النص المفهرس
صفحات 101-120
وَفِيهِ ثَلاَثَةُ فُصُولٍ : - الْفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَخْبَارِ شَتَّى مِنْ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. - الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي بَعْضٍ أَذْكَارٍ وَأَدْعِيَةٍ كَانَ يَقُولُهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ . - اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي ثَلاَثِ مِئَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ حَدِيثاً مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْبَابُ الثَّامِنُ: فِي طِبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسِنَّهِ وَوَفَاتِهِ، وَرُؤْيَتِهِ وهي ما قلَّ لفظُه وكَثُر معناه، أو التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة. ( وَفِيْهِ ) ؛ أي : هذا الباب ( ثَلاَثَةُ فُصُولٍ ) تأتي : ( الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي) ذكر ( أَخْبَارٍ شَتَّى)؛ أي: مختلفة ( مِنْ أَحْوَالِهِ وَلّى ) القولية والفعلية والخلقية . ( الفَصْلُ الثَّانِيْ: فِي ) ذكر ( بَعْضٍ أَذْكَارٍ وَأَذْعِيَةٍ ) - بالتنوين - جمع دعاء ، وهو أفضل من تركه عند جمهور العلماء ، ومن أعظم العبادات ( كَانَ يَقُولُهَا )؛ أي: هذه الأذكارَ والأدعيَة النبي (وَّهُ فِي أَوْقَاتٍ ) وحالات ( مَخْصُوصَةٍ ) ؛ كالصباح والمساء ، وعند الكرب ، وعند الخروج من بيته ، ونحو ذلك . ( الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي ) ذكر ( ثَلاَثِ مِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ حَدِيْئاً) - تقريباً - ( مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ مََّ)؛ أي: كلِمِه الجوامع للمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة بنظمٍ لطيف لا يعثر الفكر في طلبه ، ولا يلتوي الذهن في فهمه . ( البَابُ الثَّامِنُ ) من الكتاب ؛ وهو آخر الأبواب ( فِي ) بيان الأحاديث الواردة في ( طِبِّهِ) - بكسر الطاء - اسم مصدر ؛ مِن طَبَّهُ طَبّاً - بالفتح - إذا دَاوَاه ، والمراد بيانُ ما يتداوى به (فَِّ) من الأمراض البدنية ، ( وَ) بيان الأحاديث الواردة في ( سِنِّهِ ) أي : مقدار عمره الشريف ، ( وَ) في ( وَفَاتِهِ ) أي: تمام أجله ، ( وَ) في (رُؤْيَتِهِ ) ١٠١ فِي أَلْمَنَامِ ، وَفِيهِ ثَلاَثَةُ فُصُولٍ : - اَلْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي طِبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . - اَلْفَصْلُ الثَّانِي: فِي سِنِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاتِهِ . - اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي رُؤْيَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَلْمَنَامِ . الْخَاتِمَةُ : تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسِينَ حَدِيثاً ، أَكْثَرُهَا صِحَاحٌ الرؤية - التي بالتاء - تشمل : رؤية البصر في اليقظة ، ورؤية القلب ، ولهذا احتاج المصنف إلى تقييدها بقوله ( فِي أَلمَنَام ) ، أمَّا التي بالألف ! فهي خاصَّة برؤية القلب في المنام، وقد تستعمل في رؤية البصر أيضاً . ( وَفِيْهِ) أي: هذا الباب ( ثَلاَثَةُ فُصُوْلٍ ) تأتي : ( الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي ) ذكر شيء من الأحاديث الواردة في (طِيِِّ ◌ََّ) الذي تطبَّبَ به ، والذي وصفه لغيره ؛ سواء كان طِبّاً رُوْحانياً ؛ أو جسمانياً . ( الفَصْلُ الثَّانِيْ: فِي) بيان ما ورد في (سِنِِّ ◌ََّ) أي: مقدار عمره الشريف، والسِّنُّ بهذا المعنى مؤنَّئَةٌ؛ لأنها بمعنى المُدَّة ، ( وَ) بيان ما ورد في ( وَفَاتِهِ ) ؛ أي: تمام أجله الشريف ، فإن الوفاة - بفتح الواو - مصدر (( وَفَى ؛ يَفِيْ)) بالتخفيف ، أي : تمَّ أجله . وهذا الفصل مضمونُه يسكب المدامع من الأجفان ، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان ، ويُلهِب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان . ( الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي ) بيان ما ورد في ( رُؤْيَتِهِ ◌َِّ فِي أَلمَنَام ) ، مذهب أهل السنة أنَّ حقيقةَ الرؤيا اعتقاداتٌ يخلقُها الله تعالى في قلب النائِم كما يخلقُها في قلب اليقظان ؛ يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة . (الْخَاتِمَةُ) المذكورة، فـ((أل)) فيها للعهد الذكري ( تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسِيْنَ ) - هكذا ذَكر هنا في الخطبة أنَّها خمسون ، لكن زاد عليها المصنّفُ عشرين حديثا ؛ فكان المجموع سبعين - ( حَدِيْثّاً ، أَكْثَرُهَا صِحَاحٌ ) - جمع صحيح - ؛ وهو : الحديث الذي رواه العدل الضابط ضبطاً تاماً عن مثله إلى منتهاه ؛ من غير شذوذ ١٠٢ وَحِسَانٌ مِنْ أَدْعِيَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ أَفْضَلِ الْحَسَنَاتِ الْجَارِي نَفْعُهَا فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ اُلْمَمَاتِ ، ولا علَّة قادحة . ( وَحِسَانٌ) جمع حَسَن ؛ وهو : الحديث الذي رواه العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ، من غير شذوذ ولا علَّة قادحة ، فالحَسَن مساوٍ للصحيح في التعريف والشروط . فكلُّ ما يشترط في الحديث الصحيح يشترطُ في الحديث الحسن ؛ إلاَّ الضَّبط ، فإنَّه يشترط في الصحيح الضبط التام ، ولا يشترط في الحسن إلاَّ مطلقُ الضبط. ( مِنْ أَدْعِيَتِهِ) الواردة عنه (إِّر)؛ منقسمةٌ إلى قسمين : استعاذات ، ودَعَوات ؛ معتبراً فيها أوَّل الحديث ، فما كان استعاذة جعل في القسم الأول ، وما كان دعاءً جعل في القسم الثاني . وافتتحها بالدَّعوات القرآنية . (وَأَسْأَلُ اللهَ العَظِيْمَ ) البالغ أقصى مراتب العظمة ؛ وهو الذي لا يتصوَّره عقلٌ، ولا يحيط بكنهه بَصَر ، فلا يتعاظمه مسؤول ؛ وإن عَظُم ، ومنه مطلوب المصنّ ؛ وهو كون كتابه من الحسنات الجارية ؛ أي : المستمر ثوابها في حياته وبعد موته .