النص المفهرس

صفحات 241-260

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاقَيْهِ حَمُوشَةٌ .
وَمَعْنَى ( الْحَمُوشَةِ ) : الدِّقَّةُ ، وَهِيَ مَحْمُودَةٌ فِي السَّاقَيْنِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي كَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنْ
صَخْرٍ ، وَيَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ، يَخْطُو تَكَفِّياً، وَيَمْشِي أَلْهُوَيْنَا بِغَيْرِ
تَبَخْتُرٍ . وَمَعْنَى ( أَلْهُوَيْنَاَ ): تَقَارُبُ الْخُطَا.
انتهى؛ ذَكَره الزرقاني في ((شرح المواهب)).
( وَ) روى الترمذي، والحاكم؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال:
( كَانَ ) رسول الله (ِّرَ فِي سَاقَيْهِ) - روي بالإفراد والتثنية - ( حَمُوْشَةٌ. وَمَعْتَى
الحَمُوشَةِ ) - بفتح الحاء المهملة وشين معجمة - : ( الدُّنَّةُ، وَهِيَ مَحمُودَةٌ فِي
السَّاقَيْنِ ) . قال القاضي : حموشةُ الساق : دقّتُها ، يقال : حمشت قوائم الدابة إذا
دَقَّت . هكذا ضبطه بعضهم . وقال بعضهم : خُموشة - بضم الخاء المعجمة - :
دقَّتُها، وبكسره ليفيد التقليل . والمرادُ نفي غِلَظها، وذلك مما يُتْمَدَّحُ به . وقد
أكثرَ أهلُ القيافة من مدح الحُمُوشة وفوائدها . انتهى ((مناوي » .
( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِوَهِ يَمْشِيْ كَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنْ صَخْرٍ
وَيَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ) - محرَّكة ؛ أي: محلٌّ منحدر - ( يَخْطُو تَكَفِّيّاً) - بالفاء والهمزة
وبالياء تخفيف ، والأصل الهمز - أي : مائلاً إلى سنن المشي ، أي : إلىْ قُدَّام ،
( وَيَمْشِيْ أَلْهُوَيْنَا بِغَيْرِ تَبَخْتُرٍ ) ؛ أي : تكبِّر واختيال .
( وَمَعْنَىْ أَلَهُوَيْنَا: تَقَارُبُ الخُطَا)، والمشي على الهينة ؛ قاله السيِّد مرتضى.
وقال : رواه البيهقي بلفظ (( وَإِذا مشى فكَأَنَّما يتقلَّعُ فِي صخر وينحدر مِن صَبَبٍ ؛
يخطو تَكَفِّياً ، ويمشي الهوينا بغير عثر)).
وروى الترمذي في ((الشمائل))، والطبرانيّ ، والبيهقي ؛ من حديث هند بن
أبي هالة: وإذا زال زال تقلُّعاً، ويخطو تكفّاً ، ويمشي هَوْناً، ذريع المِشية ؛ إذا
مشى كأنَّما ينحطُّ من صبب ... الحديث.
وروى مسلم ؛ من حديث أنس . إذا مشى تكفّاً .
٢٤١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى . . مَشَىْ مُجْتَمِعاً؛ أَيْ : قَوِيّ
اُلأَعْضَاءِ ، غَيْرَ مُسْتَرْخٍ فِي الْمَشْي .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى .. مَشَىْ أَصْحَابُهُ
أَمَامَهُ، وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلاَئِكَةِ .
وروى البيهقي ؛ من حديث أبي هريرة : ما رأيت أحداً أسرع في مشيه منه ،
كأنَّ الأرض تُطوى له ، إنَّا لنجتهد ؛ وإنه غير مكترث . وفي لفظ آخر له : يطأُ بقدمه
جميعاً ؛ إذا أقبل أقبل جميعاً ، وإذا أدبر أدبر جميعاً .
ومن حديث علي: إذا مشى تكفََّ تَكَفُّؤْاً كأنَّما ينحطُ من صبب ... الحديث.
وفي لفظ آخر له : وكان يتكفَّأُ في مشيته كأنما يمشي من صبب .
وفي لفظ آخر : إذا مشى تكفََّ كأنما يمشي من صُعُد .
وفي لفظ آخر : وكان إذا مشى تقلَّع كأنما يمشي في صَبَب .
وفي لفظ آخر : إذا مشى يمشي قَلْعاً كأنما ينحدر من صَبَب .
وفي لفظ آخر له : إذا مشى كأنما يتقلَّع من صخر .
ومن حديث أنس : وكان يتوكَّأَ إذا مشى . انتهى . ولله درُّ البوصيري رحمه الله
تعالى حيث يقول :
سَيِّدٌ ضِحْكُهُ الثَّبَسُمُ وَالْمَشْ يُ الْهُوَيْنَ وَنَوْمُهُ الإِغْفَاءُ
( وَ) في ((المواهب)): رويُّ أَنَّه ( كَانَ بِّهِ إِذَا مَشَىْ مَشَىْ مُجْتَمِعاً؛ أي : قَوِيَّ
اُلَعْضَاءِ ، غَيْرَ مُسْتَزْخٍ فِي المَشْئ ) . انتهى .
( وَ) روى ابن ماجه، والحاكم؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ بِّهِ إِذَا مَشَىْ مَشَىْ أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ) ، لأنَّ المشيَ خلف الشخص
صفةُ المتكبّرين ، وكان سيِّد المرسلين وَّرِ لا متكبِّراً ولا متجبِراً.
(وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلاَئِكَةِ ) يحرسونه من أعدائه ، ولا يعارضه قوله تعالى ﴿وَاَللَّهُ
٢٤٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى .. لَمْ يَلْتَفِتْ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَلْتَفِتُ وَرَاءَهُ إِذَا مَشَىْ، وَكَانَ رُبَّمَا
تَعَلَّقَ رِدَاؤُهُ بِالشَّجَرِ فَلاَ يَلْتَفِتُ حَتَّى يَرْفَعُوهُ عَلَيْهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَىْ .. كَأَنَّمَا يَتَوَكَّأُ.
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [٦٧/ المائدة] !! لأن هذا إن كان قبل نزول الآية ؛ فظاهر، وإلاَّ!
فَمِن عصمةِ الله تعالى له أن يوكِّلَ به جنده من الملأ الأعلى ؛ إظهاراً لشرفه بينهم .
قاله المناوي .
( وَ) روى الحاكم؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا مَشَىْ لَمْ يَلْتَفِتْ ) ، لأنه كان يواصل السير ويترك
التواني والتوقُّف ، ومَن يلتفت لا بدَّ له في ذلك من أدنى وقفة . أو لئلا يشغل قلبه
بمن خلفه ، ولكون أصحابه أمامَه فهو يراعيهم ويلاحظهم ويعلُّمُهم . وهذا لا ينافي
ما تقدَّم ؛ من أنَّه كان إذا التفت التفتَ جميعاً !! لإمكان حمل ما تقدَّم على غير حالة
المشي، أو ما هنا على الغالب. انتهى (( عزيزي)).
( وَ) روى ابن سعد في ((طبقاته))، والترمذي الحكيم في ((نوادره))، وابن عساكر
في ((تاريخه)) كلهم؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ( كَانَ ) رسول
الله (وََّ لاَ يَلْتَفِتُ وَرَاءَهُ إِذَا مَشَىْ)، وذلك لشدَّة استغراقه بَّر في جلال مولاه، وكذا
خلفاؤه لا يلتفتون لشيء من الدنيا لإعراضهم عنها ؛ قاله الحِفْني .
( وَكَانَ رُبَّمَا تَعَلَّقَ رِدَاؤُهُ بِالشَّجَرِ فَلاَ يَلْتَفِتُ) لتخليصه ( حَتَّى يَرْفَعُوْهُ عَلَيْهِ ) ،
قال المناوي : زاد الطبراني : لأنَّهم كانوا يمزحون ويضحكون ؛ وكانوا قد أَمِنوا
التفاته وقدر .
( وَ) روى أبو داود، والحاكم ؛ عن أنس رضي الله عنه قال:
( كَانَ) رسول الله (وَّةٍ إِذَا مَشَىْ كَأَنَّمَا يَتَوَكَأُ) ؛ أي: لا يتكلّم كأَنَّهُ أَوْكَأَ فَاهُ
فلم ينطق ، ومنه خبر ابن الزبير : كان يوكىءُ بين الصفا والمروة سعياً . والمراد
سَعَى سعياً شديداً ؛ قاله المناوي .
٢٤٣

