النص المفهرس

صفحات 281-300

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ
حديث منها ، وانفرد البخاريُّ بحديثين ، وانفرد مسلم بأحد عشر حديثاً .
وروى عنه ابناه عبد الله وسليمان ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ :
جَاءَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ) الصحابي الكبيرُ ، أحد الذين اشتاقت لهم الجنة - نسبة
الفارس - إما لكونه منها ، أو من (( أصفهان)) ؛ والعرب يسمُّون ما تحت ملوك
العجم كلَّه ((فارس))، و(( أصبهان)) كان منها . ولم يُعلم اسم أبي سلمان ، وسئل
عن نَسَبه فقال : أنا سلمان ابن الإسلام :
أَبِي الإِسْلاَمُ لاَ أَبَ لِي سِوَاهُ إِذَا أَنْتُسَبُوا لِفَيْسٍ أَوْ تَمِيْمٍ
ويقال : سلمان الحَبر - بالمهملة فالموحدة ، وقيل : بالمعجمة والتحتية
[الخير] - وهو صحابيٌّ كبير ؛
قيل : عاش مائتين وخمسين سنة ، وقيل : ثلثمائة وخمسين سنة ، والأوَّل
أصحُ ، ومات سنة : ستٍّ وثلاثين . رُوي له سِتُّون حديثاً . وكان قوي الجسم ،
صحيح الرأي ، عالماً بالشرائع وغيرها ، وأدرك حواري عيسى ، وقرأ الكتابين ،
وأصلُه مجوسيٌّ . وهو الذي دَلَّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب حتى
اختلف عليه المهاجرون والأنصار ؛ كلاهما يقول : سلمان منا ، فقال رسول
اللهِ وَّهُ: (سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ أَلْبَيْتِ ».
وكان عطاؤه خمسة آلاف ؛ يفرِّقُه ويأكل مِن كسب يده يعمل الخُوص ، وله
مزيدُ اجتهاد في الزهد ، فإنه مع طول عمره المستلزم لزيادة الحرص لم يزدد إلاَّ
زهداً .
وسئل علي كرَّم الله وجهه عنه ؛ فقال : عَلِم العلم الأوَّل والعلم الآخِر ، وهو
بحر لا يَنزِف ، وهو منّاً أهل البيت .
قيل : هرب من أخيه ؛ وكان مجوسياً فلحق براهب ، ثم بجماعة من الرهبان
٢٨١

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ
الْمَدِينَةَ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ ،
في القدس الشريف ؛ وكان في صحبتهم إلى وفاة آخرهم ، فدلَّه الحبر إلى الحجاز ،
وأخبره بظهور النبي وَّ . فقصد الحجاز مع جمع من الأعراب ، فباعوه في وادي
القُرى من يهودي ، ثم اشتراه منه يهوديٌّ آخر من قريظة ؛ فقدم به المدينة ، فأقام بها
حتى قَدِمها رسول الله وَّر، وكان الراهب قد وصف له بالعلامات الدالّة على النبوة ،
فجاء ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى رَسُوْلِ اَللهِ وَّر)؛ أي: في السَّنَّةَ الأولى من الهجرة
( حِيْنَ ) - ظرف لـ((جاء)) - ( قَدِمَ) - بكسر الدال ـ أي: فجاء حين أوقات قدوم
رسول الله وَ﴿ ﴿المَدِيْنَةَ) المنوَّرَةَ (بِمَائِدَةٍ) - الباء للتعدية؛ أو للمصاحبة - أي:
ومعه مائدة . والمشهور عند أرباب اللغة : أنَّ المائدة خُوَان عليه طعام ، فإذا لم
يكن عليه طعام فلا يسمى ((مائدة))، بل يُقال له ((خوان)).
فالمائدة من الأشياء التي تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها ،
كالبستان؛ فإِنه لا يقال له ((حديقة)) إلاَّ إذا كان عليه حائط .
وكالقَدَح ؛ فإنَّه لا يقال له (( كأس )) إِلاَّ إذا كان فيه شراب .
وكالدلو ؛ فإنه لا يقال له ((سَجْل)) إِلاَّ إذا كان فيه ماء .
وكالمجلس ؛ فإنه لا يقال له (( نادٍ )) إلاَّ وفيه أهله .
وكالمرأة ؛ فإنَّه لا يقال لها ((ظعينة)) إلاَّ ما دامت راكبةَ الهودج .
وكالقِدْح؛ فإنه لا يقال له (( سَهْم)) إلاَّ إذا كان فيه نصل وريش .
وكالشجاع ؛ فإِنَّه لا يقال له ((كَمِيٌّ)) إلاَّ إذا كان شاكي السلاح .
وكالخيط ؛ فإنه لا يقال له (( سِمْط)) إِلاَّ إذا كان فيه نظم. وهكذا ...
وحينئذ فقوله ( عَلَيْهَا رُطَبٌ) لتعيين ما عليها من الطعام ؛ بناءً على القول بأن
الرُّطَب طعام . وعلى القول بأنه من الفواكه ؛ وليس بطعام !! تكون المائدة هنا
٢٨٢

فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَ :
((يَا سَلْمَانُ .. مَا هَذَا؟)).
مستعارة للظرف، وإنما سُمِّيت ((مائدة)) لأنها تَمِيْد بما عليها؛ أي : تتحرّك . وقيل :
لأنها تُمِيد مَن حولها مما عليها ، أي : تعطيهم . فهي على الأول من ماد ؛ إذا تحرك ،
وعلى الثاني من ماد ؛ إذا أعطى . وربما قيل فيها : مَيدة ؛ كقول الراجز :
وَمَيْدَةٍ كَثِيْرَةِ الأَلْوَانِ تُصْنَعُ لِلْجِيْرَانِ وَالإِخْوَنِ
(فَوُضِعَتْ) - بالبناء للمفعول - أي: المائدة ( بَيْنَ يَدَيْ رَسُوْلِ اللهِ وَلِ ) قال
العراقي في (( شرح تقريب المسانيد)): اعلم أنَّ ظاهر هذه الرواية أنَّ ما أحضره
سلمان كان رُطَبا فقط . وروى أحمد ، والطبراني بإسناد جيد ؛ من حديث سلمان
نفسه أنه قال: فاحتطبت حطباً فبعتُه ، فصنعت طعاماً ؛ فأتيت به النبي ◌َّر .
وروى الطبراني أيضا بإسناد جيّد : فاشتريتُ لحمَ جزور بدرهم ؛ ثم طبخته ،
فجعلتُ قصعة ثريد فاحتملتها على عاتقي ، ثم أتيت بها ووضعتها بين يديه . فلعل
المائدة كان فيها طعام ورُطَب !! .
وأما ما رواه الطبراني ؛ من حديث سلمان أيضا : أنَّها تمرٌ ، فضعيف .
ولا مانع من الجمع بين الثلاثة لو صحَّت الرواية ، فتكون المائدةُ مشتملةً على
الرطب ، وعلى الثريد ، وعلى اللحم .
وخَصَّ الرطب ؛ لكونه المعْظَمَ . والله أعلم .
( فَقَالَ: ((يَا سَلْمَانُ) - ناداه بقوله ((يَا سَلْمَانُ)) جبراً لخاطره. ولعله وَِّ عَلِم
اسمه بنور النبوة ، أو بإخبار مَن حضر ، أو أنَّه لَقِيَه قبل ذلك وعرف اسمه
- ( مَا هَذَا؟))) الذي وضعتَه بين يديَّ، يعني: أي نوع من الأنواع التي نَوَّع الشرع
الأشياء عليها وقسمها إليها : أهو صدقةٌ ، أم هدية ؟! فليس السؤال عن حقيقة
المائدة ومفهومها ؛ كما هو المتبادر من التعبير بـ(( ما ))، لأنها يُسأل بها عن
الحقيقة ، إذ ليس الغرض من بيان حقائق الأشياء في هذا المقام إِلاَّ ما يدور عليه
الاعتبار الشرعي ، والشيءُ بدونه كأنَّه لا حقيقة له .
٢٨٣

