذا كان نادراً .
وأما في أغلب أحواله !! فكان لا يضحكُ إِلاَّ تبشُّماً .
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير)) و((الأوسط))؛ عن أبي أمامة الباهلي رضي
الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسولُ اللهِ (بَّهِ مِنْ أَضْحَكِ النَّاسِ، وَ) من ( أَطْيَبِهِمْ
نَفْساً ) ، بل كان أجودَ الناس على الإطلاق وأحسنَهم خُلُقاً ، ومع ذلك لا يركنُ إلى
الدنيا ، ولا يشغله شاغلٌ عن ربِّه ، بل كان استغراقه في حبّ الله إلى حدٍّ بحيث
يخاف في بعض الأحيان أن يسريَ إلى قلبه فيحرقَه ، وإلى قالبه فيهدمَه ؛ فلذلك كان
يضرب يده على فخذ عائشة رضي الله تعالى عنها أحياناً؛ ويقول: ((كَلِّمِيْنِ))،
ليشتغل بكلامها عن عظيم ما هو فيه ، لقصور طاقة قالبه عنه ، وكان طبعُه الأنسَ
بالله، وكان أُنْسُه بالخَلْقِ عارضاً رفقاً ببدنه؛ ذكر ذلك كلَّه الغزالي. انتهى ((مناوي)).
(وَوَرَدَ فِي أَحَادِيْثَ) صحيحةٍ ( أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ) ؛ أي :
ظهرت ( نَوَاجِذُهُ) - بكسر الجيم وبالذال المعجمة - ( أَيْ: أَضْرَاسُهُ، وَإِنْ كَانَ
٣٨٦
الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُلتََّشُّمَ .
الغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَِّ النَّبَّهُمَ)؛ كما جاءَ في صفة ضَحِكه (( جُلُّ ضحكه التبسم))
وقد تقدَّم ، والاقتداءُ به إِنَّما يكون فيما هو أغلب أحواله .
قال العلقمي : قال العلامة محمد بن يوسف الدمشقي : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ
الضَّخَّاكِ: صَحَّتِ الأَخْبَارُ وَتَظَاهَرَتْ بِضَحِكِ رَسُوْلِ اللهِ ◌ّهِ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ حَتَّى تبدوَ
نواجذُه. وثبت عنه ،َّ ◌َنَّ كان لا يضحك إِلاَّ تبشُّماً .
ويمكن الجمع بينهما بأن يقال : إن التبسُّم كان الأغلبَ عليه ، ويمكن أن يكون
الناقل عنه (( أَنَّه كان لا يضحك إِلاَّ تبشُّماً))، لم يشاهد من النبي ◌َّ غير ما أخبر
به ، ویکون من روی عنه « أنه ضحك حتى بدت نواجذه )» قد شاهد ذلك في وقت
ما ؛ فنقل ما شاهده ، فلا اختلاف بينهما لاختلاف المواطن والأوقات ، ويمكن أن
يكون في ابتداء أمره كان يضحك حتَّى تبدوَ نواجذه في الأوقات النادرة ، وكان آخر
أمره لا يضحك إِلاَّ تبسُّماً، وقد وردت عنه بَّهِ أحاديث تدلُّ على ذلك، ويمكن أن
يكون مَن روى عنه أنَّه كان لا يضحك إلاَّ تبشُّماً شاهد ضحكه حتى بدت نواجذه
نادراً ؛ فأخبر عن الأكثر وغلَّبه على القليل النادر .
على أن أهل اللغة قد اختلفوا في النواجذ ما هي ؟
فقال جماعة : إنَّ النواجذ أقصى الأضراس من الفم موضعاً ، فعلى هذا تتحقّق
المعارضة ، ويمكن الجمع بين الأحاديث بما قلنا .
ومنهم مَن قال: إنَّ النواجذ هي الأنياب . وقال آخرون : هي الضواحك ،
فعلى هذين لا يكون في ظاهر الأخبار معارضة ، لأنَّ المتبسِّم يلزمه ذلك .
قال في ((النهاية)): النواجِذُ - بكسر الجيم وبالذال المعجمة - وهي من الأسنان
الضواحكُ ، وهي التي تبدو عند الضحك ؛ والأكثر الأشهر أنَّها أقصى الأسنان ،
والمراد الأول ، لأنَّه ما كان يبلغ به الضحك حتَّى تبدوَ أضراسه ، كيف وقد تقدَّم أنَّ
جُلَّ ضحكه التبشُم !؟ وإِن أريد بها الأضراس ! فالوجهُ فيه أن يرادَ به مبالغة مثله في
٣٨٧
فَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَىُ] عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنِّي لأَعْلَمُ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ،
ضحكه ، من غير أن يُراد ظهورُ نواجذه في الضحك ، وهو أقيسُ القولين لاشتهار
النواجذ بأواخر الأسنان .. انتهى؛ نقله العزيزي على ((الجامع الصغير)).
