النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كعب ، ما لي أراك تنظر إلىّ نظرًا لم تكن تنظر إلىّ قبل ذلك ؟ قال : يا أمير المؤمنين
عهدى بك حسنَ الجسم وأراك وقد اصفرّ لونك ونحل جسمك وذهب شعرك .
فقال : يابن كعب فكيف بك لو قد رأيتنى فى قبرى بعد ثلاث وقد انتدرت الحَدَقتان
على وجنتيّ وسال مَنْخِراى وفمى صديدًا ودودًا لكنتَ لى أشدّ نكرة .
أخبرنا شَبابة بن سوّار قال : أخبرنى عيسى بن ميمون قال : أخبرنا
محمد بن كعب القُرَظى قال : قدمت على عمر بن عبد العزيز فى خلافته
فجعلتُ أديم النظر إليه فقال : يابن كعب إنّك لتنظر إلىّ نظرًا لم تكن تنظره
إلىّ بالمدينة . قال : قلت: أجل يا أمير المؤمنين ، إنّه ليعجبنى ما أرى ممّا
قد نحل من جسمك وعفا من شعرك وحال من لونك . فقال عمر : فكيف
لو قد رأيتنى بعد ثلاثة فى القبر وقد خرج الدود من منخريّ وسالت حَدَقتی
على وجنتى فأنت حينئذٍ أشدّ نكرة (١) .
ثمّ قال : الحديث الذى حدّثتَنى به عن ابن عبّاس أعِدْه علىّ ، قال فقلتُ :
حدّثنا عبد الله بن عبّاس أنّ رسول الله، وَّهَ، قال: إنّ لكلّ شئ شرفًا وأشرف
المجالس ما استقبل به القبلة ، وإنّما تجالسون بالأمانة ولا تيمموا بالنيام
ولا بالمتحدّثين ، ولا تستروا الجُدَر ، واقْتلوا الحيّة والعقرب فى الصلاة.
أخبرنا محمد بن يزيد بن خُنيس المكّى ، عن وهيب بن الورد قال : بلغنا أن
محمد بن كعب القُرَظى دخل على عمر بن عبد العزيز فرآه عمر يشدّ النظر إليه ،
قال فقال له : يابن كعب إنى لأراك تشدّ النظر إلىّ نظرًا ما كنت تنظر إلىّ قبل
هذا. فقال محمد : العجب العجب يا أمير المؤمنين لما تغيّر من حالك بعدنا .
فقال له عمر : وهل بِنْتَ ذلك منى؟ فقال له محمد بن كعب : الأمر أعظم من
ذلك إلّ أنّه يكون استبان ذلك منك . فقال له عمر: يابن كعب فكيف لو رأيتنى
بعد ثلاث وقد أَدْخِلْتُ قبرى وقد خرجت الحَدَقتان فسالتا على الوجنتين وتقلّصت
الشفتان عن الأسنان وفُتح الفم وارتفع البطن فَعَلِىَ فوق الصدر وخرج القُصْب (٢)
(١) ابن عساكر : تاريخ دمشق ج ٥٤ ص ١٩٠
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية ( قصب ) القُصْب بالضم : المِعَى . وقيل : القُصب: اسم للأمعاء
كلها . وقيل : هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء .

٣٦٢
من الدبر ؟ فقال محمد بن كعب : يا عبد الله إن كنتَ قد ألهمتَ هذا الأمر
نفسك فانظر أن تُنْزِل عباد الله عندك ثلاث منازل ، أمّا من هو أكبر منك فأتْزِلْه
كأنّه أب لك ، وأمّا من كان بسنّك فأنْزِلْه كأنّه أخ لك ، وأمّا من كان أصغر منك
فأنْزِلْه كأنّه ابن لك ، فأىّ هؤلاء تحبّ أن تُسئ إليه أو يرى منك بعض ما يكره ؟
قال عمر : ولا إلى أحد منهم يا عبد الله .
أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا حمّاد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد قال:
قال عمر بن عبد العزيز : من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقّل .
أخبرنا سليمان بن حرب قال : حدّثنا عمر بن علىّ بن مقدّم ، عن عبد ربّه ،
عن ميمون بن مِهْران قال : كنتُ فى سَمَر عند عمر بن عبد العزيز ليلة فتكلّم
فوعظ ، قال : فقطن لرجل خذف بدمعته فسكت ، فقلت : يا أمير المؤمنين عُدْ
لمنطقك لعلّ الله أن ينفع بك من بلغه وسمعه . فقال : يا ميمون إنّ الكلام فتنة
وإنّ الفعل أولى بالمرء من القول .
أخبرنا سليمان بن حرب قال : حدّثنا عمر بن علىّ بن مقدّم ، عن عبد ربّه ،
عن ميمون بن مِهْران قال : كنت ليلة فى سَمَرٍ عمر بن عبد العزيز فقلت :
يا أمير المؤمنين ما بقاؤك على ما أرى ؟ أنت بالنهار فى حوائج الناس وأمورهم
وأنت معنا الآن ثمّ الله أعلمُ ما تخلو عليه . قال فعدّى عن جوابى وقال : يا ميمون
إنى وجدتُ لُقِىّ الرجال تلقيحًا لألبابهم .
أخبرنا عمرو بن عاصم قال : حدّثنا سلاّم أنّ عمر بن عبد العزيز صعد المنبر
فقال : يا أيّها الناس اتّقوا الله فإنّ فى تقوى الله خَلَفًا من كلّ شئ دونه ، ولیس
لتقوى الله خلف . يا أيّها الناس اتّقوا الله وأطيعوا من أطاع الله ولا تطيعوا من
عصى الله .
أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد ، عن سفيان بن سعيد ، عن
رجل من أهل مكّة عن عمر بن عبد العزيز قال : مَنْ عمل على غير علم كان
ما يُفْسِد أكثر ممّا يُصْلح ، ومن لم يَعُدّ كلامه من عمله کثرت خطاياه ، والرضا
قليل ومعوّلُ المؤمن الصبر .
حدّثنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد أنّ عمر