فَقَالَ: صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ. فَقَالَ: ((إِرْفَعْهَا؛ فَإِنََّ لاَ نَأْكُلُ
الصَّدَقَةَ)). قَالَ: فَرَفَعَهَا. فجَاءَ الْغَدَ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: (( مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟)).
فَقَالَ : هَدِيَّةٌ لَكَ .
( فَقَالَ: صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَىْ أَصْحَابِكَ ) عَبَّر هنا بـ( على))؛ وباللام فيما
يأتي !! لأنَّ المقصود من الصدقة معنى الترجُّم ، ومن الهدية معنى الإكرام ، وشرَّك
هنا بينه وَل﴿ وبين أصحابه، واقتصر فيما يأتي عليه وَّ !! إشارة إلى أن الأصحاب
يشاركونه في المقصود من الصدقة ، وأنَّه مختصٌّ بالمقصود من الهدية .
( فَقَالَ: ((ارْفَعْهَا) - أي: المائدة، أو الصدقة من بين يديَّ، أو : عني.
الرواية أحمد، والطبراني وغيرهما من طرق عديدة؛ أنَّه وَّه قال لأصحابه :
(( كُلُوا)) . وأمسكَ يدَه فلم يأكل . قال العراقي: فيه تحريمُ صدقة التطوُّع على
النبي ◌َّ وهو الصحيح المشهور - (فَإِنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ))). الظاهر اللائق بالمقام
أَنَّه أراد نفسه فقط، وأتى بالنون الدالّة على التعظيم اللائق بمقامه الشريف !! تحدثاً
بالنعمة . أي : أن الصدقةَ لا تليق بجنابه ◌َّ لما فيها من معنى التراحم .
( قَالَ ) ؛ أي : بريدة بن الحُصيب الراوي للحديث: ( فَرَفَعَهَا) - أي - سلمان
من عنده وَّ إلى أصحابه؛ لا مطلقا - كما تقدَّم - أو فرفعها بعد فراغهم من أكلها.
( فَجَاءَ) - أي - سلمان ( أُلغَدَ) - بنصب ((الغد )) - ( بِمِثْلِهِ ) ؛ أي : فجاء سلمانُ
في الغد بمثل ما جاء به أولاً . أو المراد ((من الغد )) وقتٌ آخر ؛ وإن لم يكن هو
اليوم الذي بعد اليوم الأول .
( فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ ((مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟)) ) أي: أهو
صدقةٌ أم هدية !؟ كما تقدَّم ، وخاطبه باسمه ثانيا تلطُّفاً على مقتضى رسمه .
( فَقَالَ: هَدِيَّةٌ لَكَ). تقدَّم حكمةُ تعبيره هنا باللام وحكمةُ الاقتصار
عليه اله .
٢٨٤

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: ((أُبْسُطُوا ))
( فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ لِأَصْحَابِهِ ) - أي: بطريق الانبساط؛ دفعا لوَهَمهم أنَّ هذه
مختصَّة له ؛ فليس لهم أن يأكلوا منها ، وإشارة إلى حُسن الأدب مع الخدم
والأصحاب؛ إظهاراً لما أُعْطِيَه من الخُلُق العظيم والكرم العميم - (: ((أُبْسُطُوْ)))
- بهمزة مضمومة فموحّدة فمهملة -: أمرٌ من البسط - بالموحدة والمهملتين - ؛ من
حدِّ ((نصر)). وفي رواية: ((إِنْشَطُوا)) - بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الشين
المعجمة -: أمر من النشاط. وفي أخرى: ((إِنْشَقُّوا)) بالقاف المشددة . ومعنى
هذه الرواية : انفَرِجوا لِيَتَّسِعَ المجلس . ومعنى الرواية التي قبلها : ميلوا للأكل
معي ، وكلُّ ما مال الشخص لفعله وآثره ؛ فقد نَشِط له . وأما الرواية الأولى فيحتمل
أن معناها: انشروا الطعام ليَصله كلّ منكم؛ فيكون مِن ((بَسَطه)) بمعنى (نَشَرَهُ))،
ويحتمل أن معناها : مُدُوا أيديكم للطعام . فيكون مِن بَسَط يده ؛ أي : مدَّها .
ويُحتمل أن معناها : سُرُّوا سلمان بأكل طعامه ، فيكون من بَسَط فلانٌ فلاناً : سَرَّه .
ويُحتمل أن معناها: وَسِّعوا المجلس ليدخل بينكم سلمان. فيكون مِن (( بَسَط الله
الرزق لفلان)): وسَّعه . وعلى كلٍّ مِن هذه الروايات والاحتمالات ؛ فقد أكل
النبي ◌ُّر مع أصحابه من هذه الهدية .
ويؤخذ مِن ذلك أنه يستحبُّ للمُهدَى له أن يُعطيَ الحاضرين مما أُهدي له ،
وهذا المعنى مؤيّد لحديث: (( مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ؛ فَجُلَسَاؤُهُ شُرَكَاؤُهُ فِيها ))؛ وإن
كان ضعيفاً. والمراد بالجلساء ؛ كما قال الترمذي في ((نوادر الأصول)»: الذين
يداومون مجلسه ، لاَ كُلُّ مَنْ كان جالساً إذ ذاك .
وحكي أن بعض الأولياء أُهدي له هدية من الدراهم والدنانير ، فقال له بعض
جلسائه : يا مولانا ؛ الهدية مشتركةٌ . فقال : نحن لا نحبُّ الاشتراك . فتغيَّر ذلك
القائل لظنّه أنَّ الشيخ يريد أن يختصَّ بالهدية . فقال الشيخ : خذها لَكَ وحدك ،
فأخذها فعَجَز عن حملها ، فأمر الشيخ بعض تلامذته فأعانوه .
وحكي أنَّه أُهدي لأبي يوسف هدية من الدراهم والدنانير ؛ فقال له بعض
٢٨٥