ثم شرع المصنف في ذكر الأحاديث التي صرَّح فيها بالنواجذ قائلاً :
( فَعَنْ أَبِي ذَرِّ ) جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن الرفيقة بن حرام بن
غفار بن مليك بن ضَمْرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن
معد بن عدنان الغفاري الحجازي .
من السابقين إلى الإسلام. صحب النبي ◌َ﴿ حتَّى مات رسول الله وَله .
روي له عن رسول الله ربيّلقي مائتا حديث وواحد وثمانون حديثاً، اتفقا منها على
اثني عشر حديثاً ، وانفرد البخاري بحديثين ، وانفرد مسلم بسبعة عشر حديثاً .
روى عنه ابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعبد الرحمن بن غنم ، وجبير بن
نفير ، وخلق سواهم .
وتوفي بالربذة سنة : اثنتين وثلاثين ، وصلَّى عليه ابن مسعود ، ثم قدم ابن
مسعود المدينة فأقام عشرة أيام ؛ ثم توفي .
وكان أبو ذر طويلاً عظيماً ، وكان زاهداً متقللاً من الدنيا ، وكان مذهبُه أنَّه
يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته ، وكان قَوَّالاً بالحقِّ رضي الله تعالى
عنه .
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد ، ومسلم ، والترمذي في (( جامعه )) وفي
((الشمائل)) بألفاظ مختلفة، ولفظ الترمذي فى ((الشمائل)):
حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث ؛ قال : حدَّثنا وكيع ؛ قال : حدَّثنا
الأعمش ؛ عن المعرور بن سويد ؛ عن أبي ذر ( رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ :
قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهُ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ) بالوحي ( أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ أَلجَنَّةَ) - في
٣٨٨
وَآخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ ، يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ:
أَعْرِضُوا عَلَّيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ ، وَيُخْبَّأُ عَنْهُ كِبَارُهَا، فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ
يَوْمَ كَذَا .. كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مُقِرٍّ لاَ يُنكِرُ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا ،
نسخة من ((الشمائل)): إني لأعلم آخر رجل يدخل الجنة - ( وَآخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ
النَّارِ ) - ولم يذكر أوَّل رجل يدخل النار ، لأنَّ كلامه فيمن يدخل الجنة .
وإنما ذكر آخر رجل يخرج من النار !! لأنه آخر رجل يدخل الجنة ، ولذا اقتصر
عليه في أصحِّ النسخ ، وزاد علمه ليزيد وثوقاً فيما أخبر به . فليس قوله ( يُؤْتَىُ
بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ ) تفصيلاً لأول رجل يدخل الجنة كما وُهِم ، بل هو استئناف لبيان
حالٍ رجل آخر ، فلا تعلُّق له بما قبله، إذْ أوَّل داخل هو المصطفى وَلّر؛ ولا ذنب
له ، وفي بعض النسخ: ((وَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) ، بالواو التي للاستئناف .
( فَيُقَالُ) ؛ أي : يقول الله للملائكة : ( أُعرِضُوا) - بهمزة وصل وكسر راء ؛
أمر من العرض - ( عَلَيْهِ ) ؛ أي : على الرجل ( صِغَارَ ذُنُوبِهِ ) - بكسر الصاد ؛ أي :
صغائر ذنوبه ، أي : أظهروها له في صحيفته ، أو بصورها ، وفيه دليل على أنَّ
الصغيرةَ ذنب ، وأنَّ من الذنوب صغائرَ وكبائر - ( وَيُخْبَأ ) - بصيغة المجهول ؛ من
الخبء بالهمز . أي : يُخفى - (عَنْهُ) - أي: الرجل - ( كِبَارُهَا ) أي : كبائر ذنوبه
للحكمة الآتية ، أي : والحال أنَّه يخبأ عنه كبارها ، فالجملة حالية ، ويحتمل أن
تكون معطوفة على ((اعرضوا))؛ فتكون أمراً في المعنى ، فكأنَّه قيل : اعرضوا عليه
صغار ذنوبه ، واخبئوا عنه كبارها ، أي : كبائر ذنوبه .
( فَيْقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ) ؛ أي : من القول والفعل ( يَوْمَ كَذَا) ؛ أي : الوقت
الفلاني من السَّنَة والشهر والأسبوع واليوم والساعة ( كَذَا وَكَذَا) ؛ أي : عدداً من
الذنوب، فـ ((كذا وكذا)) كناية عن العدد المشتمل على عطف، ( وَهُوَ مُقِرٍّ
لاَ يُنْكِرُ)؛ أي: فيتذكَّر ذلك ويصدَّقُه هنالك، (وَهُوَ مُشْفِقٌ)؛ من الإشفاق؛ وهو
الخوف ، والجملةُ حالٌ ؛ أي : والحالُ أنَّه خائف ( مِنْ كِبَارِهَا ) ؛ أي : من كبار
ذنوبه، أي: من المؤاخذة بها، فإنَّ مَن يؤاخَذُ بالصغيرة فبالاًولى أن يعاقَبَ بالكبيرة .