، ( رَبَّ العَرْشِ الكَرِيْمِ ) - بالجرِّ - نعت للعرش، ويجوز نصبُه؛ نعتاً لله سُبحانَهُ . ومَن وسِعَتْ ربوبيَتُه العرش الذي وسع المخلوقات بأسرهم جدير بأن يعطي المصنّفَ مطلوبه ، ويُنيله مرغوبه ، وهو قوله ( أَنْ يَجْعَلَ هُذَا الكِتَابَ) ((وسائل الوصول إلى شمائل الرسول وَ ﴿ه)) (مِنْ أَفْضَلِ الحَسَنَاتِ ؛ الجَارِي) ؛ أي: المستمر (نَفْعُهَا ) للناس وللمصنّ ( فِي الحَيَاةِ ) الدُّنيا ، ومعنى النفع في حقِّ المؤلف في الدنيا : أن يتذكَّر بها ، ومعنى النفع في حقِّ الناس في الدنيا : هو أن يُلهمهم الله الاشتغال بها تعلُّماً وتعليماً ، وأن يوفِّقَهم للعمل بما فيها . ( وَ) معنى النفع للناس وللمصنّ ( بَعْدَ أُلمَمَاتِ ) : أن تكون سبباً لحلولهم في دار النعيم . أخرج الطبراني في ((الكبير)): ((مَا مِنْ قَوْمِ يَجْتَمِعُونَ عَلَىْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى يَتَعَاطَوْنَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّ كَانُوا أَضْيَافاً لهِ تَعَالَى؛ وَإِلاَّ حَفَّتُهُمُ المَلائِكَةُ حَتَّى يَقُومُوا، أَوْ يَخُوضُوا فِي حَدِيْثٍ غَيْرِهِ ، ١٠٣ بِجَاهِ نَبِّهِ سَيِّدِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. ومَا مِنْ عَالِمٍ يَخْرُجُ فِي طَلَبٍ عِلْمٍ ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ، أَوْ يَنْسَخُهُ؛ مَخَافَةً أَنْ يَدْرُسَ ! إِلَّ كَانَ كَالغَادِي الرَّائِحِ فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَمَنْ بَطُؤَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسِرِعْ بِهِ نَسَبُهُ )) . وفي هذا الحديث وأمثاله ؛ كحديث مسلم : ((إِذَا مَاتَ أَبْنُ آدَمَ أَنْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِن ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ - أي: وهي الوقف - أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدِ صَالِحٍ - ((أي: مسلمْ)) - يَدْعُو لَهُ)). وكالأحاديث فيمن سَنَّ سنة حسنة ؛ أو سيئة. بشرى عظيمةٌ لمن نَسَخ علماً نافعاً؛ وهي أنَّه يكون له أجرُه ، وأجرُ مَن قَرَأه ، أو نسخه ، أو عمل به مِن بعده ما بقي خَطُه والعملُ به ، وإنذارٌ عظيم لمن نسخ علماً فيه إثمٌ ؛ وهو أنَّ عليه وِزْرَه ، ووزر مَن قَرَأه ، أو نسخه ، أو عمل به بعده ما بقيَ خطُه والعملُ به. انتهى؛ ذكره ابن حجر الهيتمي في ((الزواجر)) في (( الكبيرة الثامنة والتاسعة والأربعين)) . والله أعلم . ( بِجَاهِ نَبِيِّ سَيِّدِ الرُّسُلِ الكِرَامِ) أي: أتوسَّل بما لَهُ وَّهُ من المنزلة والحظِّ والرتبة عند الله سبحانه وتعالى، إذْ هو ◌َّهُ سيِّدُ أهل الوَجَاهة، وأفضلُ السَّادات الذين هم الرُّسُل الكرام (عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ) ، وآلِ كلِّ وأصحابه الكرام ، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم القيام . آمين . ١٠٤ اَلْمُقَدِّمَةُ: وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَىْ تَنْبِهَيْنِ النَّبِيهُ الأَوَّلُ: فِي مَعْنَى لَفْظِ الشَّمَائِلِ هِيَ فِي الأَصْلِ : الأَخْلاَقُ وَالطََّائِعُ . قَالَ فِي ((الْقَامُوسِ)): (الشِّمَالُ: الطَّْعُ، وَأَلْجَمْعُ: شَمَائِلُ) اهـ وَقَالَ فِي (( لِسَانِ الْعَرَبِ)): ( مُفْرَدُهَا: شِمَالٌ؛ بِكَسْرِ الشِّينِ . قَالَ جَرِيرٌ : ( الْمُقَدِّمَةُ) - بكسر الدّال - أي : المقدّمة نفسَها ، لأنَّها اشتملت على أمور تقتضي تقديمَها ، وقد سبق فيما قرَّرناه أنها مقدِّمةُ علمٍ ؛ لأنها يُنتفع بها في هذا الكتاب وفي غيره من كُلِّ ما أُلٌّفَ في فَنِّ الشمائِل ، وهي مقدِّمة كتاب أيضاً ؛ لأن هذا الكتاب مؤلّف في ذلك الفنّ الذي جُعِلت مقدِّمةً له . ( وَهِيَ ) - أي: هذه المقدّمة ــ ( تَشْتَمِلُ) أي: تحتوي ( عَلَىْ تَنْبِيْهَيْنِ : النَّبِيْهُ الأَوَّلُ: فِي مَعْنَى لَفْظِ الشَّمَائِلِ ) في اللغة ، ( هِيَ فِي الأَصْلِ ) أي : أصل معنى الشمائل - لغةً - : ( الأخْلاَقُ) ؛ جمع : خُلُق - بسكون اللام وضمِّها - ( وَالطَّبَائِعُ ) جمع : طبيعة ، وهي الخليقة والسجية التي جُبِلَ عليها الإنسان . ( قَالَ ) أي : المجدُ الفيروزآبادي ( فِي) كتاب ( ((القَامُوسِ ) المحيط)) شاهداً على ما قاله المصنف : ( الشِّمَالُ) - بكسر الشين - : ( الطَّبْعُ) والخُلُق ، ( وَالْجَمْعُ شَمَائِلُ. انتهى.) كلام ((القاموس)). وقال الراغب : قيل للخليقة شِمال لكونه مشتملاً على الإنسان اشتمال الشمال على البدن . ومن سجعات ((الأساس)): ليس من شمائلي وشِمالي أن أعمل بشِمالي . (وَقَالَ)؛ أي : ابن منظور ( فِي) كتاب ( ((لِسَانِ العَرَبِ))) في مادة ( شمل ) شاهداً لما قاله المصنف : ( مُفْرَدُهَا) - أي: مفرد الشَّمائل - ( شِمَالٌ - بِكَشْرِ الشِّيْنِ ) المعجمة - : ( قَالَ جَرِيْرُ ) بن عطيّة بن حذيفة الخَطَفى بن بدر الكلبي ١٠٥ . وَمَا لَوْمِي أَخِي مِنْ شِمَالِيَا وَقَالَ صَخْرٌ أَخُو الْخَنْسَاءِ : اليربوعي ؛ من تميم . أشعَرُ أهل عصره . ولدسنة : - ٢٨ - ثمان وعشرين، ومات سنة : - ١١٠ - مائة وعشر في اليمامة ، وعاش عمره كلَّه يناضل شعراء زمنه ويساجلهم ، وكان هجَّاءً مُرّاً ؛ فلم يثبت أمامَه غيرُ الفرزدق والأخطل ، وكان عفيفاً ، وهو من أغزل الناس شعراً ، وقد جُمعت نقائضه مع الفرزدق وطُبعت في ثلاثة أجزاء . وديوان شعره مطبوعٌ في جزأين . وأخباره مع الشعراء وغيرهم كثيرةٌ جِدّاً ، وكان يكنى بـ(( أبي حزرة )). انتهى . وقد نَسَب هذا البيت في (( شرح القاموس )) لعبد يغوث بن وقَّاص الحارثي ؛ تبعاً لابن برِّي وغيره وهو : أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ المَلَمَةَ نَفْعُهَا قَلِيلٌ (وَمَا لَوْمِيْ أَخِيْ مِنْ شِمَالِيَا ) يجوز أن يكون واحداً ؛ أي : من طبعي ، وأن يكون جمعاً ؛ من باب (( مِجَانٍ(١) ودِلاَصٍ))؛ أي: يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث ؛ والجمع والواحد ، أو تقديره : من شمائلي فقُلب . ( وَقَالَ صَخْرُ ) بن عمرو بن الشِرِّيد السُّلَمي: قتل في الجاهلية ؛ وهو (أَخُو الخَنْسَاءِ : ) الصحابيَّة الشاعرة ، واسمها : تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد الرياحية السُّلَمية ، من بني سُلَيم من قيس عيلان ؛ من مضر ، أجمعوا على أنه لم تكن امرأة أشعرَ منها على الإطلاق من أهل نجد ، عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي ، وأدركت الإسلام فأسلمت ، ووفدت على رسول الله وَّر مع قومها بني سليم، فكان رسول الله وَ ل﴿ يستنشدها ويعجبه شعرُها ، فكانت تنشد ؛ وهو يقول: ((هِيهِ يَا خَنْسَاءُ)) . أكثرُ شعرها وأجودُه رثاؤُها لأخويها صخر ومعاوية ، وكانا قد قُتلا في الجاهلية. لها ديوان شعر طبع فيه ما بقي محفوظاً من شعرها . روي أنها شهدت حرب القادسية سنة ستَّ عشرة ومعها أربعة بنين لها ؛ فلم تزل (١) ورد في هامش (اللحجي ) : هِجَان ككتاب : الخيار من كل شيء . ودلاص ككتاب أيضاً : ملساء لينة . يستوي فيه الواحد والجمع . ١٠٦ وَأَنْ لَيْسَ إِهْدَاءُ أَلْخَنَا مِنْ شِمَالِيَا أَبَا الشَّتْمِ إِنِّي قَدْ أَصَابُوا كَرِيمَتِي وَقَالَ آخَرُ : هُمُ قَوْمِي وَقَدْ أَنْكَرْتُ مِنْهُمْ شَمَائِلَ بُدِّلُوهَا مِنْ شِمَالِي تحضُّهم على القتال وتذكُر لهم الجنَّةُ بكلام فصيح ؛ فَأَبْلَوا يومئذ بلاءً حسناً واستُشْهدوا . فكان عمر رضي الله تعالى عنه يعطيها أرزاقهم . ( أَبَّا الشَّتْمِ) - في ((شرح القاموس)) : أبًا ◌ٌلفَخْر - ( إِنِّي قَدْ أَصَابُوا كَرِيْمَتِيْ ) ؛ أي: فجعوني بها. وعنى بقوله ((كريمتي)) أخاه معاوية بن عمرو ؛ إذ قتله الأعداء . يريد أنه حسيب ، لأن من معاني الكريمة : الحسيب ، يقال : هو كريمةُ قومه . قال الشاعر : وَأَرَى كَرِيْمَكَ لاَ كَرِيْمَةَ دُونَهَ وَأَرَى بِلاَدَكَ مَنْفَعَ الأَجْوَادِ وفي الحديث : ((إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيْمَةُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ) أي : كريم قوم . ( وَأَنْ) - مخفَّفة من الثقيلة - واسمها: ضميرُ الشّأَن محذوفٌ؛ أي: أنَّه ( لَيْسَ إِهْدَاءُ) - أي: إرسال ــ ( ألخَنَا ) - بفتح الخاء المعجمة -: فاحش الكلام ( مِنْ شِمَالِيًا ) ، أي : من أخلاقي وطباعي . (وَقَالَ ) شاعر (آخَرُ ) - بفتح الخاء المعجمة - بمعنى مغاير . أمَّا بكسر الخاء ؛ فهو مقابل الأول . وقد نظم ذلك بعضهم فقال : وَآخِرٌ بِكَسْرٍ خَاءٍ مُعْجَمَهْ مُقَابِلٌ لَوَّلٍ فَلْتَفْهَمَهْ وَآخَرٌ بِفَتْحِهَا مَا قَابَلا لِلْغَيْرِ فَأَعْلَمْ واذْعُ لِلَّذِي جَلاً وسيأتي عَزْوُ هذا البيت لِـ(لَبِيْد)، وهو قوله: (هُمُ قَوْمِيْ وَقَدْ أَنْكَرْتُ مِنْهُمْ شَمَائِلَ) كذا في ((لسان العرب)) كـ((التهذيب))، أي: أنكرت أخلاقهم . كما سيأتي شَمَائِلَ ( بُدِّلُوْهَا ) - بضمِّ أوَّله ؛ للمصنف . وفي روايةٍ : وَهُم أَنْكَرْنَ مِنِّي مبنيًّا للمفعول ؛ كما ضبطه في (( التهذيب)) على كلا الروايتين ( مِنْ شِمَالِي. ١٠٧ أَيْ : أَنْكَرْتُ أَخْلاَقَهُمْ ) . ثُمَّ قَالَ فِي مَادَّتِهَا أَيْضاً: ( وَالشِّمَالُ: خَلِيقَةُ الرَّجُلِ ، وَجَمِعُهَا : شَمَائِلُ. وَإِنَّهَا لَحَسَنَةُ الشَّمَائِلِ، وَرَجُلٌ كَرِيمُ الشَّمَائِلِ ؛ أَيْ : فِي أَخْلاَقِهِ وَمُخَالَطَتِهِ ) اهـ وَقَدِ اسْتَعْمَلَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ الشَّمَائِلَ فِي أَخْلاَقِهِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْلِهَا ، وَفِي أَوْصَافِ صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ أَيْضاً ... أيْ : أَنْكَرْتُ أَخْلاَقَهُمُ) المقتبسةَ من أخلاقي . وهذا على الرواية التي في المصنف. وعلى الرواية الأخرى معناه : أنَّهم أنكروا مني أخلاقاً من أخلاقي المعروفة عندهم . ( ثُمَّ قَالَ ) ؛ أي: ابن منظور ( فِي) ((لسان العرب )) في ( مَاذَّتِهَا) - أي : مادّة شمل - ( أَيْضاً ) بعد نحو ثلاث صفحات ( وَالشِّمَالُ) - بالكسر - ( خَلِيْقَةُ الرَّجُلِ ) ؛ أي : طبيعته وسَجِيَّتُه ( وَجَمْعُهَا: شَمَائِلُ ) . وقال لبيد : هُمُ قَوْمِي وَهُمْ أَنْكَرْنَ مِنِّي شَمَائِلَ بُدِّلُوهَا مِن شِمَالِي وقال الراغب : قيل للخليقة شِمال !! لكونه مشتملاً على الإنسان اشتمال الشمال على البدن. ( وَإِنَّهَا لَحَسَنَةُ الشَّمَائِلِ، وَرَجُلٌ كَرِيْمُ الشَّمَائِلِ ؛ أَي : فِي أَخْلاَقِهِ وَمُخَالَطَتِهِ ) ، ويقال فلان مشمولُ الخلائق ؛ أي : كريم الأخلاق ، أُخِذ من الماء الذي هَبَّت به الشَّمَال فبرَّدَتْهُ . ورجل مشمول : مرضيُّ الأخلاق طَيِّبُها . قال ابن سِيْدَه : أراه من الشَّمُول . ( آنْتَهَى) أي: كلام ابن منظور في ((لسان العرب)). ( وَقَدِ اسْتَعْمَلَ عُلَمَاءُ الْحَدِيْثِ الشَّمَائِلَ)؛ أي: لفظة ((الشمائل)) ( فِيْ) مَعْنَيْهَا الحقيقي والمجازي فجعلوها اسماً لـ (أَخْلاَقِهِ الشَّرِيْفَةِ وَّ) ؛ أي: صورته الباطنة (عَلَى أَصْلِهَا ) ؛ أي : أَجْرَوا هذه اللفظة على حقيقتها اللُّغوية حيث استعملوها في صورته الباطنة ؛ وهي نفسُه وأوصافها ومعانيها الخاصَّة بها ، ( وَ) استعملوها ( فِي أَوْصَافِ صُوْرَتِهِ الظَّاهِرَةِ) ؛ وهي نفسُه وأوصافها ومعانيها ( أَيْضاً ١٠٨ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَأَعْلَمْ ذِلِكَ . التَِّيهُ الثَّانِي: فِي الْفَوَائِدِ عَلَى سَبِيْلِ المَجَازِ ) ، ولكلٍّ من الصورتين أوصافٌ حسنة وقبيحة ، والثواب والعقاب يتعلَّقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلَّقان بأوصاف الصورة الظاهرة ، ولهذا تكرَّرت الأحاديث في مدح حُسن الخلق في غير موضع . كقوله : (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً)). وقوله: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ ))، وقوله: ((يُعِثْتُ، لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلاَقِ)). وكذلك جاءت في ذمّ سوءِ الخُلُق أيضاً أحاديث كثيرة، ( فَاعْلَمْ ذُلِكَ) والله يتولَّى هداك. فائدة : قال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: الأحاديث التي فيها صفة النبي ◌َّر داخلةٌ في قسم المرفوع بالاتفاق ، مع أنَّها ليست قولاً له وَ له، ولا فعلاً، ولا تقريراً . انتهى. ( التَِّيْهُ الثَّانِيْ: فِي) بيان ( أُلْفَوَائِدِ) جمع فائدة ؛ وهي - لغة -: ما استفدتَه من علم ، أو مال ، أو غيرهما ؛ كجاه ، وـ اصطلاحاً -: المصلحةُ المترتّبةُ على الفعل من حيث إنَّها ثمرته ونتيجته . وأما من حيث إِنَّها في طرف الفعل : فتسمَّى ((غاية)) . فالفائدة والغايةُ متَّحدان ذاتاً ؛ مختلفان اعتباراً ، كما أن العلَّة والغرض كذلك . فالعلَّة : هي المصلحةُ المترتبة على الفعل من حيث إِنَّها باعثة للفاعل على الفعل، وأما من حيث إِنَّها مقصودةٌ للفاعل من الفعل؛ فتسمى ((غرضاً)). والفائدةُ والغايةُ أعمُّ من العلَّةِ والغرضِ عموماً مطلقاً ، فتجتمع الأربعة فيما لو حفر بقصد الماء وبعد تمام الحفر ظهر الماء ، فإنَّ هذا الماء يسمَّى (( فائدة )) من حيث إنَّه نتيجة الحفر، ويسمَّى ((غاية)) من حيث إنه في طرف الحفر، ويسمَّى ((علَّةً)) من حيث إنَّه باعث على الحفر، ويسمَّى ((غرضاً)) من حيث إِنَّه مقصود من الحفر . فاختلفت العبارات باختلاف الاعتبارات ، وقد يوجد الأَوَّلان - أي : الفائدة ١٠٩ الْمَقْصُودَةِ: مِنْ جَمْعِ شَمَائِلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ جَمْعِ شَمَائِلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ عِلْمٍ تَارِيخِيٍّ تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّهُوَسُ، وَتَجْنَعُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ ، وَيُتَحَدَّثُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَيُسْتَشْهَدُ بِهِ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ . وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْ جَمْعِ شَمَائِلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَائِدُ أُخْرَى مُهِمَّةٌ فِي الدِّينِ . - مِنْهَا: التَّلَذُّذُ بِصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ وَشَمَائِلِهِ الرَّضِيَّةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والغاية - ولا يوجد الأخيران - أي : العلة والغرض - كما لو حفر بقصد الماء فبعد تمام الحفر ظهر كنز؛ فيقال له ((فائدة))؛ لأنه نتيجة الحفر، ويقال له ((غاية)) ؛ لأنه في آخر الحفر ، ولا يقال له علة ؛ ولا غرض !! لأنه لم يكن باعثاً على الحفر ، ولا مقصوداً للحافر من الحفر . والله أعلم . ( الْمَقْصُوْدَةِ ) للمؤلفين ( مِنْ جَمْعِ شَمَائِهِ وَلِّ) في الكتب . اعْلَمْ أَنَّه ( لَيْسَ المَقْصُودُ مِنْ جَمْعِ شَمَائِلِهِ ): أوصافِه (وََّ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ عِلْمِ تَارِيْخِيٍّ تَمِيْلُ إِلَيْهِ ) الأفئدة، وترتاح إليه ( النُّفُوسُ)، وتُسَرُّ بِهِ الأرواح ، وتنشرح له الصدور، ( وَتَجْتَحُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ)، وتلتذُّ به الأسماع، وتتنزّهُ فيه الأبصار ، ( وَيُتَحَذَّثُ) - بضمِّ أوَّله ـ ( بِهِ ) أي: يُذكر ويُروى ( فِي المَجَالِسِ ) للاطلاع على سيرة مَن تقدَّم ، وللإحاطة بأخبار مَن سبق ، ( وَيُسْتَشْهَدُ ) - مبنياً للمجهول - أي : يُؤتى (بِهِ) شاهداً (عَلَى المَقَاصِدِ) والأغراض التي تراد ، ( وَنَحْوِ ذُلِكَ مِنَ الفَوَائِدِ ) التاريخية . لا ؛ ليس المقصود ذلك . ( وَإِنَّمَا المَقْصُودُ مِنْ جَمْعِ شَمَائِلِ نََّ) في الكتب (فَوَائِدُ) - أي : حصول فوائد ( أُخْرَى) - زائدة على ما تقدّم ( مُهِمَّةٌ) - أي: يُهتم بها - ( فِي الدِّيْنِ ) ويُتَقرَّب بها إلى ربِّ العالمين. ( مِنْهَا) أي: هذه الفوائد الأخرىُ: ( أُلتَّلَذُّذُ ) - أي: حصول اللذَّة - ( بِصِفَاتِهِ العَلِيَّةِ ) الكاملة، (وَشَمَائِهِ الرَّضِيّةِ ) ، لأنَّ في ذكرها وسماعها تنغُّماً وتلذُّذاً بحبيب القلوب وقُرَّة العيون ( صلى الله عليه وسلم ) ، ١١٠ - وَمِنْهَا: التَّقَرّبُ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسْتِجْلاَبُ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ بِذِكْرِ أَوْصَافِهِ الْكَامِلَةِ وَأَخْلاَقِهِ الْفَاضِلَةِ، كَمَا يَتَقَرَّبُ الشَّاعِرُ إِلَى الْكَرِيمِ بِذِكْرٍ أَوْصَافِهِ الْجَمِيلَةِ ، وَخِصَالِهِ النَِّيلَةِ . وَلاَ شَكَّ أَنَّ جَمْعَ وهو ضرب من الوصال به بس طر، ووجهٌ من وجوه القرب منه وَير والاجتماع به ؛ لما