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَآمَنَ بِهِ .
وَكَانَ لِلْيَهُودِ ، فَأَشْتَرَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا وَكَذَا
دِرْهَماً
جلسائه: يا مولانا؛ الهدية مشتركة. فقال: ((أل)) في ((الهدية)) للعهد ،
والمعهودُ هديّة الطعام . فانظر الفرق بين مسلك الأولياء ومسلكِ الفقهاء !!.
( ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ) - بالفتح ويُكسر - (عَلَى ظَهْرِ رَسُوْلِ اللهِّر ) أتى بـ « ثُم))
التراخي زمان النظر عن هذا المجلس ، لما في كتب السِّير: أنَّ سلمان لبث بعد ذلك
ينتظر رؤية الآية الثالثة التي أخبره عنها آخر مشايخه أنَّه سيظهر حبيب عن قريب ؛ ومن
علاماته القاطعة على أنَّه هو النبي الموعود الذي خُتم به النبوة: أنَّه لا يأكل الصدقة ؛
ويقبل الهدية ، وبين كتفيه خاتم النبوة . فلما شاهد سلمان العلامتين المتقدمتين انتظر
الآية الثالثة، إلى أن مات واحد من نقباء الأنصار؛ فشيّع رسول الله ◌ِوَِّ جنازَتَه ؛
وذهب معها إلى بقيع الغرقد ، وجلس مع أصحابه في ذلك المكان ينتظر دفنه ، فجاء
سلمان واستدارَ خلفه لينظر إلى خاتم النبوة، فلما رأى رسول الله وَل﴿ استدباره عَرَف أنَّه
يريد أن يستثبت شيئاً وُصِف له ، فألقى الرداء عن ظهره ؛ فنظر سلمان إلى الخاتم
( فَآَمَنَ بِهِ ) ؛ بلا تراخٍ ولا مُهلة ، لتمام العلامات وتكامل الآيات ، فالفاء متفرِّع على
مجموع ما سبق من الآيات الثلاث . أي : فلما تمَّت الآيات وكَمُلت العلامات آمن به .
( وَ) الحال أنَّه ( كَانَ) رقيقاً ( لِلْيَهُوْدِ ) ؛ أي: يهود بني قريظة، ولعلَّه كان
مشتركاً بين جمعٍ منهم ، أو كان لواحد منهم. ( فَأَشْتَرَاهُ رَسُوْلُ اللهِ وَلَ) - يعني :
كان سبباً في كتابة سيِّده اليهودي له لأمره بذلك ، أو لإِعانته على وفاء ما لو كُوتب
عليه ، فتجوَّز بـ((الشراء)) عن إعانته في الأداء - ( بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَماً) ، أي : بعدد
يشتمل على العطف ، ولم يبيِّنْه في هذا الحديث . وفي بعض الروايات أنَّه : أربعون
أُوقية . قيل : من فضة ، وقيل : من ذهب ، والأوقية : كانت إذ ذاك أربعين
درهماً ، وقد بقي عليه ذلك حتَّى أُتي رسول الله وَله بمثل بيضة الدجاجة من ذهب،
فقال: ((مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ المُكَاتَبُ)) فدُعي له. فقال: ((خُذْهَا فَأَدِّهَا مِمَّا
٢٨٦

عَلَىْ أَنْ يَغْرِسَ لَهُمْ نَخْلاً فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهِ حَتَّى يُطْعِمَ ، فَغَرَسَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخِيلَ
عَلَيْكَ)). قال سلمان: فأين تقع هذه مما عليَّ!؟ قال ◌ََّ: (( خُذْهَا؛ فَإِنَّ اللهَ
سَيُؤَدِّي عَنْكَ بِهَا )) . قال سلمان: فأخذتُها ؛ فوزنت لهم منها أربعينَ أوقية ؛
فأوفيتهم حقَّهم . فعَتَق سلمان رضي الله تعالى عنه . وقصَّته مشهورة .
( عَلَىْ أَنْ يَغْرِسَ ) - بفتح الياء وكسر الراء - ( لَهُمْ ) ؛ أي : لمن يملك سلمان
( نَخْلاً)، وفي رواية ((نَخِيْلاً)) وهو والنخل بمعنىّ واحدٍ ، والواحدة النخلة .
و ((عَلَى)) بمعنى ((مع))؛ أي: مع أن يغرس. ويؤيده: ما في رواية ((وعلى))
بالواو العاطفة ؛ أي : فكاتبوه على شيئين : الأواقي المذكورة ، وغَرْس النخل مع
العمل فيه حتَّى يطلع . ولم يبين في هذا الحديث عَدَد النخل !! وفي بعض الروايات
أنَّه كان ثلثمائة. فقال ◌ََّ: ((أَعِينُوا أَخَاكُمْ))، فأعانوه فبعضهم بثلاثين وَدِيَّةٌ(١)،
وبعضهم بخمس عشرة ، وبعضهم بما عنده حتى جمعوا ثلثمائة وَدِيَّة .
( فَيَعْمَلَ) - بالنصب معطوف على (( يغرس)) - ( سَلْمَانُ) - ليفيد أنَّ عمله من
جملة عِوَض الكتابة - ( فِيْهِ)، وفي بعض نسخ ((الشمائِل)»: فيها . وكلٌّ صحيح ،
لأنَّ النخل والنخيل يذكَّران ويؤنَّان ؛ كما في كتب اللغة .
(حَتَّى يُطْعِمَ ) - بالمثناة التحتية ، أو الفوقية - وعلى كلِّ فهو بالبناء للفاعل ؛ أو
المفعول ، ففيه أربعةُ أوجه ، لكن أنكر الحافظ ابن حجر بناءه للمجهول . وقال :
ليس في روايتنا وأصولِ مشايخنا !!. والمعنى على بنائه للفاعل ؛ حتَّى يُثمر ،
وعلى بنائه للمفعول حتَّى تؤكل ثَمَرته .
(فَغَرَسَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ النَّخِيْلَ) جميعها بيديه الكريمتين، لأنَّ وَّهِ خَرَج مع
سلمان؛ فصار سلمان يقرِّب له وَهِ الوَدِيّ ، فيضعه بين يديه .
قال سلمان : فوالذي نفسي بيده ؛ ما مات منها وَدِيَّةٌ ، فأَذَيت النخل ؛ وبقي
(١) فسيلة النخل .
٢٨٧

