النص المفهرس
صفحات 201-220
وَلاَ بِالْمُكَلْثَمِ، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ، أَنْيَضُ مُشَرَّبٌ ، أَدْعَجَ اٌلْعَيْنَيَّنِ ، ( وَلاَ بِالْمُكَلْثَمِ ) الرواية فيه بلفظ اسم المفعول فقط . ومعناه : مدوَّر الوجه ؛ كما سيأتي في كلام المصنف . والمرادُ أنَّه أسيل الوجه مسنونُ الخدين ، ولم يكن مستديراً غاية التدوير ، بل كان بين الاستدارة والإِسالة ، وهو أحلى عند كلٌّ ذي ذوق سليم وطبع قویم . ونقل الذهبيُّ ؛ عن الحكيم أنَّ استدارة الوجه المفرطة دالَّة على الجهل . ( وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَذْوِيْرٌ) أي: شيءٌ قليل منه ، وليس كلُّ تدوير حَسَناً كما علمت ، وهذه الجملة كالمبيَِّةَ لقوله (( وَلا بالمُكَلْثَم )). ( أبْيَضُ ) - بالرفع - خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أبيض ( مُشَرَّبٌ) بحُمرة ؛ كما في روايةٍ ومُشْرَب ـ بالتخفيف - من الإِشراب ؛ وهو : خلط لون بلون كأنه سُقي به، أو [ مُشَرَّب ] بالتشديد من التشريب ؛ وهو مبالغة في الإشراب . وهذا لا ينافي ما في بعض الروايات: ((وليس بالأبيض))، لأن البياض المثبتَ ما خالطه حُمرة ، والمنفيُّ ما لا يخالطه ؛ وهو الذي تكرهه العرب؛ وتسمِّيه ((أمهق)). تنبيه : صرَّح العلماء رحمهم الله تعالى بكفر مَن قال: كان النبي وَلخير أسود ، لأن وصفه بغير صفته في قوَّة نفيه فيكون تكذيباً به ، ومنه يؤخذ أنَّ كلَّ صفةٍ عُلم ثبوتُها بالتواتر كان نفيها كُفراً، للعلَّة المذكورة. وقول بعضهم (( لا بد في الكُفر في أن يصفَه بصفة تُشعِر بنقصه ، كالسواد هنا)) لأنه لون مفضول !! فيه نظر ، لأن العلّة ليست هي النقص ، بل ما ذُكر فالوجه أَنَّه لا فرق. انتهى ((باجوري)). ( أَدْعَجَ ) - بمهملتين فجيم - ( أُلعَيْنَيْنِ ) ؛ أي : شديد سواد حدقة العين مع سَعَتها . كما سيأتي في كلام المصنف ، فلا يُشكل بأنه أشكل . لأَنَّ الشُّكلة في البياض ؛ لا في السواد . كما يأتي . وقيل : الأدعج شديد بياض البياض وسواد السواد . ٢٠١ أَهْدَبَ الأَشْفَارِ، جَلِيلَ الْمُشَاشِ وَالْكَتِدِ ، أَجْرَدَ ، ذَا مَسْرُبَّةٍ ، شَثْنَ أَلْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ، إِذَا مَشَى .. تَفَلَّعَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُ مِنْ صَبَبٍ ، ( أَهْدَبَ الأَشْفَارِ ) ؛ جمع شُفْر - بالضم ويُفتح - وهو حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر . ويقال له الهُذْبُ - بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة -. والأهدب : الذي شعر أجفانِه كثيرٌ مستطيل . وفي كلامه حذفُ مضاف أي : أهدب شعر الأشفار هي الأجفان التي تنبت عليها الأهداب ويحتمل أنَّه سمَّى النابت باسم المنبت للملابسة . ( جَلِيْلَ ) - أي عظيم - ( المُشَاشٍ) - بضم الميم فمعجمتين بينهما ألف - جمع مُشاشة - بالضم والتخفيف -: رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين . ( وَ) جليل ( أُلكَتَدٍ ) - بمثناة فوقية مفتوحة أو مكسورة - وسيأتي في كلام المصنف : أنَّه مجمع الكتفين وهو الكاهل ؛ أي : عظيم ذلك كلِّه . وهو يدلُّ على غاية القوَّة ونهايةِ الشجاعة . ( أَجْرَدَ ) أي : هو أجرد ؛ أي : غير أشعر ؛ وهو : مَن عمَّ الشعر جميعَ بدنه ، فالأجرد : مَن لم يعمَّه الشعر فيصدُقُ بمَنْ في بعض بدنه شعر كالمسرُبة والساعدين والساقين. وقد كان لهَ﴿ في ذلك شعر؛ فوَصْفُهُ وَِّ بأنه أجردُ باعتبار أكثر مواضعه ، إِما بجعل الأكثر في حكم الكلّ ، أو تغليب ما لا شعر لَهُ على ما لَهُ شعر . ( ذَا مَسْرُبَّةٍ) - تقدَّم شرحه - ( شَثْنَ اُلْكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ ) تقدَّم الكلام عليهما . ( إِذَا مَشَىْ تَقَلَّعَ ) في مشيه كأنه يقلع رجله من رجل ، إذا أراد قوّة مشيه كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً بائناً متداركاً إحداهما بالأخرى ؛ مِشية أهل الجلادة والهِمَّة ، لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب خطاه ، فإنَّ ذلك من مشي النساء . فالتقلُّع قريبٌ من التكفِّي . وقد سبق . ( كَأَنَّمَا يَنْحَطُ مِنْ صَبَبٍ )، وهذا مؤكِّد لمعنى التقلُّع، وتقدَّم إيضاحه . ٢٠٢ وَإِذَا اُلْتَّفَتَ .. الْتَفَتَ مَعاً، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتِمُ اٌلْنُوَّةِ . وَهُوَ خَاتِمُ النَّبِّينَ ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْراً ، ( وَإِذَا الْتَّفَتَ الْتَفَتَ مَعاً) ؛ أي: بجميع أجزائه ، فلا يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى الشيء ، لما في ذلك من الخفَّة وعدمِ الصيانة ، وإنَّما كان يُقبل جميعاً ويُدبر جميعاً ، لأنَّ ذلك ألْيَقُ بجلالته ومهابته. وفي ((ألفيّة العراقي)): يُقْبِلُ كُلُّهُ إِذَا مَا الْتَقْنَا وَلَيْسَ يَلْوِي عُنُقُأَ تَلَقُّتًا وينبغي - كما قاله الدَّلجي - أن يُخَصَّ هذا بالتفاته وراءه ، أما لو التفت يَمنة أو يَسرة !! فالظاهر أنَّه بعنقِهِ الشريف. وقيل: أراد بذلك أَنَّه لا يسارع. قال القُسطُلاَّني : وهو أقرب لما يأتي : أنه كان جُلُّ نظره الملاحظةَ . انتهى . ( بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتِمُ ) - بفتح التاء وكسرها ، والكسرُ أشهر وأفصح ، وهو في الأصل - : ما يختم به كالطابع . والمراد هنا الأثر الذي بين كتفيه المنعوت به في الكتب المتقدمة ، وكان علامةَ أنَّه النبي الموعود به في تلك الكتب . وهو : قطعةٌ لحم بارزةٌ بين كتفيه بقدر بيضة الحمامة أو غيرها بحسب اختلاف الروايات فيه ، وإضافتهُ إِلى ( النُّبُوَّةِ ) لكونه علامتَها . وهذه الجملةَ غيرُ معطوفة على ما قبلها لعدم المناسبة . ( وَهُوَ خَاتِمُ النَّبِيْنَ ) أي: آخرُهم، فلا نبيَّ بعده تُبْتَدَأُ نُبُوَّته . فلا يَرد عيسى عليه الصلاة والسلام لأنَّ نبؤَّتَه سابقةٌ؛ لا مُبْتَدَأة بعد نبينا وَّرِ. فعيسى إنَّما ينزل حاكماً بشريعته ومتابعاً لها مستَمِدّاً أحكامه من الكتاب والسنة . وهذه الجملة حالِيَّة مكمّلَةٌ لما قبلها ؛ أو معطوفة عليها لوجود المناسبة . ( أَجْوَدُ النَّاسِ صَذْراً) ؛ أي : من جهة الصدر ، والمراد به هنا القلب تسميةً للحال باسم المحلِّ ، إِذ الصدر محلُّ القلب الذي هو محلُّ الجود . والمعنى : أَنَّ جوده عن طيب قلب وانشراح صدر ؛ لا عن تكلُّف وتصنُّع . وفي رواية : أوسع الناس صدراً ؛ وهو كناية عن عدم الملل من الناس على اختلاف طباعهم وتباينٍ ٢٠٣ وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً ، وَأَلْيَتُهُمْ عَرِيكَةٌ ، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً ، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً .. هَابَهُ، أمزجتهم، كما أن ضيق الصَّدرِ كنايةٌ عن الملل. انتهى ((باجوري)). ( وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً) - بسكون الهاء وتفتح ؛ والفتح أفصح - واللهجة : هي اللسان . لكن لا بمعنى العضو المعروف ؛ بل بمعنى الكلام . لأنه هو الذي يتَّصفُ بالصِّدق ؛ فلا مجالَ لجريان صورةٍ الكذب في كلامه . ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله ((أصدق الناس)) !! لزيادة التمكُّن؛ كما في قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ [الإخلاص). وإنما لم يَجْرِ على سَنَه فيما بعدُ !! أَذَ اَللَّهُ الصََّمَدُ﴾﴾ اللَّهُ أَحَدُ اكتفاءً في حصول النكتة بهذا . ( وَأَلْيَتُهُمْ عَرِيْكَةً ) أَلْيَن، من اللِّين ؛ وهو ضِدُّ الصلابة . والعريكة : الطبيعة ؛ وَزْناً ومعنى، ومعنى لِينها : انقيادُها للخلق في الحقِّ . فكان معهم على غايةٍ من التواضع وقلَّة الخلاف والنفور. وهذه الجملة منبئةٌ عن كمال مسامحته وَّ ووفور حلمه ؛ ما لم تُنْتَهك حرمات الله تعالى . ( وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةٌ) - بالكسر - اسمٌ من المعاشرة؛ وهي المخالطة . فمعاشرته بَّه ومخالطته أكرمُ مِن جميع مخالطة الناس كما يدلُّ عليه قوله: ( مَنْ رَآهُ بَدِيْهَةً ) ؛ أي : رؤية بديهةً ، فهو مفعول مطلق ، يعني فجأة من غير سابقةِ مخالطةٍ ومعرفةِ أحواله ، أو قبل النظر في أخلاقه العليّة وأحواله السّنِيَّة ( هَابَهُ) ؛ أي : خافَه لما فيه من صِفَةِ الجلال الربَّانيّة ، ولِمَا عليه من الهيبة الإلهية والفيوضات السماوية . قال ابن القيِّم : والفرقُ بين المهابة والكِبر : أنَّ المهابة أثرٌ من آثار امتلاء القلب بعظمة الربِّ ومحبَّته وإجلاله ، فإذا أَمْتلأ القلب بذلك حَلَّ فيه النور ، ونزلت عليه السكينة ، وأُلبس رداءَ الهيبة ؛ فكلامه نور ؛ وعلمه نور ، إنْ سكت علاه الوقار ، وإن نطق أخذ بالقلوب والأبصار . وأما الكِبْر! فإنَّه أثرٌ من آثار امتلاءِ القلب بالجهل والظلم والعُجب . فإِذا امتلأ القلب بذلك ترخَّلت عنه العبوديةُ ، وتنزَّلت عليه الظلمات الغضبية ، فمشيتُه بينهم ٢٠٤ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةٌ . . أَحَبَّهُ ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ . تبخثُّرُّ، ومعاملتُه لهم تكبِّر، لا يبدأ مَن لَفِيَهُ بالسلام؛ وإن ردَّ عليه يُريه أنَّه بالغ في الإنعام، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خُلُقه. وقد حمى الله حبيبه من هذه الأخلاق . ( وَمَنْ خَالَطَهُ)؛ أي : عاشرهُ وصاحبهُ (مَعْرِفَةً ) ؛ أي : مخالطة معرفة ، أو لأجل المعرفة ( أَحَبَّهُ ) حُبّا شديداً حتى يصيرَ أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين ، لظهور ما يوجب الحبَّ من كمال حُسن خُلُقه ومزيد شفقته . وخرج بقوله (( معرفة )) مَن خالطه تكبِّراً ، كالمنافقين ، فلا يحبُّه . ( يَقُوْلُ نَاعِتُهُ) ؛ أي : واصفُه بالجميل على سبيل الإجمال ، لعجزه عن أن يصفَه وصفاً تاماً بالغاً على سبيل التفصيل: (لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ) ؛ أي : مَنْ يساويه صورةً وسيرة وخُلُقاً وخَلْقاً ، إذ ليس في الناس مَن يمائِلُه في الجمال ، ولا في الخُلُق مَن يشابهه على وجه الكمال . هذا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه - وهو هو في العلم والمعرفة، وقال فيه رسول الله وَله: ((أَنَا مَدِيْنَةُ العِلْمِ وَعَلِيٍّ بَابُهَا)) بعد أن عدَّد بعض البعض من صفات جماله ونُعوت كماله وَّرِ ـ اعترف بالعجز عن استقصاء محاسنٍ هذا الجناب الأَرْفع ، ورجع إلى القصور عن إدراك كمالاتِ هذا الشفيع المشفَّع ؛ إشارة إلى أن الجناب المذكور في غاية العُلُوِّ ونهاية الارتفاع ، فمن طاوله ورام استقصاء كمالاتِهِ عجز وانقطع . ثمَّ اعلم أنَّ المنفيَّ عمومُ الشَّبَه ؛ لا أصله أو معظمه ، فلا ينافي ما ذكره العلماء مِن أَنَّ الذين كانوا يُشبِهِونِهِ وََّ ابنُهُ إبراهيم، وابنته فاطمة ، وابناها الحسن والحسين ، وجعفر بن أبي طالب ، والسائب بن عبيد ((جدّ الإمام الشافعي))، وعبد