فيه من إمتاع حاسَّة السمع واللسان بأوصاف المحبوب الذي هو وسيلة إلى حضوره بالقلب ، فإذا فات النظر إليه بالبصر ؛ لم يفت التمتّع به بالسمع والنظر إليه بالبصيرة . كما قال بعضهم : عَنْ جِيْرَتِي شَئِفِ الأَسْمَاعَ بِالخَبَرِ يَا وَارِداً مِنْ أُهَيْلِ الحَيِّ يُخْبِرُنِي حَدِّثْ فَقَدْ نَابَ سَمْعِي أُلْيَوْمَ عَنْ بَصَرِي نَاشَدْتُكَ اللهَ يَا رَاوِي حَدِيْثِهِمُ وقال بعضهم في مدح الشمائل مشيراً إلى المعنى : وَعَزَّ تَلاقِيْهِ وَنَاءَتْ مَنازِلُهُ أَخِلاَّيَ إِنْ شَطَّ الحَبِيْبُ وَرَبْعُهُ فَمَا فَاتَّكُمْ بِالسَّمْعِ هَذِي شَمَائِلُهُ وَفَاتَكُمُ أَنْ تَنْظُرُوهُ بِعَيْنِكُمُ وقال بعضهم في المعنى : وَنَأَتْ مَرَابِعُهُ وَشَطَّ مَزَارُهُ يَا عَيْنُ إِنْ بَعُدَ الحَبِيْبُ وَدَارُهُ فَلَقَدْ ظَفِرْتِ مِنَ الخَبِيْبِ بِطَائِلٍ إِن لَّمْ تَرَيْهِ فَهذِهِ آثَارُهُ (وَمِنْهَا النَّقَرُّبُ إِلَيْهِ)؛ أي: طلب القرب منه (عمََّ، وَاسْتِجْلاَبُ) أي : طلب جَلْب ( مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ)؛ بأن يكون جامعُ الشمائل محبوباً عنده ◌َّ ، وراضياً عنه؛ بسبب خدمة جنابه وَلجر، وتعظيم قدره والثناءِ عليهِ (بِذِكْرٍ أَوْصَافِهِ اُلْكَامِلَةِ وَأَخْلاَقِهِ الفَاضِلَةِ ) ، وفي ذلك تعلُّق به وتوذُّد ، واستعطاف وانتساب ، وتعرُّض لنفحات فضل الممدوح ، واستمطارٌ لسحائِب إحسانه ، واستنزالٌ لِغَزِيْرِ بِرِّه وامتنانه ، وتقرّبٌ إليه بفتح أبواب خزائن ما يأتي من قِبَله ، ( كَمَا يَتَقَرَّبُ الشَّاعِرُ إِلَىْ) الممدوح ( الكَرِيْمِ بِذِكْرِ أَوْصَافِ الجَمِيْلَةِ) الحسنة ، ( وَخِصَالِهِ اٌلَِّيْلَةِ ) العظيمة، لأنَّ الكرام إذا مُدِحوا أجزلوا المواهب والعطايا ، ( وَلاَ شَكَّ أَنَّ جَمْعَ ١١١ شَمَائِلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَشْرَهَا .. هُوَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ مِنْ مَدْحِهِ بِالْقَصَائِدِ ، وَقَدْ رَضِيَ عَمَّنْ مَدَحَهُ بِهَا كَ: حَسَّانَ ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، وَكَعْبٍ بْنِ زُهَيْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَكَافَأَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . شمَائِلِهِ بَّهِ وَنَشْرَهَا) بين الناس لِتتعطَّر بها المجالس والمدارس (هُوَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ مِنْ مَدْحِهِ ) بَِّ (بِالقَصَائِدِ، وَقَدْ رَضِيَ عَمَّنْ مَدَحَهُ بِهَا؛ كـ«حَسَانَ ) بنِ ثابت بن المنذر الأنصاري الخزرجي، أبي الوليد، الصحابي شاعر النبي الر ◌َّه] ، وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ، وعاش ستين سنة في الجاهلية وستِّين سنة في الإسلام ، وكان من سُكَّان المدينة المنورة ، وتوفي بها سنة : - ٥٤ - أربع وخمسين . وعَمِيَ قبيل موته . رضي الله تعالى عنه . ( وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ) بنِ ثعلبة الأنصاري الخزرجي ؛ أبي محمد ، صحابي ، يعدُّ من الأمراء والشعراء الراجزين ، كان يكتب في الجاهلية ، وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار ، وكان أحد النقباء الاثني عشر، وشهد بدراً وأُحُداً والخندق والحديبية ، واستخلفه النبي وسير على المدينة في إحدى غزواته ، وصحبه في عمرة القضاء ، وله فيه رجز ، وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة - بأدنى البلقاء ، من أرض الشام - فاستُشهِد فيها سنة : - ٨ - ثمان من الهجرة النبوية . رضي الله تعالى عنه . آمين . ( وَكَعْبٍ بْنِ زُهَيْرِ ) بنِ أَبِي سُلْمَى المَازِنِيّ؛ أبي المُضَرِّب، شاعر عالي الطبقة ؛ من أهل نجد ، له ديوان شعر ، وكان ممن اشتهر في الجاهلية ، ولما ظهر الإسلام هجا النبي وَّر، وأقام يشبِّبُ بنساء المسلمين؛ فهدر النبي ◌ُّر دمه ؛ فجاء كعب مستأمِناً وقد أسلم ، وأنشده لاميّته المشهورةَ التي مطلعها : . بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي أَلْيَوْمَ مَتْبُولُ فعفا عنه النبي ◌َّر، وخلع عليه بُردته ، وكانت وفاته سنة : ست وعشرين هجرية . رحمهم الله تعالى و(رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمْ ) أجمعين . ( وَ) قد (كَافَأَّهُمُ) النبي ◌َِّ (عَلَى ذَلِكَ) المديحِ . ١١٢ فَلاَ شَكَّ أَنَّهُ يَرْضَى عَمَّنْ يَعْتَنِي بِجَمْعِ شَمَائِلِهِ وَنَشْرِهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . - وَمِنْهَا: تَعَرُّضُنَا لِمُكَافَأَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَيْنَا، وَإِنْقَاذِهِ إِيَّانَا مِنْ ظُلُمَاتِ الصَّلَاَلِ إِلَى أَنْوَارِ الْهُدَىُ ، وَمِنَ الشَّقَاوَةِ الْأَبَدِيَّةِ إِلَى السَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ كُبْرَى لاَ تُمْكِنُ مُقَابَلَتُهَا بِشَيْءٍ ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَىْ مُكَافَأَتِهِ عَلَيْهَا إِلَّ اللهُ تَعَالَى . فَجَزَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ مُرْسَلاً عَمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ ( فَلاَ شَكَّ أَنَّهُ يَرْضَى عَمَّنْ يَعْتَنِي بِجَمْعِ شَمَائِهِ وَنَشْرِهَا ) للناس تعلُّما وتعليماً ؛ على أنَّ في ذلك تعرُّضاً لنفحات الرحمة الإلهية ، لأنه إذا كانت رحمته تعالى تتنزَّل عند ذكر الصالحين ؛ فما بالك بسيّد الصالحين وسندهم ومُمِدِّهم (وَلَّ) !!! فأدنى انتسابٍ إليه يحصِّل غاية النفع والشرف ، إذ لم يخلق الله تعالى خَلْقاً أكرمَ عليه من نبينا محمد ◌َّ؛ كما قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما . ( وَمِنْهَا) - أي: الفوائد -. (تَعَرُّضُنَا لِمُكَافَأَتِهِ نَِّ عَلَىَ إِحْسَانِهِ إِلَيْنَا) ؛ أداءً لبعض ما يجبُ له ◌َّي، إذ هو الواسطة بين الله وبين عباده ، فكل خير ونعمة وبركة ؛ قَلَّتْ أو جَلَّتْ، منه حصلت، وبطلعته ظَهَرت ، ( وَ) أعظمها إحسانه إلينا بـ ( إِنْقَاذِهِ ) أي: تخليصه ( إِيَّانَا مِنْ ظُلُمَاتِ الضَّلَاَلِ ) : الكفر (إِلَىْ أَنْوَارِ الهُدَى ) : الإسلام ، ( وَ) إخراجه إيَّانا ( مِنَ الشَّقَاوَةِ الأَبَدِيَّةِ ) أي: التي لا نهاية لها، (إِلَى السَّعَادَةِ الشَّرْمَدِيَّةِ) المستمرَّة، (وَهْذِهِ نِعْمَةٌ كُبْرَى ) ، بل هي أكبر النعم على الإطلاق ، إِذْ ( لاَ تُمْكِنُ مُقَابَلَتُهَا) ؛ أي : موازنتها ( بِشَيْءٍ ) من النِّعَم الباقية الواصلة إلينا منه وَلَه، (وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى مَكَافَأَتِهِ ): جزائه ( عَلَيْهَا إِلاَّ اللهُ تَعَالَى)، وإذا كان الإنسان يُحبُّ مَن مَنَحَهُ من دنياه - مرَّة ؛ أو مرتين - معروفاً فانياً منقطعاً ، أو استنقذه من هَلَكةٍ ، فما بالك بمن مَنَحَهُ مِنَحاً لا تبيد ولا تزول ، ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول ؟ !! ( فَجَزَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَىُ بِهِ مُرْسَلاً عَمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ) - أي : ١١٣ أَنْقَذَنَا بِهِ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، دَائِينَ بِدِينِهِ الَّذِي أَرْتَضَى وَأَصْطَفَى بِهِ مَلاَئِكَتَهُ ، وَمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، فَلَمْ تُمْسٍ بِنَاَ نِعْمَةٌ ظَهَرَتْ وَلاَ بَطَنَتْ الله - تعالى ( أَنْقَذَنَا): خلَّصنا (بِهِ) ببعثته ◌ِِّ ( مِنَ الهَلَكَةِ) ؛ أي : الهلاك، وهو ظلمة الكفر ، إلى نور الإيمان ، وأخرجنا به من نار الجهل إلى جنَان المعارف والإيقان ، ( وَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَاسِ)، وخيريَّة الأُمّة بخيرية نبيِّها ( دَائِيْنَ ) ؛ أي : متعبِّدين ( بِدِيْنِ الَّذِيْ أَرْتَضَىْ)؛ وهو الإسلام، ( وَأَصْطَفَى بِهِ مَلاَئِكَتَهُ، وَمَن أَنْعَمَ عَلَيْهِ ) به ( مِنْ خَلْقِهِ ) من النبيين والصِّديقين ، والشهداء والصالحين ، وسائر عباده المؤمنين ، ( فَلَمْ تُمْسٍ ) - بضمِّ أوله - ولم تصبح ( بِنَا نِعْمَةٌ ) من الله علينا ( ظَهَرَتْ وَلاَ بَطَنَتْ)؛ مأخوذ من قوله تعالى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾ [٢٠/ لقمان]. وقد أخرج البيهقي في ((شُعَب الإيمان)) ؛ عن عطاء قال : سألت ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾ [٢٠/ لقمان] قال: هذا من كنوزٍ علمي؛ سألت رسول الله وَّه، فقال: ((أَمَّا الظَّاهِرَةُ؛ فَمَا سَوَّىْ مِنْ خَلْقِكَ، وَأَمَّا الْبَاطِنَّةُ؛ فَمَا سَتَرَ مِنْ عَوْرَتِكَ، وَلَوْ أَبْدَاهَا لَقَلَاَكَ أَهْلُكَ فَمِنْ سِوَاهُم )) . وأخرج البيهقيُّ، والديلميُّ، وابن النَّجار؛ عنه أيضاً: سألت رسول الله وَله عن هذه الآية، فقال: ((أَمَّا الظَّاهِرَةُ؛ فَالإِسْلاَمُ، وَمَا سَوَّى مِنْ خَلْقِكَ، وَمَا أَسْبَغَ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ ؛ فَمَا سَتَرَ مِنْ عَمَلِكَ )). وفي رواية عنه موقوفة: (( النِّعمةُ الظاهرة : الإسلام ، والباطنة : ما سُتر عليك من الذنوب والعيوب والحدود )) ؛ أخرجه ابن مردويه عنه . وفي رواية عنه موقوفة أيضاً: ((النِّعمة الظاهرة والباطنة هي: لا إله إلاَّ الله))؛ أخرجها عنه ابن جرير وغيره. وتفسيرهما ما قاله مجاهد: نعمة ظاهرة؛ هي لا إله إلاَّ الله على اللسان، وباطنة؛ قال: في القلب. أخرجها سعيد بن منصور، وابن جرير. ١١٤ ◌ِلْنَ بِهَا حَظّاً فِي دِينٍ وَدُنْيًا ، أَوْ رُفِعَ بِهَا عَنََّ مَكْرُوهٌ فِيهِمَا ، أَوْ فِي أَحَدٍ مِنْهُمَا .. إِلَّ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَبُهَا الْقَائِدُ إِلَى خَيْرِهَا ، وَأَلْهَادِي إِلَى رُشْدِهَا . ( نِلْنَا بِهَا ) ؛ أي : بسببها ( حَظّاً) : نصيباً ( فِي دِيْنٍ ) ، كالعلم والعمل والمعرفة ، ( وَدُنْيَا )، كالجاه والقبول، ( أَوْ رُفِعَ بِهَا): بسببها ( عَنَّا مَكْرُؤْهٌ) : شيءٌ نكرهه ( فِيْهِمَا ) ، أي : في الدين والدنيا ؛ ( أَوْ فِي أَحَدٍ مِنْهُمَا ) في الدين أو الدنيا (إِلَّ وَ) حبيبُنا ( مُحَمَّدٌ بِِّ سَبَيْهَا) ؛ أي : سببٌ في حصولها ، وواسطةٌ في وصولها، وهو ( أُلقَائِدُ): اسم فاعل، من: ((قاده يقوده)) ؛ أي : جَذَبه من أمامه بسبب حسِّ؛ أو معنوي ليتبعه ( إِلَى خَيْرِهَا، وَأَلَهَادِيْ): الدَّالُّ (إِلَى رُشْدِهَا). فله ◌َّ علينا من الأيادي العظيمة، والمنن الجسيمة ؛ دين ودنيا وآخرة ما لا يُحصى بحيث أنَّا نسبحُ فيها ؛ ونتقلب ظهراً لبطن . ولا منعِم من الخلق مثلُه ، لأنه الواسطة لنا في كلِّ خير ، وجميعُ النعم التي وصلت إلينا من الله تعالى السابقة واللاحقة من نعمة الإيجاد والإمداد في الدنيا والآخرة ، فنعمه علينا تابعةٌ لنعم الله تعالى، ونعم الله تعالى لا يُحصيها عَدَد ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً ﴾ [٣٤/ إبراهيم]، فهو وَّ الواسطة بين الله وبين خلقه في كلِّ نعمة ؛ يفيضها الباري أوَّلاً عليه ، ومنه تتفرَّعُ إلى المخلوق . قال سيدي عبد الرحمن بن مصطفى العَيْدَروس : كلُّ مَن حصلت له الرحمة في الوجود ، أو خرج له قسم من رزق الدنيا والآخرة ، والظاهر والباطن ، والعلوم والمعارف والطاعات؛ إنما خرج له ذلك على يد رسول الله وَعليه، وبواسطته وَل، وهو الذي