إِلَّ نَخْلَةً وَاحِدَةً غَرَسَهَا عُمَرُ ، فَحَمَّلَتِ النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا ، وَلَمْ تَحْمِلِ
النَّخْلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا شَأْنُ هَذِهِ
النَّخْلَةِ؟ ». فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنَا غَرَسْتُهَا، فَنَزَعَهَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَرَسَهَا، فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا .
عليَّ المال حتَّى أُتي رسول الله وَّ بمثل بيضة الدجاجة ... إلى آخر ما تقدَّم.
( إِلاَّ نَخْلَةٌ ) - بالنصب على الاستثناء - (وَاحِدَةً) للتأكيد ( غَرَسَهَا عُمَرُ) بنُ
الخطّاب ، وفي بعض الشروح أنَّ حكايةَ غرسٍ عمر رضي الله تعالى عنه نخلةً وعدمَ
حملها من عامها غيرُ منقولة إِلاَّ في حديث الترمذي ، وليس فيما سواه من أخبار
سلمان رضي الله تعالى عنه .
( فَحَمَلَتْ ) - أي: أَثْمرت ــ ( النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا) الذي غُرِست فيه - على
خلاف المعتاد - اسْتِعْجَالاً لِتَخْلِيْصِ سَلْمَان من الرقِّ ليزداد رغبة في الإسلام .
( وَلَمْ تَحْمِلِ اَلنَّخْلَةُ ) ؛ وفي رواية : ولم تحمل نخلةُ عمر ، أي : لم تثمر من
عامها وعدم حملها واقع على سَنَن ما هو المتعارف ؛ إِفادةً لكمال امتياز رتبة
النبي ◌َّ عن رتبة غيره، ومقدِّمةً لمعجزتين من معجزاته ، لأن غرس النخل له
ميقاتٌ معلوم؛ ( فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ: ((مَا شَأْنُ هُذِهِ النَّخْلَةِ؟))) أي: ما حالُها
وما بالها . لم تحمل ؛ مع أنَّ صواحباتها قد حملت جميعاً !.
( فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله تعالى عنه: ( يَا رَسُوْلَ اُللهِ؛ أَنَا غَرَسْتُهَا ) ، ولم
تغرسها أنتَ ؛ فلم تثمر كصواحباتها ، ليظهر كمال تميُّرك على غيرك . وكأنَّ عمر رضي
الله تعالى عنه ما عرف أنَّه وَ لَّ أراد بالغَرْس إظهارَ المعجزة ؛ بل مجرَّد المعاونة .
(فَتَزَعَهَا رَسُوْلُ الهِ مَلّ، فَفَرَسَهَا) ثانياً بيدبه في غير الوقت المعلوم لغرس النخل .
( فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا) ؛ أي: من عام غرسها ، وفي رواية ((من عامه))؛ أي :
الغرس . والحكمة من ذلك : أن يظهر المعجزة بإطعام الكلِّ سوى ما لم يغرسه كل
الظهور ، ويتسبَّب لظهوره معجزة أخرى ؛ وهي غرس نخلةِ عمر ثانياً وإطعامها في
عامها ، ففيه معجزتان غير ما سَبَق : الغرس في غير أوان الغرس ، والإِثمار من
عامه . والله أعلم .
٢٨٨

اَلْفَضْلُ الثَّانِي
فِي صِفَةِ بَصَرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْتِحَالِهِ
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى بِاللَّيْلِ فِي الظُّلْمَةِ كَمَّا
يَرَى بِالنَّهَارِ فِي الضَّوْءِ .
( الفَصْلُ الثَّانِي
فِي صِفَةِ بَصَرِهِ وََّ )
وهو: النور الذي تُدرِك به الجارحةُ المُبصَرات؛ كما في ((المصباح)).
وهو بمعنىُ قولِ المتكلِّمين: قوّةٌ مودَعة في العين ، وهو صريح في أنَّه شيءٌ
مخلوق في العين زائدٌ عليها .
( وَ) في صفة ( اُكْتِحَالِهِ ) ؛
أي : استعماله الكُحل ، وما يتعلَّق بذلك.
أمَّا بَصَرُهُ الشَّرِيْفُ! فَفِي (( المَوَاهِبِ))؛ عَن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَرَى بِاللَّيْلِ فِي الظُّلْمَةِ ) ؛ احترازاً عمَّا إذا كان مع القمر
( كَمَا يَرَىْ بِالنَّهَارِ فِي الضَّوْءِ ) متعلِّقٌ بالنهار ، للاحتراز عما إذا كان في بيت مظلم ؛
أو في يوم غيم ، فلا يقال لا حاجة إليه بعد ذكر النهار . والمعنى أنَّ رؤيته في النهار
الصافي والليل متساويةٌ ، لأنَّ الله تعالى لما رَزَقه الاطلاعَ بالباطن والاحاطة بإدراك
مُذْرَكات القلوب ؛ جعل له مثل ذلك في مدركات العيون ، ومن ثَمَّ كان يرى
المحسوس مِن وراء ظهره كما يراه مِن أمامه ؛ كما يأتي .
قال القاضي عياض : وإنَّما حدثت هذه الآية له بعد ليلة الإسراء ، كما أن موسى
كان يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور .
انتهى؛ نقله عنه الزرقاني على ((المواهب)).
ولا يَرِد عليه حديث ( أَنَّه ◌ِّرِ قام ليلة فوطِىء على زينبَ بنتِ أمِّ سلمة بقدمه
٢٨٩

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الصُّفُوفِ كَمَا يَرَى
مَنْ بَیْنَ يَدَيْهِ .
وهي نائمة؛ فبكت، فقال: ((أَمِيْطُوا عَنَا زَيَانِبَكُمْ)) !! لأنه حُجب عن ذلك
حينئذ ، ليُعلِّم أنَّه لا ينام أحد ببيت ذي الأهل ؛ كذا قاله الزرقاني . وقال الشهاب
الخفاجي في (( شرح الشفاء )): لأنَّ زينب رضي الله تعالى عنها كانت بنتاً صغيرة
مغطّاة بإِزار ونحوه في جانب البيت ، ومثلها قد لا يُرى بالنهار أيضاً . انتهى .
وهذا الحديث الذي أورده المصنّفُ ذكره في ((المواهب اللدنّيّة))؛ وقال :
رواه البخاري ، وتبعه المصنّفُ في ((الأنوار المحمدية))، وتعقّبه الزَّرقاني في
(( شرح المواهب )) بأنه لم يجده في البخاري ، وإنما عزاه السيوطي وغيرُه للبيهقي
في ((الدلائل))؛ وقال: إنَّه حسن. قال شارحه: ولعله لاعتضاده !! وإلاَّ !! فقد
قال السهيلي : ليس بقويٍّ . وضغَّفه ابنُ دحية ؛ أي : نقل تضعيفه في كتاب
((الآيات البينات))؛ عن ابن بشكوال ، لأن في سنده ضعفاً؛ فكيف يكون في
البخاري !!. ورواه البيهقي؛ عن عائشة بلفظ: كان رسول الله وّر يرى في الظلمة
كما يرى في الضوء . وبهذا اللفظ رواه ابن عديٍّ وبقيُّ بن مَخلد ، وضغَّفه ابنُ
الجوزي والذَّهبيُّ ، لكنه يُعتضد بشواهده ، فهو حسن ؛ كما قال السيوطي . انتهى
كلام الزرقاني ، ونحوه في الشهاب الخفاجى على ((الشفاء)).
( وَ) في ((المواهب)) و((شفاء)) القاضي عياض؛ عن مجاهد بن جبر - فيما
رواه عنه الحُمَيدي (( شيخ البخاري )) ، والبيهقيُّ ، وابن المنذر مرسلاً ؛ في تفسير
قوله تعالى ﴿اَلَّذِى يَرَكَ حِينَ تَّقُوُ (١) وَتَقَلُبَّكَ فِي السَّجِدِينَ ◌ِ﴾﴾﴾ [الشعراء] - قال: (كَانَ )
رسول الله ( رَّهُ يَرَى مَنْ) - بفتح الميم: موصول - أي الذي ( خَلْفَهُ مِنَ الصُّفُوفِ
كَمَا يَرَى مَنْ ) - بفتح الميم - أي : الذي ( بَیْنَ يَدَيْهِ ) .
قال الشهاب الخفاجي والقُسطُلاَّني في (( المواهب)): وهذا الحديث رواه مالك
والبخاريُّ ومسلم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لكن بلفظ: قال له:
((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هُهُنَا !! ، فَوَ اللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلاَ خُشُوعُكُمْ ، وَإِنِّي
لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي )) .
٢٩٠

