النص المفهرس
صفحات 41-60
ثم قال فيه أيضاً : وأجزتُ كافَّة مَن أدرك حياتي ، ولا سيما من وقعت بيني وبينه المعرفة ، وخصوصاً من وقعت بيني وبينه الاستفادات العلمية ، وأولادهم ، ومَنْ سيولد لهم ؛ راجياً بذلك - إن شاء الله - من الربِّ الكريم الخيرَ الشَّامل الكثير ، فإنَّه القادرُ على ذلك . انتهى ملخصاً . وفي (( النفس اليماني)) أيضاً: وهذا الشيخ المعمَّر الحافظ الشهير سيِّدي محمد بن سِنَّة العمري ؛ هو شيخي بطريق الإجازة العامَّة ، لأنه أجاز لأهل عصره الموجودين ، وكانت وفاته في عشر التسعين بعد مائة وألف ، كما أفادني بذلك جمع من علماء الحرمين الشريفين رووا عن تلميذه العلاَّمة صالح الفُلاَّني المغربي عنه . انتهى كلام «النفس اليماني)). وممَّنْ أجاز لمَنْ أدرك حياته : أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء ، وأبو الحسين عبيد الله بن الربيع القرشي ، والقطب محمد بن أحمد بن علي القُسْطُلأَني ، وأبو الحجّاجِ المِزِّي الحافظ ، والفخر ابن البخاري ، وخلق من المُسْنِدِين ؛ كالحَجَّار ، وزينب بنت الكمال . واستجاز بها خلقٌ لا يُحصَون ؛ منهم أبو الخطّاب بن دِحْيَة ، فإنَّه سأل أبا جعفر بن مضاء الإجازة العامة في كلِّ ما يصحُّ إسناده إليه على اختلاف أنواعه لجميع مَن أراد الرواية من طلبة العلم الموجودين حينئذ ؛ فأسعفهم بها . ومنهم : أبو الحسن محمد بن أبي الحسن الورَّاق ، فإنَّه سأل أبا الوليد بن رشد الإجازة لكلِّ مَن أحبَّ الحمل عنه من المسلمين حيث كانوا أحياءَ في عام الإجازة فأجابه لذلك ؛ كما ذكره السخاوي في (( شرح ألفية الحديث)) رحمه الله تعالى. وكذلك أجاز لأهل عصره : الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني ؛ ذكره الشيخ ابن عابدين في (( ثبته))؛ ناقلاً من ((القول السديد باتصال الأسانيد )» ثبتِ الشهاب أحمد المنيني ، فإنَّه قال فيه : وقد أخبرني بإذنه لأهل عصره الشيخُ محمد بن الطيب المغربي نزيل المدينة المنورة ، وهو ثقة ثَبْت . والله أعلم . انتهى . وكذلك أجاز لأهل عصره : الشيخ العلاَّمة الفقيه المحدِّث محمد عابد بن أحمد بن علي الحنفي السندي ثم المدني ، فإنَّ قال في كتابه (( حصر الشارد )): وقد ٤١ أجزت كافَّة مَن أدرك حياتي من المسلمين أن يرويَ عني جميع ما اشتمل عليه هذا السِّفْر بالأسانيد التي ذكرتها . وكذلك أجاز لأهل عصره : العلاَّمة الفاضل خاتمة المحققين مولانا الشيخ فالح بن محمد المدني ؛ فإنَّه قال في آخر ثبته ((حسن الوفاء )): وقد أَجزتُ بهذه المرويَّات وبما تضمَّتَته من الأثبات المذكورة ، وبجميع ما يؤثر عني كلَّ مَن أراده ممن أدرك حياتي ... إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى. وممن أجاز لمن أدرك حياته : العلاَّمة الحافظ عبد الرحمن بن علي الدَّيْبَع اليمني الزبيدي المتوفى سنة : - ٩٢٢ - اثنتين وعشرين وتسعمائة هجرية ؛ قال رحمه الله تعالى نظماً : رِوَايَةَ مَا تَجُوزُ رِوَايَتِي لَهْ أَجَزْتُ لِمُذْرِكِي وَقْتِي وَعَصْرِي وَمَا أَلَّفْتُ مِن كُتْبٍ قَلِيْلَهُ مِنَ الْمَقْرُوءِ وَاَلْمَسْمُوعِ طُرّاً مِنَ الْكُتُبِ القَصِيْرَةِ وَالطَّوِئْلَة وَمَالِي مِنْ مُجازٍ مِنْ شُيُوخِي وَيَرْحَمُنِي بِرَحْمَتِهِ الجَزِيْلَةْ وَأَرْجُو اللهَ يَخْتِمُ لِيْ بِخَيْرٍ انتهى . ولنبدأ بترجمة المصنف ؛ فنقول : هو بوصيريُّ العصر ، الأديب الشاعر المُفْلِقِ، العلاَّمة المتقن الورع ، الحُجَّة التقي العابد ، الطائر الصيت ، المحتُّ الصادق المتفاني في حبِّ رسول الله وَ ﴿ المكثر من مدائحه ؛ تأليفاً، ونقلاً، ورواية ، وإنشاءً وتدويناً ، ناصر الدين أبو الفتوح ؛ وأبو المحاسن : يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل بن محمد بن ناصر الدين النبهاني . ((نسبة لبني نبهان)): قوم من عرب البادية؛ نزلوا بقرية ((إِجْزِم)) بصيغة فعل الأمر ، وبها ولادته ، وهي قرية واقعة في الجانب الشمالي من أرض فلسطين ؛ تابعةٌ لقضاء حيفا من أعمال عكا . وكانت ولادته يوم الخميس سنة : - ١٢٦٥ - خمس وستين ومائتين وألف هجرية تقريباً . ٤٢ وحفظ القرآن على والده ؛ وكان شيخاً معمَّراً بلغ الثمانين ، وكان إذ ذاك ممتعاً بكمال عقله ، وحواسِه وقوَّته ، وحفظه ومحافظته على ضروب الطاعات وحسنٍ تلاوة القرآن العظيم ، وكان يختم كلَّ ثلاثة أيَّامٍ ختمة ، ثم وُفِّق إلى قراءته ثلاث مرَّات كلَّ أسبوع ، ولهذه المزايا والفضائل أبلغ الأثر في تكوين هذا الناشىء الذي تغذَّى بِلَبانِ الهدى والتقى بين يدي والده الصالح ؛ في تلك البيئة النقية الطاهرة . ولما أتمَّ حفظ القرآن الكريم وحفظ بعض المتون ؛ أرسله والده إلى مصر ، وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة ، فالتحق بالأزهر الشريف في غُرَّة محرَّم الحرام سنة : - ١٢٨٣ - ثلاث وثمانين ومائتين وألف هجرية ، وجاور في رواق الشوام ، ودأب على الدرس والتحصيل ، وتلقَّى العلم من كبار الأئمّة وجهابذة علماء الأمّة ؛ المبرِّزين في علوم الشريعة واللغة العربية ، من أهل المذاهب الأربعة ، وكان موفَّقاً حَسَن الاختيار والاهتداء إلى الراسخين في العلم ؛ المحققين في المعقول والمنقول ، الذين لا