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي مَشْياً يُعْرَفُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ
وَلاَ كَسْلاَنَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَطَأْ عَقِبَهُ رَجُلاَنٍ قَطُّ ، إِنْ
كَانُوا ثَلاَثَةً . . مَشَىْ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةٌ .. قَدَّمَ بَعْضَهُمْ.
زاد بعضهم ؛ عن العلقمي : والإِيكاء في كلام العرب يكون بمعنى السعي
الشديد . واستدلّ عليه الأزهريُّ بحديث الزبير ، ثم قال : وإنَّما قيل للذي يشتدُّ
عَذْوه (( موكٍ)) !! لأنه قد ملأ ما بين جزي رجليه ؛ وأوكىء عليه . انتهى .
وفي الحِفْني على ((الجامع الصغير)): قوله يتوكَّأُ؛ أي : كان يمشي بشِدَّة
بحيث يُرى كأنَّ يتوكَّأُ على عكازة ؛ ولم يتوكَّأْ ، فإنَّ الذي يتوكَّأُ يمشي بقوَّة ؛ كذا
قاله . والله أعلم .
( وَ) روى ابن عساكر في ((تاريخه))؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما
قال: ( كَانَ) رسول الله (وََّهِ يَمْشِيْ مَشْياً يُعْرَفُ فِيْهِ) - أي: به ـ ( أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ
وَلاَ كَسْلاَنَ ) ، بل كانت أصحابه تجهد في المشي معه فلا تدركه ؛ كأنما الأرضُ
تطوی له ، معجزةً له
.
ومع سرعةِ مشيه كان على غايةٍ من الهون والتأنِّي وعدم العجلة ، فكان يمشي
على هينته ويَقطع ما يُقطع بالجهد بغير جهد . ولهذا قال أبو هريرة: إنَّا كُنَّا لنُجهد
أنفسنا ؛ وإِنَّه لَغيرُ مكترث .
( وَ) ذكر الإمام العارف بالله عبد الوهّاب الشعراني في ((كشف الغمة)) قال:
( كَانَ) رسول الله (وَ لاَ يَطَّأُ عَقِبَهُ)؛ أي: لا يمشي خلفَه ( رَجُلاَنٍ قَطُّ ) ؛
ولا أكثر من رجلين كما تفعل الملوك يتبعهم الناس كالخدم ، أي : لا يكون له مَن
يمشي خلفه من الأتباع كالسلطان ، فيكون موطىءَ العقب ، لأنَّ من كان ذا مال ؛ أو
سلطان اتبعه الناس ومشواخلفه، وهو ◌َّ يكرهُ أن يمشي أمام القوم، بل ( إِنْ كَانُوا
ثَلاَثَةٌ مَشَىْ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةٌ قَدَّمَ بَعْضَهُمْ) ، وكانت أصحابه لا تمشي
خلفَه، بل يمينَه وشمالَه وأمامَه ؛ يفعل ذلك تواضعاً لله تعالى واستكانة ، وليطَّلع
على حركات أصحابه وسكناتهم ؛ فيعلِّمَهم آداب الشريعة ، ولتخلى ظهره
٢٤٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ نَعْلَيْهِ .. بَدَأَ بِأَلْيُمْنَى، وَإِذَا
خَلَعَ . . خَلَعَ الْيُسْرَىْ. وَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ .. أَدْخَلَ رِجْلَهُ أَلْيُمْنَى.
وَكَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخْذَاً وَعَطَاءً .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
للملائكة ، ويوافق هذا الخبرَ قولُه في الخبر المار: (( كان يسوق أصحابه قُدَّامه )).
( وَ) روى أبو يعلى، والطبراني في ((الكبير))؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى
عنهما قال : ( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَا لَبِسَ نَعْلَيْهِ بَدَأَ بِآلْيُمْنَى) - أي : بِإِنعال
الرجل اليمنى - ، (وَإِذَا خَلَعَ خَلَعَ الْيُسْرَى ) - أي : بدأ بخلعها لتمكث اليمين لابسةً
بعدها زمناً ، إِذ اللُّبْس تكريمٌ ؛ فاليمين أولى به ۔ .
( وَكَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ أَدْخَلَ رِجْلَهُ أَلْيُمْنَى، وَكَانَ يُحِبُّ الْتَّيِّمُّنَ ) - أي :
الابتداء باليمين - ( فِي كُلِّ شَيْءٍ ) من باب التكريم ؛ ( أَخْذاً وَعَطَاءً ).
قال النَّووي : قاعدة الشرع المستمرَّةُ: استحبابُ البُداءة باليمين في كلِّ ما كان
من باب التكريم ، وما كان بضدِّه فاستُحبَّ فيه التياسُر . ويدلُّ لذلك ما رواه
أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ((كانت يدُ رسول اللهِوَ﴿ اليمينُ
لطهوره وطعامه ، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى )) . انتهى.
فإذا أراد أن يَذْهَن أو يَمْشُط أَحبَّ أن يبدأ بالجهة اليمنى من الرأس ؛ أو
اللحية ، وإذا أراد لبس النعل !! أحبّ أن يبدأ بالرجل اليمنى ، فكان يُحِبُّ التيمُّن
في طهوره وترجُّله وتَنَغُلِه، وفي شأنه كلِّه. وإنَّما أَحَبَّه !! لأنَّه كان يُحبُّ الفأل
الحسن ، ولأن أصحاب اليمين أهلُ الجنة. انتهى (( باجوري)).
( وَ) روى الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالِى عَنْهُ) ؛
واسمه عبد الرحمن بن صخر - على الأصحِّ؛ من نحو ثلاثين قولاً - وهو دوسي من
الأزد .
وكُنِّي (( أبا هريرة )) ! لهرَّة صغيرة كان يحملُها ويحسن إليها .
٢٤٥

قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَأَنَّ
الشَّمْسَ تَجْرِي فِي .
وكان أكثر الصحابة حفظاً للحديث وروايةً له .
نشأ يتيماً ضعيفاً في الجاهلية، وقدم المدينة ورسولُ اللهِ وَ لفر بخيبر ؛ فأسلم سنة
سبع - بتقديم السين على الموحدة -، ولزم صحبة النبي ◌َّل ، وكان يدورُ مع
النبي ◌ُڑ حيث دار .
وروى عنه خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعين حديثاً ؛ اتفق الشيخان
منها على ثلثمائة وخمسة وعشرين حديثاً ، وانفرد البخاري بثلاثة وعشرين ، وانفرد
مسلم بمائة وتسعة وثمانين حديثاً .
روى عنه من الصحابة والتابعين أكثر من ثمانمائة رجل ؛ منهم ابن عباس ،
وابن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وسعيد بن المسيب ، وآخرون. قال ابن تيميّة :
صحب النبي ◌َّ﴿ أقل من أربع سنين، فأخبارُه كلُّها متأَخِّرة . انتهى.
وولي إمرة المدينة مدَّة ، ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين ،
ثم رآه ليِّن العريكة مشغولاً بالعبادة ؛ فعزله . وأراده بعد زمن على العمل ؛ فأبى .
وكان أكثر مُقامه بالمدينة المنورة ، وتوفِّي بها . وكان متصدِّراً للفتيا .
وقد جمع شيخ الإسلام تقي الدين السبكي جزءاً سماه (( فتاوى أبي هريرة ))
رضي الله تعالى عنه . ولعبد الحسين شرف الدين كتابٌ في سيرته ؛ وقد طبع .
وكانت وفاته سنة : - ٥٩ - تسع وخمسين - بتقديم المثناة على السين المهملة -
رضي الله عنه ونفعنا بعلومه . آمين .
( قال : مَا رَأَيْتُ ) ؛ أي : علمتُ. ويصحُّ كونه بمعنى: أبصرت ، والأول
أبلغُ ( شَيْئاً) - تنوينه للتنكير - (أَحْسَنَ) - صفة (( شيئاً )) على كون الرؤية
(بصرية))، ومفعول ثان على كونها ((عِلْمية)) - (مِنْ رَسُوْلِ اللهِ وََّ)، والمراد
منه : نفيُ كون شيءٍ أحسن منه وََّ، والمعنى أنَّه أحسنُ مما عداه .
(كَأَنَّ) - بتشديد النون - ( الشَّمْسَ)؛ أي: شعاعها ( تَجْرِيْ فِي
٢٤٦

وَجْهِهِ ، وَلاَ رَأَيْتُ أَحَداً أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا، وَإِنَّهُ لَغَيْرُ
مُكْتَرِثٍ .
وَجْهِهِ ) ؛ أي : لأن لَمَعان وجهه وضَوْءَهُ يشبهُ لَمَعَان الشمس وضَوْءَها ، فيكون قد
شَبَّه لمعانَ وجهه الشريف وضَوْءَهُ بلمعانها وضَوْئِها ، وهذا مما فيه المشبّهُ أبلغُ من
المشبّه به ؛ كما في قوله تعالى ﴿ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ﴾ [٣٥/ النور] .
وقصد الراوي بذلك إقامةَ البرهان على أحسنِيَّه ، وخَصَّ الوجه ! لأنه هو الذي
تظهر فيه المحاسن ، ولكون حُسْن البدن تابعاً لحسنه غالباً .
( وَلاَ رَأَيْتُ أَحَداً أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ) - بكسر فسكون للهيئة ، وفي نسخة
[ مَشْياً](١) بلفظ المصدر ؛ وهو بفتح الميم بلا تاءٍ، أي: في كيفية مَشْبِهِ - ( مِنْ
رَسُوْلِ اللهِوَّهِ؛ كَأَنَّمَا الأَرْضُ) - بالرفع - ( تُطْوَى لَهُ) ؛ أي : تجمع وتجعل مطوِيَّة
تحت قدميه .
وَمَرَّ أَنَّه مع سرعة مشيه كان على غاية من الهون والتأنِّي وعدم العجلة .
وأفاد بقوله ( له )) أنها لا تُطوَى لمن يماشيه ؛ كما أوضحه بقوله :
( إِنَّا) - بكسر الهمزة ؛ استئناف مبين - ( لَنُجْهِدُ ) - قال الجزري : بضمِّ النون
وكسر الهاء ، ويجوز فتحهما ؛ أي : إنا لنتُعب ( أَنْفُسَنَا ) ونوقِعُها في المشقّة في
سيرنا معه ◌َّ، والمصطفى كان لا يقصد إجهادهم ، وإنَّما كان طبعُه ذلك ، كما
يدلُّ عليه قوله ( وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ)؛ أي: والحال أَنَّه وَِّ لَغَير مبال بحيث لا يجهد
نفسه ، بل يمشي على هينته ؛ فيقطع من غير جهد ما لا نقطع بالجهد .
ومعنى الخبر : أَنَّه إِذا مشى بالعادةِ ما قدرنا أن نلحقه مسرعين في المشي ، ولو
كنا مجتهدين في ذلك . واستعمال (( مكترث)) في النفي هو الأغلبُ ، وفي الإثبات
قليلٌ شاذٌ .
(١) أُضيفت للإيضاح .
٢٤٧