٣٨٩
فَيُقَالُ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيَِّةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةٌ ، فَيَقُولُ : إِنَّ لِي ذُنُوباً لاَ
أَرَاهَا هَهُنَا )) . قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ .
( فَيُقَالُ ) ؛ أي : فيقول الله للملائكة ( أَعْطُؤْهُ ) - بقطع الهمزة - ( مَكَانَ ) ؛
أي : بدل ( كُلِّ سَيَّةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةٌ) لتوبته النصوح ، قال الله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ
وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَيْكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَنتٍ﴾ [٧٠/ الفرقان]، أو لغلبة
طاعاته ، أو لإقراره بالذنب والخوف منه ، أو لغير ذلك مما يعلمه الله .
( فَيَقُوْلُ) ؛ أي: طمعاً في الحسنات: ( إِنَّ لِي ذُنُوباً لاَ أَرَاهَا هَا هُنَا))) !!
أي: في موضع العرض، أو في صحيفة الأعمال، وفي رواية: (( مَا أَرَاهَا
هَا هُنَا !! )) وإنما يقول ذلك مع كونه مشفقاً منها !! ، لأنَّه لما قوبلت صغائرها
بالحسنات طمع أن تقابل كبائرُها بها أيضاً ، وزال خوفُه منها ، فسأل عنها لتقابل
بالحسنات أيضاً .
( قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ) ؛ أي : فوالله لقد رأيت ، - وإنما أقسم !! لئلا
يُرتَاب في خبره، لما اشتُهر من أنَّه وَِّ لا يضحك إلاَّ تبسُّماً - (رَسُوْلَ اللهِن ◌َّه
ضَحِكَ ) تعجُّباً من الرجل حيث كان مشفقاً من كبار ذنوبه ، ثم صار طالباً لرؤيتها ،
وبالغ في الضحك ( حَتَّى بَدَتْ ): ظهرت ( نَوَاجِذُهُ) - بمعجمة - : أقصى
أضراسه ، أي : أضراسه كلُّها ، وكانت مبالغته في الضحك نادرة ، والمكروه
الإكثار منه؛ كما في رواية البخاري: (( لاَ تُكْثِرُوا الصَّحِكَ فَإِنَّهُ يُمِيْتُ القَلْبَ )).
والغالب من أحواله ◌َّهِ التبسُّم، ولذلك جاء في صفة ضحكه (( جُلُّ ضحكه
التبسم))، وينبغي الاقتداء به فيما هو أغلبُ أحواله.
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، والإمام أحمد، والترمذي في ((جامعه )) وفي
((الشمائل))، وابن ماجه في ((سننه))، ولفظ ((الشمائل)): حدَّثنا هنَّاد بن
السريِّ؛ قال: حدَّثنا أبو معاوية؛ عن الأعمش؛ عن إبراهيم؛ عن عَبِيدةَ السلماني ؛
٣٩٠
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً ،
( عَنْ ) أبي عبد الرحمن (عَبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدِ ) بن غافل - بالغين المعجمة
والفاء - ابن حبيب بن سمح بن فار - بالفاء وتخفيف الراء - ابن مخزوم بن صاهلة
- بالصاد المهملة والهاء - ابن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن
مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الهذلي ، حليف بني زهرة الكوفي .
وأمُّه أمُّ عبد بنت عبد وُدِّ بن سواء ؛ من هذيل أيضاً .
أسلمت وهاجرت فهو صحابيٌّ ابن صحابية .
أسلم عبد الله قديماً حين أسلم سعيد بن زيد ؛ قبل عمر بن الخطاب بزمان ،
وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله وَليل بدراً وأُحداً والخندق
وبيعة الرضوان وسائر المشاهد ، وشهد اليرموك ، وهو الذي أجهز على أبي جهل
يوم بدر، وشهد له رسول الله وَ له بالجنّة.
روي له عن رسول الله صلو ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثاً؛ اتفق البخاري
ومسلم منها على أربعة وستين ، وانفرد البخاري بأحد وعشرين ، وانفرد مسلم
بخمسة وثلاثين .
روى عنه ابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وأبو موسى الأشعري ، وأنسٌ
وجابر ، وأبو سعيد ، وعمران بن حصين ، وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة
وخلائق لا يحصون من كبار التابعين .
نزل الكوفة في آخر أمره ، وتوفي بها سنة : اثنتين وثلاثين ، وقيل : ثلاث
وثلاثين ، وقيل : عاد إلى المدينة ، وتوفي وهو ابن بضع وستين سنة ، وكان من
كبار الصحابة وساداتهم وفقهائهم ومقدَّميهم في القرآن والفقه والفتوى وأصحاب
الحلق وأصحاب الأتباع في العلم ( رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ :
قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((إِنِّي لأَغْرِفُ) - بالوحي كما مر - ( آخِرَ أَهْلِ النَّارِ ) من
عصاة المؤمنين ( خُرُوجاً ) - منصوب على التمييز ، وفي بعض النسخ المصححة
٣٩١
رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفاً ، فَيُقَالُ لَهُ : أَنْطَلِقْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ .
قَالَ : فَيَذْهَبُ لِيَدْخُلَ فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ ، فَيَرْجِعُ
فَيَقُولُ: رَبِّ؛ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ
الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ،
((خُرُوجاً مِنَ النَّار)) - (رَجُلٌ) قيل: اسمه جُهَينة - مصغراً - ، وقيل: هَنَّاد الجهني
( يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفاً) - مفعول مطلق من غير لفظ الفعل ، أو حال بمعنى زاحفاً ،
والزحف : المشي على الأُست مع إشراف الصدر ، وفي رواية ((حَبْواً))؛ وهو :
المشي على اليدين والرجلين والركبتين ، ولا تنافيَ بين الروايتين لاحتمال أنَّه يزحف
تارة ويحبو أخرى - ( فَيُقَالُ لَهُ) - أي: من قبَل الله ؛ كما تقدَّم - : ( انْطَلِقْ) أي :
اذهب مخلى سبيلك محلولاً أُسارك، ( فَأَدْخُلِ الجَنَّةَ.
قَالَ : فَيَذْهَبُ ) إليها ( لِيَدْخُلَ ) - يعني: لكي يدخلها فيشرع ليدخلها - ( فَيَجِدُ
النَّاسَ ) - أي: أهلها - (قَدْ أَخَذُوا) - أي: كلٌّ منهم - ( أُلمَنَازِلَ) ؛ أي : منازل
الجنة ، أي درجاتها ؛ وهي جمع منزل ؛ وهي موضع النزول ، ويخيّل له أنَّه لم يبقَ
موضع لنزول غيرهم ( فَيَرْجِعُ ) عن الشروع في دخولها ،
( فَيَقُوْلُ) ؛ أي : قبل أن يُسأل عن سبب رجوعه ؛ أو بعده : (رَبِّ) ؛ أي :
يا رب ( قَدْ أَخَذَ النَّاسُ ) ؛ أي: كلٌّ منهم ( المَنَازِلَ) كأنَّه ظنَّ أنَّ الجنَّةَ إذا امتلأت
بساكنيها لم يكن للقادم فيها منزل ، فيحتاج أن يأخذ منزلاً منهم .
( فَيُقَالُ لَهُ) ؛ أي : من قِبَل الله - كما تقدم -: (أَتَذْكُرُ) - بحذف إحدى
التاءين، - أي أتتذكر ( الزَّمَانَ الَّذِيْ كُنْتَ فِيْهِ ؟ ) أي: في الدنيا الضيّقة بحيث إذا
امتلأت بساكنيها لم يكن للقادِر فيها منزلٌ ، فيحتاج إلى أن يأخذ منزلاً من أصحاب
المنازل ، فتقيس عليه الزمن الذي أنت فيه الآن في الجنَّة ، وتظرُّ أنَّها ضيقةٌ
كالدنيا .
( فَيَقُوْلُ: نَعَمْ ) أتذكَّرُ الزمن الذي كنتُ فيه في الدنيا الضيقة .
٣٩٢
فَيُقَالُ لَهُ : تَمَنَّ . قَالَ : فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ الَّذِي تَمَنَّتَهُ
وَعَشْرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَقُولُ : أَتَسْخَرُ بِي
( فَيُقَالُ لَهُ) ؛ أي : من قِبَل الله - كما مرَّ -: ( تَمَنَّ)؛ أي: اطلب ما تقدِّره
في نفسك وتصوّره فيها ، من كلِّ جنس ونوع تشتهي ، من وسع الدار وكثرة الأشجار
والثمار ، فإنَّ لك مع امتلائها مساكنَ كثيرة وأماكن كبيرة ، وجناتٍ تجري من تحتها
الأنهار ، كلُّها على طريق خرق العادة بقدرة الملك الغفار ، وكل ما تمنيتَه متيسر في
هذه الدار الواسعة ، ولا تقس حال الآخرة بحال الدنيا ، فإن تلك دارٌ ضيقة ومِخْنة ،
وهذه دار متسعة ومِنْحة .
( قَالَ )؛ أي : النبيِ وَ (فَيَتَمَنَّى) ؛ أي : يطلب ما يقدره في نفسه ويصوره
فيها ، ( فَيُقَالُ لَهُ) من قِبَل الله : ( فَإِنَّ لَكَ الَّذِيْ تَمَنَيْتَهُ وَعَشْرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا ) ؛
أي : أمثالها زيادةً على الذي تمنّيت، فضعْفُ الشيء مثلُهُ، وضعفاه مثلاه ،
وأضعافه أمثاله ، لكن المضاعفة ليست بالمساحة والمقدار ؛ بل بالقيمة ، فما يعطاه
في الآخرة ، يكون مقدار عشرة أضعاف الدنيا ، بحسَب القيمة ؛ لا بالوزن
والمقدار ؛ کذا قال الباجوري .