الله بن عامر بن كريز العبشمي، وكابس بن ربيعة ((رجل من أهل البصرة))؛ كان أنس إذا رآه بكى ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، ومسلم بن معتب بن أبي لهب ، وعبد الله بن أبي طلحة الخولاني ، في آخرين من التابعين . وذُكر أيضا فيهم عثمان بن عفان . قال في ((المواهب)): وعَدَّهم بعضُهم سبعاً وعشرين نفساً. وإنَّما ذكر المصنف في باب الخلق ما ليس منه محافظةً على تمام الخبر . ٢٠٥ وَمَعْنَى ( الْمُطَهَّمِ ): الْبَادِنُ الْكَثِيرُ اللَّحْمِ. وَ( الْمُكَلْثَمِ ) : الْمُدَوَّرُ الْوَجْهِ . وَ( أَدْعَجِ الْعَيْنَيَّنِ ): شَدِيدُ سَوَادِهِمَا. وَ( أَهْدَبِ الأَشْفَارِ ) : طَوِيلُ شَعْرِ الأَجْفَانِ. وَ(الْمُشَاشِ): رُؤُوسُ الْعِظَامِ. وَ( الْكَتَدِ ) : مُجْتَمَعُ الْكَتِفَيْنِ. وَ( أَجْرَدَ ): غَيْرُ أَشْعَرَ . وَ( تَقَلَّعَ): مَشَى بِقُوَّةٍ . (وَمَعْنَى المُطَّهَّم ) - بفتح الهاء المشددة - : ( البَادِنُ ) ؛ أي : عظيم البدن بكثرة لحمه ، فقوله ( الكَثِيْرُ اللَّخم ) صفةٌ كاشفة للبادن ؛ للمبالغة والتوضيح . ( وَ) معنى ( المُكَلْثَم): ( المُدَوَّرُ أَلَوَجْهِ) ولا يكون إِلاَّ مع كثرة اللحم . ( وَ) معنى ( أَذْعَجِ) - بمهملتين وجيم - ( العَيْنَيْنِ: شَدِيْدُ سَوَادِهِمَا ) ؛ أي : شديد سواد حَدَقتهما مع سَعة العين وشِدَّة بياضها . فالدَّعَج : شدَّةُ بياض البياض وسوادِ السواد ، وهو الأنسبُ بمقام المدح . وقد تقدَّم قولٌ آخرُ ثَمَّ . ( وَ) معنى ( أَهْدَبِ الأَشْفَارِ) ؛ جمع شُفْر - بضمِّ أوله وقد يفتح - : (طَوِيْلُ شَعْرِ الأَجْفَانِ ) . ومعنى (المُشَاشٍ) - بمعجمتين جمع مُشاشة بالضمِّ والتخفيف - : ( رُءُوسُ العِظَام ) كالمرفقين والكتفين والرُّكبتين ، أو : هي رءوس المَنَكب، أو العظام اللَّيّنة، أو التي يمكن مضغُها . ( وَ) معنى ( أُلَكَتِدِ) - بمثناة فوقية تُفتح وتكسر - : ( مُجْتَمَعُ الكَتِفَيْنِ ) ؛ تثنية كتف - بفتح أوله وكسر ثانيه ، وبكسر أوله أو فتحه مع سكون ثانيه ؛ كما في ((القاموس)) - ( وَ) معنى ( أَجْرَدُ غَيْرُ أَشْعَرَ) قال في (( القاموس )): رجل أجردُ لا شعر عليه . فوصْفُه به مع وجود الشعر في مواضع من بدنه غالبيٌّ. وقولُ البيهقيّ في ((التاج)): معنى ((أجرد)) هنا: صغير الشعر !! رُدَّ بقول ((القاموس)): الأجردُ إذا جُعل وصفاً للفرس كان بمعنى صِغَر شعره ، وإذا جُعل وصفاً للرجل فمعناه : لا شعر عليه، على أن لحيتَه الشريفةَ كانت كَثَّة. وقيل: معنى ((أجرد)): أي لا غش فيه ولا غِلَّ ، فهو على أصل الفطرة . ( وَ) معنى ( تَقَلَّعَ: مَشَىْ بِقُوَّةٍ ): أراد قوّة مشيه ، كأنه يرفع رجله من الأرض ٢٠٦ وَ( اللَّهْجَةِ ) : الْكَلاَمُ. وَ( الْعَرِيكَةِ ): الطَّبِيعَةُ . وَ( الْبَدِيهَةِ ) : الْمُفَاجَأَةُ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْلَ الْخَدَّيْنِ ، ضَلِيعَ الْفَمِ، رفعاً قوياً . وذلك أبعدُ عن الكِبر وأعونُ على قطع الطريق ، لا كَمَنْ يختال يقاربُ خطاه ، فإنَّه شأنُ النساء . ( وَ) معنى ( اللَّهْجَةِ) - بسكون الهاء وجيم، و[اللَّهَجَة] تُحرَّك أفصح: ( أُلكَلاَمُ ) والمعنى كلامُه أصدقُ الكلام ، فلا مجال لجريان صورة الكذب عليه . ( وَ) معنى ( العَرِيْكَةِ: الطَّبِيْعَةُ) وَزْناً ومعنى. (وَ) معنى ( أُلبَدِيْهَةِ: المُفَاجَأَةُ ) بالهمز ، أي : البغتة ، ومنه البديهي : الحاصل من غير التروِّي . يقال بَدَهْتُهُ بأمر ؛ أي : فجأْتُه. وفَجَأَهُ الأمر : إذا جاءَه بغتةً . تنبيه : قال الحافظ أبو نعيم : قد اختلفت ألفاظُ الصحابة في نعته وصفاته ، وذلك لِمَا رُكِّب في الصدور من جلالته وعظيم مهابته ، ولما جُعل في جسده الشريف من النُّور الذي يتلألأ ويغلب على بشرته ، فأعياهم ضبطُ نعتِه وصفةُ حِلیته ، حتَّى قال بعضهم : كان مثل الشمس طالعةً . وقال بعضهم : كان يتلألأُ تلألُؤ القمر ليلةً البدر . وقال بعضهم : لم أَرَ قبله ولا بعده مثلَه . ولذلك السبب كان اختلافُهم في نعت خلقته ولونه . انتھی « مناوي )) . ( وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ) - فيما رواه مسلم، والترمذي؛ من حديث جابر بنِ سَمُرَة رضي الله عنه ، والترمذي ؛ من حديث هند بن أبي هالة ، بألفاظ مختلفة - ( سَهْلَ الخَدَّيْنِ ) ؛ أي : غير مرتفع الوجنتين . وهو بمعنى خبر البزَّار والبيهقي : كان أسيلَ الخدَّين . وذلك أعلى وأغلى وأحلى عند العرب . (ضَلِيْعَ الفَم ) - بضاد معجمة مفتوحة: عظيمَهُ، أو واسِعَهُ . والعرب تتمدح بِسَعَة الفم وتَذُمُ ضَيقه، لأن سَعَته دليلٌ على الفصاحة . وكما تتمدح العربُ بِعظم الفم تتمدح بكثرة ريقه عند المقامات والخطب والحروب ، لدلالته على ثبات ٢٠٧ سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ ، أَشْعَرَ الْمَنْكِبَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ ، طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ ، رَحْبَ الرَّاحَةِ ، أَشْكَلَ الْعَيْنَيَّنِ ، الجَنان ، بخلاف الجبان ؛ فإنَّه يجِفُّ ريقه في هذه المحافل ( سَوَاءَ ) - بفتح السين والواو والألف الممدودة وبالإضافة إلى ( البَطْنِ وَالصَّدْرِ ) وبعدمها، والمعنى أَنَّ بطنَه وصدرَه الشريفان مستويان لا ينتأُ أحدهما عن الآخر ، فلا يزيد بطنُهُ على صدره ؛ ولا يزيد صدره على بطنه . ( أَشْعَرَ ) ؛ أي : كثير شعر ( أُلمَنْكِبَيْنِ ) - بفتح الميم وكسر الكاف ــ تثنية مَنْكِب ؛ وهو : مجتمعُ رأس الكتف والعضد . ( وَ) أشعر (الذِّرَاعَيْنِ) - بكسر الذال ــ تثنية ذراع. وهو: مِن المِرفق إلى الأصابع . ( وَ) أشعر ( أَعَالِيْ) - جمع أعلى - (الصَّدْرِ ) ؛ أي: أنَّ شعر هذه الثلاثة كثيرٌ غزير . وفي ((القاموس)): والأشعر: كثيرُ الشعر وطويلُه . انتهى . ( طَوِيْلَ الزَّنْدَيْنِ ) - بفتح الزاي وسكون النون وبالدال المهملة - تثنية زَنْد كَفَلْس، وهو - كما قال الزمخشري في (( الفائق)) - : ما انحسر عنه اللحم من الذراع . قال الأصمعي : لم يُرَ أحدٌ أعرض زنداً من الحسن البصري کان عرض زنده شِبْراً. ( رَحْبَ ) الرواية بفتح الراء - ويجوز الضم في اللغة - بمعنى السعة ( الرَّاحَةِ ) ؛ أي : واسع الكفِّ حِسّاً ومعنىّ. قيل: رَحبُ الراحة دليلُ الجود، وضيقُها دليلُ البخل ، والراحة : بطن الكفِّ مع بطون الأصابع وأصلُها من الرَّوح ؛ وهو الاتساع . ( أَشْكَلَ العَيْنَيْنِ ) ؛ أي : في بياضهما شيءٌ من الحُمْرة ، يقال : شَكِلت العين - بكسر الكاف - إذا خالط بياضَها حمرةٌ ، وفي جميع كتب الغريب : الشُّكْلة - بضم الشين - : حُمرة في بياض العين . قال الشاعر : وَلاَ عَيْبَ فِيْهَا غَيْرُ شُكْلَةِ عَيْنِها كَذَاكَ عِتَاقُ الخَيْلِ شُكْلٌ عُيُونُهَا والأشكل محمودٌ ومحبوب . قال الحافظ العراقي: وهي - أي : الشُّكلة - ٢٠٨ أَحْمَرَ الْمَاقِ ، مَنْهُوسَ اٌلْعَقِبَيْنِ . وَمَعْنَى (ضَلِيعِ الْفَمِ): وَاسِعُهُ، وَهُوَ مَمْدُوحٌ لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الْفَصَاحَةِ. وَ( أَشْكَلِ أَلْعَيْنَيَّنِ ) : فِي بَيَاضِهِمَا حُمْرَةٌ . وَ( مَنْهُوسِ الْعَقِبَيْنِ ) : قَلِيلُ لَخْمِهِمَا . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَظِيمَ اَلْعَيْنَيَّنِ، أَهْدَبَ الأَشْفَارِ، إحدى علامات النبوة ، ولمَّا سافر إلى الشام مع ميسرة وسأل عنه الراهبُ ميسرةَ ؛ فقال : في عينه حمرة . فقال : هو هو . انتهى . وأما الشُّهْلة ! فهي حمرةٌ في سواد العين . ( أَحْمَرَ المَآتِيْ ) - جمع : موق وماق - وهو : شِقُّ العين مما يلي الأنف ، والذي يلي الصُّدغ ؛ يقال له (( لِحَاظ)). ( مَنْهُوسَ ) - ضبطه الجمهور بالسين المهملة - أي: قليل لحم (العَقِبَيْنِ ) - بفتح العين وكسر القاف ـ : تثنية عقب ؛ هو : مؤخر القدم . ( وَمَعْنَىْ ضَلِيْعِ الفَم) - بالضاد المعجمة - : ( وَاسِعُهُ)، وقيل: عظيمه ( وَهُوَ مَمْدُوحٌ) عند العربَ ( لَدِلاَلَتِهِ عَلَى الفَصَاحَةِ ) وسعة البلاغة . ( وَ) معنى ( أَشْكَلِ العَيْنَيِّنِ: فِي بَيَاضِهِمَا حُمْرَةٌ) يقال : ماءٌ أشكل إذا خالطه دمٌّ. وهذا التفسير للشُّكْلَةِ هو الصواب المعروف في كتب اللغة والغريب . ( وَ) معنى ( مَنْهُوسِ ) - بسين مهملة وفي رواية بمعجمة - : منهوش ( أُلْعَقِبَيْنِ ) والمعنى واحد ، أي : ( قَلِيْلُ لَحْمِهِمَا ). ( وَ) رَوَى البيهقيُّ؛ عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ عَظِيْمَ العَيْنَيْنِ ) ؛ أي : شديد اتساعهما ، فهو بمعنى رواية الترمذي وغيره المارَّة عن علي. ((أدعج العينين)). قال الجوهري: الدَّعَجُ - محرَّكاً - : شدَّة سواد العين مع سَعَتها . ( أَهْدَبَ الأَشْفَارِ ) ؛ جمع شُفْر - بالضمِّ وتفتح - وهي : حروفُ الأجفان التي ٢٠٩ مُشَرَّبَ الْعَيْنِ بِحُمْرَةٍ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَجَ الْحَاجِبَيْنِ، كَأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا أَلْفِضَّةُ الْمُخَلَّصَةُ . وَكَانَتْ عَيْنَاهُ نَجْلاَوَيْنِ، أَدْعَجَهُمَا ، وَكَانَ فِي عَيْنَّهِ تَمَُّجٌ مِنْ حُمْرَةٍ ، وَكَانَ أَهْدَبَ الأَشْفَارِ حَتَّى تَكَادَ تَلْتَبِسُ مِنْ كَثْرَتِهَا. ينْت عليها الشعر . أي : الهُذْب . وإيهامُه أَنَّ الأشفار هي الأهداب غيرُ مراد ، فقد قال ابن قتيبة: العامَّة تجعل أشفارَ العين الشعرَ، وهو غلط. وفي (( المغرب)) وغيره : لم يذكر أحدٌ من الثقات أنَّ الأشفارَ الأهدابُ ، فهو إِمَّا على حذف مضاف ؛ أي : الطويل شعر الأشفار ، أو سُمِّي النابت باسم المَنْبت للملابسة . ( مُشَرَّبَ العَيْنِ) - بصيغة اسم المفعول مخفَّفاً ومُشَدَّداً - ( بِحُمْرَةٍ) ؛ وهي عروق حُمر دِقاق ، من علاماته في الكتب السابقة . ( وَ) في ((الإِحياء)): ( كَانَ نَّهُ أَبْلَجَ الحَاجِبَيْنِ، كَأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا الفِضَّةُ المُخَلَّصَةُ) ؛ أي : كأن بين حاجبيه بَلْجة، أي: فُرجة بيضاء دقيقة: لا تَتَبَيّنُ إِلاَّ لِمُتَأَمّل ، فهو غيرُ أقرن في الواقع ؛ وإن كان أقرنَ بحسب الظاهر عند مَن لم يَتأمَّله ، لأنَّهما سبغا حتى كادا يلتقيان . قال الأصمعيُّ : كانت العرب تكره القَرَن وتستحبُّ البَلج ، والبَلَج هو : أن ينقطع الحاجبان ؛ فيكونَ ما بينهما نقيّاً . ( وَكَانَتْ عَيْنَاهُ نَجْلاَوَيْنِ ) - أي: واسعتين - ( أَدْعَجَهُمَا ) ؛ أي : شديد سوادٍ حَدَقتهما . ( وَكَانَ فِي عَيْنَيِّهِ تَمَزُّجٌ مِنْ حُمْرَةٍ ) ؛ هو بمعنى كونه أشكل العينين ، وقد مرَّ أَن الشُّكْلة - بضمِّ الشين - : الحمرةُ تكون في بياض العين . والشُّهلة غيرُ الشُّكلة ؛ وهي حمرة في سوادها . ( وَكَانَ أَهْدَبَ الأَشْفَارِ ) جمع شُفْر - بالضم - وهو : حرف الجفن الذي يَنبت عليه الهُدب . قال ابن قتيبة : والعامَّة تجعل أشفار العين الشعر ، وهو غَلَط ، وإنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر . انتهى . ( حَتَّىْ تَكَادَ تَلْتَسُ مِنْ كَثْرَتِهَا ) رُوي ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، ومن حديث علي رضي الله تعالى عنه بألفاظ مختلفة . ٢١٠ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْلَ الْخَدَّيْنِ صَلْتَهُمَا، لَيْسَ بِالطَِّيلِ الْوَجْهِ ، وَلاَ الْمُكَلْثَمِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ صِفَةً وَأَجْمَلَهَا ، كَانَ رَبْعَةً إِلَى الْطُولِ مَاهُوَ ، ( وَ) روى البخاريُّ في (( باب اللباس))؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسولُ الله (فِِّ ضَخْمَ الرَّأْسِ )؛ أي: عظيمَهُ، لأنه يدلُّ على قوَّة الحواسِّ والذكاء والفطنة . وفي رواية ضخَم الهامة ( وَأَلْيَدَيْنِ ) - يعني : الذراعين ؛ كما جاء مبيّناً هكذا في رواية - ( وَأَلقَدَمَيْنِ ) - يعني: ما بين الكعب إلى الركبة . وجمع بين الرأس واليدين والقدمين في مضاف واحد !! لشدَّة تناسبها ، إذ هي جميع أطراف الحيوان ، وهو بدونها لا يُسَمَّاه . ( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ) رسول الله (وَُّ سَهْلَ الخَذَّيْنِ صَلْتَهُمَا ) ، أي : سائلهما من غير ارتفاع وَجْنتيه ، وذلك أحلى عند العرب . رواه الترمذي في (( الشمائل))، والبيهقيُّ، والطبرانيُّ ؛ من حديث هند بن أبي هالة . وروى البزار والبيهقي : كان أسيل الخدين . وأَصْلَتُ الخدين : أَسِيلُهما ، هو المستوي الذي لا يفوت بعضُ لحم بعضه بعضاً. انتهى شرح ((الإحياء))). ( لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ الوَجْهِ وَلاَ المُكَلْثَمِ ) ؛ أي : لم يكن شديدَ تدويرِ الوجه . والمكلثم : هو المدوَّر الوجه ، يقول : فليس كذلك ولكنه مسنون . رواه الترمذي في ((الشمائل))، والبيهقي في ((الدلائل))؛ من حديث علي: لم يكن بالمطهَّم ؛ ولا بالمكلثم . وكان في وجهه تدوير . الحديث . والمطهّم : هو المنتفخ الوجه ، وقيل : الفاحش السِّمن. انتهى ((شرح الإحياء)). ( وَ) روى البيهقيُّ في ((دلائل النبوة))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (وِّرَ أَحْسَنَ اَلنَّاسِ صِفَةً)؛ أي : صفةً كمال ، ( وَأَجْمَلَهَا ) ؛ أي : الناس ، لما منحه الله تعالى من الصفات الحميدة الجليلة . (كَانَ رَبْعَةً إِلَى الطُّوْلِ، مَا هُوَ) يحتمل أنَّ ((ما)) صلة، أو صفة لمصدر محذوف. ٢١١ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ، شَدِيدَ سَوَادِ الشَّعْرِ، أَكْحَلَ الْعَيْنَيَّنِ ، أَهْدَبَ الأَشْفَارِ ، إِذَا وَطِىءَ بِقَدَمِهِ . . وَطِىءَ بِكُلِّهَا، لَيْسَ لَهُ أَخْمَصُ ، إِذَا وَضَعَ رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ .. فَكَأَنَّهُ سَبِيكَّةُ فِضَّةٍ، وإِذَا ضَحِكَ .. يَتَلأُلأُ . وَمَعْنَى ( أَسِيلٍ الْخَدَّيْنِ ) : لَيْسَ فِيهِمَا أَرْتِفَاعٌ . وَ( الْأَكْحَلِ ) : أَسْوَدُ أَجْفَانِ الْعَيْنِ خِلْقَةً . والجارُ والمجرور متعلُّق بمحذوف؛ أي: هو يميل إلى الطول ميلا قليلاً . ( بَعِيْدَ ) - بفتح فكسر - ( مَا بَيِّنَ الْمَنْكِبَيْنِ ) ؛ أي : عريض أعلى الظهر ؛ ويلزمه عرض الصدر . وذلك علامة النجابة . ( أَسِيْلَ الخَذَّيْنِ ) - بكسر المهملة - وفي رواية الترمذي ((سهل الخدين)) ؛ أي : ليس في خدَّيه نتوءٌ ؛ ولا ارتفاع. وأراد أنَّ خذَّيه أسيلانٍ قليلاً اللحم رقيقًا الجلد . ( شَدِيْدَ سَوَادِ الشَّعَرِ ، أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ ) ؛ أي : شديد سوادِ أجفانهما. والكَحَلُ - بفتحتين - : سواد في أجفان العين خلقة . ( أَهْدَبَ الأَشْفَارِ ، إِذَا وَطِىءَ بِقَدَمِهِ وَطِىءَ بِكُلُّهَا) ؛ أي : لا يُلصق القدم بالأرض عند الوَطْءِ ، وهو مشيُّ الشجاع، ( لَيْسَ لَهُ أَخْمَصُ ) - بفتح الميم - أي : خارج عن الحدِّ ؛ فله خموصة أَزْيَدُ من الناس لكنها مع عدم الإفراط المخلِّ بالجمال ؛ ( إِذَا وَضَعَ رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبَيِّهِ؛ فَكَأَنَّهُ سَبِنْكَةُ فِضَّةٍ ، وَإِذَا ضَحِكَ ) ؛ أي : تبسّم ( يَتَلأْلأُ) ؛ أي : يلمع ويضيءُ ، ويظهر من ثَغْره نورٌ . ولا يخفى ما في تعدُّد هذه الصفات من الحُسن ، وذلك لأنَّها بالتعاطف تصير كأنَّها جملةٌ واحدة . ( وَمَعْنَى (( أَسِيْلِ الْخَذَّيْنِ)) ): أنَّهما ( لَيْسَ فِيْهِمَا أَرْتفَاعٌ . ( وَ) معنى ( الأَكْحَلِ) هو: (أَسْوَدُ أَجْفَانِ العَيْنِ خِلْقةً) أي: من أصل الخلقةِ. ٢١٢ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَحَ الذِّرَاعَيْنِ ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، أَهْدَبَ أَشْفَارِ الْعَيْنَيَّنِ . وَمَعْنَى ( شَبَحِ الذِّرَاعَيْنِ ) : عَرِيضُهُمَا مُمْتَدُّهُمَا . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْلَ الْعَضُدَيْنِ وَأَلْذُّرَاعَيْنِ ، ( وَ) روى البيهقيُّ في ((الدلائل))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رَسُولُ اللهِ (تَِّ شَبَحَ الذِّرَاعَيْنِ) - قال المناوي: بشين معجمة فموحّدة مفتوحة ، فحاء مهملة - : عريضهما ممتدّهما. والذِّراعان : تثنية ذراع ؛ وهو : ما بين مِفصل الكفِّ والمِرفق ، أو من الْمِرفق إلى أطراف الأصابع . ( بَعِيْدَ) - بفتح فكسر - ( مَا بَيْنَ اُلمَنْكِبَيْنِ ) ؛ أي : عريض أعلى الظهر. و (( ما)) موصولة أو موصوفة؛ لا زائدة. لأنَّ ((بَيْنَ)) من الظروف اللازمة للإضافة ، فلا وجَه لإخراجه عن الظرفية بالحُكم بزيادة (( ما )). والمَنْكِبُ : مجتمع رأس العضد والكتف ، وبُعد ما بينهما يدلُّ على سَعة الصدر ، وذلك آيةُ النجابة . وجاء في روايةٍ: ((بُعَيد)) مصغَّراً، تقليلاً للبُعد المذكور ؛ إيماءً إلى أنَّ بُعد ما بين منكبيه لم يكن وافياً منافياً للاعتدال . ( أَهْدَبَ أَشْفَارِ العَيْنَيْنِ ٢؛ أي: طويلهما غَزيرهما - على ما مرَّ -. ( وَمَعْنَى ((شَبَحِ الذِّرَاعَيْنِ))): عَبْلَهما (عَرِيْضُهُمَا مُمْتَلُهُمَا) ؛ ففي ((انمجمل)) شبحتَ الشيءَ: مددتَه . ( وَ) في ((الإِحياء)): (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ عَبْلَ) - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة تليها لام ، كذا ضبطه بعضهم بإسكان الباء . فإن كان الرواية ، وإلاَّ! ففيه أيضا كسرُ الباء ؛ بِزِنَّةَ فَرِخ - أي: ضخم قوي ( أُلعَضُدَيْنِ ) - تثنية : عَضُد؛ بفتح العين وضمّ الضاد المعجمة وتسكَّن تخفيفاً؛ وهو ما بين المِرْفق والكتف. ( وَ) عَبْلِ ( الذِّرَاعَيْنِ): ضخمهما، والذراعان: تثنية ذِراع؛ وهو: ما بين مفصل الكفِّ والمِرفق، أو : من الْمِرفق إلى أطراف الأصابع . ٢١٣ وَمَا تَحْتَ الإِزَارِ مِنَ الْفَخِذَيْنِ وَالسَّاقِ، طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبَ الرَّاحَتَيْنِ، سَائِلَ الأَطْرَافِ ، كَأَنَّ أَصَابِعَهُ قُضْبَانُ الْفِضَّةِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ فِي السَّمَنِ ، فَبَدُنَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، ( وَ) عَبْلِ ( مَا تَحْتَ الإِزَارِ مِنَ الفَخِذَيْنِ وَالسَّاقِ ) ، وذلك كلُّه مما يُؤذن بكمال قوَّته ؛ لما في الحديث أنَّه ◌َّهِ أُعطي قوَّة ثلاثين رجلاً . ( طَوِيْلَ الزَّنْدَيْنِ ) ؛ أي: عظيمَهما إِذِ الزند موصلُ عَظمِ الذِّراع ؛ وهما زندان : الكوع والكرسوع؛ قاله في ((شرح الإحياء)). وقد مرَّ أَن : الزند ما انحسر من الذراع . ( رَحْبَ الزَّاحَتَيَّنِ ) ؛ أي: واسعهما حسًّا ومعنىّ ، والراحة : باطن الكف . ( سَائِلَ الأَطْرَافِ ) - بالسين المهملة - أي: ممتدَّها، وهي الأصابع امتداداً معتدلاً بين الإفراط والتفريط . ويروى بالشين المعجمة : أي مرتفعها . (كَأَنَّ) - بالتشديد - (أَصَابِعَهُ ) وَ ( قُضْبَانُ ) - جمع قضيب ؛ وهو : الغصن . والمراد تشبيهُها بقضبان - ( ألفِضَّةِ ) في امتدادها وصفاءِ لونها . وهذا رواه الترمذي في ((الشمائل))، والبيهقيُّ، والطبرانيُّ بألفاظ شتَّى مفرَّقة ؛ من حديث أبي هريرة ، وعائشة ، وهند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ( وَ) في ((الإِحياء)): ( كَانَ) رسول الله (وَّهُ مُعْتَدِلَ الخَلْقِ) - بفتح الخاء المعجمة - ( فِي السِّمَنِ ) ، والمرادُ أَنَّه معتدل الصورة الظاهرة ، بمعنى أن أعضاءه متناسبةٌ غيرُ متنافرة ، وكلُّ متناسب معتدلٌ ، وكلُّ متوسط في كَمٍّ وكيفٍ معتدلٌ ، وكلُّ مستقيم قويمٌ معتدلٌ . ( فَبَدُنَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ) ، ولما كان إطلاق البادن يوهِمُ الإفراط في السِّمَن المستدعي لرَخاوة البدن وعدم استمساكه وهو مذموم اتفاقاً ؛ استدركَ ونفى ذلك ؛ فقال : ٢١٤ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَحْمُهُ مُتَمَاسِكاً ، يَكَادُ يَكُونُ عَلَى الْخَلْقِ الأَوَّلِ ، لَمْ يَضُرَّهُ السِّنُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً، وَأَحْسَنَهُمْ خَلْقاً ، لَيْسَ بِالطَِّيلِ الْبَائِنِ ، وَلاَ بِالْقَصِيرِ ، بَلْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى الرَّبَعَةِ إِذَا مَشَىْ وَحْدَهُ ، ( وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَحْمُهُ مُتَمَاسِكاً ) ؛ أي : كان أعضاؤه يُمسك بعضُها بعضاً ؛ من غير ترجرج ( يَكَادُ يَكُوْنُ عَلَى الخَلْقِ الأَوَّلِ ، لَمْ يَضُرَّهُ السِّنُّ ) ؛ أي : الطعن في العمر والتقدُّم في السن ، وأراد أنَّه في السنِّ الذي شأنه استرخاءُ اللحم كان كالشباب . ( وَ) رَوَى البخاريُّ، ومسلم ؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسولُ الهِ (وَّرِ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً) حتَّى من يوسف . قال السيوطي : من خصائِصه أَنَّه أُوتي كلَّ الحُسن ؛ ولم يؤتَ يوسفُ إِلَّ شَطْرَه. ( وَأَحْسَنَهُمْ خَلْقاً ) . قال القرطبي : الرواية بفتح الخاء وسكون اللام . قال: وَالمرادُ حُسن جسمه ، بدليل قوله بعده: ليس بالطويل ... الخ . وأما ما في حديث أنس ؛ فروايته بضمّ الخاء واللام ، لأنه عَنَى به حُسن المعاشرة بدليل بقية الخبر ؛ نقله المناوي ، ورَدَّ ما جزم به ابن حجر من ضمّ الخاء واللام في هذا الحديث . ( لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ الْبَائِنِ ) - بالهمز وجَعْله بالياء وَهَمٌ - والمراد نفيُّ الطول المفرط، (وَلاَ بِالقَصِيْرِ ) هذه رواية الشيخين. وزاد في ((الإحياء)): ( بَلْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى الرَّبْعَةِ ) - بفتح فسكون - وقد يحرَّك ، وتأنيثه !! باعتبار النفس ، ولذلك استوى فيه المذكَّر والمؤنَّث. إذ يقال في جمع كلٍّ منهما : رَبْعَات - بالسكون والتحريك - أي : أَنَّه يوصَف بها، فيقال: هو رَبعة لقربه منها ، وذلك ( إِذَا مَشَىْ وَحْدَهُ ) ، فهو مِنْ نسبة الجزئي إلى كلّهِ . واستأنفت السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها جواباً لسؤال نَشَأَ مِن مفهوم ، ٢١٥ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ يُمَاشِيهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ يُنْسَبُ إِلَى الْطُولِ .. إِلَّ طَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَرُبَّمَا أَكْتَنَفَهُ الرَّجُلَآَنِ الطَّوِيلاَنِ فَيَطُولُهُمَا، فَإِذَا فَارَقَاهُ .. نُسِبَا إِلَى الطُّولِ؛ وَنُسِبَ هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّبْعَةِ . وحدُّه قولُها : ( وَمَعَ ذُلِكَ ) ؛ أي : مع كونه رَبعة معتدلاً ( فَلَمْ يَكُنْ يُمَاشِيْهِ أَحَدٌ مِنَ أُلنَّاسٍ ) بأن يمشي معه وبجنبه ؛ (وَهُوَ يُنْسَبُ إِلَى الطُّوْلِ ) ، المراد بنسبته إلى الطول اتصافه به وكونه معروفاً به مشهوراً؛ ( إِلاَّ طَالَهُ رَسُوْلُ اَلِ نَِّ ) ؛ أي : زاد عليه في الطول . ( وَلَرُبَّمَا أَكْتَفَهُ الرَّجُلاَنِ الطَّوِيْلاَنِ فَيَطُوْلُهُمَا ) ؛ أي : يزيد عليهما في الطول ؛ إكراماً من الله حتى لا يزيد أحدٌ عليه صورة ؛ ( فَإِذَا فَارَقَاهُ نُسِبَا إِلَىْ الطُّوْلِ ؛ وَيُنْسَبُ هُوَ نَّهِ إِلَى الرَّبْعَةِ ) . والسرُّ في ذلك : هو التنبيه على أنَّه لا يتطاول عليه أحدٌ من الأُمّة صورةً ، كما لا يتطاولون عليه مَعْنىَ. وهذه الزيادةُ المذكورة في (( الإِحياء )) رواها ابن عساكر، والبيهقي ، وابن أبي خيثمة ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها - كما في (( المواهب)) ببعض اختلاف فى الألفاظ - : وفي ((الدلائل))؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : كان رَبعة إلى الطول مائل ... الحديث. وعند المنذري في (( الزهريات))؛ من حديثه : كان ربعة ؛ وهو إلى الطول أقرب . وإسناده حسن . وعند البيهقي ؛ من حديث علي : وهو إلى الطول أقرب . وعنده أيضا ؛ من حديث عائشة : كان يُنسب إلى الرَّبعة . وفي ((زوائد المسند)) لعبد الله بن أحمد: ليس بالذاهب طولاً وفوق الرّبعة. ولا تَنَافيَ بين الأخبار ، لأنه أمرٌ نسبيٌّ . فمن وصفه بالرَّبعة أراد الأمر التقريبي ؛ ولم يرد التحديد . ومِن ثَمَّ قال ابن أبي هالة : كان أطولَ من المربوع ، وأقصرَ من المُشَذَّبِ ؛ وهو البائن الطول في نحافة . رواه الترمذي في ٢١٦ وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( جُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الرَّبْعَةِ )). وَزَادَ ابْنُ سَبْعِ فِي (( أَلْخَصَائِصِ)): أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ .. يَكُونُ كَتِفُهُ أَعْلَى مِنْ جَمِيعِ الْجَالِينَ . ((الشمائل))، والطبرانيُّ، والبيهقي. انتهى شرح ((الإحياء)). ( وَ) كان (يَقُوْلُ وَّةِ: ((جُعِلَ الخَيْرُ كُلُّهُ فِيْ الرَّبْعَةِ)) ) يعني المعتدل القامة . رواه أبو بكر بن لال في « مكارم الأخلاق )» . والديلمي؛ من حديث عائشة رضي الله عنها . ويُروى عن الحسن بن علي: أنَّ الله جعل البهاء والهَوَج في الطوال . قال السخاوي: وما اشتهر على الألسنة: ((مَاخَلاَ قَصِيْرٌ مِنْ حِكْمَةٍ !! )) لم أقف عليه . انتھی شرح ((الإِحياء )). ( وَزَادَ) الإِمام أبو الربيع ( ابنُ سَبْعٍ) - بإسكان الموحدة : بلفظ العدد ، وقد تضمُّ؛ كما في ((التبصير)) - (فِي) كتاب ( الخَصَائِصِ)، ورَزِيْنٌ ( أَنَّه وَّهِ إِذَا جَلَسَ يَكُوْنُ كَتِفُهُ أَعْلَى مِنْ جَمِيْعِ الجَالِيْنَ ) . قال الشهاب الخفاجي في (( نسيم الرياض »: وهل هذا محضُ إراءة لذلك ؛ أو حقيقيٌّ يرجع عنه!؟ فيه تردُّد . ولم يُخلق أَطولَ من غيره !! لخروجه عن الاعتدال الأكمل المحمود ، ولكن جعل الله له هذا في رأي العين معجزة خصَّه الله تعالى بها !! لئلا يُرى تفوُّق أحدٍ عليه بحسب الصورة ، وليظهر من بين أصحابه تعظيماً له بما لم يُسمع لغيره ، فإذا فارق تلك الحالة زال المحذور وعُلم التعظيم ، فظهر كماله الخَلْقي . انتهى . وقال الزرقاني : وحكمةُ ما رأيتُ ودليله قول علي : إذا جامع القوم غَمَرهم . إذ هو شامل للمشي والجلوس . فَقَصَّرَ مَن توقف فيه بأنه لم يره إِلاَّ في كلام رزين وكلام الناقلين عنه . انتهى . ( وَ) روى الترمذيُّ في ((الشمائِل))، والبيهقي في (( شُعَب الإيمان))، والطبراني في (( الكبير)) ؛ عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال : سألتُ ٢١٧ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْماً مُفَخَّماً، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأُلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر ، أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوع ، خالي هند بن أبي هالة - وكان وصَّافاً - عن حلية النبي ◌َّ؛ وأنا أشتهي أن يصفَ لي منها شيئا أتعلَّق به ، فقال : ( كَانَ) رسولُ الله (وَّرِ فَخْماً) - بفاء مفتوحة فمعجمة ساكنة ـــ ( مُفَخَّماً ) - اسم مفعول من التفعيل، وهو خبر بعد خبر لـ((كان))، أي: كان عظيماً في نفسه ، معظَّماً في الصدور والعيون ، لا يستطيع مكابرٌ أن لا يعظّمه؛ وإن حرص على ترك تعظيمه، ولم يرد بالفخامة فخامةَ الجسم؛ وإن كان ضخماً في الجملة (يتلألأُ وَجْهُهُ)؛ أي: يُشرق ويُضيءُ كاللؤلؤ. وأصل تلألأ: أَبْيَضَّ فأشبه بياضُه اللؤلؤ. وسمي ((لؤلؤاً)) !! لِضوئه. وإنما بَدَأ الوَصّاف بالوجه !! لأنه أشرف ما في الإنسان ، ولأنه أوَّل ما يتوجَّه إليه النظر . وقوله ( تَلأُلُؤَ القَمَرِ ) ؛ أي : مثل إشراقه واستنارته ( لَيْلَةَ أَلْبَدْرِ ) ؛ وهي ليلة أربعَ عشرةَ؛ ليلة كماله. وإنما سُمِّ فيها ((بدراً)) !! لأنَّه يبدر بالطلوع فسبق طلوعه مغيب الشمس. وتشبيه بعض صفاته وَّل بنحو الشمس والقمر إنَّما جَرَى على عادة الشعراء والعرب ، أو على التقريب والتمثيل ، وإلاَّ! فلا شيءَ يعادل شيئاً من أوصافه ، إذ هي أعلى وأجلُّ مِنْ كُلِّ مخلوق . وشَبَّه الوصَّافُ تلأُلُؤ الوجه بتلألؤ القمر ؛ دون الشمس !! لأنَّ ظهر في عالم مظلم بظلام الكفر ؛ ونورُ القمر أنفعُ من نورها ، فنورُ وجهه أنفعُ من نور الشمس . وهذا كما ترى أحسنُ من الجواب : بأن القمر يُتمكَّن من النظر إليه ، ويؤنس من يشاهده من غير أذىّ يتولَّد عنه ، بخلاف الشمس ، فإنها تُغشي البصر وتؤذي ، على أنَّه ورد تشبيههُ بالشمس أيضا ؛ كما سيأتي ؛ كذا قال المناوي رحمه الله تعالى . ( أَطْوَلَ) - بالنصب - خبر آخر ( مِنَ المَرْبُوْعِ) عند إمعان النظر وتحقيقِ التأمُّل ، وقد عرفتَ أنَّ وصفَه بالربعة - فيما مرَّ - تقريبي ، فلا ينافي أَنَّه أَطولُ من المربوع ، ولا ريبَ أنَّ القُربَ من الطول في القامة أحسنُ وألطف . ٢١٨ وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ، عَظِيمَ اَلْهَامَةِ، رَجْلَ الشَّعْرِ، إِنِ أَنْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ . . فَرَقَهَا ، ومن معجزاته أنَّه وَ ل﴿ إِذا دخل بين جماعة طِوَال كان في نظر الحاضرين أطولَ منهم جميعاً، كما رُوي أَنَّه لم يكن أحدٌ يماشيه من الناس إِلَّ طالَهُ رسول اللهِوَرَ ، ولربما اكتنفه الرجلان فيطولُهما؛ فإذا فارقاه نُسبا إلى الطول ونُسب رسول الله وَله إلى الرَّبعة ، وقد مرَّ ذلك قريباً . ( وَأَقْصَرَ مِنَ المُشَذَّبِ ) - بصيغة اسم المفعول - ؛ أي : من الطويل البائن في نحافة . وأصل المُشَذَّب : النخلة الطويلة التي شُذِّب عنها جريدُها ، أي : قُطع وفُرِّق، لأن بذلك تطول. كذا قيل؛ نقله في ((جمع الوسائل)). ( عَظِيْمَ أَلَهَامَةِ ) - بالتخفيف - أي: الرأس، وعِظَمُ الرأس ممدوح ، لأنه أعونُ على الإدراكات والكمالات (رَجِلَ) - بكسر الجيم وسكونها - ( الشَّعْرِ) - بفتح العين وسكونها - أي : في شعره تكشُّر وتثنٌّ قليلٌ . ( إنِ انْفَرَقَتْ عَقِيْقَتُهُ) ؛ أي : شعر رأسه الذي على ناصيته . وأصلُ العق : الشق والقطع . والعقيقة في الحقيقة : الشعرُ الذي يولد عليه المولود قبل أن يُحلَق في اليوم السابع ، فإذا حُلق ونبت ثانياً فقد زال عنه اسم العقيقة ، ورُبَّما سُمِّ الشعر عقيقة بعد الحلق أيضاً على المجاز ، لأنَّه منها ؛ ونباته من نباتها . وبذلك جاء الحديث ؛ لئلا يلزم أن يكون شعره باقياً من حيث ولادته ، فإنَّه مستبعدٌ جدًّا في العادة ، فإنَّ عادتَهم حلق شعر المولود في السابع ، وكذا ذبح الغنم وإطعام الفقراء . اللهم إِلَّ أن يقال إنه من الكرامات الإلهية ؛ لئلا يذبح باسم الآلهة . ويؤيده ما قاله القَفَّال المروزي في ((فتاويه)) مِن أنه يستحبُّ لمن لم يُعَقَّ عنه أن يَعُقَّ عن نفسه، فإِنَّه ◌ِّرُ عقَّ عن نفسه بعد النبوّة، لكن يحتمل أنه ما اعتبر عقيقتَهم لكونها على اسم غيره سبحانه . وفي روايةٍ عقيصته - بالصاد المهملة ؛ بدل القاف الثانية - والمشهور عقيقته - بقافَيْن - ومعنى الخبر : أنَّه إذا قبلت عقيقته الفرق بسهولة ؛ بأن كان حديث عهد بنحو غُسْل ( فَرَقَهَا ) - بالتخفيف - أي : جعل شعره ٢١٩ وَإِلَّ . . فَلاَ يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَخْمَةَ أُذُنَّهِ إِذَا هُوَ وَفَرَهُ . أَزْهَرَ اللَّوْنِ ، نصفين : نصفاً عن اليمين ، ونصفاً عن اليسار ، قيل : بالمشط ، وقيل : بيده . ( وَإِلاَ)؛ أي : وإن لم تَقبل الفرق بأن كان شعرُه مختلطاً متلاصقاً، ( فَلاَ) يفرقُها ، بل يسدلُها ؛ أي : يرسلها على جبينه ، فيجوزُ الفرق والسَّدْلُ ، لكن الفرق أفضل، لأنَّه الذي رجع إليه النبي ◌َّه، فإن المشركين كانوا يَفْرُقون رؤوسهم ، وكان أهل الكتاب يسدلُونها؛ فكان ◌َ ﴿ يسدل رأسه ، لأنه كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمَر فيه بشيء ، ثم فرق واستمرَّ عليه . قال الحافظ العراقي في ((ألفية السيرة » : يَحْلِقُ رَأْسَهُ لأَجْلِ النُّسُكِ وَرُبَّمَا قَصَّرَهُ فِي نُسُكِ وما قرَّرناه مبنيٌّ على جعله قوله ((وإلاَّ فلا)) كلاماً تاماً ، وما بعده مستأنف ليس من مدخول النفي ؛ وهو ما حقَّقه العصام ، وعليه شَرَح ابن حجر والمناويُّ والقاري وحَسّوس ، وتبعهم الباجوري . ثم قال : ويصحُّ أن يكون ما بعده من مدخول النفي ، فيصير التركيب هكذا : وإلاَّ فلا ( يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَرَهُ) أي : جعله وفرة ، وتقدَّم أَنَّ الوَفْرة الشعرُ النازل من شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين . وحاصل المعنى على التقرير الأول أَنَّ شعره وَ ل﴿ يجاوز شحمة أذنيه إذا جعله وفرة ؛ ولم يَفْرِقِه ، فإن فَرَقَه ؛ ولم يجعله وفرة وصل إلى المنكبين ؛ وكان جُمّة : وعلى التقرير الثاني: أنَّ عقيقته وَّه إذا لم تنفرق ؛ بل استمرت مجموعة لم يجاوز شعرُه شحمة أذنيه ، بل يكون حذاءَ أُذنيه فقط . فإن انفرقت عقيقَتُه ! جاوز شعرُه شحمةً أذنيه ، بل وصل إلى المنكبين . انتهى . ( أَزْهَرَ اللَّوْنِ) ؛ أي: أبيضه بياضاً نيِّراً، لأنه مشرَّب بحمرة . كذا قال الأكثر، لكن قال السُّهَيلي : الزُّهرة - في اللغة - : إِشراق في اللون ؛ بياضاً وغيره. ٢٢٠