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُوراً، فَكَانَ إِذَا مَشَىُ فِي
الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ .. لاَ يَظْهَرُ لَهُ ظِلٌّ.
وَكَانَ وَجْهُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَأَلْقَمَرِ ، وَكَانَ
مُسْتَدِيراً .
( وَ) في ((المواهب)): قال ابن سَبْع: (كَانَ رَسُوْلُ اَلِ نَّهِ نُوْراً، فَكَانَ إِذَا
مَشَىْ فِي الشَّمْسِ وَالقَمَرِ لاَ يَظْهَرُ لَهُ ظِلٌّ ) ، لأن النور لا ظلَّ له .
قال غيرُ ابنِ سبع : ويشهدُ له قوله ◌َّرَ في دعائه (( وَأَجْعَلْنِي نُوراً)) ؛ أي :
والنورُ لا ظلَّ له . وقد روى الترمذي الحكيم ؛ عن ذكوان أبي صالح السَّمان
مرسلاً. أنَّه لم يكن له وٍَّ ظلُّ في شمس ولا قمر . انتهى ؛ أي: لأنَّه كان نوراً ،
كما قال ابن سبع .
وقال رزين : لغلبة أنواره . قيل : وحكمة ذلك صيانته عن أن يطأَ كافر على
ظِلُّه. وإطلاق الظلِّ على القمر مجازٌ، لأنَّه إنما يقالُ له ((ظلمة القمر ونوره)).
وفي (( المختار)): ظِلُّ الليل: سواده، وهو استعارة ، لأنَّ الظل حقيقةً ضوءُ
شعاع الشمس ؛ دون السواد ، فإذا لم يكن ضوء ؛ فهو ظلمة لا ظلّ . انتهى من
(( شرح المواهب )) مع المتن .
( وَ) روى مسلم في ((صحيحه))؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال
له رجل : ( كَانَ وَجْهُ وََّ) مثل السيف! فقال جابر: بل ( مِثْلَ الشَّمْسِ ) في مزيد
الإشراق والإضاءة ؛ لكنَّه ليس مثلَها في كونه لا يُستطاع النظرُ إليه ، ولذا قال :
( وَأَلقَمَرِ ) في الحسن والملاحة وقوَّة النظر إليه، ولَمَّا كان قد يتوهّم عدمُ
استدارته ؛ قال : ( وَكَانَ ) ؛ أي : وجهه ( مُسْتَدِيْراً) ، وفيه رَدٌّ على من قال : كان
وجهُه مثل السيف . فأراد أن يزيل ما توهّمه القائل من معنى الطول الذي في السيف
إلى معنى الاستدارة التي في القمر. وصرَّح بهذا ؛ وإن عُلم بالتشبيه بالقمر !! لمزيد
الردِّ وللتأكيد، ولئلا يتوهّم أَنَّ التشبيه من حيث الإشراقُ والنور ؛ لا من جهة
الاستدارة أيضاً .
٢٤٨

وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ
ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ .. أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ورواية البخاري و((الشمائِل)) بلفظ: كان وجه رسول الله وَّهِ مثلَ السيف.
قال : لا ؛ بل مثل القمر .
( وَ) روى الشيخان: البخاريُّ ومسلم، والترمذي في (( الشمائل))؛
( عَنِ البَرَاءِ ) - بفتح الموحدة وتخفيف الراء والمدِّ ؛ على وزن سحاب ،
وحُكيَ فيه القصر - كنيته : أبو عمارة .
ولد عامَ ولادةِ ابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وأوَّل مشهد شهده الخندقُ ،
وهو من المشاهير ، نزل الكوفة وافتتح الري .
ومات بالكوفة أيَّامَ مصعب بن الزبير سنة : اثنتين وسبعين هجرية .
( ابنِ عَازِبٍ ) - بمهملة وزاي مكسورة ؛ على وزن فاعل - وهو أنصاريٌّ
أَوسي، وكلٌّ من البراء وأبيه صحابيٌّ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ؛ قَالَ:
مَا رَأَيْتُ ) - أي: أبصرت ــ (مِنْ ذِيْ لِمَّةٍ ) ؛ أي : صاحب لِمَّة - بكسر اللام
وتشديد الميم والجمع لِمَم -، سُمِّيَت ((لِمَّة)) لأنَّها تُلِمُّ بالمنكبين، إذ هي الشعر
المتجاوز شحمة الأذن مع الوصول إلى المنكب ، لأنَّها تطلق ١ - على الواصل
إليها؛ وهو المسمَّى بـ ((الجُمَّة))، و٢ - على غيره وهو المسمَّى بـ ((الوَفرة)).
وهذا على القول الأول في تفسير اللِّمَّة .
وأما على القول الثاني ! فالظاهر أنَّه محمولٌ على حالة تقصير الشعر - كما
سبق - أي : ما رأيت صاحب لِمَّة حال كونه ( فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ
رَسُوْلِ اللهِ وَّهِ)؛ ولا مِثله، فهو أحسنُ صورةً. و((مِن)) زائدة لتأكيد العموم.
والحُلَّة : ثوبان، أو ثوب له ظِهارة وبطانة؛ كما في (( القاموس)).
ولا يُشترط أن يكون الثوبان من جنسٍ ، خلافاً لمن اشترط ذلك .
سُمِّيت ((حُلَّة)) !! لحلول بعضها على بعض ، أو لحلولها على الجسم ؛ كما
في (( المشارق)).
٢٤٩

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ ، وَإِذَا
ضَحِكَ . . يَتَلأْلأُ فِي الْجُدُرِ .
وَقَالَتْ أُمُ مَعْبَدٍ
وهذا الحدیثُ احتجَّ به إمامُنا لحِلِّ لُبس الأحمر ؛ ولو قانياً - أي ـ شدید
الحمرة ، غير أنه قد يخصّ بلبسه أهل الفسق ؛ فحينئذ يحرم لبسه ، لأنه تشبٌُّ بهم ،
ومَن تشبّه بقوم فهو منهم؛ كما في (( الذخيرة)) .
وأخطأ مَن كَرِه لبسه مطلقاً . ومنع لبسه ابن القَيِّم في ((الهَدْي النبوي))، وأجاز
لبسه القاضي محمد بن علي الشوكاني في ((نيل الأوطار)) رحمهم الله تعالى . آمين.
( وَ) في ((الشفاء)) وشرحِه للشيخ ملاًّ علي قاري الحنفي رحمه الله تعالى:
( قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ لََّ ).
- والمساواة منفيَّةٌ أيضاً بالمشاهدة العرفية - ( كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِيْ فِي وَجْهِهِ ) ؛ أي :
يتوقَّج كتوُّج الشمس لحُسْنه وصفائه وبهاء ضيائه ، (وَإِذَا ضَحِكَ يَتَلألأُ)
بهمزتين ؛ أي: تلمع ثناياه كاللآلي ( فِي الْجُدُرِ ) - بضمتين - : جمع الجدار ؛
وهو حائط الدار ، وأما الجَدْر - بفتح فسكون - فهو الحاجز الذي يحبس الماء ، كما
في حديث: ((إِسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ)»، وليس مفرداً بمعنى الجدار كما
تُؤُهِّم . أي : أن نور وجهه الشريف يشرق إشراقاً يصل إلى الجدران المقابلة له ،
كما يكون ذلك من الشمس والقمر . وقيل : إنَّه من نور يخرج من بين ثناياه وفمِه ؛
إذا أفْتَرَّ وتبسَم . ففي روايةٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه: يكادُ يتلألأُ في الجُدُر .
فتفاوته بحسب الأوقات ، وبحسب خِفَّة ضَحِكه وشدَّته . أو ما هنا محمول على
المبالغة على تقدير ((تكاد)). انتهى الشهاب الخفاجي؛ على ((الشفاء)).
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن حبان ، والبيهقي .
( وَقَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ ) - بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح الموحدة ومهملة -
٢٥٠

فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : أَجْمَلُ النَّاسِ مِنْ بَعِيدٍ ،
وَأَحْلاَهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ .
الخزاعيَّة : التي كانت نازلة بخباء في طريق المدينة المنورة ، وقد نَزَل عليها
النبي ◌ِّرُ في هجرته لَمَّا خرج من غار ثور ( فِي بَعْضٍ مَا) أي: كلامٍ ( وَصَفَتْهُ بِهِ )
في حديثها الطويل ، الذي رواه البغوي ، وابن شاهين ، وابن السَّكَن ، والطبرانيُّ ،
وابن منده ، والبيهقيُّ وغيرهم ؛ من طريق حرام بن هشام بن حبيش ؛ عن أبيه ؛ عن
جدِّه : حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن حرام الخزاعي ؛ ويقال له
حبيش الأشعري ؛ وهو لقب والده خالد ، وحبيش : أخو أمّ معبد ؛ واسمها :
عاتكة بنت خالد ، لها صحبة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ) ، ولأخيها حبيش صحبةٌ أيضاً
رضي الله عنه . وأورده ابن السَّكَن ؛ من حديث أم معبد نفسها . فقال حرام بن
هشام بن حبيش بن خالد: سمعت أبي يحدِّث عن أمِّ معبد - وهي عمَّتُه - ... فساق
القصَّة . وقصَّتُها معه مشهورةٌ مرويَّةٌ من طرق عديدة تعضدُها وتصخِّحها ، وكان
زوجُها أبو معبد غائباً وهو صحابيٌّ قديمُ الوفاة رضي الله تعالى عنه ، فلما أتاها
أخبرته به ، فاستوصفها إيّاه ؛ فقالت : رأيت رجلاً ظاهر الوَضاءة ، أبلجَ الوجه ،
حسن الخلق ، لم تعبه مَحْلَة ، ولم تزرِ به صعلة ، وسيم ، قسيم ، في عينيه دَعَج ،
وفي أشفاره عَطَف ، وفي صوته صَحَل ، وفي عنقه سَطَع ، وفي لحيته كثافة ،
أقرن ، إِنْ صمتَ ؛ فعليه الوقار ، وإن تكلَّم سَمَاه وعلاه البهاء ، أجمل الناس
وأبهاه من بعيد ، وأحلاه وأحسنُهُ من قريب ... إلى آخر ما قالته في نعته من كلام
بليغ ؛ مشروح في السِّيَر. فقوله: (( في بعض ما وصفته به ))؛ أي في بعض كلام
وصفته به . وأقحم لفظ (( بعض ))! إشارة إلى أنَّه كلام طويل مشتمل على وصفه
وغيره ؛ من قصَّة الشاة وغيرها، واقتصر هنا على قوله : ( أَجْمَلُ النَّاسِ ) ؛ أي
أتمُّهم جمالاً وحُسناً صورياً ( مِنْ بَعِيْدٍ، وَأَحْلاَهُ) ؛ أي : أحلى الناس .
وأُفرد لأنَّه اسمُ جنسٍ فَرُوعي لفظه دون معناه . وكذا قوله ( وَأَحسَنُهُ ) .
وفي بعض النسخ: (( وأحلاهم وأحسنهم » ( من قريب ) ، أي : تبيْن حلاوةُ
ملاحتهِ ، وطراوة فصاحته.
٢٥١

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ؛ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ ، فَجَعَلْتُ
أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ ، فَلَهُوَ عِنْدِي
(و) روى البيهقيُّ في ((الدلائل))، والترمذيُّ في ((الشمائل))؛ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةَ ) بن جنادة بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سُوَاء - بالمدِّ وضمِّ
السين - ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن
خَصفة بن قيس عيلان - بالعين المهملة - ابن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان
السُّوائي ، وهو وأبوه صحابيَّان ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) .
رُوِيَ له عن رسول اللهِ وَِّ مائة حديث وستَّةٌ وأربعون حديثا؛ اتفق البخاري
ومسلم على حديثين ، وانفرد مسلم بثلاثةٍ وعشرين حديثاً ، روى عنه جماعاتٌ من
التابعين ؛ منهم عبد الملك بن عمير ، وعامر بن سعد ، والشعبيُّ ؛ توفي سنة :
ست وستين. روينا في ((صحيح مسلم)) ؛ عن جابر بن سَمُرة قال : واللهِ ؛ لقد
صليت مع رسول الله وَل﴿ أكثر من ألفي صلاة . انتهى.
( قَالَ)؛ أي : جابر: ( رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ نَّهِ فِي لَيْلَةٍ) - بالتنوين -
( إِضْحِيَانٍ ) - بكسر الهمزة وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء المهملة وتخفيف
التحتية ، وفي آخره نون منونة - أي : ليلة مقمرة من أوَّلها إلى آخرها .
قال في ((الفائق)): يقال ((ليلة إِضحيان))، و((إضحيانة))، و ((ضحيا))،
وهي المقمرة من أَوَّلها إلى آخرها . قال : وإفعلان في كلامهم قليلٌ جدّاً . انتهى .
والقياس : إِضْحانة ، وكأنه لتأويل الليلة بالليل !!.
( وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) ؛ أي: والحال أن عليه حُلَّةً حمراء ، فالجملة حاليّة ،
والقصدُ بها بيانُ ما أوجب التأمُّل وإمعان النظر فيه من ظهور مزيد حُسنه وَ لَه حينئذ ،
(فَجَعَلْتُ ) ؛ أي : فصرت ( أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) ؛ أي: إلى وجهه تارة ( وَ) أنظر (إِلَى
القَمَرِ ) تارةً أُخرى ، ( فَلَهُوَ عِنْدِيْ ) ؛ أي : فوالله لَوجهُه عليه الصلاة والسلام
٢٥٢

أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ . وَمَعْنَى ( إِضْحِيَانٍ ) : مُقْمِرَةٌ .
وَسَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ بنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَكَانَ وَجْهُ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لاَ، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ.
عندي ( أَحْسَنُ مِنَ القَمَرِ ) ؛ فهو جوابُ قسمٍ مقدَّر ، والتقييد بالعندية !! لافْتخاره
باعتقاده هذه القضية ؛ لا لتخصيصه ، فإنَّ ذلك عند كلِّ أحد رآه كذلك .
وإنَّما كان ◌َّ أحسنَ !! لأن ضوءَه يغلب على ضوء القمر ، بل وعلى ضوء الشمس ،
ففي روايةٍ لابن المبارك وابن الجوزي: لم يكن له ظلٌّ ، ولم يقم مع شمس قط إلا غلب
ضوؤه على ضوء الشمس ، ولم يقم مع سراج قط إلاَّ غلب ضوؤُه على ضوء السراج .
( وَمَعْنَى ) قوله ( إِضْحِيَانٍ) - بكسر الهمزة وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء
المهملة وتخفيف التحتية وفي آخره نون منونة - : ( مُقْمِرَةٌ ) من أوَّلها إلى آخرها ؛
كما قاله الزمخشري .
( وَ) روى البخاريُّ في ((صحيحه))، والترمذي في ((الشمائل)) - واللفظ له -
عن أبي إسحاق السبيعي قال : ( سَأَلَ رَجُلٌ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ ) هو وأبوه صحابيان
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا) - وتقدَّمت ترجمته قريباً - :
( أَكَانَ وَجْهُ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ مِثْلَ السَّيْفِ ؟!) أي : في الاستنارة والاستطالة ،
فالسؤال عنهما معاً . ( قَالَ : لا) أي : ليس مثل السيف في الاستنارة والاستطالة ،
( بَلْ مِثْلَ القَمَرِ ) المستدير الذي هو أنور من السيف ، لكنه لم يكن مستديراً جدّاً بل
كان بين الاستدارة والاستطالة، وكونه وَ ه أحسنَ من القمر لا ينافي صحَّة تشبيههِ به
في ذلك ، لأن جهات الحسن لا تنحصر ، على أن التشبيه بالقمر ، أو بالشمس ؛ أو
بهما إِنما هو عَلى سبيل التقريب والتمثيل ، وإِلاَّ! فلا شيء يعادلُ شيئاً مِن
أو صافه وَّهِ، إذ هي أعلى وأجلُّ من كلِّ مخلوق، وكما أنَّ وجهه أبهى من الشمس
والقمر ؛ فنور قلبه أعظمُ ضياءً منهما ، فلو كَشَف الحقُّ عن مشارق أنوار قلبه
لانْطوى نور الشمس والقمر في مشرقات أنوارها ، وأين نور القمرين من نوره !!
فالشمس يطرأ عليها الكسوف والغروب ، وأنوار قلوب الأنبياء لا كسوف لها
٢٥٣