وأصل هذا الكلام للغزالي ؛ كما نقله عنه المناوي في (( شرح الشمائل)) ساكتاً
عليه ، لكن الباجوري عَقَّبِه بقوله : ولا مانعَ من المضاعفة بالمساحة والمقدار .
كما وُجد بخط الشبراوي ، فإنَّه رُوي أَنَّ أدنى أهل الجنة منزلةً مَن يسير في ملكه ألف
سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه ، وينظر إلى جنانه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف
سنة ، وأرفعُهم الذي ينظر إلى ربِّه بالغداة والعشي . انتهى .
( قَالَ) - أي - النبيِ نَِّ: (فَيَقُوْلُ) - دَهِشاً لما ناله من السرور ، ببلوغ ما لم
يخطر بباله من كثرة الحور والقصور - : ( أَتَسْخَرُ ) ؛ أي : أتستهزىء ( بِيْ ) - بالباء
الموحدة ؛ كما في نسخ ((الشمائل)) المصحَّحة، ولم يكن ضابطاً لما قاله ،
ولا عالماً بما يترتَّب عليه ، بل جرى على عادته في مخاطبة المخلوق ، فهو كمن
قال ◌َله في حقِّهِ - إنَّه لم يضبط نفسه من الفرح في الدعاء - ؛ فقال: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا
٣٩٣
وَأَنْتَ أَلْمَلِكُ )) . قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ .
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : قَالَ سَعْدٌ
ربُّكَ، وفي نسخة : أَتَسْخرُنِي - بالنون - ( وَأَنْتَ ) ؛ أي : والحالُ أنَّك أنت
( المَلِكُ))) !! - بكسر اللام - وليست السخرية من دأب الملوك، وأنا أحقرُ من أن
يَسخَرَ بي ملك الملوك ، وهذا نهاية الخضوع ، وهو سبب لكمال جود الملك
تقدَّس ، ولذلك نال ما نال من الإكرام .
( قَالَ) - أي - عبد الله بن مسعود: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُوْلَ الهِنَّهِ) - أي: فوالله
لقد رأيت ... إلخ، وإنَّما أقسم لئلا يُرتَاب في خبره، لما اشتُهر أنَّ المصطفى، وَّ
كان لا يضحك إلاَّ تبشُّماً - ( ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ) ؛ أي : ظهرت ( نَوَاجِذُهُ ) جمع :
ناجذ، وهو آخر الأسنان على المشهور ، تعُّباً من دَهَش الرجل ، ومن غَلَبة رحمته
تعالى على غضبه .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسنده ( عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ )
القُرَشي الزُّهري المدني التابعي ، سمع أباه ، وعثمان بن عفان ، وابن عمر ،
وأسامة ، وأبا سعيد ، وأبا هريرة ، وعائشة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم .
روى عنه ابنه داود ، وسعيد بن المسيب ، وخلق من التابعين ، واتفقوا على
توثيقه . وتوفي بالمدينة المنورة سنة : ثلاث - وقيل : سنة أربع - ومائة ، وقيل غير
ذلك رحمه الله تعالى .
( قَالَ ) ؛ أي : عامر : ( قَالَ سَعْدُ) بنُ أبي وقَّاص - يعني أباه - ، وهو
أبو إسحاق سعد بن مالك بن وهب ـ ويقال : أُهَيب - ابن عبد مناف بن زهرة بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزُّهري المكيّ المدني .
أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله سر بالجنة ، وتوفي وهو عنهم راضٍ ،
وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أمر
٣٩٤
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ
يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ .
الخلافة إليهم ، وأسلم قديماً بعد أربعة - وقيل : بعد ستة - وهو ابن سبع عشرة سنةً ،
وهو أول مَن رمى بسهم في سبيل الله تعالى ، وأوَّل من أراق دماً في سبيل الله تعالى .
وهو من المهاجرين الأوَّلين، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله وَّل إليها.
شهد مع رسول الله ◌َالتر بدراً وأحداً والخندق وسائر المشاهد ، وكان يقال له (( فارس
الإسلام )) ، وأبلى يوم أحد بلاءً شديداً .
وكان مجابَ الدعوة ، وحديثُه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة
وهو أبو سعدة ، وأجيبت دعوته فيه في ثلاثة أشياء(١) مشهورٌ في ((الصحيحين)).
رُوي له عن رسول الله وَ له مائتان وسبعون حديثاً ، اتفق البخاري ومسلم منها
على خمسة عشر ، وانفرد البخاري بخمسة ، وانفرد مسلم بثمانية عشر .
روى عنه ابن عمر ، وابن عباس ، وجابر بن سمرة ، والسائب بن يزيد ،
وعائشة رضي الله عنهم .
واعتزل الفتنة فلم يقاتل في شيء من الحروب التي وقعت بين الصحابة .
وتوفي سنة : - ٥٥ - خمس وخمسين، وقيل غير ذلك ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ :
لَقَدْ رَأَيْتُ النَِّيَّنَِّ ضَحِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ) - كجعفر : حفير حولَ أسوار
المدينة ، معرَّب كندة ؛ على ما في ((القاموس))، لأنَّ الخاء والدال والقاف
لا تجتمع في كلمة عربية - ( حَتَّىُ بَدَتْ نَوَاجِذُهُ .
(١) وهي : أنه كان لا يسير بالسرية ، لا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية ، قال سعد : أما
والله لأدعونَّ بثلاث : اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً ، قام رياء وسمعة ؛ فأطل عمره وأطل
فقره وعرِّضه بالفتن . وكان بعد إذا سئل يقول : شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد . قال
عبد الملك : فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، وإنه ليتعرض للجواري في
الطرق يغمزهن .
٣٩٥
قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ كَانَ ضَحِكُهُ؟
قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مَعَهُ تُرْسٌ، وَكَانَ سَعْدٌ رَامِياً ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ
كَذَا وَكَذَا بِالتِّرْسِ يُغَطِّي جَبْهَتَهُ ،
قَالَ ) ؛ أي : عامر ( قُلْتُ ) لسعد : ( كَيَّفَ كَانَ) ؛ أي : على أي حال كان
(ضَحِكُهُ؟ قال) - أي - سعد: ( كَانَ رَجُلٌ) من الكُفَّار ( مَعَهُ تُرْسٌ) ، الجملة
خبر (( كان))، والترس : ما يستتر به في حال الحرب ، وفي رواية: (( قوس))
بدل: ترس . ( وَكَانَ سَعْدٌ رَامِيَاً ) ؛ أي : يحسن الرمي ، ثم إن كان هذا من كلام
سعد ؛ كما هو الظاهر ، كان فيه التفاتٌ ، إذ كان الظاهر أن يقول : وكنتُ رامياً ،
وإن كان من كلام عامر !! فلا التفات ، غير أنَّه عبّر عنه باسمه ؛ ولم يقل أبي ؛
ومثله كثير في أسانيد الصحابة رضي الله عنهم .
( وَكَانَ) - هذا من كلام سعد بكل تقدير - ( الرَّجُلُ يَقُوْلُ كَذَا وَكَذَا بِآلُّرْسِ ) ؛
أي : يفعل كذا وكذا بالترس ، أي : يشيرُ به يميناً وشمالاً ، فالمراد بالقول هنا
الفعلُ، قال صاحب (( النهاية )): والعربُ تجعل القول عبارةً عن جميع الأفعال،
وتطلقه على غير الكلام ، تقول : قال بيده ؛ أي : أخذ ، و : قال برجله ؛ أي
مشى ، و : قالت به العينان سمعاً وطاعة ؛ أي : أومأت به ، و: قال بالماء على
يده ؛ أي : صبَّه ، و : قال بثوبه ؛ أي : رفعه ، و : قال بالترس ؛ أي : أشار به
وقَلَبَه ، وقس على هذه الأفعال ... وعلى هذا فالجارُّ والمجرور - أعني قولَه
(( بالترس )) - متعلِّقٌ بـ (( يقول)) بمعنى يفعل .
وقولُه ( يُغَطِّي جَبْهَتَهُ) مستأنفٌ مبيِّن للإشارة في قوله (( كذا وكذا))؛ أي :
يغطي جبهته حَذَراً من السهم ، ويحتمل أن القول باقٍ على حقيقته ، والمعنى
يقول : كذا وكذا من القول القبيح في حقِّ النبي ◌َِّ وأصحابِه ، ولم يصرِّح سعدٌ بما
بعده وهو قوله : يغطِّ جبهَتَه ؛ أي : حذراً من السهم - كما مر - وهي جملة حاليَّة
من فاعل (( يقول))، والأول هو الأظهر .
٣٩٦
فَنَزَعَ لَهُ سَعْدٌ بِسَهْمٍ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ .. رَمَاهُ فَلَمْ يُخْطِىءْ هَذِهِ مِنْهُ
- يَغْنِي: جَبْهَتَهُ - وَأَنْقَلَبَ الرَّجُلُ وَشَالَ بِرِجْلِهِ ، فَضَحِكَ النَّيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ . قَالَ : قُلْتُ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ؟
( فَتَزَعَ لَهُ سَعْدٌ بِسَهْمٍ ) ؛ أي : نزع لأجله سهماً من كنانته ووضعه في الوَتَر ،
فالباء زائدة، لأن ((نزع » يتعدّى بدونها .
( فَلَمَّا رَفَعَ ) الرجل ( رَأْسَهُ) من تحت الترس فظهرت جبهتُه (رَمَاهُ ) سعدٌ
بالسهم الذي نزعه له ( فَلَمْ يُخْطِىء ) - بضم الياء وسكون الخاء وبالهمز - وفي
نسخة : فلم يَخطُ - بفتح الياء وضم الطاء - غير مهموز ، من الخطوة ، أي : فلم
يخط ( هَذِهِ مِنْهُ) ؛ أي : الجبهة من الرَّجُل، ولم يتعدَّها؛ ولم يتجاوزها ( يَعْنِيْ:
جَبْهَتَهُ ) من كلام عامر ؛ أي : يقصد سعد باسم الإشارة جبهة الرجل ، والجبهة :
ما بين الحاجبين إلى الناصية ؛ وهي موضع السجود .