يشقُّ لهم غبار ؛ كالشيخ إبراهيم السقا الشافعي المتوفى سنة : ١٢٩٨، والشيخ محمد الدمنهوري الشافعي المتوفى سنة : ١٢٨٦، والشيخ إبراهيم الزرو الخليلي الشافعي المتوفى سنة : ١٢٨٧، والشيخ أحمد الأجهوري الضرير الشافعي المتوفى سنة : ١٢٩٣ ، والشيخ عبد الهادي نجا الأبياري الشافعي المتوفى سنة : - ١٣٠٥ - خمس وثلثمائة وألف ، والشيخ أحمد راضي الشرقاوي الشافعي ، والشيخ مصطفى الإشراقي الشافعي ، والشيخ عبد اللطيف الخليلي الشافعي ، والشيخ صالح أجياوي الشافعي ، والشيخ محمد العشماوي الشافعي ، والشيخ محمد شمس الدين الأنبابي الشافعي ( شيخ الجامع الأزهر) ، والشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي ، والشيخ أحمد البابي الحلبي الشافعي ، والشيخ شريف الحلبي الحنفي ، والشيخ فخر الدين اليانيه وي الحنفي ، والشيخ عبد القادر الرافعي الطرابلسي الحنفي ((شيخ رواق الشوام))، وشقيقه الشيخ عمر مفتي طنطا الحنفي ، والشيخ مسعود النابلسي الحنفي ، والشيخ حسن العدوي المالكي المتوفى سنة : ١٢٩٨، والشيخ محمد الحامدي المالكي ، والشيخ محمد روبه المالكي ، والشيخ حسن الطويل المالكي ، والشيخ محمد البسيوني المالكي ، والشيخ يوسف ٤٣ البرقاوي الحنبلي (( شيخ رواق الحنابلة)) رحمهم الله تعالى وجزاهم عن الأمة المحمدية أحسَن الجزاء . ثم بدا لصاحب الترجمة أن يسافر من مصر ليساهم في خدمة الإسلام ؛ فرجع في رجب سنة ١٢٨٩، وأقام في مدينة عكا ينشر العلم ، فأفاد المسلمين ، وأعلى منار الدين ، ثم في سنة ١٢٩٢ رحل إلى الشام ، واجتمع على جماعة من العلماء ، أحدهم - بل أوحدهم - الإمام الفقيه المُحدِّث البارع في أكثر الفنون ؛ مفتي الشام المرحوم السيد محمود أفندي الحمزاوي ، وحصلت بينه وبينه مودّة ، فاستجازه بعد أن قرأ عليه في منزله بحضور جملة من طلبة العلم الشريف ؛ فأجازه بإجازة مطوّلة فائقة إجازة عامة بجميع مروياته ، وجال في بلاد الشرق العربي ، وبَرِّ الترك ؛ فدخل الأُسْتانة والموصل وحلب وديار بكر وشهرزور وبغداد وسامَرًا وبيت المقدس والحجاز . ولما شاع ذكره ، وأشرقت شمسُه، واهتدى به الناس ؛ تقلَّب في مناصب القضاء في ولايات الشام ؛ حتى صار رئيساً في محكمة الحقوق العليا ببيروت ؛ وذلك سنة : - ١٣٠٥ - خمس وثلثمائة وألف ، وحجَّ عام ألف وثلثمائة وعشرة ، ثم دخل الحجاز بعد ذلك ، وأقام بالمدينة المنوّرة مدَّة ؛ وألَّف المؤلفاتِ النافعةَ التي سارت بها الركبان ، وانتشرت في سائر البلدان ، وهي : - إتحاف المسلم بأحاديث الترغيب والترهيب من البخاري ومسلم . - إرشاد الحيارى في التحذير من مدارس النصارى . - أسباب التأليف . - أفضل الصلوات في الصلاة على سيد السادات . - الأحاديث الأربعين في أمثال أفصح العالمين . - الأحاديث الأربعين في فضائل سيد المرسلين . - الأحاديث الأربعين في وجوب طاعة أمير المؤمنين . - أربعين الأربعين من أحاديث سيد المرسلين . - الأنوار المحمدية مختصر (( المواهب اللدنية)). - أحسن الوسائل في أسماء النبي الكامل . - الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة . ٤٤ - بلوغ الآمال مختصر كتاب ((فتح المتعال في مثال النعال)) . - تهذيب النفوس في ترتيب الدروس؛ وهو مختصر ((رياض الصالحين)) للإمام النووي. - تفسير (( قرة العين من البيضاوي والجلالين )). - جواهر البحار في فضائل النبي المختار وَلي ((أربع مجلدات)). - جامع كرامات الأولياء ((مجلدان)). - جامع الصلوات على سيد السادات . - جامع الثناء على الله تعالى . - حزب الأولياء الأربعين المستغيثين بسيد المرسلين اليه . - حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين وله. - خلاصة الكلام في ترجيح دين الإسلام . - الدلالات الواضحات شرح ((دلائل الخيرات)). - رياض الجنة في أذكار الكتاب والسنة . - الرائية الصغرى في ذم البدعة ومدح السنة الغرا . - الرائية الكبرى . - سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين وَلقر . - سعادة الميعاد في موازنة ((بانت سعاد)). - السابقات الجياد في مدح سيد العباد وَله، وهي المعشَّرات. - سبيل النجاة في الحب في الله والبغض في الله . - الاستغاثة الكبرى بأسماء الله الحسنى . - الشرف المؤبَّد لآل محمد وَلِّ، وهو أوَّل مؤلفاته. - شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق وَله . - سعادة الأنام في اتّباع دين الإسلام . - الصلوات الألفية في الكمالات المحمدية . - الصلوات الأربعين للأولياء الأربعين . - صلوات الأخيار على النبي المختار وَلير . - صلوات الثناء على سيد الأنبياء وَله. ٤٥ - طيبة الغرّاء في مدح سيد الأنبياء . وهي همزِيَّته . - العقود اللؤلؤية في المدائح النبوية ، وهو ديوانه . - الفتح الكبير في ضمِّ الزيادة إلى ((الجامع الصغير))، وهو كتاب جمع فيه بين ((الجامع الصغير)) وذيله المسمَّى ((زيادة الجامع الصغير))؛ كلاهما للحافظ السيوطي في ثلاث مجلدات . - الفضائل المحمدية . ترجمها بعض السادة العلوية للغة الجاوية . - القول الحقُّ في مدح سيِّد الخلق ◌َّهِ. - المجموعة النبهانية في المدائح النبوية، ومعها أسماء رجالها المسمَّى ((الخلاصة الوفية في رجال المجموعة النبهانية)) ((أربع