النص المفهرس
صفحات 321-340
فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ ، وَفِي تَرَجُلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وفِي أَنْتِعَالِهِ إِذَا أَنْتُعَلَ ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ . [الواقعة] وعكس في أصحاب الشمال !! زاد البخاري في روايته : الْیَمِینِ ما استطاع ، فنبّه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع . ( فِي طُهُوْرِهِ ) - بضمِّ أوّله ؛ أو فتحه : روايتان مسموعتان ، ورواية الضمِّ لا تحتاجُ إلى تقدير ، لأن الطُّهور - بالضم - هو الفعل، ورواية الفتح تحتاج إلى تقدير مضاف : أي في استعماله، لأن الطَّهور - بالفتح -: ما يُتطهّر به ( إذَا تَطَهَّرَ ) ؛ أي : وقت اشتغاله بالطهارة ، وهي أعمُّ من الوضوء والغسل . وإنَّما قال : إذا تطهّر !! ليدلَّ على تكرُّر المحبَّة بتكرر الطهارة ، كما في قوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ [٦/ المائدة]. وقوله ( وَفِي تَرَجُلِهِ ) - بضم الجيم المشددة - أي : تمشيط شَعْر رأسه ولحيته ، وفي معناه الادِّهان ( إِذَا تَرَجَّلَ ) ؛ أي : وقت إِيجاد هذا الفعل ، أي : ويحبُّ التيامن في ترجُّله وقتَ اشتغاله بالترجُّل، فإذا أراد أن يدهن أو يمشط أحبَّ أن يبدأ بالجهة اليمنى من الرأس أو اللحية . ( وَفِي أَنْتِعَالِهِ ) ؛ أي: لبس نعله ( إِذَا أَنْتَعَلَ ) ؛ أي : وقت إرادةٍ لبس النعل ، وفيه احترازٌ من حال الاختلاع ، فإنه يبتدىء باليسار ، أي : ويحبُّ التَّيامن في انتعاله وقتَ اشتغاله بالانتعال ، فإذا أراد لبس النعل أحبّ أن يبدأ بالرجل اليمنى . ( وَ) يحبُّ التيامن (فِي شَأْتِهِ ) - أي: في حاله - ( كُلِّهِ) يعني: في جميع حالانه ، وهذا عطفُ عامٌّ على خاصٌّ ، لكن ليس على عمومه ، بل مخصوصٌ بما كان من باب التكريم ، وأما ما كان من باب الإهانة !! فيستحبُّ فيه التياسر . ولذلك قال النووي : قاعدة الشرع المستمِرَّة استحبابُ البداءة باليمين في كلِّ ما كان من باب التكريم والتشريف ؛ كلبس الثوب والسراويل والخفِّ والانتعال ، ودخول المسجد والسواك، وتقليم الأظفار وقصِّ الشارب ، وترجيل الشعر ونتف الإبط ، وحلق الرأس والاكتحال ، والسلام من الصلاة ، وغسل أعضاء الطهارة ، ٣٢١ وَكَانَتْ يَدُهُ اَلْيُسْرَى لِخَلَائِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذَىّ . والخروج من الخلاء ، والأكل والشرب ، والمصافحة واستلام الحجر الأسود ، وندب الصلاة عن يمين الإمام ؛ وفي ميمنة المسجد ، وغير ذلك مما هو في معناه یستحبُّ التيامن فيه . فأما ما كان بضدِّه مثل : دخول الخلاء ، والخروج من المسجد ، والامتخاط والاستنجاء ، وخلع الثوب والسراويل والخفّ، وأخذُ النعلين ... وما أشبه ذلك !! فيستحبُّ التياسر فيه . انتهى ؛ نقله جسَّوس مع زيادة من غيره . ومما لا يخفى أن التَّيامن في فعلٍ بين أجزائِه تقدُّمٌ وتأخّرٌ ، فلا تيامنَ في نحو غسل الوجه ومسحِ الأذنين لغير الأقطع ، والله أعلم . ( وَ) أخرج أبو داود في ((سننه))، وغيرهُ بالإسناد الصحيح - كما قاله النووي في ((الأذكار)) - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت يدُ رسول الله وَل اليمنىُ لطهوره وطعامه، ( وَكَانَتْ يَدُهُ أَلْيُسْرَى لِخَلَائِهِ) ؛ أي : للاستنجاء ، ويمكن أن يؤخذ من الخبر تقديمُ الرجل اليسرى ؛ أو بدلها عند دخولِ ؛ أو وصولِ الخلاء أو محلِّ قضاء الحاجة من الفضاء ، بأن يراد باليسرى ما يشمل اليدَ والرجل ؛ من استعمال المشترك في معنيّيْه ، أو من عموم المجاز . وقوله ( وَمَا كَانَ مِنْ أَذَىّ ) ؛ أي : من النوع الذي يعدُّ بالنسبة لسائر الناس أذىّ ، من المخاط والبصاق والدم ونحوه ؛ فلإستقذار جنسه من باقي الناس جعل له ◌َ﴿ اليسرى، وأما بالنسبة إلى الحاصل منه وَلتر؛ فلا أذى، ولذا كانوا يدلكون به وجوههم ويسارعون إليه ، وقد شرب ابنُ الزُّبير دمَ حجامته ، ومصَّ مالكُ بن سنان دمَه ◌َله يوم أُحد، وشربت أم أيمن بولَه، وهذا دليل على فقد الأذى منه ، إذ يحرم على الإنسان تناولُ كلِّ مؤذٍ للبدن ، ومنه الریق بعد انفصاله من معدنه ؛ لا فيه ، فلا منع منه من حليلة(١) . (١) زوجة أو أمة. ٣٢٢ وَإِذَا نَامَ وَاضْطَجَعَ .. أَضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَثِيَابِهِ وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ ، وَشِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ . وَعَنْ عَائِشَةَ وعدلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن قولها ( من مستقذر ) إلى ما عبَّرت به !! لِما في لفظ الاستقذار من البعد عن أن يُنسب إليه وَّه، فليس من مستقذر أصلاً . قال العلماء : مَن استقذر شيئاً مما أضيف إليه ◌َاو من الأحوال والأفعال ؛ فهو كافر. انتهى شرح («الأذكار النووية)). ( وَ) قال الإمام النووي في كتابه ((تهذيب الأسماء واللغات)): و(إِذَا نَامَ) ◌ِلـ ( وَأَضْطَجَعَ أَضْطَجَعَ عَلَى جَنِهِ الأَيْمَنِ ) - تشريفاً لجانب اليمين حالَ كونه - ( مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ . ) في اضطجاعه . ( وَ) أخرج الإمام أحمد ؛ عن حفصةَ أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ ) رسول الله (وَ يَجْعَلُ يَمِيْنَهُ) - أي: يده اليمنى - ( لأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَوَضُوْئِهِ ) يحتمل أن يكون المراد : وأخذ ماءٍ وَضوئه . زاد في رواية: وصلاتِهِ ، ( وَثِيَابِهِ ) يعني : للبس ثيابه ؛ أو تناولها ( وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ ) مما لا دناءة فيه . ( وَ) كان يجعل ( شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ ) مما ليس من باب التكريم . ورواه الإمام أحمد أيضاً ؛ عن حفصةً أمِّ المؤمنين أيضاً بلفظ : كانت يمينه لطعامه وطَهوره وصلاته وثيابه ، ويجعل شماله لما سوى ذلك . ورواه عنها أيضاً البيهقيُّ ، قال ابن محمود شارح « سنن أبي داود )» وهو حسن ؛ لا صحيح ، انتهى ( مناوي ) . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ ) أُمِّ المؤمنين بنتِ أبي بكر الصدِّيقة بنت الصِّديق رضي الله تعالى عنهما . ٣٢٣ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ . أُّها أُمُ رومان - بضم الراء وسكون الواو على المشهور -، وهي أم عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر، أسلمت قبل الهجرة، وماتت في حياة النبي ◌َّ بعد قصة الإفك، ونزل النبي وَّل في قبرها رضي الله تعالى عنها. وكنيةُ عائشة ((أم عبد الله)) كَنَّاها النبي ◌َّهِ بابن أُختها عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم أجمعين . وأسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر إنساناً ممَّن أسلم، وتزوَّجها النبي ◌َّ قبل الهجرة بسنتين ؛ وهي بنت سِتِّ سنين ، وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة بعد مُنصَرَفِهِ من بدر ؛ في شوال سنة : اثنتين ؛ وهي بنت تسع سنين . وهي من أكثر الصحابة رواية ، روي لها عن رسول الله ◌َ ر ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث ؛ اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثاً ، وانفرد البخاريُّ بأربعة وخمسين ، وانفرد مسلم بثمانية وستين . رَوَى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين ، وفضائلها ومناقبها مشهورة معروفة . وتوفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة : سبع وخمسين ، وصلَّى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وأَمَرت أن تُدفن بالبقيع ليلاً ؛ فدفنت من ليلتها بعد الوتر ، واجتمع على جنازتها أهلُ المدينة وأهل العوالي ، وقالوا : لم نَرَ ليلة أكثر ناساً منها ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ) ، وعن والديها وجميع أصحاب رسول الله ◌َ﴿ وأرضاهم وجمعنا بهم في مستقرِّ رحمته. آمين . ( قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ ) - بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الجيم المكسورة ؛ أي: أُسرّح وأُحسِّن - (رَأْسَ رَسُوْلِ اللهِ) - أي: شعر رأسه - (عبَّر) - فهو من قبيل إطلاق اسم المحل وإرادة الحال ، أو على تقدير مضاف ، ويؤخذ من هذا ندب تسريح شعر الرأس ، وقِيْس به اللحية ، وبه صُرِّح في خبر ضعيف - ( وَأَنَا حَائِضٌ ) جملة حالية، ولا يقال ((حائضة)) إلاَّ في شذوذ؛ لأنَّ علامة التأنيث يُؤتى بها للفرق ٣٢٤ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَرَجَّلُ غِبّاً؛ أَيْ : حِيناً بِعْدَ حِينٍ. وَكَانَ شَيْئُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ شَيْئاً قَلِيلاً ، نَحْوَ سَبْعَ عَشْرَةَ شَعْرَةً . بين المذكَّر والمؤنَّث عند خوف اللَّبْس ، وهو مأمون هنا لاختصاص الحيض بالأنثى ؛ فلا حاجة إلى علامة التأنيث الفارقة ، قال الناظم : وَمَا مِنَ الأَلْفَاظِ بِالْأُنْثَى يُخَصّ عَنْ تَاءِ اسْتَغْنَى لأَنَّ اللَّفْظَ نَصّ وفيه دليل على طهارة يدها وسائر بدنها ؛ ما لم يصبه دمٌ من بدنها ؛ وهو إجماع ، وفيه دليل على عدم كراهة مخالطتها ، وحِلِّ استخدام الزوجة برضاها في الترجيل ونحوه ، وأنه ليس فيه نقص ؛ ولا هتك حرمة ؛ ولا إضرار بها ، وأنه ينبغي للزوجة تولِّي خدمة زوجها بنفسها ، والله أعلم . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل))؛ عن رجل من أصحاب رسول الله وَليل قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِّ يَتَرَجَّلُ) - أي يتمشَّط - ( غِبّاً) ؛ بغين معجمة مكسورة وموحدة مشددة ؛ أصله : ورود الإبل الماءَ يوماً وتركه يوماً ، ثم استعمل في فعل الشيء حيناً وتركه حيناً ، كما قال (أَيْ: حِيْناً بَعْدَ حِيْنٍ ) . والمراد : أنه كانت عادته وَّ أنه لا يبالغ في الترجُّل ، بل يفعله يوماً ويتركه يوماً ، ولا يواظب عليه ، لأن مواظبته تُشْعِرُ بشدّة الإمعان في الزينة والترُّه ؛ وذلك شأن النساء ، ولهذا قال ابن العربي : موالاته تَصَنُّع ، وتركه تَدَنُّس ، وإغبابه سنة . انتهى . ( وَ) قال العارف الشعراني في ((كشف الغمة)): (كَانَ شَيْئُهُ بَّهِ فِي الرَّأْسِ وَاللُّحْيَةِ ) - أراد بها ما قابل الرأس ؛ فيشمل العَنْفَقَة والصُّدْغين - ( شَيْئاً قَلِيْلاً ؛ نَحْوَ سَبْعَ عَشْرَةَ شَعْرَةً). رواه البيهقي في (( الدلائل)) ؛ من طريق حماد بن سلمة ؛ عن ثابت ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه ؛ قيل له : هل كان شَابَ رسول الله وَيرٍ ، فقال : ما شَانَهُ الله تعالى بالشيب ، ما كان في رأسه إلا سبعَ عشرة - أو ثمان عشرة - شعرة ، هكذا هو في نسخة ((الدلائل )) ، وفي لفظ له عند البيهقي : ما كان في رأسه ولحيته إلا سبعَ عشرة ؛ أو ثمان عشرة شعرة . ٣٢٥ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قَدْ شِبْتَ؟! قَالَ : (( شَتَبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ )) ؛ وعن أنس أيضاً : ما عُدَّت في رأس رسول الله وَّهِ ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء . رواه الترمذي وغيره . وروى البخاري من طريق الليث ؛ عن أنس: توفي رسول الله وَّر وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء . ورواه البخاري ومسلم ؛ عن أنس من طريق مالك عن ربيعة . وروى الترمذي في (( الشمائل)) من حديث ابن عمر : إنما كان شيبه ** نحواً من عشرين شعرة بيضاء . ويجمع بين هذه الأخبار بأنه اختلف فيها لاختلاف الأوقات ، وبأن رواية الأربع عشرة إخبار عن العَدِّ ، ورواية السبع عشرة إخبار عن الواقع ، فهو لم يعدَّ إلا أربع عشرة ، وأما في الواقع فكان سبع عشرة ؛ أو ثمان عشرة . ونفي الشيب في رواية أنس ؛ المراد به نفي كثرته لا أصلِه !! . وسبب قِلَّة شيبه: أن النساء يكرهنه غالباً، ومَنْ كره من النبي ◌َّر شيئاً كفر ، وإنما كان الشيب شَيْناً مع أنه نور ووقار ؛ لأن فيه إزالةَ بهجة الشباب ورونقه ، وإلحاقه بالشيوخ الذين يكون الشيب فيهم عيباً عند النساء . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشَّمَائِل)) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ ) - الصدِّيقُ - ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ، قَدْ شِبْتَ ) - أي : قد ظهر فيك أثر الشيب والضعف ، مع أن مزاجك اعتَدَلَتْ فيه الطبائع ، واعتدالُها يستلزم عدم الشيب - ( قَالَ: ((شَيَِّتْنِيْ هُؤْدٌ) - بالصرف ، أي : سورة هود ، وبترك الصرف على أنه عَلَم على السورة ، وهما روايتان ، ولا ينافي ذلك حديث أنس أنه لم يبلغ الشيب ، لأن مقصوده نفي احتياجه إلى الخضاب الذي سئل عنه ، إذ الروايات الصحيحة صريحة في أن ظهور الشيب في رأسه ولحيته لم يبلغ مبلغاً يُحكم عليه بالشيب - ( وَأَلْوَاقِعَةُ، وَأَلْمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُوْنَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ))) ٣٢٦ لِاِشْتِمَالِ هَذِهِ السُّوَرِ عَلَى بَيَانِ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ مِمَّا يُوجِبُ خَوْفَهُ عَلَى أُمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . زاد الطبراني: و((الحاقة))، وزاد ابن مردويه: و((هل أتاك حديث الغاشية))، وزاد ابن سعد: و((القارعة))، و((سأل سائل))، وفي رواية: و((اقتربت الساعة)). وإسناد الشيب إلى السور المذكورة من قبيل الإسناد إلى السبب ؛ فيكون مجازاً عقلياً ، على حدِّ قولهم : أنبت الربيع البقل ، لأن المؤثِّر حقيقة هو الله تعالى ، وإنما كانت سبباً في الشيب !! ( لاشْتِمَالِ هَذِهِ السُّوَرِ عَلَى بَيَانِ أَحْوَالٍ ) - السعداء والأشقياء ، وأحوال ــ ( القِيَامَةِ ) وما تتعسَّر ؛ بل تتعذَّر غايته على غير النفوس القدسية ، وهو الأمر بالاستقامة كما أُمِرَ ، الذي لا يمكن لأمثالنا وغير ذلك ( مِمَّا يُؤْجِبُ) - استيلاء الخوف؛ لا سيما - ( خَوْفَهُ عَلَىْ أُمَّتِهِ ◌ِّر) . لعظيم رأفته بهم ورحمته ، ودوام التفكّر فيما يصلحهم ، وتتابع الغَمِّ فيما ينوبهم أو يصدُر عنهم ، واشتغال قلبه وبدنه وإعمال خاطره فيما فُعل بالأمم الماضين ، كما في بعض الروايات: ((شَئِيَتْنِيْ هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا وَمَا فُعِلَ بِالأُمَمِ قَبْلِي)»، وذلك كلُّه يستلزم ضعف الحرارة الغريزية ، وضعفها يسرع الشيب ويظهره قبل أوانه . قال المتنبي : وَأَلَهَمُ يَخْتَرِقُ الجَسِيْمَ مَخَافَةً وَيُشَيْبُ نَاصِيَةَ الصَّبِيِّ وَيَخْرُمُ لكن لما كان ◌َّ عنده من شرح الصدر وتزاحم أنوار اليقين على قلبه ما يُسَلِّيه ؛ لم يستولِ ذلك إلاَّ على قدر يسير من شعره الشريف ؛ ليكون فيه مظهر الجلال والجمال ويستبين أنَّ جماله غالب على جلاله ، وإنَّما قُدِّمت هود على بقية السور ؛ لأنه أُمِرَ فيها بالثبات في موقف الاستقامة التي هي من أعلى المراتب ، ولا يستطيع الترقِّي إلى ذروة سنامها إلاَّ مَنْ شَرَّفه الله بِخِلَعِ السلامة . وقد أُوْرِدَ : أن ما اشتملت عليه هود من الأمر بالاستقامة مذكورٌ في سورة الشورى ، فلِمَ أسند الشیب إليها دونها ؟! وأجيب : بأنه أول ما سمعه في هود ، وبأن المأمور في سورة الشورى نبينا ٣٢٧ فقط ، وفي سورة هود نبينا ومَنْ تبعه من أمة الإجابة ، فلما عَلم أنَّهم لم يخرجوا من عهدة القيام بهذا الأمر الخطير كما يجب ؛ اهتم بحالهم وملاحظة عاقبة أمرهم ، فصار معتكفاً في زوايا الهموم والغموم ، ولا ريب أن تدبير تلك العظائم يُظهر الغمَّ والهَمَّ، ويُظهر في صفحات وجنات الإنسان الضعف والسقم. انتهى ((مناوي)). يقول العبد الضعيف عبد الله بن سعيد اللحجي مقيِّدُ هذا التعليق اللطيف : إني وقفت على مؤلَّفٍ خاصٍّ يسمى (( فيض الجود على حديث: شَيَبَتْنِيْ هُوْدٌ)) منسوب للشيخ العلاَّمة المحقّق عزّ الدين بن علي بن عبد العزيز المكي الزمزمي الشافعي المولود سنة : - ٩٠٠ - تسعمائة - بتقديم المثناة على السين المهملة -، والمُتَوَنَّى سنة : - ٩٦٣ - ثلاث وستين وتسعمائة ، أطال فيه ذيول الكلام ، وذكر أن هذا الحديث أخرجه على اختلاف ألفاظه