٣٦٣
ابن عبد العزيز قال : ما أصبح لى اليوم فى الأمور هَوَّى إلاّ فى مواقع قضاء الله
فيها .
أخبرنا عارم بن الفضل قال : حدّثنا حمّاد بن سَلَمة قال : حدّثنا محمد بن
عَمْرو أنّ عَنْبَسة بن سعيد قال لعمر بن عبد العزيز : إنّ الخلفاء قبلك كانوا يُعطوننا
عطايا وإنى أراك قد ظلفت هذا المال عن نفسك وأهلك وإنّ لنا عيالات فأذَنْ لنا
أن نرجع إلى ضياعنا وإخاذاتنا . فقال: أما إنّ أحبّكم إلىّ مَنْ فعل ذلك . فلمّا
قَفَّی(١) دعاه عمر فقال : یا عنبسة أكْثِرْ ذکر الموت فإنّك لا تکون فی ضیق من
أمرك ومعيشتك فتذكر الموت إلّ اتّسع ذلك عليك ، ولا تكون فى سرور من أمرك
وغبطة فتذكر الموت إلاّ ضُيّق ذلك عليك .
أخبرنا عبيد الله بن محمد القُرَشى التيمى قال: حدّثنا عُمارة بن راشد قال :
سمعتُ محمد بن الزّبير الحَنْظَلَىّ قال : دخلتُ على عمر بن عبد العزيز ، أحسبُه
قال: ليلةٌ وهو يتعشّى كِسَرًا وزيتًا . قال : فقال: ادْنُ فكُلْ ، قال : قلتُ : بئس
طعام المقرور ، قال فأنشدنى :
فَسَرَّكَ (٢) أَنْ يَعيشَ فَجِئْ بِزَادِ
إذا ما ماتَ مَيْتٌ مِنْ تَميم
بحُبْزٍ أَوْ بِلَحْمٍ أَوْ بِتَمْرٍ أَوِ الشّيء المُلَفَّفِ فى الْبِجادِ
وأنشد بيتًا ثالثًا قافيته :
ليَأْكُلَ رَأْسَ لُقْمَانَ بنِ عادٍ
قال : قلت : يا أمير المؤمنين ما كنتُ أَرى هذا البيت فيها ، قال : بلى هو
فيها .
قال عبيد الله : وصدر هذا البيت :
تَراهُ يَنْقُلُ البَطْحَاءَ شَهْرًا لِيَأْكُلَ رَأْسَ لُقمانَ بنِ عادٍ
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (قفا) ومنه الحديث ((فلما قَقَّى قال كذا)) أى ذهب مُؤَلِّيا، وكأنه
من القفا : أى أعطاه قَفاه وظَهْرَه .
(٢) كذا فى ث، وفى طبعة ليدن ((وسرك)).

٣٦٤
قال : أخبرنا عبيد الله بن محمد التيمى قال : سمعتُ أبى وغيره يحدّث أنّ
عمر بن عبد العزيز لما ولى منع قرابته ما كان يُجْرى عليهم وأخذ منهم القطائع
التى كانت فى أيديهم ، قال : فشكوه إلى عمّته أمّ عمر ، قال : فدخلتْ عليه
فقالت : إنّ قرابتك يشكونك ويزعمون ويذكرون أنّك أخذت منهم خير غيرك ،
قال : ما منعتُهم حقًّا أو شيئًا كان لهم ولا أخذت منهم حقًّا أو شيئًا كان لهم .
فقالت : إنى رأيتُهم يتكلّمون وإنى أخاف أن يهيجوا عليك يومًا عصيبًا . فقال :
كلّ يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقانى الله شرّه. قال فدعا بدينار وحَبَث (١)
ومِجْمَرة فألقى ذلك الدينار فى النار وجعل ينفخ على الدينار ، حتى إذا احمرّ تناوله
بشئ فألقاه على الخبث فَتَشَّ (٢) وقتّر فقال: أىْ عمّةٍ ، أما تأوين لابن أخيك من
مثل هذا؟ قال فقامت فخرجت على قرابته فقالت تزوّجون إلى آل عمر (٣) فإذا
نزعوا الشِّبْهَ جزعتم ؟ اصْبروا له (٤) .
أخبرنا عبيد الله بن محمد قال : أخبرنى أبى قال : قيل لعمر بن عبد العزيز
غيّرتَ كلّ شئ حتى مشيتك ، قال: والله ما رأيتُها كانت إلاّ جنونًا . وكان إذا
مشى خطر بيديه .
أخبرنا علىّ بن محمد عن عمر بن مجاشع قال : خرج عمر بن عبد العزيز
يومًا إلى المسجد فخطر خطرة بيده ثمّ أمسك وبكى ، قالوا : ما أبكاك يا أمير
المؤمنين ؟ قال : خطرتُ بيدى خطرةً خفتُ أن يَغُلّها الله فى الآخرة .
أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال : أخبرنا سفيان ، عن جعفر بن بُوقان قال : جاء
رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن شئ من الأهواء فقال : الزم دين الصبى فى
الكتّاب والأعرابى ، والْهُ عمّا سوى ذلك .
(١) فى ث، ل ((وجَنْب)) والمثبت لدى ابن الجوزى فى صفة الصفوة ج ٢ ص ١٢٣ وخبث
الحديد وغيره : ما نفاه الكير .
(٢) نَشَّ : صوّت .
(٣) فى طبعة ليدن ((تروجون إلى عمر)) والمثبت رواية (ث) ومثلها لدى ابن الجوزى فى صفة
الصفوة ج ٢ ص ١٢٣
(٤) صفة الصفوة ج ٢ ص ١٢٣

٣٦٥
أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال : حدّثنا سفيان ، عن عمرو بن ميمون قال : كانت
العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة .
أخبرنا قبيصة قال : حدّثنا سفيان عن رجل قال : نال رجل من عمر بن عبد
العزيز فقيل له : ما يمنعك منه ؟ فقال : إنّ المُتّقى مُلْجَم .
أخبرنا قبيصة قال : حدّثنا سفيان ، عن شيخ من بَنى سدوس ، عن أبى مِجْلَز
أنّ عمر بن عبد العزيز نهَى أَن يُذْهَبَ إليه فى التّيروز والمِهْرَجان بشئ .
أخبرنا مالك بن إسماعيل النهدى قال : حدّثنى سهل بن شُعَيْب أنّ ربيعة
الشّغْوَذى حدّثهم قال : ركبتُ البريد إلى عمر بن عبد العزيز فانقطع فى بعض
أرض الشأم فركبت السّخْرة حتى أتيته وهو بخُناصرة فقال : ما فعل جناح
المسلمين ؟ قال : قلت : وما جناح المسلمين يا أمير المؤمنين ؟ قال : البريد .
قال: قلت : انقطع فى أرض أو مكان كذا وكذا . قال : فعلى أىّ شئ أتيتنا ؟
قال: قلت: على السّخرة تسخّرتُ دوابّ النبط . قال : تسخّرون فى سلطانى ؟
قال : فأمر بى فضُربتُ أربعين سوطًا ، رحمه الله .
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدّثنى أبو العلاء بيّاع المشاجب
قال : قُرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز، رحمه الله ، فى مسجد الكوفة وأنا
أسمع : من كانت عليه أمانةٌ لا يقدر على أدائها فأعطوه من مال الله ، ومن تزوّج
امرأة فلم يقدر أن يسوق إليها صداقها فأعطوه من مال الله ، والنبيذُ حلال فاشْربوه
فى الشُّعْن (١) . قال فشربه الناس أجمعون .
قال أبو العلاء : فكان إذا كان ◌ُرْس جعلوا شُعْنًا يسع عشر خوابئ .
: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدّثنى جدّى يونس بن عبد الله
التمیمی اليربوعى قال : كتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر بن عبد العزيز:
إنّ هاهنا ألف رأس كان للحجاج ، أو عند الحجاج، قال : فكتب إليه عمر أن بِعهم
واقْسم أثمانهم فى أهل الكوفة . قال : فقال للناس : ارفعوا ، أى اكْتبوا . قال :
فأدغلوا وكتبوا الباطل . قال : فكتب إلى عمر : إنّ الناس قد أدغلوا . قال : فكتب
إليه عمر: نولّيهم من ذلك ما ولانا الله، أعْطِهم على ما رفعوا . قال : فأصاب الناسَ
(١) الشّعْن : قربة أو إِدَاوة يُنْتَئذ فيها وتعلَّق بوتدٍ أو جذع نخلة ( النهاية ).
ب