مجلدات)). - المزدوجة الغرّاء في الاستغاثة بأسماء الله الحسنى . - مفرِّحُ القلوب ومفرج الكروب . - منتخب الصحيحين ، مذيَّلاً بتعليقات اسمها ((قرة العين على منتخب الصحيحين)). - المبشرات المنامية . - مختصر ((إرشاد الحيارى)) . - مثال نعله الشريف . وذَكَر حوله كثيراً من الفوائد . - كتاب ((الأسمى فيما لسيدنا محمد ◌ٍَّ من الأسما)). - نجوم المهتدين ورجوم المعتدين في معجزات سيد المرسلين والرد على أعدائه إخوان الشياطين . - النظم البديع في مولد الحبيب الشفيع وَفقد . - الورد الشافي ؛ يشتمل على الأدعية والأذكار النبوية . - وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ◌َلتر . وهو الكتاب الذي نحن بصدد شرحه . - هادي المريد إلى طرق الأسانيد . وهو ثبته الجامع النافع . - البرهان المسدَّد فى إثبات نبوة سيدنا محمد نوعَه. - دليل التجّار إلى أخلاق الأخيار . - الرحمة المهداة في فضل الصلاة . - حسن الشرعة في مشروعية صلاة الظهر بعد الجمعة . ٤٦ - رسالة التحذير من اتخاذ الصور والتصوير . - تنبيه الأفكار لحكمة إقبال الدنيا على الكفار . كلها(١) طبعت في مجموعة واحدة ، وكلُّ هذه التصانيف مطبوعةٌ تداولتها الأيدي في سائر بلاد الإسلام . وأوَّل ما ظهر من مؤلفاته كتاب ((الشرف المؤبَّد لآل محمد ◌ََّ))، ثم همزيته المسماة ((طيبة الغراء))؛ وبها اشتهر ، وتناقل الناس ماله من خبر ، وذلك لبلاغتها وانسجامها وطلاوتها . ثم عَظُمْ ذِكْره بما صنَّف وابتكر ، ونظم ونثر ، وطبع ونشر ، خصوصاً في الجانب المحمدي الأعظم ، فقد خدم السيرة المحمدية والجناب النبوي أرفعَ الخِدَمات ، ووقف حياته على ذلك ؛ فنشر وكتب ما لم يتيسَّر لغيره في عصرنا هذا ولا عشر معشاره، وذلك من آثار بركته وَله . ولما أُحيل إلى المعاش شدَّ أَزْرَه وشَمَّر عن ساعد الجدِّ ، وأقبل على العبادة بهمَّة عالية وعزيمة صادقة ، وقلب دائب على الذكر وتلاوة القرآن ، وكثرة الصلاة على رسول الله وَلجر، فأحيا ليله ونهاره بإقامة الفرائض ونوافل الطاعات؛ لا يفتر ولا يسأم ، حتى عُدَّ ما يقوم به من خوارق العادات . وكان يتردّد إلى المدينة المنوَّرة للزيارة النبوية ويقيم فيها مدَّة أيام الشتاء ، وكانت أنوار العبادة وتعظيم السنة والعمل بها ظاهرةً على وجهه المبارك ، ولم يزل على الحال المرضيّ حتَّى دعاه مولاه ؛ فأجابه ولَّاه . وكانت وفاته في بيروت في أوائل شهر رمضان الكريم سنة : - ١٣٥٠ - خمسين وثلثمائة وألف هجرية ، عن عمر يُنَاهز الخمس والثمانين ، وهو قويُّ البدن ، تائمُ الصحّة ، مستوفٍ لقراءة أوراده وما اعتاده من الطاعات وأعمال الخير . أجزل الله ثوابه ، وألحقنا به على الإيمان الكامل في غير ضَرَّاء مُضِرَّة ، ولا فتنة مضلَّة ، بفضله ورحمته . آمين . وهذا أوان الشروع في المقصود مستعيناً بالله ذي الكرم والجود : (١) أي: الكتب الستة الأخيرة . ٤٧ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال المصنف ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ ) بتقديم البسملة ، وافتتاحُ كُتب العلم بها جرى عمل الأئمة المصنّفِين واستقرَّ أمرهم ؛ حسبما قاله الحافظ ابن حجر . قال : وكذا معظمُ كتب الرسائل ، والقصد : ١ - الاقتداءُ بالكتاب العزيز ، فإنَّ العلماء متَّفقون على استحباب البسملة في أوَّله في غير الصلاة ، والإجماعُ منعقد على تقديمها في خطَّ المصحف ؛ وإن كانت ليست آية منه عند مالك . ٢ - والعملُ بقول النبي ◌َّهُ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِيْ بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ؛ فَهُوَ أَبْتَرُ)). رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتاب (( الجامع)) ، وفي رواية: (( أَقْطَعُ))، وفي رواية: ((أَجْذَمُ )) بالجيم والذال المعجمة ، وهو من التشبيه البليغ في العيب المنفِّرِ ، ومعنى الجميع : أنَّه ناقص البركة غيرُ تامٍّ في المعنى ؛ وإن تمَّ في الحس . ومعنى (( ذِيْ بَالٍ ))؛ أي: حال يُهتمُّ به. ومعنى الابتداء بالبسملة: الاستعانةُ بالله عزَّ وجلَّ ، على زيادة لفظ (( اسم))؛ أو أنَّه هنا واقعٌ على المسمَّى . أو معناه : التبرُّك باسمه سبحانه . فالباءُ للاستعانة ، أو للملابسة ، أو المصاحبة ؛ بقصد التبرُّك، و((الاسم)) مشتقٌّ من السموِّ ؛ وهو العلوُّ، وقيل: من السِّمَة؛ وهي العلامة . واسم الجلالة : عَلَمٌ على ذاته تعالى ، فهو خاصٌّ به سبحانه وتعالى ، إذ لا يسمَّى به غيره تعالى، فهو أخصُّ الأسماء ، وهو أعرف المعارف وأعظم الأسماء ، لأنه دالٌّ على الذات الموصوف بصفات الإلهية كلِّها ، فهو اسمٌ جامع لمعاني الأسماء الحُسنَى كلِّها ، وما سواه خاصٌّ بمعنىّ ، فلهذا يضاف إليه جميع الأسماء ولا يضافُ هو إلى شيءٍ ، وكلُّ أسمائه تعالى للتخلُّق إِلاَّ هذا الاسم ؛ فإنَّه ٤٨ الْحَمْدُ للهِ للتعلُّق فحسب، وحظُّ العبد منه التوَلُّهُ ؛ وهو استغراقُ القلبِ والهِمَّةِ به تعالى ، فلا يرى غيره ، ولا يلتفتُ لسواه . وهو عربيٌّ عند الأكثر وهو الحق . واختُلِف فيه : هل هو مرتجلٌ ؛ أو مشتق ، والأول هو المشهور والمختار . والرحمن والرحيم : صفتان للمبالغة من الرحمة . و((الاسم)) مجرورٌ بالباء، و((الجلالةُ)) مجرورٌ بالمضاف، و((الرحمن )» نعتٌ لاسم الله، وعلى أنَّ ((الرحمن)) عَلَم يكون بدلاً من (( اسم الله )) ، أو عطف بيان ؛ وصُوِّب . والرحيم نعتٌ للجلالة على الأوَّل، أو لـ( الرحمن)) على الثاني ، إذ لا يتقدَّم البدلُ ؛ ولا العطف على النعت ، والجملة تحتمل الخبرية والإنشائية ، وقد قيل بكلِّ منهما . ( الْحَمْدُ للهِ ) أتى - رضي الله عنه - بالحمدلة بعد البسملة !! : ١ - قضاءً لبعض ما يجبُ من حمد الله تعالى والثناء عليه؛ بذكر أوصاف كماله ، وشكرِ نعمه وآلائه ؛ التي أعظمُها الهدايةُ للإيمان والإسلام ، ومن جملتها تأليف هذا الكتاب . و ٢ - اقتداءً بالكتاب العزيز، وبالنبي ◌َّ في ابتدائه بالحمد في جميع خطبه . و ٣ - عملا بجميع روايات الحديثِ السابقِ؛ ففي رواية «كُلُّ أَمْرِ ذِيْ بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بِـ ( الحَمْدُ للهِ ) فَهُوَ أَقْطَعُ)) ، وفي رواية ((بِحَمْدِ اللهِ)) ، وفي رواية « كُلُّ كَلاَمِ لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ (بِالْحَمْدِ للهِ)) فَهُوَ أَجْذَمُ )) وفي رواية : «كُلُّ أَمْرِ ذِيْ بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بِـ(( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيْمِ)) فَهُوَ أَقْطَعُ))، وفي رواية ((كُلُّ أَمْرٍ ذِيْ بَالٍ لاَ يُفْتَتَحُ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ )) ؛ أَوْ قَالَ ((أَقْطَعُ)) على التردُّد . فرواية البسملة صريحة فيها، ورواية: ((الحمدُ لله)) - بالرفع - صريحةٌ فيه. ورواية: (( بالحمد لله )) ٤٩ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، - بالخفض -، أو (( بحمد الله )) !! يحتمل أن يكون المراد الابتداءُ بلفظ ((الحمد الله)) بهذه الصيغة ، ويحتمل أن يكون المراد الابتداء بمادة الحمد ؛ وإن لم يكن بهذه الصيغة. حتَّى لو قال: ((حَمدتُ الله)) أو: ((أحمده )) لأجزأه ، ويحتمل أن يكون المرادُ الثناء ، ولو لم يكن بهذه المادة ، حتى لو أتى بالبسملة لاكتُفي بها . وعلى هذا المعنى روايةٌ: ((بِذِكْرِ اللهِ » . ولما تعارضت روايةُ البسملةِ وروايةُ الحمدلةِ ظاهراً - إذ الابتداء بأحدِ الأمرين يفوّت الابتداءَ بالآخر ، وكان الجمعُ بينهما ممكناً ؛ بأن يقدّم أحدهما على الآخر فيقع الابتداء به حقيقة ، وبالآخر بإضافته إلى ما سواه - أَتَى بهما معاً . وقدَّم البسملة !! لأنها أولى بالتقديم ، لأنَّ حديثَها أقوى ، وعملاً بكتاب الله الوارد بتقديمها . والحمدُ هو : الثناءُ على المحمود بجميل صفاته على جهة التعظيم ؛ سواء كان في مقابلة نعمة ، أو لا . وكلٌّ من صفاته تعالى جميلٌ ، فهو ثناءٌ على الله تعالى بجميع صفاته . واختار الجملة الاسمية !! اقتداءً بالكتاب العزيز ، ولأنها تفيد الدوام والاستمرار ، والجملة خبريةٌ لفظاً ؛ إنشائيةٌ معنىً . ( رَبِّ) أي : مالك . وأصلُ التربية: نقلُ الشيء من أمر إلى أمر حتى يصل إلى غاية أرادها المربِّي ، ثم نقل إلى المالك والمصلح للزوم التربية لهما غالباً . ( ألْعَالَمِيْنَ ) اسمُ جمعٍ خاصٌ بمَنْ يعقل ؛ وهم الجِنُّ والإنس والملائكة ، وقيل : جمع سلامة لـ((العالَمِ )) على غير قياس ، والعالَم - في اللغة - : كلُّ نوع ، أو جنس فيه علامة يمتاز بها على سائر الأنواع والأجناس الحادثة . فيقال في الأنواع: (( عالَم الإنسان))؛ و((عالم الطير))؛ و((عالم الخيل)). ويقال في الأجناس: ((عالم الحيوان))، و((عالم الأجسام))، و((عالم الناميات)). ٥٠ ويحتمل أن تكون المناسبة في تسمية النوع والجنس بـ((العالَم)) أنَّ لهما من الفصول والخواصِّ ما يُعلمان به . ونقله المتكلمون إلى كلِّ حادث . والمناسبة في هذه التسمية : أن كلَّ حادث فيه علامةٌ تميِّرُه عن مُؤْجِدِهِ المولى القديم ، حتَّى لا يلتبس به أصلا ، ولهذا ردَّ مولانا جلَّ وعلا على الضالين الذين جعلوا له شركاء من الحوادث ، فقال تعالى ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكََّ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد/ ٣٣] أي : اذكروا أوصافهم حتى يُنظَر أفيها ما يصلح للألوهية ؛ أم لا !!. ويحتمل أن تكون المناسبة أنَّ كلَّ حادث يحصل العلم للناظر فيه بما يجب للمولى العظيم مِن عليٍّ الصفات ، وتنزُّهه عن سماتِ المحدثات . فالمناسبة الأُولى تقتضي أن العالَمَ مأخوذٌ من العلامة ، والمناسبةُ الثانية تقتضي أنَّه مأخوذ من العلم . وقد أشعر قولُه ((رَبّ العَالَمِيْنَ)) أنَّ التربية كلَّها - وهي: إِيصال كلِّ حادث إلى كماله الذي أُريد له - ليست إلاَّ من المولى تبارك وتعالى. وهذه التربيةُ على قسمين : عامة ؛ وخاصّة . فالعامَّة : التربيةُ بالإيجاد والتنميةِ والإمداد بالحياة والحواسِّ وغيرهما مما هو مشتركٌ بين عموم الأجساد . والخاصَّة : التربيةُ الروحانية بالعلوم والمعارف العلمية والعملية ، وضبط الحركات والسَّكَنات للجَزي على مقتضاهما . وهذه التربية هي العزيزة الشريفة الموصلة إلى الفوز برضا مولانا جلَّ وعلا ، والتمتّع بما لا يحاط بوصفه من نعيم الجنان أبد الآباد ، وقد جعل الله سبحانه هذه التربية الخاصَّة لا تحصلُ لأحد من أهل الأرض إِلاَّ على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وجعل الحاصل منها على يد نبينا ومولانا محمد وَي الحظّ الأوفر والنصيب الأكثر؛ مع سهولةٍ فيها وقلَّة معاناةٍ ، كما قال تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْبُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥] ، وقال في ٥١ حَمْداً يُوَافِي نِعَمَهُ ، ويُكَافِىءُ مَزِيدَهُ ، وصف أُمَّة نبينا محمد ◌َّهِ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِ كَانَتْ عَلَّهِزَّ﴾ [الأعراف / ١٥٧]، وقد عُرِف كثرةُ مَن تربَّى على يده وَّهِ هذه التربيةَ الخاصَّة من حديثٍ ورد بأن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ؛ ثمانون صفاً منها لهذه الأمة ، ولعلهم إن كانوا ثلثي أهل الجنة يكون لهم من الجنة ونعيمها أكثر من الثلثين ؛ كثلاثة أرباع أو تسعة أعشارٍ أو نحو ذلك ، لما علم من تخصيص المولى تبارك وتعالى لهم بكرامة تضعيف الثواب لهم بالعمل والزمان والمكان والحال ، فلم ينل غيرهم من الجنة إلاَّ اليسير ، فكأنها إنما خلقت لهم ومن أجلهم . ( حَمْداً ) ؛ أي : حمدت حمداً ( يُوَافِي نِعَمَهُ ) أي : يقابلها ويوجَد معها بحيث يكون بقدرها ؛ فلا تقع نعمة إلاَّ مقابلة بهذا الحمد ، بحيث يكون الحمد بإزاء جميع النعم ، وهذا على سبيل المبالغة بحسب ما ترجَّاه ، وإلاَّ! فكل نعمة تحتاج لحمد مستقلّ . والنِّعم جمع نعمة ؛ وهي : ملائم تحمد عاقبته . ومِن ثَمَّ قيل : لا نعمة لله على كافر ، وإنما ملاذُه استدراجٌ . ( وَيُكَافِىءُ) - بهمزِ في آخره ــ ( مَزِيْدَهُ) المزيد : مصدر ميمي ؛ من ( زاده الله النعم ) أي : حمداً يساوي ويطابق نعمَه التي أنعم بها علينا ، المزيدة على نعم سائر الأمم الماضية ؛ كفضل يوم الجمعة ، وصيرورة وجه الأرض مسجداً ، والتراب طهوراً - مثلاً - ، مطابقة النعل بالنعل ؛ لا ينقص عنها بأدنى نقصان . قال أصحابنا ؛ كالقاضي حسين والمتولي وإمام الحرمين والغزالي : لو حلف إنسان ( ليحمدنَّ الله تعالى بمجامع الحمد)، ومنهم مَن قال: بـ((أجلِّ التحاميد))؛ فطريقُه في بَرِّ يمينه أن يقول (( الحمدُ لله حمداً يوافي نعمَه ويكافىءُ مزيده)). قال في ((الروضة)): وليس لهذه المسألة دليلٌ معتمد ، أي : من الأحاديث، وإلاَّ! فدليله من حيث المعنى ظاهرٌ؛ نَقَلَه ابن حجر في (( الإمداد)). ٥٢ وَيُضَاهِي كَرَمَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وفي ((التحفة)): ولو قيلَ يَبَرُّ بـ: (( يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك))؛ لكان أقرب، بل ينبغي أن يتعيَّن ؛ لأنَّه أبلغُ معنىٌ ، وصحَّ به الخبر . انتهى . قال النووي في ((الأذكار)): قال أصحابنا: ولو حلف إنسان ((لَيْنِيَنَّ على الله تعالى أحسنَ الثناء)»؛ فطريق البِرِّأن يقول: لا أحصي ثناء عليك ؛ أنت كما أثنيت على نفسك. وزاد بعضهم في آخره : فلك الحمد حتَّى ترضى . وصوَّر أبو سعيد المتولِّي المسألة؛ فيمن حلف (( لَيْنِيَنَّ على الله تعالى بأجلِّ الثناء وأَعظمه))، وزاد في أول الذكر : سبحانك . انتهى . ( وَيُضَاهِي ) أي : يشابه في الكثرة ( كَرَمَهُ ) الواسع . ( وَأَشْهَدُ ) ؛ أي : أعترف بلساني مع الإذعان بالقلب الذي هو حديث النفس التابعُ للمعرفة . ولا يكفي الاعتراف باللسان فقط - كما كان يفعله المنافقون - ولا المعرفةُ من غير إذعان ، لأن بعض الكفَّار يعرفون الحقَّ لكنَّهم غيرُ مؤمنين ؛ لعدم الإذعان. ( أَنْ ) ؛ أي: أنَّه؛ أي: الحال والشأن ( لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ)، فـ(( أنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ الشأن، و(( لا)) نافيةٌ للجنس، و((إله)) اسمُها مبنيٌّ معها على الفتح في محلِّ نصب ، و((إِلاَّ)) أَدَاةُ حَصْرٍ، ولفظ الجلالة ( اللهُ] - بالرفع - بدلٌ من الضمير المستتر في الخبر، أو [ اللهَ] - بالنصب - على الاستثناء ؛ لا على البدلية من محل اسم ((لا))، لأنَّها لا تعمل إلاَّ في النّكرات، واسم ((الله)) معرفة . وهل يقدَّر الخبر من مادة الوجود ، أو من مادّة الإمكان !؟ اختار بعضهم الأوّل ؛ لأنه لو قدِّرَ من مادة الإمكان لم يُفِدْ وجودَ الله تعالى، والراجحُ الثاني ، لأنه لو قُدِّر من مادة الوجود لم يفد نفيَ إمكان غيره تعالى من الإلهية ؛ مع أنَّه المقصود من الكلمة المشرفة . ٥٣ اُلْمَلِكُ الْحَقُّ أَلْمُبِينُ ، وَأَشْهَدُ وأمَّا وجودُه تعالى !! فمتَّفقٌ عليه بين أرباب المِلل كلِّها ، فلا ضرر في عدم إفادته على هذا التقدير . والمعنى عليه : لا إلهَ ممكنٌ إِلَّ الله ، فإنَّه ممكن ؛ أي : غير ممتنع . فيصدُق بالواجب والجائز . والواقع أنَّه واجب . والحقُّ أنَّ المنفيَّ - في الكلمة المشرّفة - المعبودُ بحقِّ غيرُ الله تعالى ؛ باعتبار الواقع ، كما انحطَّ عليه كلام الشيخ الأمير . والمعنى: لا معبود بحقٍّ في الواقع إلاَّ اللهُ . هكذا قرَّره الباجوري رحمه الله تعالى . ( الْمَلِكُ ) - بكسر اللام ؛ - من المُلك - بضم الميم - أي: المتصرِّف بالأمر والنهي ؛ سواء كان له أعيانٌ مملوكة ؛ أم لا. وأما (( مالك)) - بالألف - ! فهو من المِلك - بكسر الميم - أي : المتصرِّفُ في الأعيان