وطرقه خاتمة الحُفَّاظ شيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلاني في اختصاره كتاب (( تخريج أحاديث الكشاف )) للإمام أبي محمد الزيلعي ، وأخرجه أيضاً تلميذه الحافظ السخاوي في كتابه (( المقاصد الحسنة )) ؛ وأورده أتمَّ من ابن حجر رحمهم الله تعالى . آمين . وحاصل ما استقرَّ عليه رأي الزمزمي في هذه الرسالة : أنه ردّ القول بأن المراد من هود آية ﴿ فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [١١٢/ هود] قال: ويحتاج بعد أن رددنا القول بأن المراد من سورة هود آية ﴿فَأَسْتَقِمْ﴾ [١١٢/ هود] أن نُبيِّنَ المراد من الحديث !! قال: وقد قَدَّمْنَا عن ابن عطية أنه إشارة إلى ما فيها مما حَلَّ بالأمم إلى آخره . قال : وهذا التأويل حسن في ذاته ، لكنه لا يتأتَّى في جميع السور الواردة من الطرق الصحيحة . قال : ولم أَرَ لغير ابن عطية من المفسّرين كلاماً في ذلك !! قال : فالصواب أن يحمل على أمر يوجد في جميع تلك السور ، ولعله - والله أعلم - ذكرُ القيامة وأحوالها ، فإنه موجود في جميع السور المذكورة في الروايات . أو يقال : المراد به ما هو أعمُّ من ذلك مما يقتضى الخوف والفزع ؛ مما هو موجود في جميع السور أو بعضها ؛ كالأمر بالاستقامة . ٣٢٨ وَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : قال الزمزمي : ولما دخلت مدينة زبيد بعد تأليف هذا الجزء بسنين ؛ وذلك عام - ٩٥٨ - تسعمائة وثمان وخمسين، أفادني عالم تلك البلاد خاتمة المحقّقين ؛ الفقيه : عبد الرحمن بن زياد - أدام الله النفع بعلومه ــ: أن الإمام الغزالي - رحمه الله تعالى - ذكر في ((الإحياء)) أن المشيِّب له ◌َّيِ ما في سورة هود من ذكر الإبعاد ، وأوقفني على الكتاب المذكور ، فأحببتُ أن أُلحق ههنا ما رأيته فيه بلفظه المسطور : قال الغزالي - رحمه الله تعالی - فیما ترجم له بقوله : القول في علامة محبّة العبد لله تعالى ما صُوْرَتُهُ : ولخصوص المُحِبِّيْن مخاوف في مقام المحبَّة ليست لغيرهم ، وبعض مخاوفهم أشدُّ من بعض ، فأوَّلُها خوف الإعراض ، وأشدُّ منه خوف الحجاب ، وأشدُّ منه خوف الإبعاد ، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شَيِّب سَيِّد المُحِبِين؛ إذ سمع قوله تعالى ﴿أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ ١٨ [مود]، ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٢)﴾ [هود). وإنما تعظُم هيبة البعد وخوفهُ في قلب من أَلِفَ القرب وذاقه وتنعَّم به ، فحديث البعد في حق المبعدين شيَّب سماعُه أهل القرب و[ هم ] في القرب . انتهى بحروفه . وهو داخل فيما قََّرناه ثانياً ، والحصر فيه غير مضرّ، لكن لا دليل على الحصر فيه ، اللهم إلا أن يكون بإطلاع من الله لحُجَّة الإسلام عليه وتنبيه ، وحسب الحُجَّة هذه الحُجَّة(١) ! والله أعلم . انتهى كلام الزمزمي رحمه الله تعالى . ( وَ) أخرج الترمذي في (( الشمائل)) قال : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال: حدثنا أبي ؛ عن شريك ؛ عن عثمان بن موهب قال : ( سُئِلَ أَبُوْ هُرَيْرَةَ) عبد الرحمن بن صخر الأزدي الدوسي (رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ: هَلْ خَضَبَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ؟) - أي: هل لوَّن شعره بحثَّاء أو نحوه - ( قَالَ: (١) الأولى: حُجة الإسلام، والثانية: حُجة البينة والبرهان. ٣٢٩ نَعَمْ . وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: رَأَيْتُ شَعَرَ رَسُولِ اُللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ مَخْضُوباً . وَفِي ((الصَّحِيحَیْنِ )) مِنْ طُرُقٍ نعَمْ) - أي: قال أبو هريرة: نعم - يعني -: خضب رسول الله وَّ ر - لأن ((نعم)) لتقرير ما قبلها من نفي أو إثبات ، وما هنا من الثاني . ويوافق هذا الحديث ما في ((الصحيحين)) عن ابن عمر أنه رأى النبي وَلير: يصبغ بالصفرة . وهو عند ابن سعد وغيره أيضاً ؛ عن ابن عمر بلفظ : رأيت النبي ◌َّ يصبغ بالصفرة، فأنا أحب أن أصبغ بها ، وغيرها من الأحاديث الدالّة على الخضاب ، وقد تقدَّمت الإشارة إلى الجمع بينها وبين الأخبار الواردة؛ بأنه وَ ل ﴾ لم يُغَيِّر شيبه: بأنه وَّهِ خضب في وقتٍ وترك الخضاب في معظم الأوقات، فأخبر كُلٌّ بما رأى ، وسيأتي كلام النووي في ذلك . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ) أبي محمد (عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيْلٍ) كـ (( دليل)) بمهملتين بينهما مثناة - ابن أبي طالب الهاشمي المدني، وأُّ عبد اللهِ زينب بنت علي، وعبد الله هذا قال فيه أبو حاتم وعِدَّة: لَيِّن الحديث ، وقال ابن خزيمة : لا أحتَجُّ به ، لكن كان أحمد وابن راهويه يحتَجَّان به، روى عن ابن عُمَر وجابر وعِدَّة ، وعنه معمر وغيره ، مات سنة : - ١٤٥ - خمس وأربعين ومائة من الهجرة ، خَرَّج له البخاري في (( التاريخ )) ، وأبو داود وابن ماجه ( قَالَ : رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَخْضُوْباً ) یمکن کون الخضب من أنس ، فلا ينافي رواية أنس الأخرى أنه لم يبلغ شعره الخضاب !! على أن رواية أنس هذه قد حکم جمعٌ بشذوذها . ( وَ) بيَّنوه، فلا يقاوم ما (فِي ((أُلصَّحِيْحَيْنِ)) ) عنه (مِنْ طُرُقٍ ) صحيحة ٣٣٠ كَثِيرَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْضِبْ ، وَلَمْ يَبْلُغْ شَيْئُهُ أَوَانَ الْخِضَابِ ، وَإِنَّمَا خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ شَعَرِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ . وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ )) أَيْضاً وَ(( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) : عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا : ( كَثِيْرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَمْ يَخْضِبْ، وَلَمْ يَبْلُغْ شَيْئُهُ أَوَانَ الخِضَابِ ) . ( وَ) قد جاء أنه ( إِنَّمَا خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ بَعْدَ وَفَاتِ وَّ؛ لِيَكُوْنَ أَبْقَى لَهُ ) كما رواه مالك والدار قطني عن أبي هريرة، وعلى تقدير صِحَّةٍ رواية أنس هذه ؛ فقد جمع بأن الشعر لما تغيَّر بكثرة الطيب سَمَّاه مخضوباً ، وبأنه أراد بالنفي أكثر أحواله ، وبالإثبات - إن صح عنه - أقلَّها . ( وَفِي ((الصَّحِيْحَيْنِ)) أَيْضاً ) ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه رأى النبيِ وَل﴿ يصبغ بالصُّفْرَة. (وَ) في (( سُنَنِ) الإمام الحافظ (أَبِيْ دَاوُدَ))) سليمانَ بنِ الأشعث السجستاني ، روى عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ، وأبي بكر وعثمان (( ابني أبي شيبة))، وأحمد بن صالح ، وأحمد ابن حنبل ، ويحيى بن معين ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، وقتيبة بن سعيد ؛ وخلائق . وروى عنه الترمذي ، والنسائي ، وأبو عوانة : يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني ، وابن الأعرابي ، وابن داسة التَمَّار واللؤلؤي؛ وهما اللذان يرويان عنه كتاب ((السنن)). واتفق العلماء على الثناء على أبي داود ووصفه بالحفظ التام ، والعلم الوافر ، والإتقان والورع والدين ، والفهم الثاقب في الحديث وغيره ، وكانت ولادته سنة : - ٢٠٢ - مائتين واثنتين ، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة : - ٢٧٥ - خمس وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى . (عَنْ) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بنِ الخطّاب (رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا)؛ القرشي العدوي المدني ، الصحابي الزاهد ، أُّه وأمُّ أخته حفصةَ : زينبُ بنت مظعون بن حبيب الجمحي . ٣٣١ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ. وَعَنْ قَتَادَةَ أسلم مع أبيه قبل بلوغه ، وهاجر قبل أبيه ، وأجمعوا على أنه لم يشهد بدراً لصغره ، وقيل : شهد أُحُداً ؛ وقيل : لم يشهدها ، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله وَ لخير، وشهد غزوة مؤتة ، واليرموك، وفتح مصر وإفريقية، وكان شديد الاتِّباع لآثار رسول الله وَالتِ . روي له عن النبي وَّرِ: ألفُ حديث وستمائة حديث. وثلاثون حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم منها على : مائة وسبعين ، وانفرد البخاري بأحد وثمانين ، وانفرد مسلم بأحد وثلاثين ، روى عنه أولاده الأربعة : سالم وحمزة وعبد الرحمن وبلال ؛ وخلائق لا يحصون من كبار التابعين وغيرهم . ومناقبه كثيرة مشهورة ، بل قَلَّ نظيره في المتابعة لرسول الله وَ لّ في كل شيء من الأقوال والأفعال ، وفي الزهادة في الدنيا ومقاصدها والتَطَّلُّع إلى الرئاسة وغيرها ، وكان ابن عمر كثير الصدقة ، فربما تَصَدَّق في المجلس الواحد بثلاثين ألفاً . وكان ابن عمر يسرد الصوم ، وهو أحد الصحابة الساردين للصوم ، منهم : عمر ، وابنه ، وأبو طلحة ، وحمزة بن عمرو ، وعائشة . وهو أحد السبعة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن النبي وَلقر، وأحد العبادلة الأربعة ، وأعتق ألف رقبة ، وحجَّ ستين حجَّةً ، واعتمر ألف عمرة ، وحمل على ألف فرس في سبيل الله ، وأفتى في الإسلام ستين سنة ، وتوفي بمكّة سنة : ثلاث وسبعين ؛ وعمره ستٍّ وثمانون سنة، ودفن بـ (( ذي طوى)) مقبرة المهاجرين ، ومناقبه وأحواله كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه . ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وََّ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَهُ بِأَلوَرْسِ ) - وهو: نبْت أصفر يزرع باليمن ويصبغ به - ( وَالزَّغْفَرَانِ ) معروف . ( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل)) قال: حدثنا محمد بن بشَّار، قال: حدثنا أبو داود، قال : حدَّثنا همام؛ (عَنْ ) أبي الخطّاب (قَتَادَةً ) - كسعادة - ابن ٣٣٢ قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ : لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ، إِنَّمَا كَانَ شَيْئاً فِي صُدْغَيْهِ ، دعامة - بكسر الدال المهملة - ابن قتادة ابن عزيز - بفتح العين وبالزاي المكررة - ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سدوس السدوسي البصري التابعي . ولد أعمى ، وسمع أنس بن مالك وابن المسيّب وغيرهم من التابعين . روى عنه جماعة من التابعين ؛ منهم : سليمان التيمي ، وحميد الطويل ، والأعمش ، وأيوب ، وخلائق من تابعي التابعين ؛ منهم : مَطر الورَّاق وجرير بن حازم وشعبة والأوزاعي وغيرهم ، وأجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه وإتقانه وفضله ، وكان أحفظ أهل البصرة ؛ لا يسمع شيئاً إلا حفظه . توفي سنة : - ١١٧ - سبع عشرة ومائة ، وقيل : ثمان عشرة ومائة ؛ وهو ابن ست وخمسين ، وقيل : خمس وخمسين رحمه الله تعالى . ( قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: هَلْ خَضَبَ رَسُوْلُ اللهِ وَ لِّ؟ ) - أي: هل غيَّر بياضَ رأسِه ولحيتِه ولوَّنه بالحِنَّاء ونحوه ؛ لأن الخَضْب كالخضاب بمعنى: تلوين الشعر بحمرة - ( قَالَ: لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ). أي: قال أنس: لم يبلغ النبيُّ نَّهِ حدَّ الخضاب الذي في ضمن ((هل خضب))، فالضمير في ((يبلغ)) راجع للنبي ◌َّ - كما قاله بعض الشُّرَّاح - وهو الظاهر ، وجعله بعضهم راجعاً للشعر المفهوم من السياق . وأتى باسم الإشارة [ ذلك ] الذي للبعيد !! ليشير إلى بُعد وقت الخضاب . ( إِنَّمَا كَانَ) - أي: شيبُه المفهوم من السياق - ( شَيْئاً) أي: قليلاً ، أي : بياضاً يسيراً ، وفي بعض النسخ ((شيباً)) بدل ((شيئاً)) ( فِي صُدْغَيْهِ ) - بضم الصاد وإسكان الدال المهملتين ، وقد يقال بالسين ؛ تثنية : صُذْغ ؛ بالضم - وهو ما بين لحاظ العين إلى أصل الأذن، ويسمى الشعر الذي تدلَّى على هذا الموضع ((صُدغاً)) أيضاً ، ذكره في ((المصباح)). ٣٣٣ وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ خَضَبَ بِالْحِنَاءِ وَالْكَتَمِ وَ( الْكَتَمُ ) : قال القُسطُلاَّني : وهو المراد هنا ، وما ذكر في هذه الرواية (( من أنَّ البياض لم يكن إلا في صُدغيه))؛ مغاير لما في البخاري مِنْ ((أَنَّ البياض كان في عنفقته ؛ وهي ما بين الذَّقَن والشَّفَة)) !! ولعل الحصر في هذه الرواية إضافي ، فلا ينافي ما في البخاري . وأما قول الحافظ ابن حجر : ووجه الجمع : ما في مسلم ؛ عن أنس : كان في لحيته شعرات بيض ، لم يُر مِنَ الشيب إلا قليل، ولو شئتُ أن أعدَّ شمطاتٍ كُنَّ في رأسه لفعلت ، ولم يَخضب ؛ إنما كان البياض في عنفقته وفي الصُّدْغين وفي الرأس ؛ نبذٌ متفرقة . انتهى . فلم يظهر منه وجه الجمع كما قاله القُسْطُلاَّني في ((شرح الشمائل)). وقوله : ((لم يخضب)) قاله بحَسَب علمه، لما مرَّ عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم ، ( وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ ) الصدِّيقُ (رَضِيَ اللهُ تَعَالىُ عَنْهُ خَضَبَ ) وجه الاستدراك: مناسبته له وَل﴿ وقربه منه سِنّاً (بِالحِنَّاءِ) - بكسر المهملة وتشديد النون والمدِّ كـ ((قِثَّاء)» معروف - (والكَتَم ) بفتحتين ، والتاء المثناة مخففة -: نبت فيه حمرة ، يخلط بالوسمة ويختضب به لأجل السواد ، والوسمة كما في (( المصباح)) -: نبت يُختضب بورقه . ويشبه ؛ كما في (( النهاية )) أن يكون معنى الحديث : أنه خضب بكل منهما منفرداً عن الآخر ، لأن الخضاب بهما معاً يجعل الشعر أسود ، وقد صحَّ النهي عن السواد ، فالمراد أنه خضب بالحِنّاءِ تارة ، وبالكَتَمِ تارة أخرى . لكن قال القسطلاني : الكتم الصرف يوجب سواداً مائلاً إلى الحمرة ، والحِنَّاء الصرف يوجب الحمرة ، فاستعمالهما معاً يوجب بين السواد والحمرة . انتهى . وعليه فلا مانع من الخضاب بهما معاً ، قال المصنف : ( وَالْكَتَمُ) - بفتح الكاف وفتح المثناة فوق مخففة ، وأبو عبيدةَ معمرُ بن المثنى يشدِّد التاء ، ٣٣٤ نَبَّتْ فِيهِ حُمْرَةٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ صَبَغَهُ فِي وَقْتٍ ، وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَمٍ .. والمشهور التخفيف -: ( نَبْتُ فِيْهِ حُمْرَةٌ ) يخلط مع الوسمة للخضاب ، وفي بعض كتب اللغة : هو ورق يشبه ورق الآس ، يُصبغ به ، وفي كتب الطب : الكتم من نبات الجبال ؛ ورقه كورق الآس ؛ يخضب به مدقوقاً ، وله ثمر كقَدْر الفلفل ، ويسودُ إذا نضج ، ويُعتصر منه دهن يُستصبح به في البوادي ، وقيل غير ذلك . وقد اختلف العلماء ؛ هل خضب عليه الصلاة والسلام أم لا ؟ ومثار الخلاف اختلاف الرواية في ذلك، فأثبته ابن عمر وأبو هريرة وأبو رمثة ؛ قال: (( أتيت النبيَّ ◌َّهِ وعليه بردان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيئُهُ أحمرُ مخضوب بالحِنَّاء)). رواه الحاكم وأصحاب ((السنن))، وأنكره أنس كما تقدَّم عنه . وقال القاضي عياض : منعه الأكثرون لحديث أنس ، وهو مذهب مالك ؛ فوافق أنساً على الإنكار ، وتأوَّل حديث ابن عمر بحمله على الثياب ؛ لا الشعر ، وأحاديث غيره إن صحَّت على أنَّ تلوُّنه من الطيب ؛ لا من الصبغ ، لما في البخاري وغيره. قال ربيعة: فرأيت شعراً من شعره وَلّ؛ فإذا هو أحمر ، فسألت فقيل : أحمَرَّ من الطيب . قال الحافظ ابن حجر : لم أعرف المسؤول المجيب بذلك !! إلا أنَّ الحاكم روى أنَّ عمر بن عبد العزيز قال لأنس: هل خضب النبي ◌َّرِ فإني رأيت شعراً من شعره قد لُوّن ؟ فقال : إنما هذا الذي لوّن من الطيب الذي كان يُطيِّب به شعره فهو الذي غيّر لونه ، فيحتمل أن يكون ربيعة سأل أنساً عن ذلك فأجابه ، ووقع في ((رجال مالك)) للدارقطني و ((الغرائب)) له عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لما مات رسول الله وَل﴿ خضب مَنْ كان عنده شيءٌ من شعره ليكون أبقى له - كما مر - فإن ثبت هذا ! استقام إنكار أنس ، ويقبل ما أثبته سواه من التأويل . انتهى . ( وَقَالَ ) الإمام محيي الدين ( التَّوَوِيُّ) رحمه الله تعالى: (الْمُخْتَارُ أَنَّهُ صَبَغَهُ ) - أي : الشعر - حقيقة، لأن التأويل خلاف الأصل ( فِي وَقْتٍ وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَمٍ ٣٣٥ الأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلِّ بِمَا رَأَىُ ، وَهُوَ صَادِقٌ . الأَوْقَاتِ ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَى ؛ وَهُوَ صَادِقٌ. ) قال: وهذا التأويل كالمتعيِّن ؛ لحديث ابن عمر في ((الصحيحين)) - أي المتقدم قريباً -: أنه رأى النبي ◌َّر يصبغ بالصفرة ، قال : ولا يمكن تركه لصحته ، ولا تأويلَ له . انتهى كلام النووي . قال الزرقاني : وفيه نظر ؛ إذ هو في نفسه محتمل للثياب والشعر ، ثم قد ورد ما يُعَيِّنُ الأول؛ وهو ما في ((سنن أبي داود))؛ عن ابن عمر نفسه: كان يصبغ وَل بالورس والزعفران حتى عمامته ، ولذا رجَّحه عياض . انتهى كلام الزرقاني . قال المناوي في (( شرح الشمائل)) بعد ذكر كلام النووي : وللمخالف أن يقول : تَرْكُه في معظم الأوقات وفِعْلُه على الندور ؛ فيه شعور بأنه إنما فَعَله أحياناً بياناً للجواز ؛ فقصاراه الإباحة ، فدلالته على السُّنِيّة من أين !؟ انتهى . أما الإمام العلاَّمة الحافظ عبد الرحمن بن علي الدَّئِيَع اليمني الزبيدي رحمه الله تعالى ، فقد وافق القاضي عياضاً على الإنكار ، ولمّا بلغه عن بعض فضلاء عصره أن النبي ◌ّل﴿ كان يخضب لحيته أنكر ذلك عليه ، وكتب هذه الأبيات : مَنِ اذَّعَىْ أَنَّهُ لِلشَّيْبِ قَدْ خَضَبَا وَاَللهِ مَا وَقَّرَ الْمُخْتَارَ مِنْ مُضَرٍ وَهْوَ الْخَبِيْرُ بِهِ مِنْ دُوْنِ مَنْ صَحِبًا لَيْلاً وَصُبْحاً مُقِيْماً عِنْدَه حُقُبا مِنْ كَثْرَةِ الطَّيْبِ تِلْكَ الْحُمْرَةَ اكْتَسَبَا بَلْ كَانَ يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ لَوْ حُسِبًا يَرَى لَهُ أثراً مَنْ رَامَ أَوْ طَلَبًا ـضُوْباً مِنَ الشَّعْرِ)) أَيْ مِنْ طِنِهِ انْخَضَبا شَّبِيُّ هَذَا مَقَالِي الحَقُّ قَدْ وَجَبًا مَا قَالَ فِي ثَوْبِهِ أَوْ نَعْلِهِ أَدَبَا مَا قِيْلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَبَا لَمْ يَبْلُغِ الْخَضْبَ فِيمَا قَالَهُ أَنَسٌ إِذْ كَانَ خَادِمَهُ دَهْراً يُلاَزِمُهُ قَالُوْا لَهُ : احْمَرَّ مِنْهُ الشَّعْرُ؟ قَالَ : نَعَمْ مَا شَابَ شَيْئاً إِلَى فِعْلِ الخِضَابِ دَعَا إِذَا تَدَمَّنَ وَارَىْ الدُّهْنُ ذَاكَ فَلَمْ وَمَنْ يَقُلْ ((قَدْ أَرَثْنِيْ أُمَّ سَلْمَةَ مَخْـ إِذْ لَمْ يَقُلْ إِنَّهَا قَالَتْ لَهُ خَضَبَ الـ وَمَنْ رَوَىْ صَبْغَهُ بِالصُّفْرَةِ اعْتَبَرُوا لاَ فِي الشُّعُورِ وَقِسْ مَا قِيْلَ فِيْهِ عَلَى ٣٣٦ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِتَغْيِيرِ الشَّعْرِ مُخَالَفَةً لِلْأَعَاجِمِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَوَّرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ فِي كُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَطَّلَىُ ( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير))؛ عن عتبة بن عبد قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَهِ يَأْمُرُ بِتَغْيِيْرِ الشَّعْرِ ) ؛ أي : بتغيير لونه الأبيض بالخضاب بغير سواد ؛ كحِنَاء ، أما تغييره بالسواد ! فحرامٌ لغير الجهاد ، ثم علَّل الأمر بتغيير الشعر بقوله : ( مُخَالَفَةً لِلأَعَاجِمِ ) ، فإنَّهم لا يصبُغون شعورهم ، وهذا علَّةٌ للتغيير ، والأعاجم ؛ جمع : أعجم ، أَو أعجمي : وهم خلاف العرب . ( وَ) أخرج ابن عساكر في ((تاريخه)) - وهو حديث ضعيف - ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ قال ( كَانَ) رسول الله (فِ يَتَنَوَّرُ) - أي: يستعمل النُّورة لإزالة الشعر - ( فِيْ كُلِّ شَهْرٍ ) مَرَّةً . قال السيوطيُّ : والتَّنَؤُّر مباح ؛ لا مندوب ، لعدم ثبوت الأمر به ، وفعلُه ؛ وإن حُمل على الندب لكن هذا من العاديات ! فهو لبيان الجواز ، ويحتمل ندبُه لما فيه من الامتثال ، والكلام إذا لم يقصد الاتباع ، وإلاَّ! كان سُنّةً. انتهى ((نقله العزيزي عن المناوي )). ( وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ) - يعني : يزيلُها بقَلْم؛ أو غيره فيما يظهر - ( فِي كُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً ) مرَّة . قال الغزالي : قيل : إنَّ النورة في كلِّ شهر مرَّةً تطفىء الحرارة ، وتنقي اللون ، وتزيد في الجماع ، وورد أنَّه كان يُقلِّمها يوم الجمعة ، وفي رواية : كلَّ يوم جمعة ، ولعلَّه كان يفعل ذلك تارة كلَّ أسبوع ، وتارة كل أسبوعين !! بحسب الحاجة. انتهى ((مناوي)). ( وَ) أخرج ابن سعد ؛ عن إبراهيم ، وعن حبيب بن أبي ثابت مرسلاً ؛ وسنده صحيح: ( كَانَ) رسول الله (وَِّ إِذَاَ اطَّلَى) أصله: اتطلى - قلبت التاء طاء وأدغمت - يقال : طليتُه بالثُّورة أو غيرها: لطَّخْتُه ، واطَّليتُ - بترك المفعول - إذا ٣٣٧ بِالنُّورَةِ . . وَلِيَ عَانَتَهُ وَفَرْجَهُ بِيَدِهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَطَّلَى .. بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاَهَا بِالنُّورَةِ ، وَسَائِرَ جَسَدِهِأَهْلُهُ . فعل ذلك بنفسه ( بِالنُّوْرَةِ ) المعروفة ؛ وهي : زرنيخ وجِصٌّ ( وَلِيَ عَانَتَهُ) وهي : اسم للشعر النابت فوق ذَكَر الرجل وفرج المرأة ؛ وهو قول ابن الأعرابي وابن السّكِّيت ، وقال