٣٦٦
سبعةُ دراهم سبعةُ دراهم . قال : و کان کل یوم یجئ خير من عمر بن عبد العزيز .
أخبرنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعى وسعيد بن عبد العزيز أنّ عمر بن عبد
العزيز كتب إلى صاحب بيت الضرب بدمشق : إنّ من أتاك من فقراء المسلمين
بدینار ناقص فأبدِلْه له بوازن .
أخبرنا الوليد بن مسلم ، عن ابن ثَوْبان أنّ عمر بن عبد العزيز أخذ الصدقة من
حقّها وأعطاها فى حقّها ، وأعطى العاملين بقدر عُمالتهم عليها مثل ما يعطى مثلهم
وقال : الحمد لله الذى لم يُمِثْنى حتى أقمتُ فريضة من فرائضه .
أخبرنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعى قال : حدّثنى عمرو بن مهاجر أنّ عمر
ابن عبد العزيز كان يقول : كلّ واعظ قِبْلة .
أخبرنا محمد بن مُصْعَب القَرْقَسانى قال : أخبرنا أبو بكر بن أبى مريم أنّ عمر
ابن عبد العزيز جعل العرب والموالى فى الرزق والكسوة والمعونة والعطاء سواء غير
أنّه جعل فريضة المولى المُعْتق خمسةً وعشرين دينارًا .
أخبرنا محمد بن مُضْعَب قال : أخبرنا الأوزاعى ، عن عمرو بن مهاجر أبى
عُبيد قال : سمعتُ عمر بن عبد العزيز يقول : لو كنتُ أؤدّب الناس على شئ
أضربهم عليه لضربتهم على القيام أول ما يأخذ المؤذِّن فى الإقامة ليعدّل الرجل مَنْ
عن يمينه ومن عن يساره .
أخبرنا محمد بن مُضْعَب قال : حدّثنا الأوزاعى قال : كتب عمر بن عبد
العزيز إلى أمراء الأجناد : ولا تركبنّ دابّة فى الغزو إلا أضعفَ دابّة تُصيبُها فى
الجيش سَيْرًا .
أخبرنا عمر بن سعيد قال : حدّثنا سعيد بن عبد العزيز أنّ عمر بن عبد العزيز
استُؤمر فى البَشْط على العُمّال فقال : يَلْقون الله بخيانتهم أحَبّ إلىّ من أن ألقاه
بدمائهم .
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى قال : أخبرنا أبو المليح ، عن ميمون قال :
کتب عمر بن عبد العزیز إلى عامله : أمّا بعد فخَلّ بین أهل الأرض وبین ینع ما فی
أيديهم من أرض الخراج فإنّهم إنّما يبيعون فَىْءَ المسلمين والجزية الراتبة .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : أخبرنا أبو المليح ، عن ميمون قال : دخل
عامل لعمر بن عبد العزيز عليه فقال : كم جمعتَ من الصدقة ؟ فقال : كذا

٣٦٧
وكذا. قال: فكم جمع الذى كان قبلك ؟ قال : كذا وكذا . فسمّى شيئًا أكثر
من ذلك ، فقال عمر : من أين ذاك ؟ قال : يا أمير المؤمنين إنّه كان يُؤخَّذ من
الفرس دينار ومن الخادم دينار ومن الفذّان خمسة دراهم وإنّك طرحت ذلك كلّه .
قال: لا والله ما ألقيتُه ولكنّ الله ألقاه .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : حدّثنا أبو المليح قال : كتب عمر بن عبد
العزيز بإباحة الجزائر وقال : إنّما هو شئ أنبته الله فليس أحد أحقّ به من أحد .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : حدّثنا أبو المليح قال : جاءت كتب عمر بن
عبد العزيز بإحياء السنّة وإماتة البِدّع ، وإنّه ينبغى لكم أن يكون ظنّكم بى أن
لا حاجة لى فى أموالكم لا ما فى يدىّ ولا ما فى أيديكم ، إنّه حَرِىّ على من
انتهك معاصى الله فى عقوبته إيّاه .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : أخبرنا أبو المليح ، عن فُرات بن مسلم قال :
اشتھَى عمر بن عبد العزيز التفّاح فبعث إلى بيته فلم يجد شيئًا يشترون له به ،
فركب وركبنا معه فمرّ بدير فتلقّاه غلمان للديرانيين معهم أطباق فيها تفّاح ، فوقف
على طبق منها فتناول تفّاحة فشمّها ثمّ أعادها إلى الطبق ثمّ قال : ادخلوا ديركم ،
لا أعلمكم بعثتم إلى أحدٍ من أصحابى بشئ . قال فحرّكتُ بغلتى فلحقتُه فقلت :
يا أمير المؤمنين اشتهيتَ التفّاح فلم يجدوه لك فَأَهْدِىَ لك فرددتَه . قال :
لا حاجة لى فيه. فقلت: ألم يكن رسول الله، وَلقوله، وأبو بكر وعمر يقبلون
الهديّة ؟ قال : إنّها لأولئك هديّة وهى للعمّال بعدهم رشوة (١)
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : أخبرنا أبو المليح ، عن فُرات بن مسلم قال :
كنتُ أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبى فى كلّ جمعة فعرضتُها عليه فأخذ منها
قرطاسًا قدر شبر أو أربع أصابع بقى فكتب فيه حاجة له ، فقلت : غفل أمير
المؤمنین . فلمّا کان من الغد بعث إلىّ أن تعال وجئ بکتبك ، فجئته بها فبعثنی
فى حاجة، فلمّا جئت قال : ما نال (٢) لنا أن ننظر فى كتبك بعدُ ، قلتُ : لا إنّما
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ١٨٩ - ١٩٠
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية (نيل) ومنه حديث الحسن ((مانال لهم أن يَفْقَهوا)) أى لَمْ يَقْرُبْ ولم
يَدْنُ .