المملوكة ، سواء كان متصرِّفاً أيضاً بالأمر والنهي ، أم لا . فبينهما العمومُ والخصوص الوجهي على هذا . والله تعالى متصرِّف بالأمر والنهي ، ومتصرّفٌ في الأعيان المملوكة له ، فهو مَلِكٌ مالكٌ . ولذلك قُرىءَ بهما في قوله تعالى ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ! (١)﴾ [الفاتحة] . والتفرقة بين المُلك - بضم الميم - والمِلك - بكسرها - عُرْفٌ طارىءٌ، وإلاَّ فهما لغتان في مصدر (( مَلَك)) كما قاله البيضاوي في « تفسيره » ؛ نقله الباجوري رحمه الله تعالى. (أُلحَقُّ) أي: الثابت، من: حقَّ الشيءُ: ثَبَت ، فهو تعالى ثابت أزلاً وأبداً ، فلم يسبقه عدم ؛ ولا يلحقه عدم ، بخلاف ما عداه ! فإنَّه مسبوق بعدم وملحوقٌ به ؛ ولو بالقابلية كالجنة والنار . وهو المراد بالبطلان في قوله : أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ ( المُبِيْنُ ) أصله مُبْيِن - بسكون الباء وكسر الياء : نقلت حركة الياء إلى الساكن قبلها - ومعناه : المُظهِر للحقِّ فيتَّبع ، وللباطل فيُجتنَب ، أو المظهر للأمور العجيبة الدالّة على ملكه وَحَقَّتِهِ، وهذا كلُّه إن أُخذ من ((أبان)) بمعنى: أظهر . فإن أخذ من (( أبان )) بمعنى : بان ، أي : ظهر !! كان معناه البيِّن الظاهر الذي لا خفاء فيه . (وَأَشْهَدُ) إنما كرَّر لفظ الشهادة مع الاستغناء عنه بـ(( أشهد)) الأول !! لمزيد ٥٤ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الاعتناء بالشهادة المتعلِّقة بنبينا وَِّ (أَنَّ سَيِّدَنَا) ؛ أي: [سيد] جميع المخلوقات إنساً وجنّاً وملائكة وغيرهم . والسيد : يطلق على الحليم الذي لا يستفزُّه غضب ، وعلى مَن كثر سواده ، أي : جيشه ، وعلى غير ذلك . ( مُحَمَّداً) بدل من ((سيدنا))، وهذا الاسم أشرفُ أسمائه وَ ◌ّرِ وأشهرُها بين العالمين، ولذا خُصَّت به الكلمة المشرَّفة ( عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) خَبَرَان لـ((أَنَّ)). وإنَّما قَدَّم الوصف بالعبودية على الوصفِ بالرسالة !! امتثالاً لقوله ◌َّهِ: (( وَلْكِنْ قُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) . ومعنى العبودية: التذلل والخضوع. وهي وصف شريف جليل ، ولذلك وُصِفَ بها في أسنى المقامات ؛ كمقام الإسراء ، ومقام إنزال الكتاب ، وغير ذلك . ومما يُعزى للقاضي عياض رحمه الله تعالى . وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفاً وَتِيْهاً وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ النُّرِيّا وَأَنْ صَيَّرَتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيّا دُخُوِي تَحْتَ قَوْلِكَ یَا عِبَادِي ومن خصائصه وَّرِ: أنَّ الله تعالى خاطبه بالنبوة والرسالة في القرآن ؛ دون سائر أنبيائه . والنبي : رجل اختصَّه اللهُ بسماع وحيه بمَلَك ، أو دونه . وقيل : هو رجل أُوحي إليه بالعمل بشرع معيَّن . وقال القرافي: إنَّ النبوَّة ليست هي مجرَّدَ الوحي كما يعتقده كثيرٌ، لحصوله لمن ليس بنبي كـ (مريم) ؛ وليست بنَبِّيَّة على الصحيح . بل النبوةُ عند المحققين إيحاءُ الله تعالى الرجلَ بحكم إنشائي . انتهى . ثم اختلف فيما يفترقُ به النبيُّ والرسول ، وما يزيد الرسول على النبي !! فقيل : إن الرسول هو النبيُّ المأمور بتبليغ ما أُوحي إليه . فهو أخصُّ من مطلق النبيِّ، لزيادته عليه بالأمر بالتبليغ . وقيل : إن حكم التبليغ والإرسال يعمُّهما ، وإنَّما يفترقان في أمر آخر من كون الرسول يأتي بشرع جديد ؛ أو نسخ لبعض شرع مَن قبله ، أَوْ لَهُ كتاب مخصوص ، والنبيُّ إنما يأتي مؤكِّداً لشرع غيره ؛ كيوشع بن نون ، فإنه بُعث مؤكّداً لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام . ثم النبي والرسول إذا أُطلقا في القرآن والسنة ؛ فإنما المرادُ بهما نبينا ٥٥ سَيِّدُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ . اللَّهُمَّ ؛ محمد ◌ّله، وهو الرسول المطلَق لكافّة الخلق من الأولين والآخرين . فرسالته عامَّة ، ودعوتُه تامّة ، ورحمتُه شاملة ، وإمداداته في الخلق عامّةٌ ، وكلُّ مَن تقدَّم من الأنبياءِ والرسل قبلَه ؛ فعلى حَسَب النيابة عنه ، فهو الرسول على الإطلاق . (سَيِّدُ الخَلْقِ) قد ورد إطلاق ((السيِّد)) عليه ◌ِ له في أحاديثَ كثيرةٍ صحيحة ؛ كما في حديث الترمذي: (( أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » ... الحديث، وفي حديث الشفاعةِ: ((إِنْطَلِقُوا إِلَى سَيِّدٍ وَلَدِ آدَمَ)) .. وفي حديث ((الصحيحين)): (( أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ ». وسيادتُهُ وَِّ أعلى وأظهر وأوضح من أن يُستدلَّ عليها ، فهو سيِّد العالم بأسره من غير تقييد ؛ ولا تخصيص ، وفي الدنيا والآخرة . وإنما قال في الحديث: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) !! لظهور انفراده بالسؤدد والشفاعة فيه من غيره حين يلجأ إليه الناس في ذلك ؛ فلا يجدون سواه ، وجميع الخلائق مجتمعونَ ؛ أوَّلهم وآخِرُهم ، وإنسُهم وجِنُّهم وفيهم الأنبياء والمرسلون ، وتلك الدار دار الدوام والبقاء ؛ فهي المعتبرة . وقد كان ◌َّ﴿ معلوماً بالسيادة نسباً وطبعاً، وخُلُقاً وأدباً ، إلى غير ذلك من المكارم