وعند مسلم؛ من رواية أنس بن مالك أنه وَله؛ قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنِّي
إِمَامُكُمُ ، فَلاَ تَسْبِقُونِي بِأَلُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي )) .
وفي البخاريِّ؛ عن أنس: صلَّى بنا النبيَِّ صلاةً ثُمَّ رقى المنبر ؛ فقال في
الصلاة وفي الركوع: «إِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي )).
وفي مسلم : ((إِّي لأُبْصِرُ مَنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مَنْ بَيْنَ يَدَيَّ )) .
وفي أخرى لمسلم : ((إِنِّي لِأُبْصِرُ مَنْ قَفَايَ كَمَا أُبْصِرُ مَنْ بَيْنَ يَدَيَّ)).
وفي بعض الروايات لعبد الرزاق، والحاكم: ((إِنِّي لأَنْظُرُ مَنْ وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ
مَنْ بَيْنَ يَدَيَّ))، ورواه أيضاً مالك وأحمد وغيرهما وفي لفظه اختلاف . انتهى
كلامهما .
قال في (( المواهب)): وهذه الرؤية المذكورة في حديث ابن عبّاس وعائشة
وأبي هريرة وأنس ومجاهد رؤية إدراك، أي: إبصار حقيقيٌّ خاصُّ به ◌َّ انخرقت
له فيه العادة ، ولذا أخرجه البخاري في ((علامات النبوَّة)).
والرؤية من حيث هي ؛ لا بقيد وصف المصطفى بها ؛ لا تتوقّفُ على وجود
آلتها التي هي العينُ عند أهل الحقِّ ، ولا تتوقّفُ على وجود شعاع ؛ ولا على
مقابلة ، وهذا بالنسبة إلى القديم العالي .
أما المخلوق ! فتتوقّف صفة الرؤية في حقُّه على الحاسَّة والشعاع والمقابلة
بالاتفاق ، ولهذا كان ما ذكر من إبصاره من وراء ظهره خرقَ عادةٍ في حقُّه عليه
الصلاة والسلام ، وخالق البصر في العين قادرٌ على خلقه في غيرها .
قال الحَرَالِّي - بفتح الحاء المهملة والراء وشد اللام - : وهذه الآيةُ قد جعلها الله
تعالى دالَّة على ما في حقيقةِ أمره في الاطلاع الباطن ؛ لسَعة علمه ومعرفته ، لمَّا
عزَّفهم بربِّه - بأن بلَّغهم بأنه إله واحد في ذاته وصفاته ، مستحقٌّ لأَن يعبد .. وغير
ذلك مما يليق به ، ولم يعرِّفهم بنفسه ، وما اشتملت عليه ذاتُه من الكمالات - أطلعه
على ما بين يديه مما تقدَّم من أمر الله ، وعلى ما وراء الوقت مما تأخّر من أمر الله ؛
٢٩١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَىُ فِي الُّرَّيَّا أَحَدَ عَشَرَ نَجْماً .
من كلِّ ما يكون إلى يوم القيامة ، فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مُدْرَكات
القلوب ؛ جعل الله تعالى له ** مثل ذلك في مدركات العيون ، فكان يرى المحسوسات
مِن وراء ظهره كما يراها مِن بين يديه ؛ كما قال وَلّى . انتهى كلام الحرالي.
وحاصله - كما قاله بعضهم -: أنَّه من قبيل الكشف عن المرئيات ؛ فهو من
الخوارق. انتهى كلام ((المواهب))؛ مع شيء من ((شرح الزرقاني)).
( وَ) في ((المواهب اللدنية))؛ نقلاً عن القاضي عياض: ( كَانَ) وفي
((الشفاء)) بلفظ: وقد حكي عنه (َ ﴿) أنَّه كان (يَرَى فِي أُلُّرَبَّا أَحَدَ عَشَرَ نَجْماً )
ليلاً؛ أو ليلاً ونهاراً ؛ لِمَا مَرّ : أن رؤيته فيهما سواء، وعند السُّهَيْلي: اثني عشر،
وجزم القرطبيُّ بالأول ، ونظمه في أرجوزته ؛ فقال :
مُبَيَّنَاتٍ فِي السَّمَاءِ الْعَالِيَة
وَهُوَ أَلَّذِي يَرَى النُّجُومَ الخَافِيَهُ
لِنَاظِرٍ سِوَاهُ مَا تَهَيََّا
أَحَدَ عَشَرَ نَجْماً فِي النُّرَیَّا
وقال السيوطي في (( مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا)) : هذا لم يوجد في
شيءٍ من كتب الحديث !! ونحوه قول الخيضري في خصائصه : ما ذكره القرطبيُّ
والسُّهَيلي : لم أقف له على سند ولا أصل يرجع إليه ، والناس يذكرون أنها لا تزيد
على تسعة أنجم فيما يرون . انتهى ، وهذا عجيب مع قولِ التلمساني : جاء في
حديث ثابت عن العبَّاس ، ذكره ابن أبي خيثمة . انتهى .
والثريا - مُصغَّر ثروة ؛ وهي الكثرة - وهي : منزل من منازل القمر فيه نجوم
مجتمعة جُعلت علامةً، فقول بعض الشراح (( أنها كوكب)) وَهَمٌّ منه ؛ قال في
((مباهج الفكر)) : وهي ستة أنجم صغار طمس ، ويظنُّها من لا معرفة له سبعةً ،
وهي مجتمعةٌ بينها نجوم صغار ؛ كالرشاش ، وحُكي أن الثريًّا اثنا عشر نجماً لم
يحقّق الناس منها غيرَ ستة؛ أو سبعة، ولم يَرَ جميعَها غيرُ النبي ◌َِّ لِقُوَّةٍ جعلها الله
تعالى في بصره .
والنجم عَلَمٌ لها بالغَلَبة، كالكوكب للزّهرة. انتهى شرح ((الشفاء))
٢٩٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَقْعُدُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ حَتَّى يُضَاءَ لَهُ
بِالسِّرَاجِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ وَأَلْمَاءِ
الْجَارِي .
للخفاجي ؛ وشرح ((المواهب)).
( وَ) روى ابن سعد في ((طبقاته))، والبزار - بسند فيه جابر الجُعْفي؛ عن
أبي محمد - قال في ((الميزان)): قال ابن حبان : وجابر قد تبرَّأْنا من عُهدته ،
وأبو محمد: لا يجوز الاحتجاج به -؛ كما في المناوي؛ على ((الجامع)) - ؛
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
( كَانَ) رسول الله (وَّةٍ لاَ يَقْعُدُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ حَتَّى يُضَاءَ لَهُ بِلسِّرَاجِ ) أي :
يوقد له السراج ، ولكنه كان يُطفِيْه عند النوم ، وفي خبرٍ رواه الطبراني ؛ عن جابر
رضي الله عنه : أنه كان يكره السِّراج عند الصبح . انتهى .
( و) روى ابن السنّي، وأبو نعيم في (( الطب النبوي )) بسند ضعيف؛ عن ابن
عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: ( كَانَ) رسولُ الله (وَ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إِلى
الخُضْرَةِ ) - أي : الشجر والزرع الأخضر بقرينة قوله - ( وَأَلِمَاءِ الجَارِي ) ؛ أي :
كان يحبُّ مجرَّدَ النظر إليهما ويلتذُّ به ؛ فليس إعجابه بهما ليأكل الخضرة ، أو
يشرب الماء ، أو ينال فيهما حظّاً سوى نفس الرؤية . قال الغزالي : ففيه أنَّ المحبَّة
قد تكون لذاتِ الشيء ؛ لا لأجل قضاءٍ شهوة منه ، وقضاء الشهوة لَذَّة أخرى ،
والطباع السليمة قاضيةٌ باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار ، والأطيار المليحة
والألوان الحسنة ، حتَّى أنَّ الإنسان ليفرج عنه الهمّ والغمّ بالنظر إليها ؛ لا لطلب
حظّ وراء النظر. انتهى (( مناوي)) .
( وَ) روى الطبرانيُّ في ((الكبير))، وابن السُّنِّي، وأبو نعيم: كلاهما في
كتاب (( الطب النبوي )) ؛ عن أبي كبشة الأنماري رضي الله تعالى عنه .
وابن السني في (( الطب النبوي)) ، وابن حبان ، وأبو نعيم ؛ كلُّهم عن علي بن
أبي طالب رضي الله تعالى عنه .
٢٩٣