٣٦٨
نظرتَ فيها أمس . قال : خُذْها حتى أبعث إليك . فلمّا فتحتُ كتبى وجدتُ فيها
قرطاسًا قدر قرطاسى الذى أخذ .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن مَعْمَر قال : كتب
عمر بن عبد العزيز: أمّا بعد فلا تُخرجنّ لأحدٍ من العمّال رزقًا فى العامة والخاصّة
فإنّه ليس لأحدٍ أن يأخذ رزقًا من مكانين فى الخاصّة والعامّة ، ومن كان أخذ من
ذلك شيئًا فاقْبضه منه ثمّ أرْجِعه إلى مكانه الذى قُبض منه والسلام .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر أنّ عمر بن عبد
العزيز كتب : أمّا بعد فاستوصٍ بمن فى سجونك وأرضك خيرًا حتى لا تصيبهم
ضيعة ، وأقِمْ لهم ما يُصْلِحهم من الطعام والإدام .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : حدّثنا عبيد الله بن عمرو قال : كتب عمر بن
عبد العزيز لا تخصّونى بشئ من الدعاء ، ادعوا للمؤمنين والمؤمنات عامّةً فإن أكن
منهم أدخل فيهم .
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السّكّرى قال : حدّثنا أبو المليح قال :
كتب عمر بن عبد العزيز : إنّ إقامة الحدود عندى كإقامة الصلاة والزكاة .
أخبرنا كثير بن هشام قال : أخبرنا جعفر بن بُوْقان قال : كتب عمر بن
عبد العزيز : إنى ظننتُ إن مُجُعِل العمّال على الجسور والمعابر أن يأخذوا الصدقة
على وجهها فتعدّى عمّال السوء غير ما أُمروا به ، وقد رأيتُ أن أجعل فى كلّ
مدينةٍ رجلاً يأخذ الزكاة من أهلها ، فخَلّوا سبل الناس فى الجسور والمعابر .
حدّثنا كثير بن هشام قال : أخبرنا جعفر بن بُوْقان قال : حدّثنى يزيد بن الأصم
قال : کنتُ جالسًا عند سليمان بن عبد الملك فجاء رجل يقال له أتوب ، و كان على
جسر مَنْبِج، يحمل مالاً ممّا يُؤخذ على الجسر ، فقال عمر بن عبد العزيز: هذا رجل
مُتْرَف يحمل مال سوء. فلمّا قدم عمر خلّى سبيل الناس من الجسور والمعابر .
أخبرنا محمد بن يزيد بن خُنيس المكّى قال : سمعتُ وُهيب بن الورد قال :
بلغنا أن عمر بن عبد العزيز انَّخذَ دَارًا لطعام (١) المساكين والفقراء وابن السبيل . قال
(١) كذا فى ث ، ومثله لدى ابن عساكر فى تاريخه ج ٥٤ ص ١٧٥ وهو ينقل عن ابن سعد .
وفى طبعة ليدن والطبعات اللاحقة ( اتخذ دَارَ الطعام ) .

٣٦٩
وتقدّم إلى أهله : إيّاكم أن تصيبوا من هذه الدار شيئًا من طعامها فإنّما هو للفقراء
والمساكين وابن السبيل، فجاء يومًا فإذا مولاة له معها صحفة فيها غرفة من لبن فقال
لها : ما هذا ؟ قالت : زوجتك فلانة حامل كما قد علمتَ واشتهت غرفةً من لبن ،
والمرأة إذا كانت حاملاً فاشتهت شيئًا فلم تُؤْتَ به تخوّفت على ما فى بطنها أن
يسقط ، فأخذتُ هذه الغرفة من هذه الدار. فأخذ عمر بيدها فتوجّه بها إلى زوجته
وهو عالى الصوت وهو يقول: إن لم يُمْسِك ما فى بطنها إلاّ طعامُ المساكين والفقراء
فلا أمسكه الله . فدخل على زوجته فقالت له : ما لك ؟ قال : تزعم هذه أنّه
لاَيُمْسِك ما فى بطنك إلّ طعام المساكين والفقراء ، فإن لم يُمْسكه إلاّ ذلك
فلا أمسكه الله . قالت زوجته: رُدّيه ويحك، والله لا أذوقه. قال: فردّته (١).
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس قال : حدّثنى أبى ، عن سُهيل بن أبى
صالح أنّ عمر بن عبد العزيز قال : لا يُقْتَل أحد فى سبّ أحد إلاّ فى سبّ نبىّ .
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس قال : حدّثنا مالك بن أنس ، بلغه
أنّ عمر بن عبد العزيز قال : من كان له شأن غير هذا الشأن فإنّه كان من شأنی
الذى كتب الله أن ألزم عاملًا منه بما عملتُ ومقصّرًا فيه عمّا قصّرتُ ، فما كان
من خير أتيتُه فبعون الله ودِلّيلاه وإليه أرغبُ فى بركته ، وما كان غير ذلك فأستغفر
الله لذنبى العظيم .
أخبرنا الحسن بن موسى قال : حدّثنا حمّاد بن سلمة ، عن أبى سِنان قال :
كان عمر بن عبد العزيز إذا قدم بيت المقدس نزل الدار التى أنا فيها ثمّ قال : يا أبا
سِنان لا يطبخنّ أحد من أهل الدار قدرًا حتى أخرج . وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ
بصوت له حسن حزين: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾
[ سورة الأعراف: ٥٤ ] إلى آخر الآية، ثمّ يقرأ: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم
بَأَسُنَا بَيْتًا وَهُمْ نَآَيِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [ سورة الأعراف: ٩٧، ٩٨ ]
ويتتبّع نحو هذه الآيات (٢).
أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا محمد بن أبى ◌ُبينة المهلّى قال :
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ج ٥٤ ص ١٧٥ نقلا عن ابن سعد .
(٢) ابن عساكر ج ٥٤ ص ١٩٣ نقلا عن ابن سعد .
[ ٢٤ - الطبقات الكبير جـ ٧ ]

٣٧٠
قرأتُ رسالة عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن المهلّب : سلام عليك فإنى أحمد
إليك الله الذى لا إله إلّ هو، أمّا بعد فإنّ سليمان بن عبد الملك كان عبدًا من
عباد الله قبضه الله على أحسن أحيانه وأحواله ، فرحمه الله ، واستخلفنى فبايع لی
من قِبَلك وليزيد بن عبد الملك إن كان من بعدى ، ولو كان الذى أنا فيه لاتّخاذ
أزواج واعتقاد أموال كان الله قد بلغ بى أحسن ما بلغ بأحد من خلقه ، ولكنى
أخاف حسابًا شديدًا ومسألة لطيفة إلّ ما أعان الله ، والسلام عليك ورحمة الله .
أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا عمر بن بَهْرام الصرّاف قال : قُرئ كتاب
عمر بن عبد العزيز علينا : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عمر أمير المؤمنين
إلى عدىّ بن أرطاة ومن قِبَله من المسلمين والمؤمنين ، سلام عليكم، فإنّى أحمد
إليكم الله الذى لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد فانظر أهل الذمّة فارفق بهم ، وإذا كبر الرجل
منهم وليس له مال فأنْفِئْ علیه ، فإن كان له حمیم فُز حمیمه ◌ُنفق علیه ، وقاصّه من
جراحه كما لو كان لك عبد فكبرت سِنّه لم يكن لك بدّ من أن تُنْفق عليه حتى
يموت أو يَعْتق. قال: وبلغنى أنّك تأخذ من الخمر العشور فتُبقيه فى بيت مال الله ،
فإِيّاكَ أن تُدْخِلَ بيت مال الله إلّ طيّبًا، والسلام عليكم .
أخبرنا قبيصة قال : حدّثنا سفيان ، عن الأوزاعى ، عن رجل ، عن عمر بن
عبد العزيز أنّه كتب إلى عامل له : إيّاى والمُثْلَةَ جَرّ (١) الرأسِ واللحية .
أخبرنا قبيصة بن عُقبة عن هارون البَرْبَرى ، عن عبد الرحمن الطويل قال :
كتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مِهْران : كتبتَ إلىّ يا ميمون تذكر شدّة
الحُكم والجباية ، وإنّى لم أكلّفك من ذلك ما يُعْنِتك، اجْبِ الطّبَ من الحقّ
واقضٍ بما استنار لك من الحقّ فإذا التبس عليك أمر فارفعه إلىّ ، فلو أنّ الناس إذا
ثقل عليك أمر تركوه ما قام دين ولا دُنْيا . قال : وكنتُ أنا على ديوان دمشق
ففرضوا لرجلٍ زَمِنٍ ، فقلت: الزّمِنُ ينبغى أن يُحْسَن إليه فأمّا أن يأخذ فريضة رجل
صحيح فلا . فشكونى إلى عمر بن عبد العزيز فقالوا : إنّه يتعنّتنا ويشقّ علينا
ويُعْسِرنا . قال: فكتب إلىّ : إذا أتاك كتابى هذا فلا تعنّت الناس ولا تُعسرهم
ولا تشقّ عليهم فإنّى لا أحبّ ذلك .
(١) فى ل: جَرّ.