( وَأَنْقَلَبَ الرَّجُلُ) ؛ أي: صار أعلاه أسفله، وسقط على أسته (وَشَالَ
بِرِجْلِهِ ) ؛ أي : رفعها ، والباء للتعدية ، أو زائدة .
قال في ((المصباح)): شال شولاً من باب ((قال قَوْلاً)): رفع، يتعذَّى
بالحرف على الأفصح، ويقال ((شالت الناقة بذنبها عند اللِّقاح)): رفعته، وأشالته
بالألف لغة ، وفي نسخة من (( الشمائل)) : فشال ، وفي أخرى منها : وأشال ،
وفي أخرى أيضاً : وأشاد ، والكلُّ بمعنى واحد .
( فَضَحِكَ النَِّيُّ ◌َِّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) فرحاً وسروراً برمي سعد للرجل
وإصابته له ، وما يترتَّب على ذلك من إخماد نار الكفر ، وإذلال أهل الضلال ؛
لا من رفعه لرجله وكشف عورته .
( قَالَ: قُلْتُ ) وفي نسخة صحيحة: ((فقلتُ))، والقائل هو عامر كما هو
ظاهر ، وقيل : هو محمد الراوي ؛ عن عامر : ( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ ) ؟ أي : من
أجل أيِّ سبب ضحك النبي ◌َّر: هل مِن رمىٍ سعد للرجل وإصابته ؟ أو من رفعه
٣٩٧
قَالَ : مِنْ فِعْلِهِ بِالرَّجُلِ .
وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيّاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ أُتِيَ
بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ .. قَالَ : بِأَسْمِ اللهِ .
لرجله وافتضاحه بكشف عورته ؟ فلأجل هذا الاحتمال استفسر الراوي - وهو عامر -
سعداً عن سبب ضحكه الآن .
( قَالَ ) ؛ أي سعد، أو عامر : ( مِنْ فِعْلِهِ بِالرَّجُلِ ) ؛ أي : ضحك من أجل
رميه الرجل وإصابته ؛ لا من رفعه لرجله وافتضاحه بكشف عورته ، لأنَّه لا يليق
بالنبي ◌َّة، ولا ينبغي أن يضحك لهذا ؛ بل لذاك .
( وَ) أخرج أبو داود في ((سننه))، والترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))
واللفظ له : ( عَنْ عَلِيٍّ بْنِ رَبِيْعَةَ) بن نَضْلة الوالبيّ البجلي ، أبو المغيرة الكوفي ،
يروي عن علي بن أبي طالب وسلمان ، وعنه الحكم وأبو إسحاق ، وثَّقَه ابن معين
والنسائي ، له في البخاريٍّ ومسلم فرد حديث ، وخرج له الستة .
( قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيّاً)؛ أي : ابن أبي طالب - تقدَّمت ترجمته - ( رَضِيَ اللهُ
تَعَالَىْ عَنْهُ) ؛ أي : شاهدته وحضرته ( أُتِيَ ) - بالبناء للمفعول - ، والجملة حالٌ ؛
أي : والحال أنَّه أتاه بعضُ خدمه ( بِدَابَةٍ لِيَرْكَبَهَا ) ، والدابَةُ في العرف الطارئ :
فرس ، أو بغل، أو حمار ، وأصلُها : كلُّ ما دبَّ على الأرض من الحيوان ؛ ذكراً
كان ، أو أنثى ، ثم خُصَّ بما ذكر .
( فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابٍ ) - بكسر الراء - ( قَالَ: بِأَسْم الثّهِ ) ؛ أي :
أركبُ ، فالجازُّ والمجرور متعلِّق بمحذوف .
وأتى بذلك !! اقتداءً بالنبي ◌َّر، كما يدلُّ عليه قولُه الآتي: رأيت رسول
الله ◌َّرُ صنع كما صنعتُ، وكأنَّه ◌َلي أخذه من قوله تعالى - حكاية عن نوح عليه
الصلاة والسلام لما ركب السفينة - ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [٤١/ هود]، لأن الدابة في البرِّ
كالسفينة في البحر ؛ كما أفاده العصام ، غير أنَّه لم يفصح عن ذلك حيث قال : كأنَّه
٣٩٨
فَلَمَّا أَسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا .. قَالَ: الْحَمْدُ للهِ، ثُمَّ قَالَ :
وَإِنَّا إِلَى رَبِنَ
١٣
{سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ -١٤].
ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ ( ثَلاَثًاً ) ، وَاللهُ أَكْبَرُ ( ثَلاَثًاً ) .
،
مأخوذٌ من قول نوح لما ركب السفينة ... الخ .
