النص المفهرس
صفحات 341-360
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعَرِ وَالأَظْفَارِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ سَبْعَةٍ أَشْيَاءَ مِنَ اْلإِنْسَانِ : الشَّعَرُ، وَالظُفْرُ، وَالدَّمُ، وَأَلْحِيضَةُ، وَالسُِّ، وَأَلْعَلَقَةُ، وَاَلْمَشِيمَةُ. (( المسلم يوم الجمعة مُخْرِمٌ فإذا صلى فقد حَلَّ)) والجواب بأنَّ هذين ضعيفان ، وهذا الجواب لا ينجع؛ إذ خبرنا ضعيف أيضاً، وروى الديلمي في (( مسند الفردوس)) بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (( من أراد أن يأمن الفقر وشكاية العين والبرص والجنون ؛ فليُقَلُّم أظفارَه يوم الخميس بعد العصر ، وليبدأ بخنصر یده الیمنی )) . انتهى ( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير)) عن وائل بن حُجْر رضي الله تعالى عنه ؛ قال : ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعْرِ) - المبان بنحو قصٍّ أو حلق أو نتف من نحو رأس أو لحية - ( وَالأَْفَارِ ) المبانة بقصٌّ أو قطع أو غيرهما ، لأن الآدمي محترم ؛ فكذا أجزاؤه ، فأمر بدفنها لئلا تتفرَّق أجزاؤه ، وقد يقع في النار أو غيرها من الأقذار ، لكن ذلك الأمر على سبيل الندب ؛ لا الوجوب ! ( وَ) أخرج الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) بدون سند؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كَانَ ) رسول الله (ِِّ يَأْمُرُ بِدَفْنِ سَبْعَةٍ أَشْيَاءَ مِنَ الإِنْسَانِ : الشَّعَرُ، وَأَلُّفْرُ، وألذَّمُ) - قال الحكيم الترمذي: رُوِي أن رسول الله يَّر احتجم ، وقال لعبد الله بن الزبير : أخفه حيث لا يراك أحد ، فلما برز شربه ورجع ، فقال : (( مَا صَنَعْتَ))؟ فقال: جعلته في أخفى مكان عن الناس. فقال: ((شَرِبْتَهُ!؟)) قال: نعم ، قال له : ((وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ))، انتهى. أي: للشدة التي حصلت له باختلاط دمه بدم رسول الله وَلا ير ، فيقاتل الناس ويقاتلونه ، وإن كان شُرب دمه جائزاً مطلوباً للتبرُّك ، إلاَّ أنه يحصل منه الشدة المترتّب عليها ما ذُكر . انتهى . ((حفني ومناوي)). ( وَأَلِحِيْضَةُ) - بكسر الحاء المهملة : خرقة الحيض - ( وَأَلْسِّنُ، وَأَلعَلَقَةُ ، وَأَلْمَشِيْمَةُ ) وهي ما يكون فيه المولود حين نزوله من بطن أمه ، وإنما يأمر بدفن هذه ٣٤١ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَلَّقُ يَحْلِقُهُ ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعَرَةٌ إِلاَّ فِي يَدِ رَجُلٍ . السبعة !! لأنها من أجزاء الآدمي فتحترم كما تحترم جملته لما تقدَّم . ( وَ) أخرج مسلم في ((صحيحه))؛ (عَنْ أَنَسٍ ) بن مالك الصحابي الجليل خادم رسول الله وَّ عشر سنين - تقدَّمت ترجمته - (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : رَأَیْتُ رَسُولَ الله ێز ) في حجة الوداع ( والحلّقُ ) معمر بن عبد الله - كما ذكره البخاري - وقيل : خراش بن أمية - بمعجمتين - ، والصحيح الأول ، فإنّ خراشاً كان الحلأَّقَ بالحديبية ( يَخْلِقُهُ) - بكسر اللام - ( وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ) - دار ما حوله - ( فَمَا يُرِيْدُوْنَ أَنْ تَفَعَ شَعْرَةٌ إِلَّ فِي يَدِ رَجُلٍ) تيمُّناً وتبرّكاً ، وفي ((الصحيحين)) عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه وَّه لمّا حلق رأسه كان أبو طلحة أولَ من أخذ من شعره . قال القُسْطُلَّني: ولم يُرْوَ أنه ◌َ ﴿ حلق رأسه الشريف في غير نسك حج ؛ أو عمرة فيما علمته ، وبه جزم ابن القيِّم ؛ فقال : لم يحلق رأسه إلاَّ أربع مرات ، قال العراقي في ((نظم السيرة)) : وَرُبَّمَا قَصَّرَهُ فِيْ نُسُكِ يَحْلِقُ رَأْسَهُ لأَجْلِ النُُّكِ إِلاَّ لأَجْلِ النُّسُكِ المَخَاصِ وَقَدْ رَوَوْا لَا تُوْضَعُ النَّوَاصِيْ فَتَبْقِيَة الشعر في الرأس سُنّ ، ومُنكِرها مع علمه يجبُ تأديبه ، ومَنْ لم يستطع التبقية يباح له إزالته . انتهى . ٣٤٢ اَلْفَضْلُ الرَّابعُ فِي صِفَة عَرَقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَائِحَتِهِ الطَّبِعِيَّةِ رَوَى مُسْلِمٌ ( الفَصْلُ الرَابعُ ) من الباب الثاني ( فِي ) - بيان ما ورد في ۔ ( صِفَةِ عَرَقِهِ ) - بفتح العين والراء - أي: رَشْحِ بدنِهِ (بِِّ ) ؛ لوناً وريحاً وكَثْرةً ، ( وَ) في صفة (رَائِحَتِهِ الطَِّيَّةِ ) من غير أن يمسَّ طيباً . ( رَوَى) الإمام الحافظ الحُجَّة؛ أبو الحسين ( مُسْلِمُ) بن الحجّاج بن مسلم القشيري ؛ - من بني قشير ؛ قبيلة من العرب معروفة . النيسابوريُّ . إمام أهل الحديث ، سمع قتيبةً بن سَعيدٍ ، والقعنبيَّ، وأحمد ابنَ حَنبل ، وخلائقَ من الأئمة ، وروى عنه أبو عيسى الترمذي ، وإبراهيمُ بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد - وهو راوية (( صحيح مسلم)) -، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وخلائق . وأجمعوا على جلالته وإمامته وعلُوِّ مرتبته وحِذْقِهِ في هذه الصنعة ، وتقدُّمِه فيها ، وتضأُعِه منها . ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه وحِذْقِه وقعوده في علوم الحديث واضطلاعه منها وتفُّه فيها كتابهُ ((الصحيح)»، الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة ولا نقصان ، ومع هذا فـ(( صحيح البخاري )) أصحُّ وأكثر فوائد ، هذا هو مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح المختار . ٣٤٣ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَ الْعَرَقِ. وَكَانَ عَرَقُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ ، وَأَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ الأَذْفَرِ. وكانت وفاته عشية الأحد ، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة : - ٢٦١ - إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة رضي الله تعالى عنه ورحمه رحمة الأبرار . آمين . ( عَنْ أَنَسٍ ) بن مالك ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ كَثِيْرَ العَرَقِ ) ؛ وهو قطعة من حديث سيأتي . ( وَ) أخرج أبو نعيم وغيره ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كَانَ عَرَقُهُ وَِّ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُقِ ) في الصفاء والبياض ، واللؤلؤ - بهمز أوله وآخره ، ويتركهما ، وبهمز الأول دون الثاني وعكسه -. وفي مسلم ؛ عن أنس: كان ◌َ﴿ أزهر اللون كأنَّ عرقَه اللؤلؤ ... الحديث. وروى البيهقيُّ ؛ من حديث عائشة: كان يخصِفُ نعلَه ؛ وكنت أغزل ، فنظرتُ إليه فجعل جبينه يعرَق وجعل عَرَقه يتلألأُ نوراً . وروى البيهقي ؛ من حديث علي : كان عرقه اللؤلؤ . (وَأَطْيَبَ مِنَ المِسْكِ الأَذْفَرِ ) - بذال معجمة - أي: شديد الرائحة ويقع على الكريه ، ويفرِّق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به، وأمَّا بدال مهملة !! فخاصٌّ بالنتن . روى البيهقيُّ ؛ من حديث علي : ولَريحُ عرقه أطيب من المسك الأذفر ، وفي سنده رجل مجهول ، والمراد بيانُ رائحته الذاتية ؛ لا المكتسبة ، لأنه لو أريد المكتسبة لم يكن فيه كمال مدح ، بل لا تصحُّ إرادتها وحدها ، ومع كونه كان كذلك ؛ وإن لم يمسَّ طيباً ؛ كان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات ؛ مبالغةً في طيب ريحه ، لملاقاة الملائكة ومجالسته المسلمين ، وللاقتداء به في التطيُّب فإنَّه سنَّةٌ أكيدة . ٣٤٤ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ أَلْوَحْيُ . . ثَقُلَ لِذَلِكَ، وَتَحَدَّرَ جَبِينُهُ عَرَقاً كَأَنَّهُ جُمَاٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَرْدِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي أُمَّ سُلَيْمٍ فَيَقِيلُ عِنْدَهَا ، ( وَ) أخرج الطبراني في (( الكبير)) بإسناد صحيح ؛ عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه : ( كَانَ ) رسول الله (بِّهَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ أَلوَحْيُ ثَقُلَ لِذَلِكَ ) النزول ( وَتَحَذَّرَ) - بفتح الحاء وتشديد الدال المهملتين - ؛ أي: سال ( جَبِيْنُهُ عَرَقاً ) - بالتحريك ؛ تمییز - ( كاَنَّهُ جُمَانٌ ) - بضم الجيم وتخفيف المیم - ، أي : لؤلؤ ، ﴾ [المزمل)؛ ( وَإِنْ كَانَ ) نزولُه ( في ٥ لثقل الوحي عليه ﴿ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا البَرْدِ ) ؛ أي : الزمن البارد ، لشدَّة ما يُلقى عليه من القرآن ، ولضعف القوَّة البشرية عن تحمُّل مثل ذلك الوارد العظيم ، وللوجل من خوف تقصير فيما أُمر به من قول أو فعل ، ولشدّة ما يأخذُ به نفسه من جمعه في قلبه وحفظه ، فيعتريه لذلك حالٌ كحال المحموم ، وحاصله : أنَّ الشدّة إما لثقله ، أو لإتقان حفظه ، أو لا بتلاء صبره ، أو للخوف من التقصير ؛ قاله المناوي في (( كبيره )) . ( وَ) أخرج مسلم في ((صحيحه))؛ من طريق أبي قلابة ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (َِّ يَأْتِي أُمَّ سُلَيْمٍ ) - بالتصغير - بنتِ مِلْحان - بكسر الميم - ابن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية النجَّاريَّة ، يقال اسمها سهلة ، أو رميلة ، أو رميئة ، أو مليكة ، أو أنيقة ، وهي : الغُمَيصا - بضم الغين المعجمة - ، أو الرميصاء - بالراء - ، اشتهرت بكنيتها ؛ وهي أمُّ أنس بن مالك ((خادم رسول الله مَلتر))، وكانت تحت أبي طلحة، وهي من الصحابيَّات الفاضلات ، وكانت وفاتها في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما ، ولفظ الحديث؛ كما في ((مسلم)): حدثنا عفَّن بن مسلم ؛ قال : حدَّثنا وهيب ؛ قال : حدَّثنا أيوب ؛ عن أبي قلابة ؛ عن أنس ؛ عن أم سليم: أن النبي ◌َّ كان يأتيها ( فَيَقِيْلُ عِنْدَهَا.) - قال في (( النهاية)): القيلولة : الاستراحة نصف النهار؛ وإن لم يكن معها نوم ، يقال : قال يقيل قيلولة ؛ فهو قائل . انتهى . ٣٤٥ فَتَبْسُطُ لَهُ نِطْعاً فَيَقِيلُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ ، فَقَالَ النَِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ؛ مَا هَذَا؟)). قَالَتْ: عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: يَارَسُولَ اللهِ؛ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ : (( أَصَبْتِ )) . وَكَانَ كَفُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ ، ( فَتَبَّسُطُ لَهُ نِطْعاً) - بفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وسكونها - أربع لغات ، وهو : بساطٌ من أديم معروف ؛ ( فَقِيْلُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ كَثِيْرَ أُلعَرَقِ ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطَّيْبِ ) والقوارير .. الحديث . وفي روايةٍ؛ عن ثابت؛ عن أنس بن مالك قال: دخل علينا النبيُّ وَّر فقال عندنا ، فعرق ، وجاءت أمِّي بقارورة ؛ فجعلت تسلُت العرق فيها ، فاستيقظ النبي ◌َّ؛ (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((يا أُمَّ سُلَيْمٍ؛ مَاهَذَا) الَّذِي تَصْنَعِيْنَ)) !! ( قَالَتْ ) : هذا (عَرَقُكَ ). خبرٌ موطِّءٌ لقوله ( نَجْعَلُهُ فِي طِيِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبٍ الطَّيْبٍ ) . قال الأُبِّي : وكانت رائحة العرق أخصَّ من رائحة البدن كما يوجد في ضدِّ طيب الرائحة ، فَإِنَّ ذَا الرَّائِحة الكريهة هي منه في حالة العرق أكره منها في حالة عدم العرق . ( وَفِي رِوَايَةٍ ) لمسلم ؛ من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ؛ عن أنس : ( قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ نَرْجُوْ بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: ((أَصَبْتِ ))) - بكسر التاء - خطاب الأُمّ سليم . وهذه الأحاديث ترجم لها الإمام النووي في (( شرح مسلم)) : باب طيب عرقه بَيٍ والتبرُّك به ، قال النووي : وفيه الدخول على المحارم ، وجوازُ النوم على الأدم ؛ وهي الأنطاع والجلود . انتهى . ( وَ) قال الشعراني في ((كشف الغمة)): (كَانَ كَقُّهُ وَِّ أَلْيَنَ مِنَ الحَرِيْرِ ، ٣٤٦ وَكَانَتْ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةٍ كَفِّ الْعَطَّارِ، مَسَّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطِيبٍ أَمْ لَمْ يَمَسَّهَا ، وَكَانَ يُصَافِحُ الرَّجُلَ فَظَلُّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَهَا ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَىْ رَأْسِ الصَّبِيِّ فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرِيحِهَا عَلَّى رَأْسِهِ . وكَانَتْ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ كَفِّ الْعَطَّارِ، مَسَّهَا ◌ِّرُ بِطِيْبٍ؛ أَمْ لَمْ يَمَسَّهَا) ؛ أي : الكف ، وفيه قلبٌ، إذالظاهر ((مسَّ بها طيباً؛ أم لا))، وهو إشارة إلى أن طِيْبَه ذاتيٌّ . روى مسلم في ((صحيحه))؛ عن أنس رضي الله عنه: ما شممت شيئاً قطُّ ؛ مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله وَّه، ولا مَسِست شيئاً قطُ؛ حريراً ولا ديباجاً ألْيَنَ مسّاً من رسول الله وَّر. انتهى. ( وَكَانَ يُصَافِحُ)؛ أي: يمسُّ النبي ◌َّهِ بصفحة يده (الرَّجُلَ) - وفي رواية: يصافحه المصافحُ؛ وهو: مَن يريد مصافحته - ( فَيَظَلُّ ) - بفتح الظاء المعجمة - ( يَوْمَهُ) - منصوبٌ على الظرفية - ( يَجِدُ رِيْحَهَا) الطيِّبَة طيباً خَلْقياً ، خصَّه الله به معجزة وتكرمة ، فالإضافة عهدية . وعند الطبراني؛ من حديث وائل بن حجر: كنتُ أصافح رسول الله وَ لِّ أو يمسُ جلدي جلدَه فأتعرَّفُه بعد في يدي ؛ وإنَّه لأطيبُ من ريح المسك . وهذا صادقٌ ببقائه أكثرَ من يوم لم يقيد التعرف بزمن . ( وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ) ؛ أَيَّ صبي كان لا معيَّن ، ( فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرِيْحِهَا عَلَى رَأْسِهِ ) لشدّة فوحه برائحتها الحاصلة بمسِّه، والفاء للسببية ؛ أي: يعرف أنَّ النبي ◌َِّ مَسَّه فيميَّز من بينهم، وفي رواية (( لريحها )) - باللام التعليلية - ومعناهما واحد ، وفي رواية (( من ريحها))، ويحتمل أنَّ ذلك في يومه ، وأنّه يستمرّ مدَّة طويلة . وهذا الحديث رواه أبو نعيم ، والبيهقي بإسناد ضعيف ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها بمخالفة في آخره ، ولفظ عائشة رضي الله تعالى عنها : ويضعُها على رأس الصبي ؛ فيُعرَف من بين الصبيان أنَّه مسحَ على رأسه . انتهى . ٣٤٧ وَقَالَ أَنَسٌ : مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلاَ حَرِيراً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ خَدَّهُ ، وأورده ابن دحية في ((المستوفى)) بلفظ: وكان ◌َ ◌ّ إذا صافح أحداً فيظلُّ يومه يجدُ ريحها. والباقي كما في (( المتن)). ( وَقَالَ أَنَسٌ) - كما في البخاري في صفة النبي ◌َِّ: (مَا مَسِسْتُ) - قال الحافظ وغيره : بمهملتين الأولى مكسورة ، ويجوز فتحها والثانية ساكنة - ( دِيْبَاجاً ) - بكسر المهملة وحكي فتحها ، وقال أبو عبيد : الفتح مولَّد ؛ أي ليس بعربي . قال في (( النهاية)): الديباج - بكسر الدال ـ : الثياب المتخذة من الإبريسم (( فارسي معرَّب )) وقد تفتح دالُه ، ويُجمعُ على ديابيج - بالياء التحية -، ودبابيج - بالباء الموحدة - وفي ((المصباح)): الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم . انتهى. ( وَلاَ حَرِيْراً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُوْلِ الهِوََّ )، أي: بل كفُّه الشريفةُ كانت ألينَ من كلِّ شيءٍ ، ولا ينافيه ما مرَّ أنَّه شَئْن الكف ؛ لأنَّ معناه - كما تقدم - أنَّه غليظُها، فمع كونه غليظَ الكفِّ كان ناعمَها، وتمام الحديث: وَلاَ شَمَمْتُ رِنحاً قَطُ ، أَو عَرِقاً قَطُّ أَطْيَبَ مِن رِيْحِ أَو عَرَق النبيِِّ. هذا بقيّة الحديث عند البخاري، وأخرجه مسلم بنحوه كما تقدَّم . ( وَ) روى مسلم في ((صحيحه))؛ (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) الصحابي ابن الصحابي ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا ) قال : صلَّيت مع رسول الله وَ لَر صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه ، فاستقبله وِلْدان ؛ فجعل يمسح خَدّي أحدِهم واحداً واحداً ، قال : وأمّا أنا فمسح خدِّي . فذكره المصنف بمعناه حيث قال : ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَ لِ مَسَحَ خَذَّهُ) تأنيساً وشفقة وتبريكاً . ٣٤٨ قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْداً وَرِيحاً ؛ كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةٍ عَطَّارٍ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرَفُ مِنْهُ رِيحُ الطَّيْبٍ إِذَا أَقْبَلَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَسْلُكُ طَرِيقاً فَيَتْبَعُهُ ( قَالَ ) جابر : (فَوَجَدْتُ) - أي أحسست - ( لِيَدِهِ ) أي : كفِّه وما قاربها (بَرْداً) حقيقياً، لرواية (( أبردَ من الثلج )) لا لعارضٍٍ مسِّ ماء، وهذا ممدوحٌ عند العرب لاسيما في الزمن الحارِّ ، ولا بُعد في أنه خاصٌ به مع كمال حرارته الغريزية ، وقيل : هو عبارة عن لينٍ كفِّه ورطوبته ، والأقربُ أنَّه بمعنى الراحة واللذَّة والطيب . قال في (( النهاية)): كلُّ محبوبٍ عندهم باردٌ، و(( برد الظل طيب العيش))، و((الغنيمة الباردة: الهنية)). ( وَ) وجدت لها (رِيْحاً؛ كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا) - أي: اليد؛ لأنها مؤنثة - ( مِن جُؤْنَةٍ ) - بضم الجيم وسكون الهمزة ، ويقال بواو ساكنة تليها نون وهاء تأنيث ـ : شبه صندوق صغير مغشى بجلد وزند مستدير ، يضع العطار فيها عِطره ، وهو : كلُّ ما طابت رائحته ، أي: كأنَّ ريح يده ريحُ ما أُخرج من جؤنة ( عَطَّارٍ ) مضمَّخاً بالعطر، والجملة صفةُ ((ريحاً))، أو مستأنفةٌ، وقال يزيد بن الأسود : ناولني رسول الله وَ لجر يده فإِذا هي أبردُ من الثلج وأطيبُ ريحاً من المسك . رواه البيهقي. ( وَ) أخرج ابن سعد في ((الطبقات))؛ عن إبراهيم مرسلاً - وهو حديث حسن - : ( كَانَ) رسول الله (لَّهِ يُعْرَفُ مِنْهُ رِيْعُ الطَّيْبِ إِذَا أَقْبَلَ ) ، لأنَّه كان رائحةُ الطيب صفتَه ؛ وإن لم يمسَّ طيباً ، فكلما مرَّ على محلّ عبق طيباً ؛ فكان الشخص إذا شمَّ ذلك الطيب عَرَف أنَّه ◌ِ لهِ مرَّ من ذلك المحل ؛ وإن لم يَرَ ذاته الشريفة - كما سيأتي -. ( وَ) أخرج البخاري في (( تاريخه))، والبيهقي، والدارمي، وأبو نعيم بألفاظ متقاربة ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ( كَانَ) رسول الله (وَّة لاَ يَسْلُكُ طَرِيْقاً فَبُعُهُ) - بالرفع ؛ أي : يأتي بعد ذهابه منه ، لا يمشي تابعاً له ، ٣٤٩ أَحَدٌ .. إِلَّ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبٍ عَرْفِهِ . وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : وهو بالتخفيف والتشديد ، ويجوز نصبه ، أي : يمشي بعده بزمان قليل ، فالفاء للتعقيب - ( أَحَدٌ) فاعل (( يتبع )) على حال من الأحوال ( إِلاَّ) على حال ( عَرَفَ أَنَّهُ) مَّهِ ( قَدْ سَلَكَهُ) ؛ أي : دخل الطريق ومرَّ فيه ( مِنْ طِيْبٍ عَرْفِهِ ) - بالفاء - : ريحة الطيب، والضمير للنبي وَّر، فيفيد طيب ريح بدنه؛ وإن لم يعرق، وذلك لأن القلب الطّاهر الحيَّ يُشمُّ منه رائحة الطيب ، كما أن القلب الخبيث الميت يُشمُّ منه رائحة النتن ، لأن نتن القلب والروح يتّصل بباطن البدن أكثر من ظاهره ، والعرق يفيض من الباطن ، والنفسُ الطيَِّة يقوَى طيبها ويفوح عرف عرقها حتَّى يبدوَ على الجسد ، والخبيثة بضدِّها ؛ كذا قال بعضهم ؛ نقله الزرقاني رحمه الله تعالى . ولله درُّ مَن قال : وَلَوْ أَنَّ رَكْباً يَمَّموكَ لَقَادَهُمْ نَسِيْمُكَ حَتَّى يَستَدِلَّ بِهِ الرَّكْبُ وروى أبو يعلى ، والبزار بإسناد صحيح ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله وَ﴿ إذا مرَّ في طريقٍ من طُرُق المدينة وَجَدوا منه رائحة الطيب؛ وقالوا: مرَّ رسول الله ◌َله من هذا الطريق. وما أحسنَ قولَ مَن قال في هذا المعنى : عَلَيْهَا فَلاَ يَنْهَىْ عُلَهُ نُهَاتُهُ يَرُوحُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيْقِ الَّتِي غَدَا فَمِنْ طِيْبِهِ طَابَتْ لَهُ طُرُقَاتُهُ تَنَقُّسُهُ فِي الوَقْتِ أَنْفَاسُ عَصْرِهِ لَهُ سَخَراً مِنْ حُبِّهِ نَسَمَاتُهُ تَروُحُ لَهُ اْلأَزْوَاحُ حَيْثُ تَنَسَّمَتْ قوله (( تنقُّسُه)) مبتدأٌ، وقوله ((أنفاسُ عصرِهِ )) - بالصاد - خبرٌ على حذف مضاف ؛ أي : أهل عصره ، وذلك لأن النَّفَس الواحد منه في وقت يعمُ أهلَ الأرض جميعاً . انتهى . قال في ((الشفا)): (وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ) : أبو يعقوب المروزي ، الإمام ٣٥٠ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ رَائِحَتَهُ بِلاَ طِيبٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الزاهد الثقة المجتهد ، أمير المؤمنين في الحديث - كما قاله ابن حنبل رحمه الله تعالى - وهو الذي أحيا السُّنة بالمشرق . ما سمع شيئا إلاَّ حفظه ، وما حفظ شيئاً فنسِيَه ، قال : كأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي ، وثلاثين ألف حديث أسردُها . وهو عالم خراسان ، طاف البلاد لجمع الحديث ، أخذ عنه الإمام أحمد ابن حنبل ، والبخاري ، ومسلم وغيرهم ، استوطن نَّيَّسابور وتوفي بها سنة : - ٢٣٨ - ثمان وثلاثين ومائتين، وولادته سنة : - ١٦١ - إحدى وستين ومائة ، و(( راهويه)) لقب أبيه إبراهيم بن مَخْلد التميمي الحنظلي، لقب به !! لأنَّه ولد بطريق مكة و((راه)) بالفارسية: معناه الطريق، و((هَوَ)) بالهاء والواو المفتوحتين والمثناة التحتية الساكنة والهاء المكسورة في المشهور ، ويقال [ راهُوْيَه ] بضم الهاء وسكون الواو وتحتانية مفتوحة كـ ((نفطُوْيَه ))، وهو أحبُّ عند المحدثين ، آخره ((هاء )). ( أَنَّ تِلْكَ ) الرائحة التي كانت تُشْمُّ منه وتبقى في الطريق ( كَانَتْ رَائِحَتَهُ ) الذاتيّة المدرَكَة منه وَِّ (بِلاَ طِيْبٍ) يَمَسُّه ويتطيّب منه من خارج ، ومع هذا كان يستعمل الطيب في أكثر أوقاته مبالغةً في طيب ريحه ؛ لملاقاة الملائكة وأخذِ الوحي ومجالسة المسلمين ؛ قاله النووي. ولأنه حُبِّبَ إِلَيْه كما قال: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ : النِّسَاءُ، وَالطَّيْبُ)) كما سيأتي . وروى ابن مردويه ؛ عن أنس رضي الله عنه : کان ټّ﴾ منذ أُسريّ به ريحُه ریحُ عروس ؛ وأطيب من ريح عروس . ولا دلالة فيه على أنَّ مبدأ طيبٍ ريح جسده من ليلة الإسراء ؛ كما زعم مَن زعم !! إذ ريح عروس أخصُّ من مطلق رائحة طيبه ، فلا ينافي أنَّه طيِّبُ الرائحة من حين ولد ؛ كما رواه أبو نعيم والخطيب : أنَّ أُمَّه آمنة لما وَلَدته ، قالت : ثُمَّ نظرتُ إليه ؛ فإذا هو كالقمر ليلة البدر ، ريحه يسطع كالمسك . (醬)$51 وقد تقدَّم ما يدلُّ على ما قاله إسحاق من الأحاديث . فما قيل (( أنَّه لم يظهر مَن ٣٥١ وَعَنْ أُمِّ عَاصِمِ امْرَأَةٍ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدِ السُّلَمِيِّ قَالَتْ: كُنَّا عِنْدَ عُتْبَةً أَرْبَعَ نِسْوَةٍ ، فَمَا مِنَّا أَمْرَأَةٌ إِلَّ وَهِيَ تَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ ؛ لِتَكُونَ أَطْيَبَ مِنْ صَاحِبَتِهَا ، وَمَا يَمَسُّ عُتْبَةُ الطِّيبَ إِلَّ أَنْ يَمَسَّ دُهْناً يَمْسَحُ بِهِ لِحْيَتَهُ ، وَلَهُوَ أَطْيَبُ رِيحاً مِنَّاً، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ .. قَالُوا : مَا شَمِمْنَا رِيحاً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ عُثْبَةَ ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْماً : إِنََّ لَنَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ ، وَلَأَنْتَ أَطْيَبُ رِيحاً مِنَّاً! فَمِمَّ ذَلِكَ ؟! رواه، والظاهر ثبوتُه عندهم)) !! من قلة التتبُّع؛ قاله الشهاب الخفاجي في ((شرح الشفاء)). (وَعَنْ أُمِّ عَاصِمِ آمْرَأَةِ عُتْبَةَ) - بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية - ( ابْنِ فَرْقَدٍ ) - بفتح الفاءَّ والقاف بينهما راء ساكنة - ابن يربوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن رِفاعة ( أُلُّلَمِيِّ ) - وقال ابن سعد : يربوع هو فرقد - شهد خيير وقُسم له منها ، فكان يعطيه لبني أخواله عاماً ولبني أعمامه عاماً، وغزا مع النبي ◌َّه غزوتين ، وولاَّه عمرُ رضي الله عنه في الفتوح ، ففتح الموصل سنة : ثمان عشرة مع عياض بن غَنْم ، ونزل بعد ذلك الكوفةَ، ومات بها . ذكره في ((الإصابة )). ( قَالَتْ: كُنَّا عِنْدَ عُنْبَةً) - حال من - ( أَرْبَعَ نِسْوَةٍ) ، لأنَّه في الأصل صفةٌ لها ، فلما قُدَّم أُعرب حالاً، و((أربع)) خبر كان، ( فَمَا مِنَّ أَمْرَأَةٌ إِلَّ وَهِيَ تَجْتَهِدُ فِي الطِّيْبٍ ) ؛ أي : في تحصيل أحسنِهِ واستعماله ، ( لِتَكُوْنَ أَطْيَبَ مِنْ صَاحِبَتِهَا ) كما هو شأنُ الضرائر ، ( وَمَا يَمَسُ عُنْبَةُ الطَّيْبَ إِلاَّ أَنْ يَمَنَّ دُهْناً) مطيّباً ( يَمْسَحُ بِهِ لِحْيَهُ ، وَلَهُوَ أَطْيَبُ رِيْحاً مِنَّا وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ ؛ قَالُوا: مَا شَمِمْنَا) - بكسر الميم الأول وتفتح ، وإسكان الثانية - ( رِيْحاً أَطْيَبَ مِنْ رِيْحِ عُتْبَةَ ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْماً : إِنَّا لَنَجْتَهِدُ فِي الطَّيْبِ ؛ وَلَأَنْتَ أَطْيَبُ رِيْحاً مِنَّا! فَمِمَّ) - بحذف ألف (( ما )) الاستفهامية ، لأنَّه يحذف إذا دخل عليها حرفُ الجر ، أي : من أي سبب - ( ذَلِكَ ) الوصف الذي ثبت لك ؟ !. ٣٥٢ فَقَالَ: أَخَذَنِي الشَّرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَيْتُهُ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَتَجَرَّدَ ، فَتَجَرَّدْتُ عَنْ ثَوْبِي ، وَقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَلْقَيْتُ ثَوْبِي عَلَى فَرْجِي ، فَنَفَثَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرِي وَبَطْنِي بِيَدِهِ، فَعَبَقَ بِي هَذَا الطِّيبُ مِنْ يَوْمِئِذٍ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (( مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ)). وَرَوَى أَبُو يَعْلَى (فَقَالَ: أَخَذَنِي الشَّرَى ) - كالصَّدَى: بُورٌ صِغارٌ حمر حكَّاكَة مُكرِبة ، تحدث دفعة غالباً، وتشتَدُّ ليلاً لبخارِ حارِّ يثور في البدن دفعة ؛ كما في (( القاموس )» ۔ ( عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِوَِّ فَتَيْتُ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَتَجَرَّدَ ، فَتَجَرَّدْتُ عَنْ نَوْيِي وَقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَلْقَيْتُ ثَوْيِيْ عَلَىْ فَرْجِيْ ) وما حولَه ، واقتصر عليه بكونه أفحشَ ، ويحتمل خلافه ، ( فَنَفَثَ ) - أي : تفل - ( فِي يَدِهِ ) الشريفة ( ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرِيْ وَبَطْنِي بِيَدِهِ ) الشريفة. ( فَعَبَقَ ) - بفتح الباء ، أي: لزق ـ ( بِيْ هَذَا الطَّيْبُ مِنْ يَوْمِئِذٍ . رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ ) : سليمان بن أحمد بن أيُّوب بن مطير اللَّخمي الشامي ، أبو القاسم ، من كبار المحدثين ، أصلهُ من طبرية الشام ؛ وإليها نسبتُه ، ولد بعكا سنة : - ٢٦٠ - ستين ومائتين هجرية، ورحل إلى الحجاز واليمن ومصر والعراق وفارس والجزيرة ، وتوفي بأصبهان سنة : - ٣٦٠ - سنة ستين وثلثمائة هجرية ، وله ثلاثة معاجم في الحديث: ((كبير)) و((صغير)) و((أوسط))؛ طبع الصغير(١)، رَّب فيه أسماءَ المشايخ على الحروف ، وله كتب في التفسير ، والأوائل ، ودلائل النبوة، وغير ذلك، رحمه الله تعالى آمين ( فِي (( مُعْجَمِهِ الصَّغِيْرِ))) و((الكبير)): أيضاً ، كما في (( الإصابة )). ( وَرَوِى أَبُو يَعْلَى) : أحمد بن علي بن المثنّى التميميُّ الموصليُّ الحافظ (١) والكبير والأوسط أيضا ؛ على نقص في الكبير. ٣٥٣ وَالطَّبَرَانِيُّ قِصَّةَ أَلَّذِي أَسْتَعَانَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَىْ تَجْهِيزِ آبْنَتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَاسْتَدْعَاهُ بِقَارُورَةٍ فَسَلَتَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَرَقِهِ ، وَقَالَ: ((مُرْهَا فَلْتَطَّيَّبْ بِهِ))، فَكَانَتْ إِذَا تَطَيِّبَتْ بِهِ شَمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ الطِّيبَ، فَسُمُّوا (( بَيْتَ الْمُطَيَِّينَ)). المشهور الثقة ، نَعَته الذهبي بـ(( محدِّث الموصل))، عُمِّر طويلاً وتفرَّد ورحل الناس إليه ، وزاد عمره على المائة ، وكانت وفاته سنة : - ٣٠٧ - سبع وثلثمائة - بتقديم المهملة على الموحدة - بالموصل ، وله كتب منها (( المعجم )) في الحديث ، و (( مسندان )) كبير وصغير . (وَالطَّبَرَانِيُّ) ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( قِصَّةَ) - مفعول ((روى)) - ( الَّذِي أَسْتَعَانَ بِالنَِّّ ◌َّهِ عَلَى تَجْهِيْزِ أَبْنَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَه شَيْءٌ ، فَأَسْتَدْعَاهُ بِقَارُوْرَةٍ) - أي: طلبها من الرجل - ( فَسَلَتَ )؛ أي : مسح بأصبعه ( لَهُ فِيْهَا مِنْ عَرَقِهِ) - محرَّكة؛ أي بعضه - ( وَقَالَ: ((مُرْهَا فَلْتَطََّّبْ بِهِ))) وهذا الحديث ذكره المصنف بالمعنى تبعاً لصاحب ((المواهب)). ولفظ أبي يعلى والطبرانيّ ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : جاء رجل فقال : يا رسول الله ؛ إنِّي زَوَّجْت ابنتي ؛ وأنا أُحبُّ أن تعينني بشيء، قال: ((مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ غَداً فآتِي بِقَارُورَةٍ وَاسِعَةِ الرَّأْسِ وَعُوْدِ شَجَرَةٍ ، وَآيَةُ مَابَيْنِي وَبَيْنِكَ أَنْ أُجِيْفَ نَاحِيَةَ أَلْبَابِ )). فلما كان من الغد أتاه بذلك، فجعل النبي ◌َّه يسلتُ العَرَق عن ذراعيه حتَّى امتلأت القارورة ؛ فقال: (( خُذْهَا وَأْمُر أَبْتَتَكَ أَنْ تَغْمِسَ هَذَا العُودَ فِي الْقَارُورَةِ فَتَطَيَّبَ بِهِ » . ( فَكَانَتْ إِذَا تَطَيِّيَتْ بِهِ شَمَّ أَهْلُ المَدِيْنَةِ ذَلِكَ الطَّيْبَ ) ، وإن بَعُدوا عن دارها ؛ هذا ظاهره ، ولا مانع ؛ إذ هو أمر خارِقٌ، ( فَسُمُّوْا (( بَيْتَ الْمُطَيِِّيْنَ))) قال الذهبي: حديثٌ منكر ؛ أي ضعيف. انتهى ((زرقاني)). ٣٥٤ اَلْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي صِفَةٍ طِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَطَئِِّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُكَّةٌ يَتَطَيِّبُ مِنْهَا . وَمَعْنَى ( السُّكَّةِ ) : طِيبٌ ( الفَصْلُ الخَامِسُ ) من الباب الثاني ( فِي) بيان ما ورد في (صِفَةِ طِيْنِهِ نَّهِ وَتَطَيِِّهِ ) ؛ أي : استعماله الطيب وما يتعلَّق بذلك فائدة : يتأكَّد الطِّب للرجال في نحو يوم الجمعة ، والعيدين ، وعند الإحرام ، وحضور الجماعة ، والمحافل ، وقراءة القرآن ، والعلم ، والذكر ، ويتأكَّد لكلٍّ من الرجل والمرأة عند المباشرة ، فإنَّه من حسن المعاشرة . روى أبو داود في « سننه))، والترمذي في ((شمائله)) بسند حسن؛ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) قال: ( كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِ وَّرَ سُكَّةٌ) - بضم السين المهملة وتشديد الكاف ، - قيل : هي طيب مركَّب ، وقيل : وعاء الطيب ، فإن كان المراد بها هنا نفسَ الطيب فَمِنْ في قوله ( يَتَطَيَّبُ مِنْهَا ) للتبعيض ، وإن كان المرادُ بها الوعاء فهي للابتداء . قال العلاَّمة ابن حجر الهيتمي : والظاهرُ أنَّ المراد بها : ظرفٌ يوضع فيه الطيب؛ كما يشعر به قوله ((منها)) ، لأنه لو أريد بها نفس الطيب لقيل يتطيب بها ؛ وقد علمتَ أنَّه يصحُّ إرادة نفس الطيب؛ وتكون ((من )) للتبعيض . وإنما قيل ((منها)) ليُشعر بأنه يستعمل بِدَفَعات ، بخلاف ما لو قيل بها ، فإنه يوهم أنَّه يستعمله بدفعة ؛ كما قاله ميرك . انتهى ( باجوري )) . ( وَمَعْنَى السُّكَّةِ) - بتشديد السين والكاف -: (طِيْبٌ) يتَّخذُ من الرامك ... ٣٥٥ مَجْمُوعٌ مِنْ أَخْلاَطِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وِعَاءً . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ الْمِسْكَ فَيَمْسَحُ بِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ . - بكسر الميم وتفتح - ؛ وهو : شيء أسود يخلط بمسك ، ويعرك ويُقرَصُ ويترك يومين، ثم يثقب بمِسَلَّة؛ ثم ينظم في خيط، وكلَّما عَتِقِ عبق؛ كذا في ((القاموس)). وقال الجَزَري في (( تصحيح المصابيح)): هي طيبٌ ( مَجْمُوعٌ مِنْ أَخْلاَطٍ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وِعَاءً ) للطيب . انتهى (( باجوري )) وغيره . وروى النسائي، والبخاري في (( تاريخه))؛ عن محمد بن علي ؛ قال : سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أَكَان النبي ◌َِّ يتطيّبُ؛ قالت : نعم بِذِكارة الطيب : المسك والعنبر، انتهى. قال في (( النهاية)): ذكارة الطيب - بالكسر - وذكورته : ما يصلح للرجال ، وهو ما لا لون له ؛ كالمسك ، والعنبر ، والعود . انتهى . ( وَ) أخرج أبو يعلى بسند حسن ؛ عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَأْخُذُ المِسْكَ) - بِكَسْرِ الْمِيْمٍ - ؛ وهو طيب معروف ، وأصله دَم يتجمَّد في خارج سُرَّة الظبية ثم ينقلب طيباً ، وهو طاهرٌ إجماعاً، ولا يُعْتَدُّ بخلاف الشيعة . انتھی « باجوري » . ( فَيَمْسَحُ بِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَهُ) ، ظاهره أن استعمال الطيب مطلوب مطلقاً ، ولو كان الشخص خالياً عن الناس ، فيسنُّ التطيُّب بسائر أنواع الطيب ، وأفضله المسك ، ولا عبرة بقول العامَّة ((إنَّه طيبُ النساء)). وقال حُجَّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى : الجاهلُ يظنُّ أنَّ ذلك من حبِّ التزيّن للناس ؛ قياساً على أخلاق غيره ، وتشبيهاً للملائكة بالحدادين ، وهيهات !! فقد كان مأموراً بالدعوة ، وكان مِن وظائفهِ أن يسعى في تعظيم أمرٍ نفسه في قلوبهم ، وتحسينٍ صورته في أعينهم ، لئلا تزدريَه نفوسُهم ، فينفِّرهم ذلك عنه ، ويتعلَّق المنافقون به في تنفير الناس عنه ، وهذا الفعلُ واجبٌ على كل عالم تصدَّى لدعوة الخلق إلى الحق . انتهى ؛ نقله المناوي في ((كبيره)). ٣٥٦ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَمَّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ. وَكَانَ أَنَسَرٌ لاَ يَرُدُّ الطِّيبَ؛ وَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَرُدُّ الطِّيبَ . فائدة : ليس من الكِبْر التجمُّل بالملابس ونحوها ، بل قد يكون ذلك مندوباً ؛ كالتجمُّل للصلوات والجماعات ونحوها ، وفي حقِّ المرأة لزوجها وهُوَ لها ، وفي حقِّ العالم لتعظيم العلم في نفوس الناس ، وقد يكون واجباً في حقِّ ولاة الأمور وغيرهم ؛ إذا توقف عليهم تنفيذ الواجب ، فإن الهيئة المزرية لا تصلح معها مصالح العامَّة في هذه الأعصارِ ، لمَا جُبلت عليه النفوس الآن من التعظيم بالصور ؛ عكس ما كان عليه السلف الصالح من التعظيم بالدين والتقوى . انتهى ؛ ذكره السيد محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل في ((نشر الأعلام))؛ شرح ((البيان والإعلام)) للسيد أبي بكر بن أبي القاسم الأهدل رحمه الله . ( وَ) في (( كنوز الحقائق )) للمناوي ؛ ورمز له برمز النسائي: ( كَانَ ) رسول الله (ِ﴿ يُضَمِّحُ) - بتشديد الميم وآخره خاء معجمة - أي : يلطّخُ (رَأْسَهُ بِالمِسْكِ ) بأن يأخذ المسك بيده الشريفة فيمسحَ به رأسه؛ كما بيَّنّهُ الرواية السابقة . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))؛ عن ثُمَامة بن عبد الله قال : ( كَانَ أَنَسُ ) بن مالك ( لاَ يَرُدُ الطَّيْبَ، وَقَالَ) - أي : أنس - : (إِنَّ الشَِّيَّ وََّ كَانَ لاَ بَرُّدُ الطُّيْبَ) - أي: لِخفَّة المِنَّة فيه ، وقد ورد النهي عن رَدِّه مقروناً ببيان الحكمة ، في حديث صحيح : رواه أبو داود ، والنسائي ، وأبو عوانة ؛ من طريق عبيد الله بن أبي جعفر ؛ عن الأعرج ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (( مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيْبٌ فَلاَ يَرُدَّهُ ، فَإِنَّهُ خَفِيْفُ المَحْمِلِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ)). قال ميرك: وأخرجه مسلمٌ من هذا الوجه، لكن قال ((رَيْحَانٌ)) بَدَل (( طيب))! ورواية الجماعة أثبت . ٣٥٧ وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمُ الرَّيْحَانَ .... والمَحمِل هنا - بفتح الميم الأولى وكسر الثانية - ، والمراد به الحَمل - بفتح الحاء المهملة - ، والمعنى أنَّه ليس بثقيل ؛ بل قليلُ المِنَّة، ومع هذا طيِّبُ الرائحة ، والطِّيب ذو الرائحة الطيبة جعله الله تعالى نافعاً لمالكه وغيرِه، فلا يختصُّ مالكه إلاَّ بكونه حامِلَه ، والمقصودُ منه مشترك بينه وبين غيره ، والهديّة إذا كانت قليلة وتتضمَّن منفعة فلا تردُّ ، لئلا يتأذَّى المُهدي ؛ إذا لم يكن طماعاً . انتهى (( باجوري وعلي قاري )) . ويلحق بالطيب كلُّ ما لا مِنَّة فيه كالوسادة والدُّهن والحلو ، ورزق مَن يحتاج إليه ، وقد أوصلها السيوطي إلى سبعة ، ونظمها فقال : عَنِ الْمُصْطَفَى سَبْعٌ يُسَنُّ قَبُولُهَا إِذَا مَا بِهَا قَدْ أَتْحفَ المَرْءَ خُلَّنُ وَرِزْقٌ لِمُخْتَاجٍ وَطِيْبٌ وَرَيْحَانُ فَكُلْوٌ وَأَلْبَانٌ وَدُهْنٌ وِسَادَةٌ ( وَ) أخرج أبو داود في ((مراسيله))، والترمذي في ((الشمائل)) و((الجامع))؛ وقال : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ؛ ( عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ) - بفتح النون وسكون الهاء - نسبة إلى بني نهد قبيلة باليمن، واسمه عبد الرحمن بن مَلِّ - بتثليث الميم وتشديد اللام - ابن عمرو بن عدي ، مشهور بكُنيته ، ثقةٌ عابد ، مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي وَّر؛ ولم يجتمع به ، فليس بصحابي ، وإنما سمع من الصحابة كعُمَر وابن مسعود وأبي موسى ، وروى عنه قتادة وغيره ، ومات سنة : خمس وتسعين - بتقديم المثناة على المهملة - ، وعاش مائة وثلاثين سنة ، وقيل أكثر، فالحديث مرسل ؛ كما صرَّح به السيوطيُّ في ((الجامع الصغير )) ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا أُعْطِيَ) - بالبناء للمفعول - و( أَحَدُكُمُ ) - نائب فاعل ؛ وهو المفعول الأول والريحانُ مفعول ثان - ، أي : إذا عُرض على أحدكم - ( الزَّيْحَانَ ) - وهو كلُّ نبتٍ طيِّب الريح من أنواع المشمومات ؛ على ما في ٣٥٨ فَلاَ يَرُدَّهُ؛ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ )) . وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كَانَ أَحَبَّ الرَّيَاحِينِ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَاغِيَّةُ . ((النهاية))، فمنه الورد والفاغية والنّمام وغيرها - (فَلاَ يَرُدَّهُ) - بفتح الدال -، وهو نصٌّ في كونه نَهْياً ، بخلاف ما لو رُوي - بضم الدال - فإنه يحتمل أنَّها نافية ، فيكون ﴾ [الواقعة] . وتقدّم نفياً لفظاً؛ نهياً معنىّ، كقوله تعالى ﴿لََّ يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قريباً خبرُ مسلم: ((مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلاَ يَرُدَّهُ فَإِنَّهُ خَفِيْفُ المَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيْحِ)). (فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ))) ، يحتمل أن بِذْره خرج من الجنة ، وليس المراد أنه خرجت عينُهُ من الجنَّةً . وإِنَّمَا خَلق الله الطيبَ في الدنيا !! ليذكُر به العبادُ طيبَ الجنة ، ويرغبون فيها بزيادة الأعمال الصالحة ؛ ليصلوا بسببها إلى الجنة . والحاصلُ أنَّ طيب الدنيا أنموذجٌ من طيب الجنة ، وإلاَّ! فطيبُها يوجد ريحُه مسيرة خمسمائة عام ؛ كما في حديث . ( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير))، والبيهقي في (( شعب الإيمان))؛ من حديث عبد الحميد بن قُدَامة - وهو حسن لغيره - ( عَنْ أَنَسٍ ) خادمِ رسول الله ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ) قال : ( كَانَ أَحَبَّ الرَّيَاحِيْنِ ) - جمع ريحان : نبتٌ طيِّب الريح ؛ أو كلُّ نبت طيب الريح؛ كذا في ((القاموس)) وفي ((المصباح)): الريحان كل نبت طيب الريح ، لكن إذا أطلق عند العامة انصرف إلى نبات مخصوص - ( إِلَيْهِ نَِّ الفَاغِيَّةُ) نَوْرُ الحِنَّاء ، وهو من أطيبٍ الرياحين وأحسنِها ، وجَاء خبرُ (( أَنَّها سيِّدَةُ الرَّيَاحِيْنِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ». وفي ((الشُّعَب))؛ عن ابن دُرُسْتُويه : الفاغية : عود الحناء يغرس مقلوباً فيخرج بشيء أطيبَ من الحناء فيسمَّى ((الفاغية))، وفيه منافع كثيرة من أوجاع ٣٥٩ وَ( الْفَاغِيَةُ ) : زَهْرُ الْحِنَّاءِ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الرِّيحُ الطَّيْبَةُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْطِّيبَ وَالرَّائِحَةَ الْحَسَنَةً، وَيَسْتَعْمِلُهُمَا كَثِيراً ، وَيَخُضُّ عَلَيْهِمَا ، العصب والفالج والصداع وأوجاع الجنب والطحال وغيرها . ( وَالْفَاغِيَةُ: زَهْرُ الحِنَاءِ ) ، وقيل: عودُ الحناء - كما سبق -. ( وَ) أخرج أبو داود ، والحاكم - وهو حديث صحيح ؛ كما قال العزيزي - ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كَانَ رَسُوْلُ اَللهِنِّهِ يُعْجِبُهُ الرِّيْحُ الطَّيَِّةُ) ، لأنها غذاء الروح ، والروح مطيّ القوى ، والقوى تزداد بالطيب ، وهو ينفع الدماغ والقلب وجميع الأعضاء الباطنة ، ويفرح القلب ويُسرُّ النفس ، وهو أصدقُ شيء للروح وأشدُّه ملاءمة لها ، وبينه وبين الروح نسبٌ قريب ، فلهذا كان أحبَّ المحبوبات إليه من الدنيا ؛ ذكره المناوي في (( الكبير )) ( وَ) في ((الشفاء)) للقاضي عياض: (كَانَ) رسول الله (وَل ◌ِ يُحِبُّ الطَّيْبَ ) وهو كل ما يُتَطَيِّبُ به ؛ من بخور ومسك وعنبر ونحوها، (وَالرَّائِحَةَ الحَسَنَةَ) الحاصلة من غير جنس الطيب، كالريحان وسائر الزهور العطرة، ولذا كان وَله لا يردُّ هدَّتَها ( وَيَسْتَعْمِلُهُمَا) أي: الطيب والرائحة ( كَثِيراً) أي : في أكثر أوقاته استعمالاً مناسباً لكلٍّ منهما ، مع أنَّه بذاته بل وبفضلاته طيب ؛ كما هو مقرَّر في محلِّه، وكان استعمالُها لزيادةِ المبالغة بنيّة ملاقاةِ الملائكة ، فإنَّهُما تقوِّيان الحواسَّ، وتورثان النشاط والقوة، والملائكةُ تحُّهما تكره الرائحة الخبيثة ، بعكس الشياطين . (وَيَخُضُّ عَلَيْهِمَا) بضمير التثنية للطيب والرائحة، وفي نسخة ((عليها)) فالضمير لها ، لأنها المقصودة من الطيب ، لا لأنَّها أعمُّ كما قيل لتغايرهما ، أي : كان ◌َ﴿ يحثُّ الناس ويحرِّضُهم على استعمال ذلك، لما لهم فيه من الفوائد ، ٣٦٠