قبل ظهوره بالنبوة ، يَعرِف ذلك مَن اعتنى بالسِّيَرِ ؛ وتعرَّف أحواله من الصغر إلى الكبر ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه . ( أجْمَعِيْنَ ) توكيدٌ لاستغراق أفراد المنحصر فى المضاف إليه . ( اللَّهُمَّ) هو توجُّه للمطلوب ، وطلب لحصول المرغوب ؛ بالتوسُّل بالاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب ؛ وإذا سُئل به أعطىُ . ولُفِظ به بصيغةٍ حُذِف فيها (( ياء )) النداء المتضمِّنة لوجود البينونة النفسانية، إذ حذفُها يقتضي زوالَ ذلك. وتعويض الميم من حرف النداء في لفظ الجلالة ! يقتضي قوَّة الهمَّة في الطلب ٥٦ صَلِّ أَفْضَلَ صَلاَةٍ وَأَكْمَلَهَا، وَأَدْوَمَهَا، وَأَشْمَلَهَا، عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ والجزم . وإنَّما جُعل هذا الاسم العظيم في أوائل الأدعية غالباً !! لأنه جامعٌ لجميع معاني الأسماء الكريمة ؛ وهو أصلها . ( صَلِّ ) ، الصَّلاةُ من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم . ولفظها مختصٌّ بالمعصوم ؛ من نَبِيِّ ومَلَك ؛ تعظيماً لهم ، وتمييزاً لمراتبهم عن غيرهم . ( أَفْضَلَ صَلاَةٍ وَأَكْمَلَهَا ) - أي: أَتَّمَّها - ( وَأَدْوَمَهَا وَأَشْمَلَهَا ) - أعمّها - ( عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ) الصحيح: جواز الإِتيان بلفظ ((السيد)) و((المولى)) ونحوهما مما يقتضي التشريفَ والتوقير والتعظيم في الصلاة على سيِّدنا محمَّد ◌َِّ، وإيثار ذلك على تركه ، ويقال في الصلاة وغيرها. وقال صاحب ((مفتاح الفلاح)): وإياك أن تترك لفظ السيادة ؛ ففيه سرٌّ يظهر لمن لازم هذه العبادة . ( عَبْدِكَ ) سمَّاه الله تعالى عبداً وشرَّفه بهذا الاسم، وذلك غاية التفضيل والتكريم حيث أجلَّ قدره، وعظّم أمره؛ فقال ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا ﴾ [١/ الإسراء]. والعبدُ: اسم مضاف لاسم الرب والسيِّد والمالك ، فإن العبد مَن له ربُّ ، فمن عَرف نفسه بالعبودية عَرف ربَّه بالربوبية . فشهود العبودية مستلزِمٌ لشهود الربوبية . ومَن لا يغفل عن العبودية بالكلية هو العبد علماً وحالاً وتحقُّقاً ووجوداً ، وعدم الغفلة عن العبودية كمالُ الإنسان ، وذلك موقوف على العبودية . فالعبودية كمالٌ، وهو عين الكمال الإنساني. ولما كان لسيدنا محمد ◌ّلل كمالُ الرسالة وجب أن يكون له كمال العبودية. فكان وَّرَ أكملَ الكُمَّلِ على الإطلاق، وعبوديته أكملُ كلِّ كمال . ولما كانت العبودية عينَ الكمال؛ وكان له وسلّ كمالُ العبودية ؛ أثنى الله عليه باسم العبد وسمَّاه به في أشرف مقاماته ، فقال تعالى ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى ﴾ [النجم]، وقال ﴿اَلْحَبْدُ للَّهِ ١٠ بِعَبْدِهِ﴾ [١/ الإسراء]، وقال ﴿فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوَحَى الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [١/ الكهف]، وكان ◌َّ يقول - كما في البخاري -: ((لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيْسَى، وَلْكِنْ قُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ » فاستثبتَ ٥٧ الَّذِي خَصَّصْتَهُ بِالسِّيَادَةِ الْعَامَّةِ، فَهُوَ سَيِّدُ الْعَالَمِينَ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَرَسُولِكَ الَّذِي بَعَثْتُهُ بِأَحْسَنِ الشَّمَائِلِ وَأَوْضَحِ الدَّلاَئِلِ ؛ ما هو ثابت له ، وأسلمَ لله بما هو له لا سواه . وليس للعبد إلاَّ اسم العبد ، ولذا كان ((عبد الله)) أحبَّ الأسماء إلى الله تعالى، كما ورد عنه وََّ. ولما خُيِّرِ نَّهِ بين أن يكون نبياً مَلِكاً ، أو نبياً عبداً؛ اختار أن يكون نبياً عبداً . فاختار ما هو الأتمُّ والأحبُّ إلى الله تعالى وما يضاف إليه، لأن النبي والعبدَ تصحُّ إضافتهما ، إذ يقال ((نبيُّ الله)) و((عبدُ الله))؛ بخلاف الملك؛ إذ لا يحسن أن يقال: ((ملك الله)) !! لما يوهم من عكس النسبة ؛ قاله الفاسي . ( الَّذِي خَصَّصْتَهُ بِالسِّيَادَةِ العَامَّةِ ) على جميع المخلوقات - أي : جعلتها مقصورةً عليه ؛ أي : أعطيته هذه المرتبة دون غيره - ، ( فَهُوَ سَيِّدُ العَالَمِيْنَ ) : جميع الخلق ؛ الإنس والجنِّ والملائكة وغيرهم في الدنيا والآخرة ( عَلَىْ الإطْلاَقِ ) من غير تقييد ؛ ولا تخصيص، ( وَرَسُولِكَ ) المختصِّ منك بالرِّسالة الجامعة الكاملة المحيطة السارية في تضاعيف الوجود بالإمداد من عين الجود ؛ المستولية على أطوار العوالِم وحركات أدوارها ، وإدراج جزئيّاتِها في أسوار كلِّيَاتها على الإِحاطة والشمول ؛ بحكم ﴿ وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [٧٩/ النساء]، - أي: مطلقاً لم تتقيَّ بقيد - ولم تختصَّ رسالته بمخصِّصٍ ، فهو رسولٌ للكافَّة بالكافَّة من الإمداد بمنافعهم ؛ من وجود ونمؤٍّ ورزق وهداية ، ودَلالة على طرق رَشَادهم ، وما هو الأصلحُ بهم في معاشهم ومعادِهم ، وما يلتحق بذلك من الرحمة المرسَل بها ﴾ [الأنبياء] (الَّذِي بَعَثْتَهُ بِأَحْسَنِ بمقتضى ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ الشَّمَائِلِ ) : كريم الأخلاق ، وجميل الأفعال ، واستقامة الطريق . والشمائل : جمع شِمال - بالكسر - وهي الأخلاق والصفات المحمودة . ( وَ) بعثته بِـ(أَوْضَحِ) - أي: أبْيَن - (الدَّلاَئِلِ )؛ أي : الحجج البالغة القاطعة ، والبراهين الواضحة الساطعة ؛ الدالّة على صدقه وصحَّة نبوَّته ورسالته دلالةً واضحة ، كانشقاق القمر ، وتسليم الحجر والشجر ، وحنين الجذع ، ونبع ٥٨ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ . صَلَةٌ تُنَاسِبُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مِنَ الْقُرْبِ الَّذِي مَا فَازَ بِهِ أَحَدٌ ، وَتُشَاكِلُ مَا لَدَيْكُمَا مِنَ الْحُبِّ الَّذِي أَنْفَرَدَ بِهِ فِي الأَزَلِ وَالأَبَدِ . الماء من بين أصابعه ، وتسبيح الحصى في كَفِّه ، ومجيءٍ الشجر لدعوته ، وكذا شهادة الكتب المنزَّلة ، واتصافه بأنواع الكمالات ، وما اشتمل عليه من محاسن الصفات : لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيْهِ آيَاتٌ مَبِيِّنَةٌ لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنِيْكَ بِالْخَبَرِ ( لِيْتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ ) قال الباجي : كانت العرب أحسنَ الناس أخلاقاً بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلُّوا بالكفر عن كثير منها؛ فُبُعِث ◌َّه ليتمِّم محاسن الأخلاق ببيان ما ضلُّوا عنه ، وبما قُضِيَ به في شرعه . انتهى . وهذا مقتبَسٌ من حديث: ((يُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ)). رواه الإمام أحمد ، والحاكم ، والبيهقي ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وقال الحاكم : صحيحٌ على شرط مسلم، ورواه الإمام مالك في ((الموطَّأ)) بلاغاً؛ بلفظ ((إِنَّمَا بُعِثْتُ ... الخ)). (صَلاَةً تُنَاسِبُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مِنَ القُرْبِ ) المعنويِّ الذي هو قرب المكانة الرفيعة لاَ قُرْبُ المكان ( الَّذِي مَا فَازَ) - أي: ظفر - ( بِهِ أَحَدٌ ) من الخلق ، ( وَ ) صلاة ( تُشَاكِلُ) - أي: تشابِهُ - ( مَا لَدَيْكُمَا مِنَ الحُبِّ ) : اسمٌ من المحبَّة، ومحبّة الله للعبد : إرادةُ تقريبِه وإكرامه ، ومحبّة العبد لله : معنىّ يجعله الله في قلبه ، وهو تعلُّق الهيبة والأنس ، يعرف بآثاره ويظهر بأنواره ، وهو الذي يقطع الوساوس ، ويلُّ بالخدمة ، ويُسلِّي عن المصائب ، ويبعث على إيثار الحق على كلِّ شيءٍ، ولا يزال مجموعاً على ربِّه بكلّيّته ؛ فبدنه للخدمة ، وقلبه للذكر ، وروحه للمحبّة ، وسرُّه للمشاهدة ، وهو مقام الحبيب ( الَّذِي أَتْفَرَدَ بِهِ ) ، ويُعطي كلَّ مَنْ أُمَّل له على مقدار ما قُسم له منه ؛ نبيّاً كان أو وليّاً . وقوله ( فِي الأَزَلِ وَالأَبْدِ ) الأزل : استمرار ٥٩ صَلاَةٌ لاَ يَعُدُّهَا وَلاَ يَحُدُّهَا قَلَمٌ وَلاَ لِسَانٌ، وَلاَ يَصِفُهَا وَلاَ يَعْرِفُهَا مَلَكٌ وَلاَ إِنْسَانٌ . صَلاَةً تَسُودُ كَافَّةَ الصَّلَوَاتِ كَسِيَادَتِهِ عَلَى كَافَّةِ الْمَخْلُوْقَاتِ . صَلَةً يَشْمَلُنِي نُورُهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِي فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِي ، وَيُلاَزِمُ ذَرَّتِي فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاِي . وَعَلَى آلِهِ الوجود في أزمنةٍ مقدَّرة غيرِ متناهية في جانب الماضي ، والأبد : استمرار الوجود في أزمنة مقدَّرة غيرِ متناهيّة في جانب المستقبل . ( صَلاَةٌ لاَ يَعُدُّهَا) - أي: لا يحصيها ــ (وَلاَ يَحُدُّهَا) المراد حدُّ العدد ومنتهاه : أي لا ينهيها ( قَلَمٌ) بالكتابة ، ( وَلاَ لِسَانٌ) بالكلام، ( وَلاَ يَصِفُهَا) - أي : ينعَتُها - ( وَلاَ يَعْرِفُهَا مَلَكٌ وَلاَ إِنْسَانٌ) لِعُظْمِها وكثرتها ، فلا يحاط بها ولا يُدرى حقيقَتُها . ( صَلَةً تَسُودُ) ؛ أي : تشرُفُ وتفضُل ( كافَّةَ) - أي: جميع - ( الصَّلَوَاتِ ) التي صلَّى بها الناس عليه وَّهُ؛ أي: تصيرُ أفضلَ عند التفاضل (كَسِيَادَتِهِ ) الجامعة الجوامع السؤدد ؛ أي : مثل سيادته ؛ أو فضله ( عَلَىْ كَافَّةِ المَخْلُوقَاتِ ) ؛ فيكون فضلُ صلاة المصنّف على صلاة الناس مطابقةً لفضله وَّر على الناس ، وبينهما بونٌ بعيد ، لأنَّه أفضلُ الخلق على الإطلاق ، فتكون الصلاةُ المطلوبة أفضلَ الصلوات على الإطلاق . ( صَّلاَةً يَشْمَلُنِي ) - أي: يعمُّني - ( نُورُهَا مِنْ جَمِيْعِ جِهَاتِي ) الستِّ : يمين ، وشمال ، وأمام، وخلف، وفوق ، وتحت ( فِي جَمِيْعٍ ) أجزاء ( أَوْقَاتِي ) الليليَّة والنهاريَّة، ( وَيُلاَزِمُ جَمِيْعَ ذَرَّاتِي) : - أجزائي - (فِي) حال ( حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي ) ، والقصدُ من ذلك إحاطة النور به ، وتعميم جوارحه ، وعدم مفارقته لذلك النور ؛ ولو بعد موته ، وذلك ببركة الصلاة والسلام على سيِّد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام ( وَعَلَى آلِهِ)، فصَل بينه وبين آله بـ((عَلَى)) !! ردّاً على الشيعة، فإنَّهم يمنعون ذلك، وينقلُون فيه حديثاً موضوعاً لفظه: (( مَنْ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ آلِي بـ( عَلَى)) لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي )) . ٦٠