وَكَانَ لَوْنُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالأَسْمَرِ ، وَلاَ
بِالشَّدِيدِ الْبَيَاضِ .
ولا غروب . ونور الشمس تُشْهَد به الآثار ، ونور القلب يُشْهَد به المؤثِّر، لكن لا بدَّ
للشمس من سحاب ؛ وللحسناء من نقاب !!.
إِن شَمْسَ النَّهَارِ تَغْرُبُ بِاللَّيْ ـٍ وَشَمْسُ القُلُوبِ لَيْسَتْ تَغِيْبُ
(وَكَانَ لَوْنُهُ وَّهِ أَزْهَرَ ) ؛ أي : أبيض بياضاً نَيِّراً مشرقاً، لأنه مشرَّب بحمرة
وقد وصفه جمهور أصحابه بالبياض ؛ منهم أبو بكر الصديق ، وعمر الفاروق ،
وعلي بن أبي طالب ، وأبو جحيفة : ووهب بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ،
وعبد الله بن عبَّاس ، وهند بن أبي هالة ، والحسن بن علي ، وأبو الطُّفيل عامر بن
واثلة ، ومُحَرِّش الكعبي(١) ، وعبد الله بن مسعود ، والبراء بن عازب ، وعائشة ،
وأبو هريرة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأنس في رواية جميع أصحابه عنه ما عدا
حُميداً ؛ فقال : أسمر . قال الحافظ العراقي : انفرد بها حُمَيد عن أنس ، ورواه
غيره من الرواة عنه ؛ فقال : أزهر اللون . فهؤلاء سنَّةَ عشر صحابياً وَصَفوه
بالبياض . وقد مرَّت روايةُ بعضهم ، وستأتي روايةُ بعضهم . وما فسَّرنا به الأزهر ،
من كونه أبيض ... الخ هو ما قاله الأكثر. لكن قال السُّهَيلي: الزُّهرة - في
اللغة - : إشراقٌ في اللون بياضاً ؛ أو غيره .
( وَلَمْ يَكُنْ بِالأَسْمَرِ ) الشديد الشُّمرة؛ وهو المعبّر عنه بالآدم ، وإنَّما يخالط
بياضَه الحمرةُ ، لكنَّها حمرةٌ بصفاءٍ . فيصدق عليه أنَّه أزهر .
( وَلاَ بِالشَّدِيْدِ الْبَيَاضِ)، وهو المعبَّر عنه بـ( ـالأمهق))؛ رواه البخاريُّ
والترمذيُّ؛ من حديث أنس بلفظ: ((أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم)» ..
الحديث، ورواه الترمذي في ((الشمائل)) عن هند بن أبي هالة ((أزهر اللون واسع
الجبين)) ... الحديث. وقد تقدَّم.
(١) تأتي روايته وترجمته بعد عدة صفحات فقط.
٢٥٤

وَنَعَتَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ :
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
( وَنَعَتَهُ عَمُّهُ) شقيق أبيه ( أَبُوْ طَالِبٍ) - واسمُه : عبدُ مناف بن عبد المطلب ؛
والدُ عليٍّ رضي الله عنه وإِخوتِه : الحارث ، وجعفرٍ ، وعقيل - ( فَقَالَ ) في قصيدة
لاميّة طويلة أكثر من ثمانين بيتاً ؛ ذكرها ابن إسحاق بطولها .
( وَأَبْيَضَ ) - بفتح الضاد، مجرورٌ بـ((رُبَّ)) مقدَّرةً؛ كما صدر به الحافظ
كالكرماني والسيوطي، وجزم به في ((المغني)) . أو منصوب ، قال الحافظ ابن
حجر: بإضمار ((أعني)) أو (( أخصُّ)). قال: والراجح أَنَّه بالنصب عطفاً على
((سيِّداً)) المنصوب في البيت قبله وهو :
وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ لاَ أَبَا لَكَ سَيِّداً يَخُوطُ الذِّمَارَ غَيْرِ ذَرْبٍ مُوَاكِلٍ
انتهى .
وبه قطع الدَّماميني في (( مصابيحه))، وردّ به على ابن هشام ، واستظهره في
(( شرح المغني))، وقال : هو من عطف الصفات التي موصوفها واحد ، أو هو
مرفوعٌ خبرُ مبتدأٍ محذوف ؛ قاله الكرماني ، وأفاده القُسطُلاَّني عن ضبط الشرف
اليونيني في نسخته من البخاري ؛ أي: هو أبيضُ؛ ذكره الزرقاني في (( شرح
المواهب)) ، في الجزء الأول ، واقتصر في موضع آخر من الجزء الرابع على
النصب ؛ مصدِّراً به والرفع ، ورَدَّ الجر . والله أعلم .
وفي رواية بدل ((وأبيض)) و((أَبْلَجَ )) من البَلَج - بفتحتين - وهو : نقاء ما بين
الحاجبين .
( يُسْتَسْقَى) - بالبناء للمفعول - ( أُلغَمَامُ) : السحاب ( بِوَجْهِهِ ) أي : يُطلب
السقي من الغمام بوجهه ، والمراد ذاته ، أي : يتوسَّل إلى الله به . وهذا قاله عن
مشاهدة لذلك ، لما رأى في وجهه من مخايل ذلك ؛ وإن لم يشاهده كما أبداه
بعضهم احتمالاً ، وجزم به آخر فإِنَّه عجب .
٢٥٥

ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلأَرَامِلِ
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا
مَشَىْ .. تَكَفََّ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
( ثِمَالَ أَلْيَتَامَى) - بكسر المثلثة وخِفَّة الميم - هو: العماد والملجأ، والمطعِم
والمغيث ، والمعين والكافي . ( عِصْمَةً لِلأَرَاعِلِ ) ؛ أي : يمنعهم مما يضرُّهم ؛
جمع أرملة ؛ وهي الفقير التي لا زوج لها. قال الدماميني: هو بنصب (( ثمالَ)) ؛
و((عصمةً)) ويجوز رفعُهما على أنهما خَبَرَا محذوفٍ. زاد القُسْطُلاَّني: وبجرِّهما على
أن ((أبيضَ)) مجرورٌ. انتهى؛ ذكره الزرقاني على (( المواهب)) رحمه الله تعالى.
( وَ) روى مسلم في ((صحيحه))؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ )
رسولُ الله (وَّهُ أَزْعَرَ اللَّوْنِ)؛ أيْ: نَيِّرَه وحَسَنَهُ. وفي (( الصحاح)) كغيره :
الأبيض المشرق ، وبه أو بـ(( الأبيض المنير ) فسَّره عامَّة المحدِّثين ؛ حَمْلاً على
الأكمل ، أو لقرينة . ولعل مَن فسَّره بالأبيض الممزوج بحُمرة نظر إلى المراد بقرينة
الواقع . قال محقق : والأشهر في لونه أنَّ البياض غالب عليه ؛ لاسيما فيما تحت
الثياب ، لكن لم يكن كانجصُّ ، بل نيِر ممزوج بحمرة غير صافية ، بل مع نور
كدر؛ كما في ((المغرب)). ولهذا جاء في روايةٍ ((أسمر))، وبه يحصل التوفيق
بين الروايات ؛ ذكره المناوي في ((كبيره )). وقال العزيزي : قال العلقمي : هو
الأبيضُ المستنير المشرق ، وهو أحسنُ الألوان ، أي : ليس بالشديد البياض .
( كَأَنَّ) - بالتشديد - (عَرَقَهُ) - بالتحريك -: ما يترشَّح من جلد الإنسان
( اللُّؤْلُؤُ) في الصفاء والبياض، (إِذَا مَشَىْ تَكَفَّأَ) - بالهمز، ودونه - قال
الأزهري: معناه أنَّه يميل إلى سَنَتَه وقصد مشيه. وقال في ((الدر)): تكفَّأَ ؛ أي :
تمايل إلى قُدَّام - بالتشديد - كالسفينة في جريها ، وقال المناوي : أي : يسرع كأنَّه
يميل تارة إلى يمينه وأخرى إلى شماله انتهى ((عزيزي)).
( وَ) في ((الإحياء)) - وعزاه في شرحه؛ إلى ((دلائل النبوة)) للبيهقي - ؛ عن
عائشة رضي الله تعالى عنها، ورواه أبو نعيم عنها قالت: ( كَانَ رَسُوْلُ اَللهِ وَلّ
٢٥٦

أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً وَأَنْوَرَهُمْ، لَمْ يَصِفْهُ وَاصِفٌ إِلَّ شَبَّهَهُ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ
الْبَدْرِ .
وَكَانُوا يَقُولُونَ: هُوَكَمَا وَصَفَهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ .
أحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً وَأَنْوَرَهُمْ ) . روى البخاريُّ ومسلمٌ ؛ من حديث البراء : كان
أحسنَ الناس وجهاً وأحسنَهم خَلْقاً ... الحديث، وللترمذيِّ وابنِ ماجه ؛ من
حديث أنس : كان أحسنَ الناس وأجودَ الناس وأشجعَ الناس . ( لَمْ يَصِفْهُ وَاصِفٌ
إِلَّ شَبَّهَهُ بِالقَمَرِ ). وإنما اختير على الشمس !! لأَنَه يُتمكَّن من النظر إليه ويؤنس مَن
شاهده من غير أذىّ يتولَّد عنه ، بخلاف الشمس ؛ لأنها تُغشي البصر ، وقال :
( لَيْلَةَ الْبَدْرِ !! ) لأنَّ القمر فيها في نهاية إضاءته وكماله . رواه البيهقي في
((الدلائل))؛ من حديث أبي إسحاق الهَمْداني عن امرأة من همدان سَمَّاها ؛ قالت :
حججتُ مع رسول اللّهَ بَّهِ مَرَّات فرأيتُه على بعيرٍ له يطوف بالكعبة بيده مِحْجَن ،
عليه بُردان أحمران ... الحديث . وفيه قال : قال أبو إسحاق : فقلت لها : شَبِّهيه
فقالت : كالقمر ليلة البدر ، لم أَرَ قبلَه ولا بعده مثله . انتهى . وقولها :
((مرَّات)) !! قال الزرقاني. كذا هنا !! فلعلها قبل الهجرة ، إذ لم يحجّ بعد الهجرة
سوى حجة الوداع. وقوله (١): (( فرأيته على بعير له))؛ أي : في حجة الإسلام؛
كما في الزرقاني على ((المواهب)).
( وَ) في ((الإحياء)) - وهو مَعْزُؤٌّ إلى ((دلائل النبوة)) أيضاً؛ من تتمة الحديث
السابق - : ( كَانُوا يَقُوْلُونَ: هُوَ كَمَا وَصَفَهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيْقُ ) .
واسمه : عبد الله بن أبي قحافة : عثمان بن عامر بن عمير بن كعب بن سعد بن
تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله وَّ في
مُرَّة بن كعب .
وأمّ أبي بكر ؛ أمُّ الخير بنتُ صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة .
(١) هكذا في الأصل: وصوابه (وقولها ... ).
٢٥٧

أسلم أبو [أبي)](١) بكر وأمُّه وصحبا رسول الله وَ له. قال العلماء: لا يُعرف
أربعةٌ متناسلون؛ بعضهم من بعض صحبوا رسولَ الله وَّ إلَّ آلُ أبي بكر الصديق؛
وهم عبد الله بن أسماءَ بنتِ أبي بكر بن أبي قحافة ؛ فهؤلاء الأربعة صحابة
متناسلون . وأيضا أبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله
تعالى عنهم .
ولَقَبُ أبي بكر ((عتيقٌ)) ! لعتقه من النار ، وقيل : لحسن وجهه وجماله .
وروى الترمذي بإسناده؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله وَله
قال: ((أبُو بَكْرٍ عَتِيْقُ اللهِ مِنَ النَّارِ)) فمن يومئذ سُمِّي ((عتيقاً)) .
وأجمعت الأمة على تسميته ((صِدِّيقاً)) . قال علي بن أبي طالب رضي الله
عنه: إنَّ الله تعالى هو الذي سمَّى أبا بكر على لسان رسول الله وَّه صدِّيقاً، وسبب
تسميته أنَّه بادر إلى تصديق رسول الله وَّر ولازم الصدق ، فلم يقع منه هَنَة ؛
ولا وقفة في حال من الأحوال .
وكانت له في الإسلام مواقفُ رفيعة ؛ منها : قصته صبيحةَ الإسراء ، وثباتُه
وجوابه للكفَّار في ذلك، وهجرته مع رسول الله وَّه، وترك عياله وأطفاله ؛
وملازمته في الغار وسائر الطريق ، ثُمَّ كلامُه يومَ بدر ، ويوم الحديبية حين اشتبه
الأمر على غيره في تأخّر دخول مَّة، ثم بكاؤه حين قال رسول اللّه وَّ ((إِنَّ عَبْداً
خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللهِ)) ، ثم ثباته في وفاة رسول الله ، وخطبتُه الناس
وتسكينُهُم ، ثم قيامُه في قصة البيعة لمصلحة المسلمين ، ثم اهتمامه وثباته في بعث
جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمُه في ذلك ، ثم قيامُه في قتال أهل الردّة ؛
ومناظرتُه للصحابة حتَّى حجَّهم بالدلائل ، وشرح الله صدورهم لما شرح الله صدره
من الحق ؛ وهو قتال أهل الردة ، ثم تجهيزُه الجيوش إلى الشام لفتوحه وإمدادهم
بالإمداد ، ثم ختم ذلك بمهمٍّ من أحسن مناقبه وأَجَلِّ فضائله ؛ وهو استخلافه على
(١) أُضيفت لضرورةٍ صحّة المعنى، وليست في الأصل.
٢٥٨

رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ حَيْثُ يَقُولُ :
أَمِينٌ مُصْطَفَىْ لِلْخَيْرِ يَدْعُو كَضَوْءِ الْبَدْرِ زَايَلَهُ الْغَمَامُ
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْيَضَ كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ ،
المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وتفرُّسُه فيه ووصيته له ، واستيداعه الله
الأُمَّة ، فخَلَفه الله فيهم أحسنَ الخلافة ، وظهر لعمر - الذي هو حَسَنة من حسناته ؛
وواحدة من فَعَلاتهِ - تمهيدُ الإسلام وإعزازُ الدين ، وتصديق وعد الله تعالى بأن
يظهره على الدين كلّه، وكم للصديق من مواقفَ وآثارٍ !! ومَن يُحصي مناقبه ويحيط
بفضائله غيرُ الله عزَّ وجلَّ !!.
وكانت ولادته بعد الفيل بثلاث سنين تقريباً بمكَّة المكرّمة ، وتوفي بالمدينة
المنورة سنة: ثلاث عشرة من الهجرة، وعمره: ثلاث وستون سنة كرسول الله وَله
وعمر بن الخطاب ، ومدَّة خلافته : سنتان وثلاثة أشهر ونصف شهر .
رُوي له عن النبي وَ ي مائة حديث واثنان وأربعون حديثاً؛ اتفق البخاريُّ ومسلم
منها على ستة ، وانفرد البخاريُّ بأحد عشر ، ومسلم بحديث .
وسبب قلَّة روايته مع تقدُّم صحبته وإسلامه وملازمته للنبي وَّ !! أنَّه تقدَّمت
وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناءِ التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها .
( رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وأَرضاه ( حَيْثُ يَقُولُ:
أَمِيْنٌ مُصْطَفَىْ لِلْخَيْرِ يَدْعُوْ كَضَوْءِ الْبَدْرِ زَايَلَهُ الْغَمَامُ)
وقوله ( زَائِلَهُ الْغَمَامُ ) أي : فارقه ، فالبدر أَضواُ ما يكون إذ ذاك .
( وَ) روى الترمذي في ((الشمائل))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ أَبْيَضَ كَأَنَّمَا صِيْغَ ) ؛ من الصوغ - بالغين المعجمة :
بمعنى صُنْعِ الحلي والإيجاد - أي: سُبك وصُنع ( مِنْ فِضَّةٍ ) باعتبار ما كان يعلو
بياضَهُ وَّر من النور والإِضاءة، وفيه إِيماءٌ إلى تماسُك أجزائه وتناسب أعضائه ،
ونورانيّة وجهه وسائر بدنه . وفي رواية لأحمد : فنظرتُ إلى ظهره كأنَّه سبيكةُ
٢٥٩

رَجْلَ الشَّعُرِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْيَضَ مَلِيحاً مُقَصَّداً .
فضة. وسيأتي . وعُلم من ذلك أن المرادَ أنَّه كان نيِّر البياض ( رَجِلَ ) - بكسر الجيم
وتسكن ـ ( الشَّعْرِ ) ؛ أي : لم يكن قَطَطاً ؛ ولا سَبْطاً . قال القرطبي : كأَنَّ شعره
من أصل الخلقة مُسَرَّحاً . انتهى .
( وَ) روى مسلمٌ، والترمذي في ((الشمائل)) - واللفظ لـ ((الشمائل)) - عن
سعيد الجريري ؛ قال: سمعتُ أبا الطفيل يقول: رأيتُ النبي ◌َّ وما بقيَ على وجه
الأرض أحدٌ رآه غيري . قلتُ: صِفْهُ لي . قال :
(كَانَ بِّهِ أَبْيَضَ ) ؛ أي : بياضاً مشرَّباً بحمرة ؛ لا خالصاً كالبهق ، لأنه
لا جمال فيه ( مَلِيْحاً)؛ أي: حسناً جميلاً، لأنَّه كان أزهرَ اللون، وهذا غايةٌ
الملاحة ، فلم يقارب جمالَه أحدٌ . وما أُعطي يوسف !! إنَّما هو جزء مما أُعطي
رسول الله وَل﴾. ( مُقَصَّداً) - بتشديد الصاد المفتوحة ؛ على أنه اسم مفعول من باب
التفعيل - أي : متوسِّطاً . يقال رجل مقصَّداً ؛ أي : متوسط ، كما يقال رجل
قَصْد ؛ أي: وسط، قال تعالى ﴿وَعَلَى اَللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [٩/ النحل] أي: وسطه.
والمراد أنه وَّهُ متوسِّطُ بين الطول والقِصَر، وبين الجسامة والنحافة ، بل جميع
صفاته على غاية من الأمر الوسط ، فكان في لونه وهيكله ؛ وشعره وشرعه مائلاً عن
طرفي الإفراط والتفريط . وأمته وسط بين الأمم . وكان في قواه كذلك ؛ فكان
معتدل القُوى ، واعتدالُها : أن لا يخرج إلى حدِّ الإفراط والتفريط ، ألا ترى أن
اعتدال قوى العقل يُعبَّر عنه بالفطنة والكياسة !! فإن مالت عن الاعتدال إلى طرف
الإفراط سُمِّي : مكراً وخداعاً، أَو إلى التفريط سُمي: بَلَهاً وحُمْقاً . وكذا اعتدال
قوَّة الغضب ، فإنه يُعبّر عنه بالشجاعة ، فإن مالت إلى طرف الإفراط سُمي :
تهوُّراً ، أو التفريط سُمي: جُبْناً . وكذا اعتدال قوَّة الشهوة يعبّر عنه بالعفة ، فإن
مالت إلى الإفراط سُمي : شَرَهاً ؛ أو التفريط سمي : خُموداً . فالطرفان في سائر
الأخلاق مذمومان، والاعتدال هو الوسط محمودٌ. فَحُفِظ ◌ََّ في ذلك كلِّه من
٢٦٠