الأزهري وجماعةٌ : هي منبت الشعر على الفرجين ؛ لا الشعر نفسه! واسمه الإسب - بكسر الهمزة وسكون المهملة -. انتهى زرقاني على ((المواهب)). ( وَفَرْجَهُ بِيَدِهِ) الشريفة ، ولا يمكِّن أحداً من أهله من مباشرتها لشدَّة حيائه ، وفي رواية بدل ((عانته)): ((مَغَابِنَهُ)) - بغين معجمة - جمع مغبن ؛ من : غبن الثوب إذا أَثْنَاه ، وهي : بواطنُ الأفخاذ وطيَّات الجلد . قال ابن حجر : وهذا الحديث يقابلُه حديثُ أنسٍ رضي الله تعالى عنه: كان لا يتنوَّر ، وكان إذا كَثُر شعره حَلَقه . وسنده ضعيف جداً . انتهى . قال المناوي : وهذا الحديث - أي : المرويُّ في المتن - رواه ابن ماجه والبيهقي - إلَّ ((فرجه)) - عن أمِّ سلمة. قال في ((الفتح)): ورجاله ثقات ، لكن أُعِلَّ بالإرسال، وأنكر أحمد صحَّته، وروى الخرائطيُّ؛ عن أمِّ سلمة : أن النبي ◌َّ﴿ كان يُنَوِّرُهُ الرجل فإذا بلغ مراقه تولَّى هو ذلك . انتهى. ( وَ) أخرج ابن ماجه ؛ عن أم سلمة بإسناد جيد ، ورواه عنها البيهقي أيضاً - قال في ((المواهب)): ورجاله ثقات، لكن أُعِلَّ بالإرسال قالت: ( كَانَ) رسول الله (وَلَيهِ إِذَا اطَّلَى) بالنورة (بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ) - أي: ما بين سُرَّتِهِ وركبته - ( فَطَلاَهَا بِالنُّورَةِ ) المعروفة بيد نفسه ، ( وَ) طلى ( سَائِرَ) - أي: باقي - ( جَسَدِهِ) من كل ما فيه شعر يحتاج لإزالته ( أَهْلُهُ) بالرفع فاعل ((طلى)) ، أي : بعض أهله ؛ أي زوجاته . وإنما لم يمكِّن بعض الزوجات من طلاء عورته ؛ مع أنه يجوز للزوجة نظر عورة زوجها بإذنه لشدَّة حيائه ◌َلچر . ٣٣٨ فاستعمال النورة مباح ؛ لا مكروه ، وتوقف السيوطي في كونها سنة ، قال : لاحتياجه إلى ثبوت الأمر بها ؛ كحلق العانة ونتف الإبط . وفعله وإن كان دليلاً على السنة ؛ فقد يقال : هذا من الأمور العادية التي لا يدلُّ فعلُه لها على سنة . وقد يقال : فعله لبيان الجواز كَكُلِّ مباح . وقد يقال : إنها سنة، ومحلُّه كلُّه ما لم يقصد اتِّباع النبي ◌ََّ في فعله، وإلا ! فهو مأجورٌ ، آتٍ بالسنة . انتهى . قال: وأما خبر (( كان لا يَتَنَوَّر)) !! فضعيف لا يقاوم هذا الحديث القوي إسناداً ، على أنَّ هذا الحديث مُثبِتٌ وذاك نافٍ ، والقاعدة عند التعارض تقديم المثبت . قال ابن القيِّم: لم يدخل نبينا وَِّ حماماً قطُّ . ويردُّه ما رواه الخرائطيُّ؛ عن أحمد بن إسحاق الورّاق عن سليمان بن ناشرة ؛ عن محمد بن زياد الألهاني قال : كان ثوبان مولى المصطفى ﴿ جاراً لي ، وكان يدخل الحمام ، فقلت : فأنت صاحب رسول الله وَّ﴿ تدخل الحمام !!. فقال: كان رسول الله وَ ﴿ يدخل الحمام، و کان یتنوَّر . وأخرجه أيضاً يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))؛ عن سليمان بن سلمة الحمصي ؛ عن بقية ؛ عن سليمان بن ناشرة به . وأخرجه ابن عساكر في (( تاريخه)) من طريقه. قال ابن القيم : وقد ورد في النُّورة عِدَّةُ أحاديث هذا أمثلها ، يعني حديث أمّ سَلَمَةَ الذي في المتن ، قال : وأما خبر (( كان لا يتنوَّر ، وكان إذا كثر شعره حلقه)) !! فجزم بضعفه غير واحد. انتهى من ((المناوي الكبير)). وما قرَّره من دخوله وّر الحمام مخالف لما صرَّح به ابن حجر وغيره أن العرب لم تعرف الحمام ببلادها إلاَّ بعد موته وَ لخير . فليحرر . ٣٣٩ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلاَةِ . ( وَ) أخرج البيهقي في (( شعب الإيمان))؛ من حديث إبراهيم بن قدامة الجمحي عن الأغرِّ ، وكذا البزَّار عنه ؛ كلاهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ( كَانَ ) رسول الله (بَّهِ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ ) . قال الحفني : أي اتفق أنه وقع ذلك يوم الجمعة ، لا أنه يطلب تأخيره إلى يوم الجمعة أو الخميس ، بل المدار على الحاجة إلى ذلك ، ولم يثبت في تخصيص يوم بالقص شيء . انتهى . قال الحافظ ابن حجر : المعتمد أنه يُسَنُّ كيفما احتاج إليه ، ولم يثبت في استحباب قصِّ الظفر يوم الخميس حديث ، ولا في كيفيته ، ولا في تعیین یوم له ، وما عُزي لعلي من النظم باطل . انتهى : وهذا النظم المعزوُ لعليٍّ: إِبْدَأْ بِيُمْنَاكَ وَبِالْخِنْصَرِ فِيْ قَصِّ أَظْفَارِكَ وَاسْتَبْصِرٍ وكذا ما عُزي لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر من النظم باطل أيضاً ؛ كما قاله الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى ، وهو قوله : فِيْ قَصِّ ظُفْرِكَ يَوْمَ السَّبْتِ آكِلَةٌ قال الحفني في حاشية ((الجامع الصغير)): لكن صحَّ عندنا - كما في الفقه - أنه يطلب البدء بسبابة اليمين. انتهى. قال في ((المواهب)): والمراد مما يأخذه من الأظفار : إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر ، وإنما استُحبَّ !! لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر ، وقد ينتهي إلى حدٍّ يمنع من وصول الماء فيما يجب غسله في الطهارة ، ولا يصح الوضوء حينئذ . انتهى ملخصاً مع الشرح . ( قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلاَةِ ) قال المناوي : يعارضه خبر البيهقي ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: (( المؤمن يوم الجمعة كهيئة المُخرِمِ ؛ لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى تنقضي الصلاة )) . وخبره ؛ عن ابن عمر : ٣٤٠