٣٧١
أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقى قال : حدّثنا عبد الرحمن بن
حسن، عن أبيه أنّ عمر بن عبد العزيز كتب فى المعادن : إنى نظرتُ فيها
فوجدتُ نفعها خاصًّا وضرّها عامًا ، فامنع الناس العمل فيها . وكتب : فما محمى
من الأرض ألاّ يُمْنَع أحد مَواقع القَطْرِ ، فَأَبِحِ الأخْماء ثمّ أَبِخُها .
أخبرنا أحمد بن محمد قال : حدّثنا عبد الرحمن بن حسن ، عن أبيه أنّ عمر
ابن عبد العزيز كتب : أن لا تُلبَّس أمة خمارًا ولا يتشبّهن بالحرائر .
أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد قال : حدّثنا عبد الرحمن بن حسن ، عن
أيّوب بن موسى قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عُزوة عامله على اليمن : أمّا
بعد فإنّى أكتب إليك آمرك أن تردّ على المسلمين مظالمهم فتراجعنى ولا تعرف
بُعْد مسافة ما بينى وبينك ولا تعرف أحداث الموت ، حتى لو كتبتُ إليك أن ازدد
على مسلم مظلمة شاةٍ لكتبتُ ازددها عفراء أو سوداء . فانظر أن تردّ على
المسلمين مظالمهم ولا تراجعنى .
أخبرنا علىّ بن عبد الله بن جعفر قال : قال سفيان : قالوا لعبد الملك بن عمر
ابن عبد العزيز: أبوك خالَف قومه وفعل وصنع، فقال: إنّ أبى يقول: ﴿ قُلْ إِّ
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [ سورة الأنعام: ١٥ ] قال ثمّ دخل على
أبيه فأخبره فقال : فأىّ شئ قلتَ ، ألا قلتَ إنّ أبى يقول : إنى أخافُ إنْ عَصَيْتُ
رَبِى عَذابَ يَوْمٍ عَظيمٍ ؟ قال : قد فعلتُ .
أخبرنا قَبِيصَة بن عُقْبة قال : حدّثنا سفيان ، عن رجل ، عن عمر بن عبد العزيز
قال : قال له رجل : أبقاك الله، فقال : هذا قد فُرغ منه، ادُ بالصلاح .
أخبرنا قبيصة بن عُقبة قال : حدّثنا سفيان ، عن إسماعيل بن عبد الملك عن
عون عن عمر بن عبد العزيز قال: ما يسرّنى باختلاف أصحاب النبيّ، وَله ،
حُمْرُ النَّعَم .
أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال : حدّثنا سفيان ، عن جعفر بن بُوْقان أنَ عمر بن
عبد العزيز كتب فى رسالته: إنّ رسول الله، وَّه، كتب بها أمّا بعدُ.
أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال : حدّثنا سفيان قال : بلغنى أنّ عمر بن عبد العزيز
رأى امرأة له أو ابنة له نائمة مستلقية فنهاها .

٣٧٢
أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال : حدّثنا سفيان ، عن عمر بن سعيد بن أبى حسين
قال : كان مؤذّن لعمر بن عبد العزيز إذا أَذِّن رَعَد فسمع جاريةً له تقول : قد أَذِّن
الرَّاعِبِى، فبعث إليه : أَذِّنْ أذانًا سَمْحًا ولا تغتّه وإلاّ فاجْلس فى بيتك.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدّثنى أبو بكر بن عيّاش قال :
حدّثنى طلحة بن يحيّى قال: بَعَث ببغلة له ، يعنى عمر بن عبد العزيز، إلى الرِّعْى
ما قدر على علفها ، قال ثمّ باعها .
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدّثنا أبو شهاب ، عن محمد بن
النّضر قال : ذكروا اختلاف أصحاب محمد عند عمر بن عبد العزيز فقال: أمرٌ
أخرج الله أيديكم منه ما تُعْمِلون ألسنتكم فيه .
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدّثنا أبو عَوانة ، عن قتادة قال :
كان عمر بن عبد العزيز يأخذ من أهل الديوان صَدَقَةَ الفطر نصف درهم .
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن یونس قال : أخبرنا زُهیر ، عن یحیی بن سعيد بن
إسماعيل بن أبى حكيم عن عمر بن عبد العزيز قال : إنّ الله لا يعذّب العامّة بعمل
الخاصّة فإذا المعاصى ظهرتْ فقد استحلّوا العقوبة جميعًا .
أخبرنا مطرّف بن عبد الله اليسارى قال : أخبرنا عبد العزيز بن أبى حازم ، عن
أسامة قال : كان عمر بن عبد العزيز إذا صلّى الجمعة بعث الحرس وأمرهم أن
يقوموا على أبواب المسجد ولا يمرّ عليهم رجل مصفّف شعره لا يفرقه إلّ جزّوه .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا عيسى بن يونس ، عن عبد الله بن مسلم
ابن هُؤْمُز قال : حدّثتنى حميدة حاضنة عمر بن عبد العزيز أنّ عمر بن عبد العزيز
كان ينهَى بناته أن يَنَمْنَ مستلقياتٍ وقال: لا يزال الشيطان مُطِلاً على إحداكنّ إذا
كانت مستلقية يَطْمَع فيها .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا خَلَف بن خليفة ، عن أبى هاشم أنّ
عدىّ بن أرطاة كتب إلى عمر بن عبد العزيز : إنّ أهل البصرة قد أصابهم من الخير
خير حتى خشيتُ أن يبطروا . فكتب إليه عمر : إنّ الله رضى من أهل الجنّة حين
أدخلهم الجنّة أن قالوا الحمد لله ، فمُوْ مَنْ قِبتلك فليحمدوا الله .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا جرير ، عن مُغيرة قال : كان لعمر بن