واعترض عليه بعضُ الشُرَّاح بأن عليّاً نقل ذلك عن النبي ◌َ ◌ّر وتأسَّى به ، فكيف
يقال (( إنَّه مأخوذٌ من قول نوح)) !! وهو مبنيٌّ على ما فهمه المعترِضُ ؛ من أن مراد
العصام أن عليّاً هو الآخذ لذلك من قول نوح، وليس كذلك، بل النبي وَّل هو
الآخذ له كما علمتَ .
( فَلَمَّا أُسْتَوَى ) ؛ أي: استقرَّ (عَلَى ظَهْرِهَا؛ قَالَ: الحَمْدُ للهِ) - أي : شكراً
لله على هذه النعمة العظيمة ، وهي تذليلُ هذه الدابة ، وإطاقته لنا على ركوبها مع
الحفظ عن شرِّها .
( ثُمَّ قَالَ ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ ) أي : ذلل ( لَنَا ) أي : لأجلنا ، أي تنزيهاً له
عن الاستواء على مكان كالاستواء على الدابة ؛ أو تنزيهاً له عن الشريك ، أو عن
العجز عن تسخير هذه الدابّة وتذليلها لنا ، وقوله ( هَذَا ) - أي : المركوب
(وَمَا كُنَّا لَهُ) - أي: لتسخيره - ( مُقْرِنِينَ ) - أي: مطيقين لولا تسخيرهُ لنا -
ج)) [الزخرف]. أي: وإنَّا إلى حُكمه وجزائه لراجعون في
(وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
الدار الآخرة .
وإنما قال ذلك !! لأن ركوب الدابّة قد يكون سبباً للتلف ، فقد ينقلب عنها
فيهلك ، فتذكر الانقلاب إلى ربِّ الأرباب ، فينبغي لمن اتصل به سبب من أسباب
الموت أن يكون حاملاً له على التوبة والإقبال على الله تعالى في ركوبه ومسيره ، فقد
يحمل من فوره على سريره .
( ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ للهِ ثَلاثًاً ) ؛ أي ثلاث مرات، كَرَّره لعظمة تلك النعمة ، التي
ليست مقدورة لغيره تعالى، (وَاللهُ أَكْبُرُ ثَلاَثًاً ) ؛ تعجباً للتسخير ، أو دفعاً لكبر
٣٩٩
سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ .
ثُمَّ ضَحِكَ . فَقُلْتُ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟
قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ
ضَحِكَ . فَقُلْتُ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: ((إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ : رَبِّ أَغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ،
يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ )).
النفس من استيلائها على المركوب . ( سُبْحَانَكَ ؛ ) - أي : تنزيهاً لك عن الحاجة
إلىٍ ما يحتاج إليه عبادك، وإنما أعاد التسبيح !! توطئةً لما بعده ، ليكون مع اعترافه
بالظّلم أنجحَ لإجابة سؤاله - ( إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيْ) بعدم القيام بشكر هذه النعمة
العظمى وغيرها من النعم ( فَأَغْفِرْ لِيْ ) أي : استُر ذنوبي ؛ فلا تؤاخذني بالعقاب
عليها ، ( فَإِنَّهُ) ؛ أي لأنَّه (لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ) أحد ( إِلاَّ أَنْتَ) ، ففيه إشعار
للاعتراف بتقصيره ، مع إنعام الله عليه .
( ثُمَّ ضَحِكَ ) ؛ أي : علي . (فَقُلْتُ) - أي: له ؛ كما في نسخة مِن
((الشمائل))، وفي أخرى: فقال؛ أي عليُّ بن ربيعة، وفيه التفات: ( مِنْ أَيِّ
شَيْءٍ ضَحِكْتَ ) ؟! وفي نسخة من ((الشمائل)): من أيِّ شيء تضحكُ ( يَا أَمِيْرَ
المُؤْمِنِيْنَ ) هذا يدلُّ على أنَّ هذه القضية كانت في أيام خلافته .
( قَالَ )؛ أي عليٌّ مجيباً له: (رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ) قولاً
وفعلاً ، ( ثُمَّضَحِكَ ) كما ضحكتُ .
( فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟. قَالَ: ((إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ )
- أي : ليرضى ، فالمراد بالعجب في حقِّه تعالى لازمُه ؛ وهو الرضا ، لاستحالة
حقيقته عليه تعالى، ولهذا الرضى المقتضي لفرح النبي وَالر ومزيد النعمة عليه
ضَحِك، ولمّا تذكّر عليٍّ كرم الله وجهه ذلك أوجب مزيدَ شكره وبِشْره فضحك .
وقوله ( مِنْ عَبْدِهِ ) - الإضافة للتشريف - ( إِذا قَالَ : رَبِّ أَغْفِرْ لِي ذُنُوْبِي ،
يَعْلَمُ) - حال : أي قال ذلك حال كونه يعلم - ( أَنَّهُ) - أي: الشأن - ( لا يَغْفِرُ
الذَّنُوبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ)) ) !! كذا في بعض نسخ (( الشمائل))، وهو ظاهر، لأنه من
٤٠٠