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إِلَى الْأُتْرُجِّ.
وَكَانَ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إِلَى الْحَمَامِ الأَحْمَرِ.
وَأَمَّا أَكْتِحَالُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَكْتَحَلَ . . جَعَلَ فِي عَيْنِ أَثْتَيْنِ
وأبو نعيم ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وهو حديث ضعيف .
قالوا : ( كَانَ ) رسول الله (وَِّ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إِلَى الْأُتْرُجِّ ) المعروف؛ بضمِّ
الهمزة وسكون الفوقية وضمِّ الراء وشدِّ الجيم، - وفي رواية: (( الأترنج )) بزيادة
نون بعد الراء وتخفيف الجيم : لغتان ، قال السيوطي : وهو مذكور في التنزيل
ممدوح في الحديث ؛ منوَّه به فيه بالتفضيل ، بارد رطب ، في الأولى يصلح غذاءً
ودواءً ومشموماً ومأكولاً ، يُبَرِّد عن الكبد حرارته ، ويزيد في شهوة الطعام ، ويقمع
المرَّة الصفراء ، ويسكِّن العطش ، وينفع للقوة ، ويقطع القيء والإسهال المزمِنَيَّن .
فائدة: في كتاب ((المنن)) أن الشيخ محمد الحنفي المشهور كان الجنُّ يحضرون مجلسه؛
ثم انقطعوا، فسألهم ؛ فقالوا : كان عندكم أُتْرٌ . ونحن لا ندخل بيتاً فيه أُترج . انتهى.
( وَكَانَ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إِلَى الْحَمَامِ الأَحْمَرِ) ذكر ابن قانع في ((معجمه )) عن
بعضهم : أن الحمام الأحمر المرادُ به في هذا الحديث : التفّاح ، وتبعه ابن الأثير ؛
فقال : قال أبو موسى : قال هلال بن العلاء : هو التفاح ، قال : وهذا التفسير لم
أره لغيره؛ قاله المناوي في (( كبيره على الجامع الصغير)). وقال الحفني على
((الجامع)) : الحمام المراد به التفاح، فيكون من باب الاستعارة ، ولم يقل أحدٌ من
الشُرَّاح التي بأيدينا أن المرادَ به الطير المعروف . انتهى كلام الحفني .
(وَأَمَّا أَكْتِحَالُ رَسُولِ اللهِ وَّرِ) - أي: استعماله للكحل - (فَقَدْ) رَوى
أبو يعلى، والطبراني في (( الكبير )) بإسناد ضعيف ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما قال :
( كَانَ) رسول الله (وََّ إِذَا أَكْتَحَلَ جَعَلَ فِي عَيْنٍ) - بالتنوين - ( اثْنَتَيْنِ ) ؛
٢٩٤

وَوَاحِدَةٌ بَيْنَهُمَا؛ أَيْ : جَعَلَ فِي كُلِّ عَيْنٍ مِرْوَدَيْنِ ، وَوَاحِدٌ يُقْسَمُ
بَيْنَهُمَا، فَالْمَجْمُوعُ وِتْرٌ، وَهُوَ خَمْسَةُ مَرَاوِدَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَكْتَحَلَ .. أَكْتَحَلَ وِتْراً، وَإِذَا
اسْتَجْمَرَ .. أَسْتَجْمَرَ وِتْراً. وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْحُلَةٌ ...
أي : في كلِّ عين مِرْوَدَيْن ( وَوَاحِدَةً بَيْنَهُمَا ) . قال المناوي : أي : في هذه؛ أو في
هذه ليحصل الإيتار المطلوب ، انتهى .
وقال الشيخ : (أَيْ : جَعَلَ فِي كُلِّ عَيْنٍ مِرْوَدَيْنِ ، وَوَاحِدٌ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ) ؛
أي : يكتحل ببعضه في اليمنى وبعضه في اليسرى ، ( فَالمَجْمُوْعُ وِتْرٌ؛ وَهُوَ خَمْسَةُ
مَرَاوِدَ)؛ انتهى (( عزيزي)).
قال المناوي في (( كبيره )): وأكملُ من ذلك ما ورد عنه أيضاً في عِدَّة أحاديث أصحّ
منها : أنَّه يكتحل في كلِّ عين ثلاثاً- كما سيأتي - لكن السنة تحصل بكلِّ. انتهى.
( وَ) روى الإمام أحمد في ((مسنده))، والطبرانيُّ؛ عن عقبة بن عامر رضي
الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا أَكْتَحَلَ؛ أَكْتَخَلَ وِثْراً) ؛ أي :
ثلاثاً متوالية في العين اليمنى ، وثلاثاً متوالية في الشمال ، هذا هو الأفضلُ ، وإن
كان أصلُ السُّنّة يحصل بكيفيَّاتٍ أُخر في الوتر .
(وَإِذَا أُسْتَجْمَرَ )؛ أي: تبخَّر بنحو عود ( أُسْتَجْمَرَ وِثْراً)؛ أي: تبخّر ثلاثَ
مرات، وسُمِّي التبخّر ((استجماراً)) !! لأن نحو العود يوضع على الجمر ،
وما قيل: ((إنَّ المراد استعمل الحجر في الاستنجاء)) !! بعيد عن السياق ؛ وإن كان
صحيحاً ؛ قاله الحفني كالمناوي والعزيزي .
( وَ) روى الترمذيُّ، وابن ماجه ؛ كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
أنه قال : ( كَانَ لَهُ وَّهِ مُكْخُلَةٌ) - بضمِّ أوَّله وثالثه ، وقياسها الكسر لأنَّها اسم آلة ،
فهي من النوادر التي جاءت بالضمِّ - والمراد منها : ما فيه الكحل ؛ وهي معروفة ،
والمَكْحَل كمَفْتَح ، والمِكْحَالِ كمِفْتَاح هو : المِيْل .
٢٩٥

يَكْتَوِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ، ثَلاَثَةً فِي هَذِهِ ، وَثَلاَثَةً فِي هَذِهِ .
( يَكْتَحِلُ مِنْهَا ) بالإِثمد ( كُلَّ لَيْلَةٍ ) - بالنصب - أي : في كلِّ ليلة قبل أن ينام ،
وإِنَّما كان ليلاً !! لأنَّه أبقى للعين وأمكنُ في السراية إلى طبقاتها ، لأنَّه يلتقي عليه
الجَفْنان . ( ثَلاَثَةٌ ) متوالية ( فِي هُذِهِ) ؛ أي: اليمنىُ، (وَثَلاَثَةٌ ) كذلك ( فِي
لهذِهِ) ؛ أي : اليسرى . وحكمة التثليث : توسُّطه بين الإقلال والإِكثار .
ويسنُّ فيه التيامن ، لأنَّه وَّرِ كان يحبُّ التيمُّن في شأنه كلِّه ؛ قال الزين
العراقي :
وهل تحصلُ سُنِيّة التيمُن باكتحاله مرَّة في اليمنى ومرَّة في اليسرى ؛ ثم يفعل
ذلك ثانياً وثالثاً، أوْ لاَ يحصل إِلاَّ بتقديم المرَّات الثلاث في الأولى ؟!
الظاهر الثاني ؛ قياساً على العضوين المتماثلين في الوضوء كاليدين ، ويحتمل
حصولُها بذلك قياساً على المضمضة والاستنشاق في بعض صوره المعروفة في
الجمع والتفريق .
وما ذُكر في هذه الرواية من ((أنه وَال﴿ كان يكتحلُ كلَّ ليلة ثلاثاً)) !! يخالف:
١ - ما رواه الطبراني في ((الكبير))؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنها: (( كان
رسول الله ◌َّ﴿ إِذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة مَرَاودَ، وفي الأخرىُ مِرْوَدين ؛
يجعل ذلك وتراً))، و٢ - ما رواه ابن عديٍّ في ((الكامل))؛ عن أنس رضي الله
تعالى عنه: ((أن النبي ◌َّر كان يكتحل في اليمنى ثنتين ، وفي اليسرى ثنتين ؛
وواحدة بينهما)) !! ومِن ثَمَّ قيل - في خبر ((مَن أَكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ)) المرويِّ في
أبي داود - : فيه قولان : أحدُهما ؛ كون الإيتار في كلِّ واحدة من العينين .
الثاني : كونه في مجموعهما ، قال الحافظ ابن حجر : والأرجحُ الأوَّل ؛ قال ابن
سيرين : وأنا أُحبُّ أن يكون في هذه ثلاثاً ؛ وفي هذه ثلاثاً ، وواحدة بينهما ليحصل
الإيتار في كلٌّ منهما ، وفي مجموعهما ، وبهذا صارت الأقوال في الإيتار ثلاثةً .
وقد ذكر بعضهم أنه سير كان يفتتح في الاكتحال باليمنى ، ويختم بها تفضيلاً
لها ، وظاهرهُ أنه كان يكتحل في اليمنى ثنتين وفي اليسرى كذلك ، ثم يأتي بالثالثة
٢٩٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُفَارِقُهُ فِي الْحَضَرِ ، وَلاَ فِي السَّفَرِ
خَمْسٌ: الْمِرْآَةُ، وَأَلْمُكْحُلَةُ، وَاَلْمُشْطُ ،
في اليمنى ليختم بها ويفضِّلَها على اليسرى بواحدة .
ويمكن الجمع بين هذه الروايات باختلاف الأوقات ففعل كُلّ في وقت .
ثم اعلم أنَّ الاكتحال عندنا - معاشر الشافعية - سنَّةٌ ، الأحاديث الواردة فيه .
قال ابن العربي : الكحل يشتمل على منفعتين :
إحداهما : الزينة ، فإذا استُعمل بنيَّتِها فهو مستثنى من التصنُّع المنهيِّ عنه الذي
يُلَبِّسُ الصنعة بالخلقة ؛ كالوصل والوشم والتفلُّج والتنمُّص ؛ رحمةً من الله لخلقه ،
ورخصةً منه لعباده .
والثانية : التطُّب ، فإذا استعمل بنيّه ؛ فهو يقوِّي البصر وينبت الشعر الذي
يجمع النور للإدراك ، ويصدُّ الأشعة الغالبة له .
ثم إن كحل الزينة لا حَدَّ له شرعاً ، وإنما هو بقدر الحاجة في بدوّه وخفائه .
وأما كحلُ المنفعة ! فقد وقَّته صاحب الشرع كلَّ ليلة كما تقرَّر .
وفائدته : أنَّ الكُحل عند النوم يلتقي عليه الجفنان ، ويسكُّن حرارة العين ،
ويتمكَّن الكحل من السراية في تجاويف العين ، ويظهر تأثيرهُ في المقصود من
الانتفاع . انتهى ملخصاً من (( الباجوري ، والمناوي)).
( وَ) روى العقيلي في ((الضعفاء))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وابنُ
طاهر في كتاب (( صفوة التصوف)) ؛ من حديث أبي سعيد ، والخرائطيُّ ؛ من
حديث أم سعد الأنصارية ، وطرقُه كلُّها ضعيفة - كما قاله المناوي في (( كبيره)) -
قالوا :
( كَانَ ) رسول الله (وَِّ لاَ يُفَارِقُهُ فِي الحَضَرِ ؛ وَلاَ فِي السَّفَرِ خَمْسٌ ) - من
الآلات -: ( المِزْآَةٌ) - بكسر الميم والمدِّ-، (وَأُلمُكْخُلَةُ) - بالميم والحاء
المضمومتين : وعاء الكحل -، ( وَأَلِمُشْطُ ) - الذي يمتشط ؛ أي: يسرّح به ، وهو
٢٩٧

وَالسِّوَاكُ ، وَالْمِدْرَى .
وَ( الْمِدْرَى ): شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ ، عَلَى شَكْلِ سِنِّ
مِنْ أَسْنَانِ الْمُشْطِ وَأَطْوَلَ مِنْهُ، يُسَرَّحُ بِهِ الشَّغَرُ الْمُتَلَبِّدُ ، وَيَسْتَعْمِلُهُ
مَنْ لاَ مُشْطَ لَهُ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: ((اِكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ ،
بضم الميم عند الأكثر، وتميمٌ تكسرها ؛ قال في ((المصباح)): وهو القياس .
قيل : وكان من عاج - ( وَالسَّوَاكُ، وَأُلمِذْرَى) - بكسر الميم وبالدال المهملة بدون
همزة - قال في ((النهاية)) : شيء يعمل من حديد ؛ أو خشب على شكل سِنِّ من
أسنان المشط ، وأطول منه يسرَّح به الشعر المتلبِّد ، ويستعمله من لا مشط له .
انتهى .
وفي ضمنه إشعارٌ بأنه كان يتعهَّد نفسه بالترجيل وغيره مما ذلك آلة له ، وذلك
من سُنَتِهِ المؤكَّدة ، لكنه لا يفعل ذلك كلَّ يوم ، بل نهى عنه ، ولا يلزم من كون
المشط لا يفارقه أن يمتشط كلَّ يوم ؛ فكان يستصحبه معه في السفر ليمتشط به عند
الحاجة ؛ ذكره الوليُّ العراقي. انتهى من المناوي في ((كبيره)).
قال المصنّفُ : (وَأَلِمِذْرَى) - بكسر الميم -: ( شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ حَدِيْدٍ أَوْ
خَشَبٍ ) ؛ وهو الغالب (عَلَى شَكْلٍ سِنِّ مِنْ أَسْنَانِ الْمُشْطِ ) - بضم الميم - ( وَأَطْوَلُ
مِنْهُ) - يقارب طولَ آلة الخرز - ( يُسَرَّحُ بِهِ الشَّعْرُ المُتَلَبِّدُ ) بعضه فوق بعض ،
( وَيَسْتَعْمِلُهُ مَنْ لاَ مُشْطَ لَهُ ) لتفكيك الشعر المجتمع المتماسك .
( وَ) روى الإمام أحمد ؛ عن أبي النعمان الأنصاري رضي الله تعالى عنه بسند
حسن، والترمذي في ((الشمائل))؛ ( عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((اكْتَحِلُوا بِآلإِثْمِدِ ) - بكسر همزته ومیمه بينهما مثلثة ساكنة ــ: حَجَرُ
الكحل المعدني المعروف ؛ يجيء من المشرق ، أي : دوموا على استعماله .
٢٩٨