٣٧٣
عبد العزيز سُمّار ينظرون فى أمور الناس ، وكان علامةُ ما بينه وبينهم إذا أراد القيام
أن يقول : إذا شئتم .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن موسى بن
عُقْبة قال : قال عمر بن عبد العزيز : لولا أن أنعش سنّةً أو أسير بحقّ ما أحببتُ أن
أعيش فُواقًا .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال :
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدىّ بن أرطاة أن ضَعْ عن الناس المائدة والنوبة
والمَكّس ، ولعمرى ما هو بالمكس ولكنّه البخس الذى قال الله: ﴿وَلَا
تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [ سورة هود: ٨٥]
فمن أدّى زكاة ماله فاقبل منه ومن لم يأتِ فالله حسيبُه .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال :
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله : إن قدرتَ أن تكون فى العدل
والإحسانِ والإصلاح كقدر من كان قبلك فى الجور والعدوان والظلم فافعل ،
ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبيه أنّ
رجلاً قال لعمر بن عبد العزيز : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فقال: عُمّ
بسلامك .
أخبرنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبيه أنّ
حيّان بن شُريح عامل عمر بن عبد العزيز على مصر كتب إليه : إنّ أهل الذمّة قد
أسرعوا فى الإسلام وكسروا الجزية . فكتب إليه عمر : أمّا بعد فإِنّ الله بعث
محمدًا داعيًا ولم يبعثه جابيًا ، فإذا أتاك كتابى هذا فإن كان أهل الذمّة أسرعوا فى
الإِسلام وكسروا الجزية فاطْوِ كتابك وأقْبِلْ .
حدّثنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا عبد العزيز بن محمد ، عن أبى سُهيل
نافع بن مالك قال: تلا عمر بن عبد العزيز: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١) مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ
بِفَتِينٌ (١) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [ سورة الصافات: ١٦١ - ١٦٣] فقال لى :
يا أبا سُهيل ما تركتْ هذه الآية للقَدَرِيّة حجّة، الرأى فيهم ما هو ؟ قال : قلت :
أن يُشْتتابوا فإن تابوا وإلاّ ضُربت أعناقهم . قال : ذاك الرأىُ ذاك الرأىُ.

٣٧٤
أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقى المكّى قال : أخبرنا عدّة من أصحابنا
سلیمان بن عمر بن عبد الله ، ومحمد بن سلیمان ، ومحمد بن دینار ، عن محمد بن
مسلم الطائفى ، عن إبراهيم بن مَيْسَرَة قال : ما رأيتُ عمر بن عبد العزيز ضرب أحدًا
فى خلافته غير رجل واحدٍ تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط .
أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد ، عن عبد الرحمن بن حسن ، عن أبيه قال :
حضرتُ عمر بن عبد العزيز وهو يختصم إليه ناسٌ من قريش فطفق بعضهم يرفد
بعضًا فقال لهم عمر : إيّاى والترافُدَ ، لو كان هذا أمرًا تقدّمتُ إليكم فيه
لأنكرتمونى . قال : ثمّ جاءه شهود يشهدون فطفق المشهود عليه يحمّج إلى
الشاهد النظر فقال عمر: يا بن سُراقة يوشك الناس أن لا يُشْهَدَ بينهم بحقّ ، إنى
لأراه يحمّج إلى الشاهد النظر ، فأتما رجلٍ آدی شاهد عدل فاضْربه ثلاثين سوطًا
وقِفْه للناس .
أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقی قال : حدّثنا عطّاف بن خالد ، عن
رجل ، عن ابن شهاب أنّه دخل على عمر بن عبد العزيز فحدّثه فأكثر فقال عمر :
ما تحدّثنا شيئًا إلاّ وقد سمعناه ، ولكنّك تذكر وتَنْسى.
أخبرنا محمد بن معاوية قال : حدّثنا داود بن خالد ، عن محمد بن قيس أنّ
عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بمصر : لا تبلغ فى العقوبة أكثر من ثلاثين
سوطًا إلاّ فى حدٍّ من حدود الله .
أخبرنا محمد بن معاوية قال : حدّثنا داود بن خالد ، عن محمد بن قيس أنّ
عمر بن عبد العزيز أمر أن لا يسخّن ماؤه الذى يتوضّأ به ويغتسل به فى مطبخ
العامّة .
أخبرنا محمد بن ربيعة الكلامی ، عن جعفر بن بُوقان قال : كتب عمر بن عبد
العزيز : من استطاع أن يخرج إلى العيد ماشيًا فليمشٍ .
أخبرنا محمد بن ربيعة ، عن طلحة بن يحتى قال : كان عمر بن عبد العزيز
لا يكبر على جنازة حتى ينفض الحنوط عنها .
أخبرنا محمد بن ربيعة ، عن إسماعيل بن رافع قال : أمّنا عمر بن عبد العزيز
فى كنيسة بعدما استُخلف .

٣٧٥
أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : حدّثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق قال :
حدّثنا أبى قال : قرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز وعنده رهط فقال رجل من
القوم: لحن ، فقال عمر : أما شغلك ما سمعتَ عن اللحن ؟
أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : حدّثنا عثمان بن عبد الحميد قال : أخبرنا
موسى بن رياح بن عُبيدة ، عن أخيه الخيار قال : كنتُ فى مجلس ، قال : فجاءنا
عمر بن عبد العزيز ، قال : وذلك قبل أن يُشْتخلف فقعد ولم يسلّم ، قال : فذكر
فقام فسلّم ثمّ قعد .
أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : حدّثنى الحارث بن عبيد قال : حدّثنا مَطَر
الورّاق عن رجاء بن خَيْوَة قال : قال عمر بن عبد العزيز لمكحول : إيّاك أن تقول
فى القَدَر ما يقول هؤلاء ، يعنى غَيْلان وأصحابه .
أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسىّ قال: حدّثنى ابن ◌َهِيعَة قال : سمعتُ
الربيع بن سَبْرة يقول : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله : أن لا تجعل قَریحًا فی
الترياق إلّ حيّة ذكيّة .
أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقى قال : حدّثنا عبد الرحمن بن حسن بن
القاسم الأزرقى ، عن أبيه ، وكان خاله الجرّاح بن عبد الله الحكمى ، أنّه كان
عند عمر بن عبد العزيز ونفر من قريش يختصمون إليه فقضى بينهم ، فقال
المقضىّ عليه : أصلحك الله ! إنّ لى بينة غائبة. فقال عمر: إنى لا أؤخّر القضاء
بعد أن رأيتُ الحقّ لصاحبه ، ولكن انطلقْ أنت فإن أتيتَنى ببيّنة وحقّ هو أحقّ من
حقّهم فأنا أوّل مَنْ رَدّ قضاءه على نفسه .
·أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد قال : حدّثنا عبد الرحمن بن حسن ، عن أبيه
أنّ عمر بن عبد العزيز كتب وهو خليفة إلى عامله على خراسان الجرّاح بن عبد الله
الحكمى يأمره أن يدعو أهل الجزية إلى الإسلام فإن أسلموا قَبِلَ إسلامهم ووضع
الجزية عنهم ، وكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين . فقال له رجل من
أشراف أهل خراسان : إنّه والله ما يدعوهم إلى الإسلام إلاّ أن توضع عنهم الجزية ،
فامتحنْهم بالختان . فقال : أنا أردّهم عن الإسلام بالختان ؟ هم لو قد أسلموا فحسن
إسلامهم كانوا إلى الطهرة أسرع . فأسلم على يده نحو من أربعة آلاف .