يقسمُ الجنَّةً بين أهلها، ولذلك عَدُّوا من خصائصه ◌َّ أَنَّه أعطِي مفاتيح خزائن أجناس العالم ، فيُخرِج لهم بقدر ما يطلبون بحسب القسمة الإلهية ، فكلُّ ما ظهر في هذا العالم ؛ فإنما يُعطيه سيِّدنا محمد ◌ّ ر الذي بيده المفاتيح ، فلا يخرج شيء من الخزائن الإلهية إِلاَّ على يديه وَ لَ، وهو معنى اسم ((الخليفة))، فلا طاقة لأحد بالنّفي والشهود بدون واسطته وَّر، فهو المرآة الكبرى والمَجلى الأعظم ، ١١٥ وأقواله وأفعاله كلُّها دائرةٌ على الدلالة على الله تعالى والتعريفِ به ، ولا نهايةَ للمعرفة ، فما دام الإنسان يترقَّى فيها ؛ فهو مغترفٌ من بحره ومستمدٌّ منه ، حتى الأنبياء والمرسلون ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ انتهى. مُلَخَّصًا من (( تقريب الوصول)) للسيد أحمد دحلان رحمه الله تعالى . وقال سيّدي عبد العزيز الدبَّاغ - رضي الله تعالى عنه ، ونفعنا ببركاته ـ في كتاب ((الإبريز)): إِنَّ أرباب الكشف والعيان يشاهدون سيِّد الوجود ◌َّر، ويشاهدون ما أعطاه الله عزَّ وجلَّ وما أكرمه الله به مما لا يطيقه غيره ، ويشاهدون غيره من المخلوقات؛ الأنبياء والملائكة وغيرهم ، ويشاهدون ما أعطاهم الله من الكرامات ، ويشاهدون المادّة سارية من سيِّد الوجود وَلّه إلى كلِّ مخلوق في خيوط من نور فائضة من نوره وَّه؛ ممتدَّة إلى ذوات الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام وذوات غيرهم من المخلوقات ، ويشاهدون عجائب ذلك الاستمداد وغرائبه . قال رضي الله تعالى عنه: ولقد أخذ بعض الصالحين طَرَف خبزة ليأكُلَه ، فنظر فيه وفي النعمة التي رُزِقَها بنو آدم ؛ قال : فرأى في ذلك الخبز خيطاً من نور ، فتبعه بنظره فرآه متصلاً بخيط نوره الذي اتصل بنوره وي ليه ، فرأى الخيط المتصل بالنور الكريم واحداً ، ثم بعد أن أمتدَّ قليلاً جعل يتفرَّع إلى خيوط ؛ كُلّ خيط مثَّصلٌ بنعمةٍ مِن نعم تلك الذوات . قال تلميذُه سيّدي أحمد بن المبارك : وصاحب هذه الحكاية هو الشيخ نفسه . قال : وقال رضي الله تعالى عنه : ولقد وقع لبعض أهل الخذلان - نسأل الله تعالى السلامة - أنَّه قال: (( ليس لي من سيّدنا محمد وَّةٍ إِلَّ الهداية إلى الإيمان، وأما نور إيماني؛ فهو من الله عزَّ وجلَّ، لا من النبيِ وَّرَ)). فقال له الصالحون : أرأيت إن قطعنا ما بين نور إيمانك وبين نوره وَلَلة ، وأبقينا لك الهداية التى ذكرت ؛ أترضى بذلك!؟ فقال: نعم، رضيت . قال رضي الله عنه: فما تمَّ كلامُه حتَّى ١١٦ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنْ قَوْلِهِ: ( .. فَجَزَاهُ اللهُ . .. إِلَى آخِرِهَا) عِبَارَةُ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ سجد للصليب وكفر بالله ورسوله ؛ ومات على كفره !! نَسْأل الله تعالى السلامة والحماية، والتوفيق والهداية. انتهى مُلخَّصاً، نقله المصنف في كتابه (( حُجَّة الله على العالمين )) وأطال في هذا الموضوع ، فليراجع ثمة . وقد ضَمَّن المصنف هذا المعنى الذي قاله سيّدي عبد العزيز في مَمزيته: (( طيبة الغراء))؛ فقال : بُ كِرَامُ الوَرَى بِهِ كُرَمَاءُ مَصْدَرُ الْمَكْرُمَاتِ مَوْرِدُهَا العَذْ وَأَلْبَرَايَا مِنْهُ لَهَا أَسْتِعْطَاءُ أَفْرَغَ اللهُ فِيْهِ كُلَّ الْعَطَايَا ــلٍ وَمَا حَازَهُ بِهِ الْفُضَلاَءُ إِنَّمَا مَا حَوَىُ الزَّمَانُ مِنَ الفَضْـ مِثْلَ مَا فَاضَ عَنْ ذُكَاءَ الضِّيَاءُ كُلُّهُ عَنْهُ فَاضَ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ قال المصنف : ( وَهُذِهِ أَلِعِبَارَةُ مِنْ قَوْلِهِ : ( فَجَزَاهُ اللهُ ... إِلَى آخِرِهَا) عِبَارَةُ إِمَامِنَا ) وإمام الأئمة المجتهِدِ المطلق : أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ( الشَّافِعِيِّ ) ؛ نسبةً إلى جدِّه شافع ، القرشي المطّلبي المكي ، أحد الأئمة الأربعة ؛ أصحاب المذاهب المتبوعة المشتهرة ، عالِم قريش ومجدد الدين على رأس المائتين . ولد بـ((غَزَّة))؛ من أرض فلسطين، سنة : - ١٥٠ - مائة وخمسين هجرية، وحُمل منها إلى مكة ؛ وهو ابن سنتين ، وحفظ القرآن ؛ وهو ابن سبع سنين ، وحفظ (( الموطأ)) ؛ وهو ابن عشر ، وأفتى ؛ وهو ابن خمس عشرة سنة . وكان يُحيي الليل إلى أن مات . وزار بغداد مرتين ، وبها ألَّف مذهبه القديم . وقصد مصر ونزلها سنة : - ١٩٩ - تسع وتسعين ومائة ، وبها ألَّف مذهبه ١١٧ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ نَقَلْتُهَا مِنْ ((رِسَالَتِهِ)) الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ صَاحِبُهُ الرَّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى . - وَمِنْهَا: أَنَّ مَعْرِفَةَ شَمَائِلِهِ الشَّرِيفَةِ تَسْتَدْعِي مَحَبَّتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ الجديد ، وتوفي بها (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) سنة : - ٢٠٤ - أربع ومائتين هجرية ؛ وعمره أربع وخمسون سنة ، ودفن بالقرافة ، وقبره معروف يزار . قال المبرِّد : كان الشافعي أشعرَ الناس وآدَبَهم ، وأعرفَهم بالفقه والقراءات . وقال الإمام أحمد ابن حنبل : ما أحد ممَّن بيده محبرةٌ ، أو ورق ؛ إلاَّ وللشافعي في رقبته مِنًّ . وكان من أحذق قريش بالرمي ؛ يُصيب من العشرة عشرة . بَرَع في ذلك أوّلاً كما برع في الشعر واللغة وأيام العرب ، ثم أقبل على الفقه والحديث . وكان ذكياً مُفْرِطَ الذكاء ، آيةً في الحفظ ، له تصانيف كثيرة تدلُّ على سَعة علمه وتحقيقه ومتانة دِينه. رحمه الله تعالى. آمين. ومناقبه جَمَّة أفردَها العلماءُ بالتصنيف. ( نَقَلْتُهَا مِنْ رِسَالَتِهِ) المعروفة باسم (( الرسالة)): في أصول الفقه ، وهي ( أُلَِّي رَوَاهَا عَنْهُ صَاحِبُهُ) وتلميذه أبو محمد ( الرَّبِيْعُ بنُ سُلَيْمَانَ ) بنِ عبد الجَبَّار بن كامل ( المرادي بالولاء ) ، المصري ( راوي كتب الإمام الشافعي ) وراوي مذهبِهِ الجديد . وهو المراد عند إطلاق (( الربيع )). وهو أَوَّل مَن أملى الحديث بجامع ابن طولون ، وكان مؤَذِّناً ، وفيه سلامة وغفلة . ومولده سنة : - ١٧٤ - أربع وسبعين ومائة بمصر ، ووفاته بها سنة : - ٢٧٠ - سبعين ومائتين هجرية. (رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى ) ونفعنا بعلومه . آمين . ( وَمِنْهَا) ؛ أي: الفوائد ( أَنَّ مَعْرِفَةَ شَمَائِلِهِ الشَّرِيْفَةِ تَسْتَدْعِيْ ) ، أي : تقتضي ( مَحَبَّتَهُ بَّرِ) التي هي روح الإيمان ؛ الذي هو أصل كلِّ سعادة وسيادة. والمحبة : مَيْلٌ روحاني يَسْتجلِب الودَّ ويَسلُب البعد ، وللناس في حَدِّها ١١٨ لِأَنَّ الإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الصَّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَمَنِ أَنَّصَفَ بِهَا ، وَلاَ أَجْمَلَ وَلاَ أَكْمَلَ مِنْ صِفَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلاَ شَكَّ أَنَّ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ مَطْبُوعاً عَلَى قَلْبِهِ بِطَابَعِ الضَّلَاَلِ .. يُحِبُّ صَاحِبَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَقِينٍ ، اختلافٌ كثير ، وعباراتهم فيها ؛ كما قيل : وإن كثرت ! إنما هي في الحقيقة اختلافُ أحوال ، وليست باختلاف أقوال . وأكثرها يرجع إلى ثمراتها ؛ دون حقيقتها . وقيل : إنها من المعلومات التي لا تُحَدُّ ، وإنَّما يعرفها مَنْ قامت به ؛ وُجداناً . ولا يمكن التعبيرُ عنها ، ولا تُحَدُّ بِحَدٍّ أوضحَ منها . (لأَنَّ الإِنْسَانَ مَجْبُولٌ ) ؛ أي : مطبوع (عَلَىْ حُبِّ الصِّفَاتِ الْجَمِيْلَةِ ، وَ) على حبِّ (مَنِ أَنَّصَفَ بِهَا ) من أفراد المؤمنين ؛ فكيف بعباده الصالحين !! فكيف بسيِّد الأوَّلين والآخرين !! ( وَ) لا ريب أنَّه (لاَ أَجْمَلَ؛ وَلاَ أَكْمَلَ مِنْ صِفَاتِ نََّ)، وإذا كان المرءُ يحبُّ غيره على ما فيه من صورة جميلة وسيرة حميدة ؛ فكيف بهذا النبي الكريم ، والرسول الواسع الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم !! ( فَلاَ شكَّ أَنَّ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا) - أي : على شمائله، ( وَ) الحال أَنَّه ( لَمْ يَكُنْ مَطْبُوعاً) ؛ أي : مختوماً ( عَلَى قَلْبِهِ بِطَابَعِ الضَّلَاَلِ) وعمى البصيرة - ( يُحِبُّ صَاحِبَهَا وََّ بِيَقِيْنٍ ) ، وفي محبَّنا له وَله مننٌّ عظيمة علينا، لأنَّها موجبة لمعيَّته ومجاورته وصحبته ، لحديث : ((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)). رواه الشيخان ؛ عن أنس ، وابن مسعود . ولحديث : (( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْتَبْتَ )) . رواه مسلم . ومحبّة رسول الله وَّ يظهر أثرها في اتباع سنّه ، وسلوكٍ طريقته ، ولها مع ذلك علاماتٌ أخرى ؛ منها : أنْ تُحِبَّ بحبِّه ، وتبغض ببغضه ، فلا تحبُّ إلاَّ ما أَحَبَّ ، وَلا تُبْغِضُ إِلاَّ مَا أَبْغَضَ ، فيكون هواكَ تبعاً له ولما جاء به . ومنها : أن تواليَ بولايته ، وتعاديَ بعداوته ، لأنَّ محبَّ المحبوب ومحبوبه محبوبان ، ومبغضه وبغيضه مبغوضان . ١١٩ وَبِمِقْدَارِ زِيَادَةِ مَحَبَتِهِ وَنَقْصِهَا تَكُونُ زِيَادَةُ الإِيمَانِ وَنَقْصُهُ ، ومن علاماتِ محبَّته أيضاً : إيثارُ محبَّته على كلِّ محبوب ، واشتغال الباطن بذكره بعد ذكر الله عز وجل ، والإكثار من الصلاة عليه ، وأن يودّ رؤيته بجميع ما يملك ؛ أو بملء الأرض ذهباً ؛ لو كان له . ومنها : التخلُّق بأخلاقه ، والتأدُّب بشمائله وآدابه ؛ من الجود ، والإيثار ، والحلم ، والصبر ، والتواضع ، والزهد في الدنيا ؛ والإعراض عن أبنائها ، ومجانَبَة أهل الغفلة واللهو ، والإقبال على أعمال الآخرة ؛ والتقرُّب من أهلها ، والحبّ للفقراء والتحبُّب إليهم والتقرُّب منهم ، وكثرة مجالستهم ، واعتقاد تفضيلهم على أبناء الدنيا ، ثم الحبُّ في الله لأهل العلم والدين والصلاح والزهد ، والبغض في الله للظَّلَمة والمبتدعة والفسقة المعْلِنين، واتِّباعه في مقامات اليقين ؛ مثل الخوف والرجاء ، والشكر والحياء ، والتسليم والتوكُّل ، والشوق والمحبة ، وإفراغ القلب لله عزَّ وجلَّ، وإفراد الهَمِّ به تعالى ، ووجود الطمأنيْنَةَ بذكره سبحانه ، والرِّضا بما شرعه ؛ حتى لايجد في نفسه حرجاً مما قضى ، ونصرته ونصرة دينه باتِباع سنَته واعتقادها ، وإيثارها على الرأي والهوى ، واجتناب البدع كلِّها ، والذَّبِّ عن شريعته ، والتسلِّي عن المصائب شُغلاً بحاله ، وجمعاً في محبّة محبوبه ؛ واغتباطاً به ، وتسليةً بما أصاب محبوبه ؛ وتعظيمه عند ذكره ، وكثرة الشوق إلى لقائه ؛ إذ كل حبيب يحبُّ لقاء حبيبه ، ومحبّة القرآن الذي أتى به ، والتلذُّذ بذكره ، والطرب عند سماع اسمه ، فمن تخلَّق بهذا كلِّه ؛ فله من الآية نصيبٌ موفور ، وهي قوله تعالى ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [٣١/ آل عمران]، فجعل اللهُ تعالى جزاء العبد على حُسْن متابعة الرسول وَ ل﴿ محبََّ الله تعالى إِياه، ولا يكون متَّبعاً له إلاَّ عن محبّة الله تعالى إِيَّاه ، وأَثَرته إيَّاه عمَّن سواه . ( وَ) يتفاوت الناس في المحبة، فـ(بِمِقْدَارِ زِيَادَةِ مَحَبَّتِهِ) وَّر ( وَ) بمقدار ( نَقْصِهَا؛ تَكُوْنُ زِيَادَةُ الإِيْمَانِ وَنَقْصُهُ) ، فمن كان في محبَّته أقوى ؛ كان في الإيمان أبلغَ وأَثبت ، ومن لا محبَّة له ؛ لا إيمان له ، إِذِ الإيمان مشروطٌ ١٢٠