فَإِنَّهُ يَجْلُوْ اَلْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ )).
وفي رواية الإمام أحمد: ((إِكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ المُرَوَّحِ » - أي: المطيّب ــ ( فَإِنَّهُ
يَجْلُو الْبَصَرَ ) ؛ أي : يقوِّيه ويحسِّنُ العين ، ويدفع الموادّ الرديئة المنحدرة إليها من
الرأس ، لا سيما إذا أضيف إليه قليلُ مِسك .
( وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ))) - بفتح العين - هنا لأجل الازدواج، ولأنَّ الرواية ، أي :
يقوي طبقات شعر العينين التي هي الأهداب - جمع هُذْبٍ - ، وإنبات شعرها مرمَّة
للعين ، لأن الأشعار سترٌ للناظر، ولولاها لم يَقْوَ الناظر على النظر، فإنَّما يعمل
ناظرُ العين من تحت الشعر ، فالكحلُ ينبته وهو مرمَّته ، وهذا من أدلَّة الشافعية على
سَنٌّ الاكتحال .
واعتراض العصام عليهم بـ(( أنه ؛ إنَّما أمر به لمصلحة البدن ، بدليل تعقيب
الأمر بقوله : فإنَّه ... إلى آخره، والأمر بشيء ينفع البدن لا يثبت سُنَّتُه)) !!
ليس في محلٌّه ، لأنَّ المتبادِر من الخبر أنَّ الأمر بمطلق الاكتحال شرعيٌّ ،
وبخصوص الإثمد من بين سائر الأكحال إِرشاديٌّ يتفاوت بتفاوت الأشخاص ، ومِن
ثَمَّ قالوا : الاكتحالُ مندوبٌ، وبخصوص الإِنمد أَوْلَى . وهذا على التنزّل ،
وإِلاَّ !! فقد ثبت في عدَّة أخبارِ أنَّه كان يكتحل بالإِثمد ، فروى البيهقيُّ ؛ من حديث
أبي رافع أنَّ النبي ◌َّ كان يكتحل بالإثمد . وفي سنده مقال. ولأبي الشيخ في
كتاب ((أخلاق النبي ◌ََّ)) بسند ضعيف ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
كان لرسول الله وَ﴿ إثمد يكتحل به عند منامه؛ في كلِّ عين ثلاثاً . انتهى .
والأصلُ في أفعاله بِّ أنَّها للقُربة والتشريع ما لم يدلَّ دليلٌ على خلافه .
قال المحقق أبو زرعة : مذهب الشافعي أن الفعل المجرّد يدلُّ على الندب ، بل
قال جمعٌ من أصحابه : يدلُّ على الوجوب . انتهى .
قال ابن محمود شارح (( سنن أبي داود )): وَتَحْصُلُ سنَّة الاكتحال بتولِيه
بنفسه ، وبفعل غيره بأمره . ويَنشأ عنه جوازُ الوكالة في العبادة . انتهى .
٢٩٩

قَالَ الْبَاجُورِيُّ: الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الأَصِخَاءُ، أَمَّا أَلْعَيْنُ الْمَرِيضَةُ
فَقَدْ يَضُرُّهَا الإِثْمِدُ؛ وَهُوَ : حَجَرُ الْكُحْلِ الْمَعْدِنِيِّ أَلْمَعْرُوفُ،
وَمَعْدِنُهُ بِالْمَشْرِقِ، وَهُوَ أَسْوَدُ يَضْرِبُ إِلَى حُمْرَةٍ .
وأقول : القياس الحصول ؛ ولو بلا أمر ، حيث قارنت نيّه فعل غيره ، كما لو
وَضَّأه غيره بغير إذنه وأولى. انتهى ((مناوي وباجوري)) .
( قَالَ ) العلاَّمة شيخ الإسلام إبراهيم ( ألبَاجُوْرِيُّ) رحمه الله تعالى في
((حاشيته على شرح الشمائل الترمذية))؛ تبعاً للمناوي عند قوله: ((إِكْتَحِلُوا
بِالإِثْمِدِ)) : (الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الأَصِغَاءُ ) ؛ أي : أصحاب العيون الصحيحة ،
أي : السليمة من الرَّمَد ونحوه . ( أَمَّا العَيْنُ المَرِيْضَةُ! فَقَدْ) يكون غيرُ الإِثمد خيراً
لها، بل ربما ( يَضُرُّهَا الإِثْمِدُ ) . ثم رأيت العسقلاني قال: خَيْرِيَّتُه باعتبار حفظه
صحَّة العين ؛ لا في أمراضها ، إذ الاكتحال به لا يوافق الرَّمِد .
( وَهُوَ ) أي : الإثمد - بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة وكسر الميم بعدها دال
مهملة -: ( حَجَرُ الْكُخلِ المَعْدِنِيِّ المَعْرُوفُ)، قال في (( المصباح))
كـ ((التهذيب)): ويقال إنَّه مُعَرَّبٌ. (وَمَعْدِنْهُ بِالمَشْرِقِ، وَهُوَ أَسْوَدُ يَضْرِبُ إِلَى
حُمْرَةٍ ) .
وقال الحِفني؛ على (( الجامع الصغير)): الإِنمد هو الحجرُ الأسود من أيِّ
مكان كان ، وقيل : خصوص الحجر الذي يجيء من (( أصبهان ))، وتسمية غيره له
بالإثمد !! لشَبَهه به في السواد ، لكن المشهور الأوَّل ، وهو الذي يجيء من
المشرق ، وإِنَّما ينفعُ البصر إذا كان سليماً ، أو مريضاً ؛ وأخبر الطبيب العارفُ بنفعه
لذلك المرض ، فينبغي له إذا ضَعُف بصره أن يسألَ الطبيب عمَّا ينفعه ، ولا يضع
شيئاً بلا سؤال . انتهى كلامه .
وفي (( شرح القاموس)): الإِثمد - بالكسر - حجرُ الكحل ، وهو أسود إلى
حمرة ، ومعدنُه بأصبهان ، وهو أجوده ، وبالمغرب وهو أصلب . وقال السِّيرافي:
٣٠٠