٣٧٦
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق العبدى ، عن سيّار قال : حدّثنا جعفر قال : حدّثنا
مالك بن دينار قال : لما استُعمل عمر بن عبد العزيز على الناس قالت رِعاء الشاء فى
رءوس الجبال : من هذا العبد الصالح الذى قام على الناس ؟ قيل لهم : وما عِلْمكم
بذاك ؟ قالوا : إنّه إذا قام على الناس خليفة عدل كفّت الذئاب عن شائنا .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن حمّاد بن زيد قال: حدّثنی موسى بن أَعْيَن
راعٍ كان لمحمد بن أبى عُيينة قال : كنّا نرعى الشاء بكِزمان فى خلافة عمر بن
عبد العزيز فكانت الشاء والذئاب والوحش ترعى فى موضع واحد ، فبينا نحن
ذات ليلة إذ عرض الذئب لشاة فقلنا ما أرى الرجل الصالح إلّ قد هلك .
قال حمّاد : فحدّثنى هو أو غيره أنّهم نظروا فوجدوه هلك فى تلك اللّيلة .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدّثنى محمد بن عيسى قال : حدّثنی
إبراهيم بن بكّار من أهل الرّقّة قال : حدّثنى يونس بن أبى شَبيب قال : رأيتُ عمر
ابن عبد العزيز يطوف بالبيت قبل أن يُسْتَخْلف وإنّ حُجْزة إزاره لغائبة فى ◌ُگنه ،
ثمّ رأيته بعدما استُخلف ولو شئتُ أن أعدّ أضلاعه من غير أن أمسّها لفعلتُ .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدثنى محمد بن عيسى قال : حدّثنی
إبراهيم بن بكّار قال : حدّثنى يونس بن أبى شَبيب قال : شهدتُ عمر بن عبد
العزيز فى بعض الأعياد ، وقال جاء أشراف الناس حتى حقّوا بالمنبر وبينهم وبين
الناس فُرْجة ، فلمّا جاء عمر صعد المنبر وسلّم عليهم ، فلمّا رأى الفُرْجة أوما إلى
الناس أن تقدّموا حتى اختلطوا بهم .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن حماد بن زيد ، عن أبى هاشم صاحب
الرّمّانِ أَنّ رجلًا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال : رأيتُ فيما يرى النائم كأنّ بنى
هاشم شكوا إلى النبىّ الحاجةً فقال لهم : فأين عمر بن عبد العزيز ؟
أخبرنا مالك بن إسماعيل قال : حدّثنا مجويرية بن أسماء قال : سمعتُ فاطمة
بنت عليّ بن أبى طالب ذكرت عمر بن عبد العزيز فأكثرت الترحّم عليه وقالت :
دخلتُ عليه وهو أمير المدينة يومئذٍ فأخرج عنى كلّ خَصىّ وحَرَسیّ حتى لم يبقَ
فى البيت غيرى وغيره ، ثمّ قال: يا بنت علىّ والله ما على ظهر الأرض أهل بيتٍ
أحبّ إلىّ منكم ولأنتم أحبّ إلىّ من أهل بيتى .

٣٧٧
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا إبراهيم بن جعفر بن محمد الأنصارى عن
أبيه قال: كانت فَدَكُ صَفيًّا لرسول الله، وَ لَ، فكانت لابن السبيل، وسألته ابنته
فَدَكَ أن يَهبَها لها فأتى رسول الله ذلك عليها فلم يطمع فيها طامع ، ثمّ توفّى
رسول الله، وَّيرِ، والأمر على ذلك ، فولى أبو بكر فسلك بها ما كان رسول الله
يفعل ، ثمّ توفّى أبو بكر وولى عمر فسلك بها ما كان رسول الله يفعل ، ثمّ كان
عثمان فمثل ذلك ، فلمّا كانت الجماعة على معاوية سنة أربعين ولّى معاوية مروان
ابن الحكم المدينة فكتب إلى معاوية يطلب إليه فَدَكَ فأعطاه إيّاها فكانت بيد
مروان يبيع ثمرها بعشرة آلاف دينار كلّ سنة ، ثمّ نُزع مروان عن المدينة وغضب
عليه معاوية فقبضها منه فكانت بيد وكيله بالمدينة ، وطلبها الوليد بن ◌ُتبة بن أبى
سفيان من معاوية فأتى معاوية أن يُعطيه ، وطلبها سعيد بن العاص فأتى معاوية أن
يعطيه ، فلمّا ولّى معاوية مروان المدينة المرّة الآخرة ردّها عليه بغير طلب من
مروان وردّ عليه غلّتها فيما مضى ، فكانت بيد مروان فأعطى عبد الملك نصفها
وأعطى عبد العزيز بن مروان نصفها ، فوهب عبد العزيز نصفها الذى كان بيده
لعمر بن عبد العزيز (١) .
: قال فلمّا توفّى عبد الملك طلب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد حقّه فوهبه له
وطلب إلى سليمان حقّه فوهبه له ، ثمّ بقى من أعيان بنى عبد الملك حتى خلصت
لعمر بن عبد العزيز .
قال جعفر : فلقد ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وما يقوم به وبعياله إلّ هى
تُغِلّ عشرة آلاف دينار فى كلّ سنة وأقلّ قليلاً وأكثر. فلمّا ولى الخلافة سأل عن
فَدَك وفحص عنها فأَخبر بما كان من أمرها فى عهد رسول الله وأبى بكر وعمر
وعثمان حتی کان معاوية . قال : فکتب عمر إلی أنی بکر بن محمد بن عمرو بن
خَزْم كتابًا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى
بكر بن محمد ، سلام عليك فإنّى أحمد إليك الله الذى لا إله إلّ هو ، أمّا بعد
فإنّى نظرتُ فى أمر فَدَك وفحصتُ عنه فإذا هو لا يصلح لى ورأيتُ أن أردّها على
(١) تاريخ دمشق ج ٥٤ ص ١٤٦

٣٧٨
ما كانت عليه فى عهد رسول الله وأبى بكر وعمر وعثمان ، وأترك ما حدث
بعدهم ، فإذا جاءك كتابى هذا فاقْبضها ووَلّها رجلًا يقوم فيها بالحقّ ، والسلام
عليك .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا قدامة بن موسی ، عن أبى بكر بن محمد بن
عمرو بن خَزْم قال : كتب إلىّ عمر بن عبد العزيز فى خلافته أن افْحصْ لى عن
الكتيبة أكانت خُمْس رسول الله، وَله، من خَيْبَر أم كانت لرسول الله خاصّة؟
قال أبو بكر : فسألتُ عَمْرة بنت عبد الرحمن فقالت : إنّ رسول الله لما
صالح بنى أبى الحقيق جزأ التّطاة والشّقّ خمسة أجزاء فكانت الكتيبة جُزْءًا منها ،
ثمّ جعل رسول الله خمس بَعَرات وأعلم فى بعرة منها لله مكتوبًا ، ثمّ قال رسول
الله : اللهمّ اجعل سهمك فى الكتيبة . فكانت أوّلَ ما خرج السهم الذى مكتوب
فيه لله على الكتيبة، فكانت الكتيبة خُمْس رسول الله، وَّر، وكانت السّهْمان
أغفالًا ليس فيها علامات ، فكانت فَوْضى للمسلمين على ثمانية عشر سهمًا .
قال أبو بكر : فكتبتُ إلى عمر بن عبد العزيز بذلك .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا محمد بن بشر بن حُميد المُزَنى ، عن أبيه
قال : دعانى عمر بن عبد العزيز فقال لى : خذ هذا المال الأربعة آلاف دينار
أو خمسة آلاف دينار فاقْدم بها على أبى بكر بن حَزْم فَقُل له فليضمّ إليه خمسة
آلاف أو ستّة آلاف حتى يكون عشرة آلاف دينار وأن تأخذ تلك الآلاف من
الكتيبة ثمّ تقسم ذلك على بنى هاشم وتسوّى بينهم الذكر والأنثى والصغير والكبير
سواء . قال : ففعل أبو بكر فغضب من ذلك زید بن حسن فقال لأبی بکر قولاً نال
فيه من عمر ، وكان فيما قال يسوّى بينى وبين الصبيان ، فقال أبو بكر : لا تبلغ
هذه المقالةُ عنك أمير المؤمنين فيُغْضِبَهُ ذلك وهو حسن الرأى فيكم . قال زيد :
فأسألك بالله ألاّ كتبت إليه تخبره بذلك . فكتب أبو بكر إلى عمر يذكر له أن زيد
ابن حسن قال مقالةً فيها غلظة وأخبره بالذى قال ، وقلت : يا أمير المؤمنين إنّ له
قرابة ورحمًا . فلم يبالِ عمر وتركه ، وكتبتْ إليه فاطمة بنت حسين تشكر له
ما صنع وتُقْسِمُ بالله : يا أمير المؤمنين لقد أخدمت من کان لا خادم له واکتسی
منهم من كان عاريًا . فسُرّ بذلك عمر .

٣٧٩
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا إسماعيل بن عبد الملك ، عن يحيى بن
أبى يَغْلى قال: لما قدم المال على أبى بكر بن حزم فقسمه أصاب كلّ إنسان
خمسين دينارًا . قال فدعتنى فاطمة بنت حسين وقالت : اكتب ، فكتبتُ : بسم
الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من فاطمة بنت حسين ، سلام
عليك فإنّى أحمد إليك الله الذى لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد فأصلح الله أمير المؤمنين
وأعانه على ما ولاه وعصم له دينه ، فإنّ أمير المؤمنين كتب إلى أبى بكر بن حزم
أن يقسم فينا مالاً من الكتيبة ويتحرّى بذلك ما كان يصنع من كان قبله من الأئمة
الراشدين المهديين ، فقد بلغنا ذلك وقسم فينا ، فوصل الله أمير المؤمنين وجزاه
من والٍ خير ما جزى أحدًا من الولاة ، فقد كانت أصابتنا جَفْوة واحتجنا إلى أن
يُعمل فينا بالحقّ ، فأقْسِم لك بالله يا أمير المؤمنين لقد اختدم من آل رسول الله ،
وَ لخير ، من كان لا خادم له واكتسى من كان عاريًا واستنفق من كان لا يجد
ما يَسْتنفق . وبعثتْ إليه رسولاً ، قال : فأخبرنى الرسول ، قال : فقدمتُ عليه فقرأ
كتابها وإنّه ليحمد الله ويشكره وأمر لى بعشرة دنانير وبعث إلى فاطمة بخمسمائة
دينار وقال : استعينى بها على ما يَعْروك . وكتب إليها بكتاب يذكر فضلها وفضل
أهل بيتها ويذكر ما أوجب الله لهم من الحقّ . قال : فقدمتُ عليها بذلك المال .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنی سعید بن محمد ، عن جعفر بن محمد
أنّ عمر بن عبد العزيز قسم بينهم سهم ذى القُرْتَى بين بنى عبد المطّلب ولم يُعْطِ
نساء بنى عبد المطّلب من غير بنى عبد المطّلب، وأعطى نساء بنى عبد
المطّلب، لم يجاوز بنى عبد المطّلب.
أخبرنا محمد بن عمر قال : فحدّثنى إسماعيل بن عبد الملك ، عن يحيى بن
شِئْل قال : جلستُ مع علىّ بن عبد الله بن عباس وأبى جعفر محمد بن علىّ
فجاءهما آتٍ فوقع بعمر بن عبد العزيز ، فنهياه وقالا : ما قُسم علينا خُمس منذ
زمن معاوية إلى اليوم ، وإنّ عمر بن عبد العزيز قسمه على بنى عبد المطّلب.
فقلت : فهل أعطى بنى المطّلب ؟ فقالا : ما جاوز به بنى عبد المطّلب .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى يزيد بن عبد الملك النوفلى ، عن أبيه
قال: لما قدم علينا مالُ الخُمْس من عند عمر بن عبد العزيز وقسم من عنده ومن

٣٨٠
الكتيبة فضّه على بنى هاشم ، الرجال والنساء ، فكتب إليه فى بنى المطّلب فكتب
إنّما هم من بنى هاشم فأُعْطوا .
قال عبد الملك بن المُغيرة : فاجتمع نفر من بنى هاشم فكتبوا كتابًا وبعثوا به
مع رسول إلى عمر بن عبد العزيز يتشكّرون له ما فعله بهم من صلة أرحامهم وأنّهم
لم يزالوا مَجْفيّين منذ كان معاوية ، فكتب عمر بن عبد العزيز : قد كان رأیی قبل
اليوم هذا ولقد كلّمت فيه الوليد بن عبد الملك وسليمان فأبيا علىّ، فلمّا وليتُ
هذا الأمر تحرّيتُ به الذى أظنّه أوفق إن شاء الله .
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا حكيم بن محمد من بنى المطّلب قال :
لما جاء كتاب عمر أن يُقْسَم على بنى هاشم أراد أبو بكر بن حزم تَنْجِيتَنَا فقالت
بنو عبد المطّلب : لا نأخذ درهمًا واحدًا حتى يأخذوا. فردّدنا أبو بكر أيّامًا ثمّ
كتب إلى عمر بن عبد العزيز ، فما غاب عنّا الكتاب إلاّ بضعًا وعشرين ليلة حتى
جاءه : إنى لعمرى ما فرّقت بينهم وما هم إلاّ من بنى عبد المطّلب فى الحلف
القديم العتيق فاجعلهم كبنى عبد المطّلب .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : حدّثنا أبو المَليح عن ابن عقيل ، يعنى عبد الله
ابن محمد بن عَقيل بن أبى طالب ، قال : أوّل مال قسمه عمر بن عبد العزيز لمالٌ
بعث به إلينا أهل البيت ، فأعطى المرأة منّا مثل ما يُعطى الرجل وأعطى الصبىّ مثل
ما تُغطى المرأة ، قال : فأصابنا أهل البيت ثلاثة آلاف دينار وكتب لنا : إنّى إن
بقيتُ لكم أعطيتُكم جميع حقوقكم .
أخبرنا علىّ بن محمد عن يحتى بن إسماعيل بن أبى المهاجر عن أبيه قال :
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدىّ بن أرطاة : بلغنى أنّ عمالك بفارس
یخرّصون (١) الثمار على أهلها ثمّ یقوّمونها بسعر دون سعر الناس الذی یتبايعون به
فيأخذونه وَرِقًا على قيمتهم التى قوّموها ، وإنّ طوائف من الأكراد يأخذون العُشْر
من الطريق ، ولو علمتُ أنّك أمرتَ بشئ من ذلك أو رضيته بعد علمك به
(١) فى النهاية: خَرَصَ النخلةَ والكَوْمَّةَ يَخْرُصُها خَرْصا: إذا حَزَرَ ما عليها من الرُّطِب تَمْرًا وَمن
العنب زبيبا ، فهو من الخَرّص : الظن، لأن الحَزْرَ إنما هو تقدير بظن .